حازم الأمين

السيمينوف التي أحضرها والدي الى منزلنا، حصل عليها من حركة فتح، وهي التنظيم الذي كان أكثر انتشاراً في أوساط عائلتنا بشبانها وكهولها. والدي لم يكن عضواً في ذلك التنظيم، لكنه لسبب ما رغب باقتناء تلك البندقية الروسية.

والسيمينوف بندقية نصف أوتوماتيكية طويلة وتتسع لعشر طلقات، وفي حال إدخال طلقة الى «بيت النار»، فإن السيمينوف تتسع، في هذه الحال، لإحدى عشرة طلقة. لكنها ومن بين البنادق التي كانت في أيدي رجال البلدة في ذلك الوقت، كانت قليلة الحيلة ومتدنية السمعة والهيبة، فهي ليست أوتوماتيكية بالكامل، وتشبه الى حدٍ ما سلاح الصيد، ولون خشبها المتقادم يوحي بأن أيدي قديمة تناقلتها.

وكنت ما إن يُغادر أهلي المنزل في زيارات عائلية قبل حلول المساء، حتى أتسلل الى غرفة نومهم وأخرج السيمينوف من الخزانة، التي ما إن أفتح بابها حتى تنبعث منها رائحة ثياب والدي فتُخلف فيّ شعوراً ما بالهيبة. وكنت أعتقد ان هذه الرائحة هي رائحة السيمينوف الصامتة والقليلة الحيلة، أو انها لطول إقامتها في الخزانة صارت كأنها ربطة عنق قديمة ما عاد والدي يلبسها بعد ان خلّف فيها رائحته، تلك التي بقيت أشمها هي نفسها في خزانته بعد أكثر من عشرين عاماً على مغادرتنا المنزل والبلدة.

وحين أخرجت السيمينوف الى الحديقة في ساعة متأخرة من عصر أحد الأيام الصيفية، كانت المرة الأولى التي أعاينها فيها تحت ضوء النهار. حملتها من وسطها في يدي اليمنى محاولاً تقليد الشبان المسلحين الذين راحوا يتكاثرون في البلدة.

لكنها سيمينوف وليست رشاشاً. ليست «كلاشنيكوف»، أو «كلاشينكوف» بحسب التسمية الشعبية، ولا هي «فال» ولا «جي 3». فحميد قريبي وصديقي في تلك الفترة حاز والده الذي كان مسؤولاً محلياً في الحزب الشيوعي على «فال»، وهو رشاش طويل، ما زلت أذكره جيداً على رغم مرور أكثر من ثلاثين سنة على معاينتي له. والمعاينة في ذلك الوقت لم تكن مشاهدة عابرة، اذ كان يُصاحبها قدر كبير من الانفعال والتخيل.

سيمينوف... لا بأس، فهي خير من لا شيء. هذا ما دأبت على مواساة نفسي به في أوقات خيبتي. وعندما أخرجتها الى الحديقة في ذلك الوقت لم تنقطع رائحة ثياب والدي المبثوثة فيها عن بعث الدفء في داخلي.

كنت كمن يحمل شيئاً من والدي. والدي الذي لم يألف هذا السلاح الكئيب يوماً، ولم يألف غيره. الأرجح أنه أحضره الى المنزل بصفته جهازاً «اجتماعياً»، آلة يعلن عبرها أنه جزء من ذلك الزمن، أي زمن أول السلاح.

السيمينوف ليست رشاشاً، فهي تشبه سلاح الصيد، ومخزن الرصاص في وسطها صغير ولا يساعد على التمثل بالفدائي، وهو بلا مقبض، وعليك أثناء الرماية فيها ان تتخذ وضعية الصياد لا وضعية المقاتل. حسن ابن عمتي الذي يكبرني بأكثر من عشر سنوات قال لي يوماً ان للسيمينوف وظيفة خاصة في الحروب. إنها سلاح القنص، فهي شديدة الدقة في إصابة الأهداف. لم يحملني هذا الكلام على القبول بذلك السلاح، اذ أنني رحت أتخيل نفسي مسدداً به في وضعية القناص، لكن لم يُرضني ذلك الدور على الإطلاق. فالقناص في حينها كان شخصية سلبية، وكانت أخباره تصلنا من مهجرين كانوا بدأوا يتقاطرون الى القرية هاربين من الحرب في بيروت. كان ذلك أول الحرب، تماماً كما كانت السيمينوف أول السلاح.

الجعبة الخضراء التي أحضرها والدي مع السيمينوف والتي تضم أربعة «أمشاط» من الرصاص، كانت بدورها قليلة الحيلة، اذ ان غيرها من جُعب الرشاشات والأسلحة فاقها جمالاً وهيبة. فهي تُربط في وسط الجسم على نحو يُشبه حزاماً عريضاً متدلياً عند أسفل البطن، فيما لونها، البالغ الخضرة، خال مما تبعثه جُعب الرشاشات من رهبة وتفكّر.

السيمينوف سلاح سخيف، أو هو سلاح الضعفاء، هذا ما كان يراودني دائماً في ذلك الوقت. ثم إنني عندما عاينتها مؤخراً، أي قبل أشهر قليلة، في منزل قريب لي في البلدة وضعها الى جانب بنادق قديمة زين بها منزله، أدركت أنني كنت على حق. إنها سلاح فاقد هيبة السلاح، وقوته وغموضه أيضاً، اذ أنها لشدة وضوحها تُشعرك بأنك تستطيع صناعة واحدة مثلها بيديك.

انها سلاح روسي، وهي من عائلة الكلاشنيكوف، لكنها الشقيقة العجوز لتلك المعجزة الروسية. إنها الشقيقة العجوز حقاً، ويمكنك ان تختبر ذلك عبر رصد ذلك الشبه السقيم بينهما. فالسيمينوف تتشكل من قطع موازية لقطع شقيقها الشاب الكلاشنيكوف، وفي حينه وصلت إلينا أسماء القطع معربة فحفظناها كما نحفظ أسماءنا، وكانت على النحو التالي: «غطاء البدن» ثم «الأقسام المتحركة» ثم «كتلة الترباس» ثم «اسطوانة الغاز». إنها القطع نفسها التي يتشكل منها كل من الكلاشنيكوف والسيمينوف، وهي إذ شاركت الكلاشنيكوف فيها، فهذا ما قرّب بينهما في خيالي، وبدد بعضاً من ذلك الاحتقار الذي كنت أكنه للبندقية العجوز التي في خزانة والدي.

لم تكن بندقية آلية، لكنها لم تكن بدائية، فهي من زمن وسيط، أي بين زمن البنادق التي تتطلب الرماية بها إعادة تذخير يدوي لتعاود تكرار الرماية وبين زمن البنادق الرشاشة التي ترمي تلقائياً. فاحتواء السيمينوف على «اسطوانة الغاز» شكل النقلة من البندقية البدائية الى البندقية نصف الأوتوماتيكية. فما ان تضغط على الزناد وتنطلق الرصاصة حتى يتولى الغاز المتولد عن احتراق البارود، الضغط على «الأقسام المتحركة» التي تلتقط بحركة آلية الطلقة الأخرى وتدفعها الى بيت النار. هكذا تصبح البندقية مذخرة بطلقة جديدة تنتظر الضغط مجدداً على الزناد.

الكلاشنيكوف يعمل وفق نفس الآلية، لكنه سلاح رشاش. لا بل ان رصاصة الكلاشنيكوف هي نفسها رصاصة السيمينوف. انهما شقيقان تماماً. الأول شاب أكثر ورشيق أكثر ووسيم أكثر، لكنه يحمل من ملامح شقيقته الكبرى الكثير الكثير، وأنا لم أتمكن من تحديد الفارق التقني الذي أتاح للرشاش الشاب التفوق على شقيقته العجوز. الطلقة نفسها وآلية العمل نفسها مع فارق كبير في الفعالية والأداء.

وهذا لم يكن عابراً في زمننا ذاك، زمن أول السلاح، اذ أتاح لنا ان نعتقد ان الرجل الذي اخترع الرشاش الأشهر في العالم لم يكن اختراعه له منقطعاً عن سياق من تطور فكرة البندقية وصولاً الى الرشاش. نحن، الأطفال في قريتنا في جنوب لبنان، رحنا نفكر في ذلك سنة 1976 أو بعدها بسنة، ورحنا أيضاً نستكشف نسخاً من الكلاشنيكوف صُنعت في دول اشتراكية أخرى. فالبلغاري منه كان أخمصه بلاستيكياً برتقالياً، والتشيكي كان لونه رمادياً، وهو أكثر هشاشة، بحسب ما قيل لنا، اذ أنه «بيحمى بسرعة»، فما ان تُنهي رماية مخزن واحد من الرصاص الذي فيه حتى تتسع سبطانته بحيث تعجز عن ضبط مسار الرصاصة المنطلقة منه، وهو ما يؤدي الى انحرافها عن الهدف الذي سدد الرامي إليه. وهو الى ذلك، غالباً ما «يُروكب»، أي ان ماكينته سريعة العطب، ما يؤدي إلى توقفه عن إطلاق الرصاص.

كانت أنواع الرشاشات التي في أيدي شبان البلدة لصيقة بصورهم المشتعلة في مخيلاتنا. من يحمل الـ«جي 3» يُشبه الـ«جي تري» ومن يحمل الكلاشنيكوف الروسي يُشبه الكلاشنيكوف الروسي، ويصح ذلك على كل البنادق. ثم ان ذلك لم يكن تقسيماً تقنياً لوجوه الفتية ولأصحابها، انما كان مرتبطاً الى حدٍ كبير بشخصية الرشاش. فالأخير كان كائناً بإمكانه ان يُضفي على صاحبه سمات لم يُحصلها الأخير من أهله ومن علمه ومن ذكائه. من يقتني الـ«جي 3» كان شاباً سميناً وقليل الهمة، انه مثلاً عباس الذي هاجر لاحقاً الى البرازيل، ولا أدري ما إذا كان هو، المولود على هذا النحو، من تسبب بطبع صورة الشاب السمين والمتثاقل والكسول، أم الرشاش الذي كان بحوزته. أما من يقتني الكلاشنيكوف الروسي فكان متقدماً على غيره في القوة والهيبة، وأيضاً في تقديرنا لنفوذه. فرابح لطالما تباهى أمامنا وعلينا برشاشي شقيقيه الكبيرين، الأول كان كلاشنيكوف روسياً والثاني بلغارياً، حتى أننا كنا نعتقد ان رشاش شقيقه الكبير رضوان كان روسياً لأن رضوان هو الكبير في العائلة، فيما رشاش حاتم الأصغر سناً كان بلغارياً لأن من وزع الرشاشات في البلدة راعى في توزيعه لها تراتب الأعمار في العائلة الواحدة.

ولطالما غمرني شعور بالالفة والوداعة جراء تنشقي رائحة الشحم الذي تُدهن به البنادق لحمايتها من الصدأ. هذه الرائحة استمرت تُخلف فيّ هذا الشعور بعد مرور سنوات طويلة، وهي الى اليوم تفعل ذلك. وهي ستكون دليلنا الى مخابئ الأسلحة التي قام شبان الأحزاب برميها في الحقول والخرائب في أثناء الاجتياح الإسرائيلي في 1978. فبعد أشهر قليلة من دخول اسرائيل الى منطقة جنوب الليطاني وهرب الأحزاب الى شماله، شرعنا نحن، فتية حي آل الأمين في البلدة، بالبحث عن الأسلحة التي تخلص منها الشبان أثناء هربهم من الدبابات الإسرائيلية. بعضهم رمى سلاحه في حقول القمح غير البعيدة عن المنازل، وآخرون في «رُجم» حجارة متجمعة بالقرب من الكروم، لكن بعضاً آخر من المسلحين، ممن كان لديهم متسع من الوقت قبل هربهم، حفروا في التراب حفراً صغيرة وخبأوا سلاحهم فيها.

في ذلك اليوم الذي دخلت فيه دبابتان اسرائيليتان البلدة ولم أكن تجاوزت الثانية عشرة من عمري، كنت جالساً على درج منزل جيراننا. صوت جنازير الدبابتين وصل الى مسامعي ناعماً ورفيعاً وخلّف فيّ مشاعر هلع لم يسبق ان اختبرتها. كان الجنود متوجهين الى منزل مختار البلدة لابلاغه ان بلدتي «شقرا» تحت سيطرتهم الآن، وما ان التقطت أنظاري مشهد الدبابتين منعطفتين الى منزل المختار حتى انهار في داخلي نظام أمان كنت توهمته في ظل السلاح الكثيف الذي بدأ يتسرب الى بلدتنا ورحت استدخله في وعيي بصفته علامة توازن داخلي.

لا أدري ماذا حل بالسيمينوف في حينه. اختفت على نحو غامض، ولم نُثر حول اختفائها أسئلة. آلاف من قطع السلاح اختفت آنذاك، واختفاء السيمينوف كان أقل إثارة من غيره. كان بإمكاننا الإبقاء عليها بصفتها سلاح صيد، أو قطعة أثرية نزين بها جداراً، أما الأسلحة الأخرى فكانت أسلحة يجب تسليمها الى المحتل الجديد، أو رميها والتخلص منها.

لم تطل بنا الاقامة في البلدة في ظل السلطة الجديدة. فوالدي لم يُطق الضيق والانقطاع الذي خلفه الاحتلال. قرر الالتحاق بأشقائه وأصدقائه في بيروت، هناك حيث بامكانه قضاء أوقات مشابهة لتلك التي كان يقضيها معهم في شقرا. أما نحن فالغبطة التي ساورتنا ما ان أقلعت التاكسي بنا، تبددت عند الحاجز الأخير للقوات الاسرائيلية في جنوب نهر الليطاني. فقد غادرنا زمناً وحياة ولم نغادر فقط منزلاً وبلدة. ومنذ تلك اللحظة بدأت أشعر بأنني أغادر طفولتي الحقيقية نحو طفولات مستجدة ومُخترعة. أغادر طفولتي المصنوعة من روائح فعلية ومن أوهام وألوان ووجوه، نحو عالم بدأت تصنعه لي الوقائع والاحداث وتقدمه لي من دون تخييري بقبوله او رفضه.

أجل كان عالم ما قبل 1978 أكثر تنوعاً وغموضاً واغواءً. وبعده انتظمت مداركي في سياق من الوضوح كانت بدأت تبلوره خبرات متشكلة من الاستغراق بالحروب الكثيرة التي راحت تتوالى.

أنا أكبر، ومعي راحت تكبر تجربة الانغماس في الحروب، فتنتظم في آليات مستجدة يتوزع الناس عبرها في صيغ محددة. المؤمنون والمتدينون شرعوا بالانتساب الى حركة أمل، واليساريون تحولوا الى مقاتلين محترفين في أحزاب اقتصرت أنواع الاسلحة التي تزودهم بها احزابهم على سلالة واحدة وحيدة، هي منظومة سلاح المجموعة في جيش الانصار، أي كلاشنيكوف -بي كا سيه -آر بي جي. قبل ذلك كانت الأسماء التي تحملها قطع السلاح المتنوعة حديقة من الكلمات الآسرة، فبالإضافة الى السيمينوف والكلاشنيكوف كان هناك العفاروف والديكتريوف، ناهيك عن الفال والـ«جي 3» والـ«أم 16» وغيرها الكثير الكثير من الأسماء التي لم تكن أسماء فقط إنما كانت أيضاً سماتٍ ووجوهاً وأشخاصاً.

في ذلك اليوم الذي عدت فيه الى بلدتي شقرا بعد أيام من المرارة أمضيتها في بيروت التي قرر والدي نقلنا اليها بسبب الاحتلال، لم يكن الإسرائيليون قد انسحبوا بعد، ولم يكن القرار الدولي الشهير الرقم 425 الذي يطلب انسحابهم، قد صدر.

أرسلني والدي الى عمتي الحاجة أديبة المقيمة وحدها في البلدة. والشوق الذي خلفه غيابي نحو 50 يوماً عن البلدة كان أقوى ما كابدته طوال حياتي، بعده لم أشتق لشيء كما اشتقت في حينه. لم يكن ذلك مجرد شعور، اذ كان له صوت ورائحة وألوان، والأرجح أنني الى اليوم مصاب بشيء منه. فقد خلّف فيّ شيئاً من ذلك النوع الذي يخلفه في الطفل جرح في قدمه، فما ان أستعيده حتى تتداعى صور ووجوه مقرونة بوقت محدد من النهار، هو تحديداً ساعة الظهيرة. إنها الصور التي استقبلتني فيها شقرا بعد ذلك الانقطاع: أن أرى الناس أنفسهم والبيوت أنفسها بعد ان حل عليهم الاحتلال.

في بيروت كانت تراودني صورهم كئيبة وحزينة، وكانت تصلنا أخبار عن منع التجول الذي يفرضه الاسرائيليون على سكان قرى جنوب الليطاني بعد الساعة الثامنة مساء، وكنت أحسد حميد ورابح وراشد وغيرهم على عيشهم في ظل منع التجول، اذ انني كنت مدركاً أي نوع من الإلفة والدعة قد يُخلّفه ذلك. ثم إنني، ومن غربة الخمسين يوماً التي كابدتها، رحت أرسل رسائل أطلب فيها بإلحاح غريب من أصدقائي موافاتي بأخبارهم وأعطيها لأبو أيمن، سائق سيارة الأجرة الذي استأنف رحلاته من شقرا الى بيروت بعد انقطاع أملته لحظات الاجتياح الأولى.

مع أبو أيمن أرسلني والدي الى شقرا في ذلك النهار، ولا أذكر شيئاً عن الرحلة، اذ كانت ذاكرتي في مكان آخر على الأرجح. كانت منجذبة الى تلك الحياة التي أنا بصدد استئنافها.

يا ألله... كم شعرت بالغبطة ساعة خروجي من السيارة متوجهاً الى منزل عمتي وفي يدي كيس من الملابس. المنازل التي كنت غادرتها لتوي قبل 50 يوماً ما زالت في مكانها، هي اليوم قليلة الحياة، لكنها غير خالية منها. ألوانها وأشجارها لم يغيرها دهر الخمسين يوماً من الغياب. منزل أبو رضوان وأم حسن ودكان خليل بليدا... أي شيء هذا الذي ربطني بهذا العالم العادي، وبهذه الحياة القليلة؟. وخلال اندفاعي نزولاً باتجاه منزل عمتي كنت أشق بصدري هواء الصيف السخن.

قاذفا الـ«آر بي جي» اللذان عثرنا عليهما في حقل القمح، كانا ملفوفين بكيس من القماش البني الذي يسميه أهل القرية «كيس جنفيص». فرحة العثور عليهما نغّصها الخوف من الاسرائيليين الذين لم يكونوا قد انسحبوا بعد من جنوب الليطاني. معاينة سريعة وخائفة لكيس الجنفيص كانت كافية، ثم لففنا القاذفين بالكيس وأعدناهما الى رجمة حجارة ترتفع في وسط حقل القمح. كانا قاذفين فاقدين للحياة. فهما أولاً بلا قذائف، وثانياً كانا جافين نشفا من الزيت أو الشحم بما يوحي بأنهما ميتان، فالسلاح الحي هو ذاك الذي تداولته الأيدي وجعلته ملبياً لأمزجة واهواء راهنة. كانا جثتين فعلاً. صحيح ان الصدأ لم يأكلهما بعد، اذ ان أشهراً قليلة مضت على رميهما في حقل القمح، وهي أشهر لم تشهد أمطاراً، لكن السلاح لا ينتظر عوامل الزمن والطقس حتى يفقد حياته، انما يحتاج لكي يعيش الى بشر يحملونه ويهتمون به، ويحتاج أيضاً الى وظيفة والى خيال. هذا سر جاذبيته، وهو أيضاً سر انعدامها في أناس لا يخاطب السلاح وجدانهم.

فقدنا أثر القاذفين بعد أيام قليلة من إعادتهما الى رجمة الحجارة، فثمة من جاء ونقلهما من مكانهما الذي أودعناهما فيه. شخص غامض قام بذلك، ليس الاسرائيليون، اذ من المرجح ان يكون ابو عبد المجيد، وهو صاحب حقل القمح، او ربما صاحبهما الذي رماهما فيه. فعلته تلك أثارت في خيالاتنا بعض الفضول وأعادت اليهما في أذهاننا بعض الحياة التي شعرنا انهما يفتقدانها.

في الايام القليلة التي فصلت بين قدومي الى البلدة وبين انسحاب الاسرائيليين منها في 1978 كان البحث عن السلاح المرمي في الحقول ضالتنا، نحن الذين رحنا نقترب من عمر حمل السلاح، وكان بحثنا في الحقول مترافقاً مع رِيب تبادلناها حيال عثور بعضنا على قطع منه من دون إخبارنا. فمنا من كان شقيقه الأكبر رمى سلاحه وهرب، واعتقدنا بأنه يعرف الطريق الى سلاح شقيقه، ومنا من كان منزله محاذياً للحقول التي رمي السلاح فيها.

بعد نحو عشر سنوات اكتشفنا ان ريبتنا حيال بعضنا البعض كانت في مكانها، فقد عثر سلمان بعد انقضاء كل هذه السنوات على مخزن كبير للسلاح في غرفة سفلية من منزل عدنان، كان والد الأخير قد نقله اليها وأقفله بحجارة، مستعملاً الاسمنت لاحكام اقفال تلك الغرفة الواطئة في أسفل المنزل.

لا أدري تماماً كيف تمكن سلمان من تحديد موقع مخبأ السلاح في منزل والد عدنان، فالغرفة في أسفل الدرج كانت محكمة الاقفال بالإسمنت، ثم ان منزل والد عدنان كان قد نسفه كوماندوس اسرائيلي تسلل الى البلدة في 1980 بعد ان زنره بالمتفجرات، وكان خالياً من سكانه في حينه. وحدها غرفة السلاح الواطئة لم تتهاو، ولسنوات تتجاوز الخمس بقي ركام المنزل مكوّماً فوق تلك الغرفة ومحكم الاقفال على ذلك السر.

كان الاسرائيليون بين الأعوام التي تلت انسحابهم في 1978 ثم معاودة احتلالهم في 1982 قد دأبوا على ارسال وحدات كوماندوس الى البلدة ونسف منازل أقارب لي فيها. أكثر من عشرة منازل تم تدميرها على هذا النحو. بعض المنازل كان يملكه مسؤولون في الأحزاب كحال والد حميد، وبعضها لم تربط أصحابه أي صلة بالأحزاب والسلاح. وسلمان كان واحداً ممن نسفت منازلهم من دون ان يكون لاهله أي صلة بالأحزاب، ولم يبق من المنزل بعد نسفه سوى «الأرضية»، أي الغرف السفلية التي يرتفع فوقها المنزل، والتي غالباً ما تتحول في قريتنا الى مكان للهو الأولاد ولأسرارهم ومخبأ لحاجيات يخفونها عن أهلهم.

وسلمان حين وصله الى بيروت خبر نسف منزل أهله، راح يقول، وكأنه يُطمئن أحداً ما: «الأرضية ما تدمرت».

أعاد أهل سلمان بناء منزلهم فوق «الأرضية». المنزل تغير كلياً، والأرجح انه فقد جزءاً من حياته، فقد صار إسمنتياً بما يفوق ما كانه قبل ان يُدمره الاسرائيليون. الغرف الجديدة اصطفت على نحو رتيب، وتقابلت بشكل هندسي متوازٍ. فالاسرائيليون، بنسفهم المنزل، ألغوا سنوات طويلة أمضاها أهل سلمان في العيش فيه. البيت الجديد كان أشبه بمدرسة رسمية تولت وزارة التربية في فصل الصيف بناءها بسرعة لتستوعب الطلاب في فصل الشتاء.

وحدها «الأرضية» بقيت على حالها، مشرعة الأبواب لمن يرغب في ان يأوي اليها من فتية العائلة والبلدة. وعندما فكر سلمان في فتح مخزن السلاح في منزل عدنان، انما فعل ذلك مدفوعاً بعالم «الأرضية» وبقيمها. انها ما كنا نشعر انها مصدر الشقاوة والزعرنة الذي اعترى عيشنا في بلدتنا شقرا في جنوب لبنان.

لـ«الأرضية» رائحة ما زالت في أنفي الى اليوم. خليط من الهواء الرطب ورماد المواقد التي أقامها الفتية العابرون اليها في فصل الشتاء. وهي اذ تحجبنا عن عيون الأهل الكثيرة، تبقينا تحت جنح ظلام ليسوا بعيدين عنه.

وحدها «الأرضية» في منزل عمي، والد سلمان، لم تتهاو جراء الانفجار الذي أحدثه الكوماندوس الاسرائيلي. يومها فُجرت ثلاثة منازل، أو ربما اثنان، ولكن الفترة بين 1978 و1982 شهدت تفجير أكثر من عشرة منازل لاقاربي في البلدة.

أقل من عشر سنوات انقضت بين إقفال والد عدنان أرضية منزله بالاسمنت مخبئاً «جبخانة» أسلحته، وبين فتح سلمان الأرضية واخراجه الاسلحة منها. لكن هذه السنوات كانت كافية لجعل الأسلحة قديمة وغير منتمية الى منظومة الأسلحة المعتمدة في زمن إخراجها من مخبئها. فمثلما هو زمننا اليوم تتسابق فيه شركات التصنيع على انتاج أجيال جديدة من الكومبيوترات والسيارات، شهد ذلك الزمن تسابقاً في تجديد الأحزاب أجيال أسلحتها.

لم يكن بين قطع السلاح المستخرجة في ذلك اليوم مسدس واحد، والأسلحة المتوسطة كانت في معظمها من نوع «غرينوف» في حين كان الـ«بي كا سيه» هو السلاح المتوسط المعتمد في ذلك الوقت. الأحجام أيضاً كانت كبيرة، فالغرينوف سلاح طويل ولم يعد اقتناؤه أمراً عملياً، في حين ان قرينه الـ«بي كا سيه» أقرب الى قطعة سلاح فردية يمكن للمقاتل حملها واطلاق النار منها على نحو ما يُطلق من الرشاش الخفيف.

أقل من عشر سنوات كانت كفيلة بتغيير المزاج حيال أجيال الأسلحة المشتهاة، لكن أسلحة سلمان حملت بدورها صور زمن انقضى. نعم انقضى كله تقريباً. كأننا في حينه قد تقدمنا بالزمن قرناً كاملاً. الاحداث التي شهدتها تلك السنوات القليلة التي فصلت بين دفن الأسلحة في مخبئها وبين استخراجها مجدداً كانت كافية لملء قرن كامل. اجتياحان اسرائيليان، وما سمي لاحقاً بـ«انتفاضة 6 شباط» وحرب الجبل وسقوط اتفاق 17 أيار، ثم الانسحاب الاسرائيلي وحرب شرقي صيدا، وفوضى مدينة بيروت وحرب المخيمات والمواجهات بين حركة أمل وحزب الله، و... كل هذه الوقائع تكثفت في السنوات التي تقل عن العشر التي أمضاها ذلك السلاح في مخبئه صامتاً ومتآكلاً ومنقضياً.

ليس الحنين الى ذلك الزمن هو ما راود سلمان عندما وقف في مقابل تلك الاسلحة بعد ان نقلها الى أرضية منزله. الصور التي راحت تتوالى في ذهنه عنها لم تكن حنيناً، بل كانت شيئاً أقرب الى الحيرة، تماماً كما يصيبنا اليوم حين نعاين كومبيوتراً قديماً كنا نستعمله. الحيرة بالاحجام والوظائف والانفعالات التي رافقت أولئك الذين اقتنوا هذه الاسلحة وقاتلوا بها. ليست حنيناً لأن من الصعب على سلمان ان يتخيل نفسه واحداً منهم، وحاملاً البندقية التي حملوها، في حين يُفترض ان يكون الحنين مشحوناً برغبة في معاودة العيش في ذلك الزمن، وفي صوره وأشيائه... وسلاحه.

أنا ايضا لم يراودني يوماً حنين الى سيمينوف والدي.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬