توراج داريائي

3-19-Touraj Dariai

«قل لي ماذا تأكل، أقل لك من أنت» [1]

بريا- سافاران

للمجتمعات المختلفة قوانين وأنظمة وقيود غذائية متباينة في خصوص استهلاك الطعام. تعكس القوانين والانظمة تلك سلسلة من القيم التي تختلف عادة بين حضارة وأخرى. الأنظمة والقواعد والقوانين تتغير ببطء[2]، حتى لو جرى تبني سلسلة جديدة من القوانين الدينية كما هي الحالة في الحضارة الإيرانية في حقبة القرون الوسطى.

لقد استقت الحضارة الإيرانية قبل الفتح الإسلامي قوانينها الغذائية أساسا من الدين الزرادشتي. ولا يلقي القانون الزرادشتي بالاً كبيراً الى القيمة الغذائية للطعام المخصص للاستهلاك، بل هو يقسمه إلى ما ينتمي الى عالم الخير (أقنوم أوهرمازد) وإلى ما ينتمي الى عالم الخصم (أقنوم آهرمان). لذا، فمن يأكلون الطعام المنتج في العالم الثاني، يلَوَّثون به، فيصيرون ملوثين وأنجاسا. ويُنظر الى المجتمعات غير الملتزمة بالقوانين الزرادشتية هذه على أنها غريبة وتُحظر مشاركتها الطعام التي يمنعها التقليد الزرداشتي ويعتبرها نجسة.

واهتمت النصوص الزرداشتية التي وضعت باللغة الفارسية الوسيطة في القرن التاسع اهتماما كبيرا بمسائل الطهارة والاتصال مع المسلمين واليهود والمسيحيين. فعلى سبيل المثال، ترد في «روايات ايميد أي أسواهيستان» تساؤلات عما إذا كان في وسع الزرادشتي زيارة حمام المسلم[3]، وفي «رواية اتورفارنباغ وفارنباغ سورش» سؤال حول شراء الزرادشتي اللحم من جزار يهودي او مسلم[4].

وعلى غرار نظام الغذاء اليهودي (الكاشروت)، سعى التقليد الزرادشتي الى الحفاظ على انفصال الجماعة من خلال إعداد الطعام واستهلاكه. وفي واقع الأمر، كان يُعتقد أن الطعام رمز قوي للهوية ومحبوك بالحقائق الايديولوجية[5].

وتتفحص الدراسة هذا النمط الفارسي الزرادشتي في التماهي والتميز أثناء حقبة القرون الوسطى. وسيوفر ذلك، بدوره، رؤية لطريقة من الطرق التي كان الإيرانيون الزرداشتيون يفصلون بها أنفسهم عن الآخرين من خلال انظمة الغذاء ومقارناتها.

وفي بعض الحالات، نجد أن الطعام يستخدم كوسيلة في تحديد الهوية. ولدينا المثال الشهير التالي في العلاقات بين منظومتي الغذاء العربية والفارسية في القرن السابع. فعندما فتح النبي محمد مكة، سئل عن «جبنة مجوسية» وما إذا كانت طعاما مقبولا. وجاء جوابه ليظهر أن العرب كانوا متساهلين للغاية حيال الاطعمة التي ينتجها «الآخرون». ويقال إنه أجاب «خذوا سكينا وسمّوا [اذكروا اسم الله] وكلوا»[6]. ما كان للقبول الهين هذا أن يتكرر عند الزرادشتيين الإيرانيين. ويحاول هذا النص وصف وشرح استخدام الطعام كنهج في تحديد الهوية خصوصا من الإيرانيين في مقابل العرب.

والمطلعون على الملاحم الأدبية الفارسية، خصوصاً الشاهنامةكتاب الملوك») للفيروزي والتي ألفها في القرن الحادي عشر، يعلمون أنها تحتوي على تاريخ إيران القديم من الماضي الأسطوري وصولا الى الفتح العربي المسلم في القرن السابع. ويتضمن النص موسوعة حقيقية عن العادات الفارسية القديمة واللياقات في الحياة الاجتماعية. وقد تليت الشاهنامة لاحقاً في القرون الوسطى أمام الجمهور من قبل «الشاهنامة خان» (أو «قرّاء الشاهنامة») ليس للمتعة فقط بل أيضا لتعلم عادات الأسلاف. واستمر التقليد هذا حتى الحقبة الحديثة حيث اعتبرت مصدرا للترفيه في المقاهي والمطاعم.

بداية الملحمة الفارسية العظيمة، وخصوصاً نهايتها، معروفتان، وقد درست الملحمة وانتشرت على مستوى العامة. وتتناول النهاية، كما أشير، نهاية الامبراطورية الساسانية على أيدي المسلمين. وقبل المعركة الكبرى بين الإيرانيين وبين العرب المسلمين في القادسية في القرن السابع، يرد في الملحمة أن رسالة كتبها القائد الفارسي رستم فروخزادان إلى سعد بن أبي وقاص الذي يحاول اجتياح إيران. وجاء في نهاية الرسالة قول للقائد الفارسي يتلى اليوم وقد بات معروفا غيبا من كثيرين من القوميين الإيرانيين، وهو محوريّ في الدراسة هذه، ويقول:

«مستعينين بوجبة قوامها الحليب والضب
جاء العرب من البعيد طامعين في بلاد فارس،
عار على هذا العالم المتقلب»

ويظهر ظهورا جليا الآن ان الجزء هذا من الملحمة قد أقحم من النسّاخ لاحقا في القرون الوسطى، وأنه لم يرد في السجل الملكي الساساني «خواداي ناماغ» ولا لدى مؤلف الملحمة، الفردوسي. واللغو المعادي للعرب ذاته موجود في أجزاء أخرى من الشاهنامة ساد الاعتقاد حتى وقت قريب ان الفردوسي من كتبها، حيث يتهم العرب بأكل الأفاعي والأضب. وقد بيّن الخطيبي أن العبارات تلك قد أُدخلت على النص من النسّاخ. ولعله ليس مهماً ما إذا كان الفردوسي ألف تلك الأبيات، بل الأهم أنها كانت في الحقبة الاسلامية المبكرة تدل على العادات الغذائية العربية وعلى نظيرتها الفارسية. وفي واقع الأمر، لم يفوّت كتّاب القرون الوسطى المتأخرون فرصة لإظهار الغذاء العربي البدوي كنقيض للغذاء الفارسي. ونجد في «تاريخ البلعمي» ايضا طرحا لمسألة الغذاء العربي كدليل على الانحطاط، لكنه كلام يوضع هذه المرة على لسان الملك الساساني يزدجرد الثالث (632-651). ويقال ان القائد العربي سعد بن ابي وقاص وجه رسالة حملها أحد عشر رجلا من قادته الى الملك الفارسي طالبا منه اعتناق الاسلام أو القتال حتى الموت. وقد ردّ يزدجرد على التهديد على النحو الآتي:

«قال يزدجرد: أولئك الذين رأيتهم في العالم، من بين الاتراك والديلم والسلاف والهنود وأهل السند وكل الأشخاص الذين يحيون في العالم، لا يوجد شعب أذل منكم، لأنكم تأكلون الفئران والثعابين بسبب حرمانكم، وثيابكم من وبر الجمل...»[7].

وبعد أربعة قرون، كتب الرحالة الفارسي الشهير ناصر خسرو عن أسفاره من الطائف إلى مكة مقدماً لنا سردا شخصيا بشأن النظام الغذائي العربي:

«عندما كان مرافقونا (من العرب) يرون ضباً، كانوا يقتلونه وكان كل العرب يحلبون الجمال. لم أكن لأستطيع أكل الضب ولا شرب حليب الجمل»[8].

ويمكن العثور، في واقع الأمر، في مصادر فارسية أخرى، على التنافر الدائم بين النظامين الغذائيين الفارسي والعربي، سواء كإشارة إلى إشكالية العلاقة أو كتقرير عن ظروف حياة الشعبين. ويأتي تصريح أسدي طوسي في سياق تقريري عن أن النظام الغذائي الفارسي يتألف من الدجاج ولحم الخراف واليخنة في حين يتألف نظام العرب الغذائي من الأفاعي والجراد والفئران والضب[9].

ووردت اشارات الى غذاء العرب البدو عند شعراء وكتاب القرون الوسطى الفرس، واستخدمت لاحقا في الحقبة القاجارية كجزء من الحملة الدعائية القومية ضد العرب وظلت مستخدمة لفترة طويلة في القرن العشرين. وجعل الباحثون والمتأدبون في العهدين القاجاري والبهلوي من «العرب» و«آكلي الجراد» كلمتين مترادفتين وحفروا ذلك في أذهان الشعب[10]، ووضعوا أمثالا من نوع «يأكل عرب الصحراء الجراد بينما تشرب كلاب أصفهان مياها باردة كالثلج»[11].

ويحمل المقطع المذكور في أول النص من الشاهنامة دلالة مختلفة بالنظر الى اساليب تحديد الهوية استنادا الى الغذاء، بما يسمح للفرس أن ينأوا بأنفسهم اجتماعيا عن العرب. لذا، يسعى القائد رستم في رسالته الى تحقير العرب المسلمين بذكر أن غذاءهم الهزيل يعلن عدم أهليتهم للقيام بأي محاولة لانتزاع التاج الفارسي. وعلى مستوى آخر، ربما يشير هذا التصريح الى معرفة مبكرة بغذاء العرب البدو وبالممارسات الغذائية في شبه الجزيرة العربية، ربما بسبب خدمة العرب في الجيش الفارسي اثناء العهد الساساني أواخر حقبة الانتيك. ورغم ذلك، يبدو أن المقطع هذا قد أدخل لاحقا الى متن نص شاهنامة الفردوسي باعتباره «دهقاناً» (نبيل صاحب أراض) متمسكاً بالعادات الإيرانية[12].

وتوجد، بطبيعة الحال، تنويعات في الأنظمة الغذائية بين العرب البدو تبعا لمكان معيشتهم. فوجبات ساكن المدينة العربي الراقي تألفت من مزيج من الأغذية العربية والرومانية والفارسية وأغذية سكان ما بين النهرين. والأفقر ممن عاش في بيئة الصحراء الأقسى أكل مما أمكنه العثور عليه[13]. هي أغذية هؤلاء الناس التي وصفها رستم واعتبرها غذاء العرب عموما.

ومن المهم ملاحظة أن أقوال رستم عن رؤية الفرس لاستهلاك حليب الجمل والضب، علامة على ثقافة وحضارة منحطتين. لقد تحول النظام الغذائي، هنا، أداة لتمييز حضارة لنفسها عن حضارة أخرى، وباللجوء الى إهانة مشابهة، تُظهر تفوقها على الحضارة الأخرى. وعلينا أن نتذكر أنه نادرا ما أشار قادة الجيوش وأمراؤها الى الممارسات الغذائية لاعدائهم كوسيلة للحط من قدرهم قبل المعركة. وغني عن البيان أن العرب ألحقوا بالفرس هزيمة قاسية في معركة القادسية التي قتل فيها رستم. لكن المطبخ الفارسي ظل مكونا مؤثرا ومميّزا في تقاليد الطعام في العالم الاسلامي في حقبة القرون الوسطى.

إن مضمون الشاهنامة التي وصلتنا من القرن الحادي عشر، يعود الى آخر حقبة الأنتيك (القرن السادس الميلادي) ويعتمد على المدونة الملكية الساسانية «خفاداي –ناماغ» (Xwaday-namag) («كتاب الملوك»)[14]. والمشكلة أن علينا الفصل بين المادة التي تعود الى آخر حقبة الأنتيك وبين تلك التي تعود إلى القرون الوسطى (الإسلامي –ما بعد الساساني)، وللقيام بذلك علينا الحصول على تأكيد من مصادر أخرى. والبرهان الأكبر والمقارنة يكمنان في مجموعة النصوص الدينية الزرادشتية التي تخبرنا عن السبب وراء النظرة السلبية الى العرب من خلال الممارسات الغذائية.

لذا، علينا النظر الى النظامين الغذائيين ومكوناتهما التي ناقشتها رسالة القائد رستم.

في الشكل، يمكن اعتبار الضب حيوانا كريه الطعم لا يلائم إلا اولئك الذين يجولون في الصحراء. لكنْ يتعين علينا النظر أعمق من ذلك لنعثر على معنى هذا التشديد الذي قام به المؤلف الفارسي. وقبل ذلك، ينبغي ان ننظر الى نص زرادشتي آخر يعرف الأنظمة الغذائية الهندية والعربية والبربرية، ما يمنح فهما لآراء الفرس حيال جيرانهم.

يتألف كتاب «جماسب –ناماغ» (Jamasp-namag) (كتاب ناماغ) من حوار بين الملك ويشتاسب، الراعي للنبي زرادشت، وبين مستشاره جماسب الذي كان موهوبا في التعرف الى المستقبل[15]. وفي الفصل السابع يسأل ويشتاسب جماسب عن عادات الهنود والصينيين والعرب والبربر، حيث أشير في حالتين الى النظام الغذائي لاثنين من هذه الشعوب. وفي الآتي شذرة من جواب جماسب (VII):

«قال له الفلكي جماسب: الهند بلد عظيم. انه بارد وحار، رطب وجاف. فيه أخشاب وأشجار لأن فيه صحراء شاسعة. وليس لديهم أي طموح لأنهم يعيشون على الرز وحليب البقر الذي يتغذى بالحبوب. عاداتهم وتقاليدهم راقية جدا»[16].

وقد يعتقد المرء أن النظرة الايجابية هذه الى الهنود كشعب راق تعود جزئيا على الأقل الى نظامهم الغذائي. والسؤال البديهي التالي هنا: ما الذي يجعل الغذاء الهندي جيدا؟ قبل المجازفة بتقديم تخمين حول الجزء الجيد من الغذاء الهندي علينا ان نرى كيف وضع الحكماء الهندي في مقابل العرب والبربر في هذا النص. ويقدم جماسب لائحة أطول بطعام العرب:

«أقطار شبه الجزيرة العربية وبلاد البربر حارة وجافة. طعامهم [العرب] هو الفاكهة والماء والديدان والنمور والمخلوقات المؤذية والفئران والافاعي والقطط والثعالب والضباع وغيرها من الحيوانات المشابهة»[17].

ومن خلال مقارنة هذين المقطعين نجد ان الهنود الحكماء يستهلكون الرز والحليب فيما يأمل العرب والبربر بمجموعة من أطعمة شديدة الاختلاف مثل الفاكهة والديدان والنمور والفئران والأفاعي والقطط والثعالب والضباع. ولفهم سبب وسم الهنود بـ«الحكمة» (الإيجابية) في حين أن العرب يظهرون في صورة سلبية، علينا ان ننظر الى قوانين الغذاء الزرادشتية.

فالديانة الزرداشتية تصف البشر والحيوانات في فئتين كبيرتين: المنتمين الى أوهرمازد والمنتمين الى أهرمان. أوهرمازد هو الخالق الصالح الذي تأتي منه كل الأشياء الطيبة والذي لا يستطيع، بفضل طبيعته، خلق الشر. في المقابل، أهرمان هو الروح الشريرة والذي لا يستطيع بطبيعته ايضا القيام بأي شيء غير تشويه وتدمير ما يخلقه أوهرمازد.

لذا، فمجموعة الحيوانات التي تنتمي الى مخلوقات أوهرمازد حيوانات مفيدة، وتلك التي تنتمي الى مجموعة أهرمن عكس ذلك[18]. ومن لائحة الحيوانات التابعة لأوهرمازد ، وضعت لائحة مفصلة في النصوص الزرادشتية بما يمكن أكله وأخرى موازية للمخلوقات التابعة لأهرمن مما لا يمكن أكله. وفي لائحة أهرمان، الكائنات السامة «كسرفستار»( Xrafstar) هي التالية: عدد من صنوف «الكيرم» (الديدان) و«الكاربوناغ» (الضب) و«المور» (النمل) و«الماغاس» (الهوام) و«مايغ» (الجراد)، و«الباكشاغ» (الناموس)، و«الكايك» (البراغيث) و«الباراغيغ» (الكائنات المجنحة) و«الوزاي» (الضفدع)[19].

وبحسب القانون الزرادشتي فإن أكل الحيوانات الزاحفة كالديدان والافاعي، ممنوع، مثله مثل أكل النمور والفئران والقطط والثعالب والضباع. وتوافق اللائحة هذه موافقة لصيقة ما قدمه جماسب من تعداد لنظامي العرب والبربر الغذائيين.

ويمكننا أن نرى أن كل الحيوانات التي يأكلها العرب والبربر والمذكورة في «كتاب جماسب» تنتمي إلى الاقنوم الأهرماني، لذا فإن أكلها محظور. وهذا هو السياق الذي يأتي فيه استهلاك العرب للكسرفستار. ووفقا لنص زرادشتي آخر «بوندهشن» (Bundahisn)، لوث أهرمان الارض بخلقه كائنات مشوهة هي «الكسرافستار»: اي العقارب والافاعي والضفادع والجراد والفئران. وتشمل اللائحة هذه عددا من الحيوانات التي تشكل جزءا من وجبات العرب الغذائية. واذا قبلنا فكرة اتباع المدرسة التدوينية «Annalistes» القائلة ان الغذاء الذي يتناوله الانسان يتماهى معه ويصبح جزءا منه[20]، أمكننا ان نرى بذلك أن العرب بتناولهم «الكراسفستار» لم يعودوا طاهرين، لأنهم ملأوا أنفسهم بالحيوانات الضارة.[21]

ووفقا للتقليد الزرادشتي، يعتبر قتل «الكسرافستار» عملا طيبا ويحمل الكهنة الزرادشتيون أحيانا عُصيّاً تسمى «كسرافستارزان» (ضارب الكسرافستار) تستخدم لهذه الغاية. وذكر هيرودوت أن المجوس (الكهنة الزرادشتيين) يبتهجون بقتل مخلوقات من «النمل والافاعي وبعض الكائنات الطائرة والزاحفة»[22]. فلا عجب ان تعتبر الشاهنامة والنصوص التي سبقتها العرب أعداء، بما ان نظامهم الغذائي سيئ. وإلى جانب الحقائق السياسية، وبما ان الغزوات العربية للاقليم الإيراني اعتبرت «وقحة»، يمكن في سياق الرؤية الإيرانية للعرب ذكر مثل مشهور: «أنت ما تأكل».

ويتعين أن نلاحظ أيضا أن أكثرية الحيوانات التي قدمت على انها مخلوقات ضارة ترتبط بالمنظومة البدوية/الرعوية. ونرى هنا تجاورا بين النظام الغذائي البدوي (عربي) وبين نظام حضري (إيراني). وإذا نحّينا محظورات النظام الغذائي جانبا، لن يقدم فارسي على تناول هذه «الكسرافستار» بما انها ليست متوفرة في المدن حيث تُفضل وجبات الخبز واللحم والبهار والنبيذ[23]. العناصر الثلاثة هذه تشير الى تطور نسبي حيث يدل الجهد المبذول في اعداد كل من المأكولات والمشروبات تلك إلى ارتباط بالمعاش المديني.

وخلافا للعرب وللبربر، يعكس الهنود الذين يأكلون الرز وليس المخلوقات الضارة، نمط حياة حضرياً/زراعياً ايجابياً. وأبعد من ذلك، فإن شرب الحليب يعتبر ممارسة نافعة في التقليد الزرادشتي. ويشار إلى ذلك بوضوح في النص الفارسي الوسيط «دادستان أي مينوغ اي كسراد» (تعاليم روح الحكمة)، حيث يرد أن: «من بين الأغذية التي يأكلها الناس، فإن حليب الخراف هو الأفضل خلقا»[24]. وعلينا ألا ننسى ان كلمة «غوسباند» التي تشير في الفارسية الوسيطة الى الخروف، تعني حقيقة «المفيد» أو البقرة «المقدسة». وهناك في النص ذاته ملاحظة عن فوائد شرب الحليب:

«الذين يشربون الحليب أصح واقوى ويولد ابناؤهم بأخطار أقل [من الذين لا يشربون الحليب][25]». ونوع الحليب مهم كذلك. فحليب الغنم والبقر مفيد، في حين أن حليب الجمل دليل على الحقارة[26].

ويجوز للمرء ان يستنتج أن الإيرانيين رأوا في العادات الغذائية التي لا يتفقون معها علامة على وضاعة الحضارات الاخرى او سبباً للوضاعة تلك. وإذا وافقنا على وجود الصلات بين العادات الغذائية للشعوب وبين رؤيتها الى العالم، سنرى أن الإيرانيين في الحقبة الوسطى[27]، وحتى بعد اعتناقهم الاسلام، كانوا يرون في الغذاء عاملا من العوامل التي جعلتهم متفوقين على العرب قبل الفتح العربي.

والنظام الغذائي العربي، بحسب ما يصفه رستم أي فروخزاد، عكس كل ما هو مرفوض في التقليد الزرداشتي الفارسي. وافساد قوانين الغذاء الزرادشتية وتناول الأطعمة غير المتمدنة جعلا العرب أدنى من أن يستحقوا تحقيق تطلعاتهم في فتح الامبراطورية الساسانية.

بداهة، هذه هي وجهة النظر الفارسية. اما العرب فقد اعتقدوا انهم مفوضون من الله لنشر دينهم الجديد، وكمجموعة من المقاتلين الجسورين كانوا قادرين، على ظهور جمالهم التي يشربون حليبها، أن يقضوا على الامبراطورية الساسانية.

ويمكننا ان نختتم ورقتنا هذه بنقاش الصدام الآخر بين الإيرانيين والعرب في القرن التاسع الذي كان على صلة بالعادات الغذائية الإيرانية والحركة الشعوبية. ففي الحقبة الاسلامية المبكرة، عُرِّبَ العديد من الاعمال المكتوبة باللغة الفارسية الوسيطة، ما منح المسلمين مدخلا الى فائض كتب الحكمة والممارسات العملية. وتوجد في المصادر العربية اشارات قليلة الى «بيت الحكمة» اي المكتبة بحسب ما يقول حمزة الاصفهاني[28] والتي يمكن ان تعادل «هاندرز- كساناغ». واثناء الحقبة العباسية، أشير الى هذه المكتبة كمكان عرّب العاملون فيه أعمالا من اللغة الفارسية الوسيطة. وأثناء حكم المأمون كان مدير المكتبة هذه فارسياً يدعى سهل بن هارون الذي عرف عنه اطلاعه على الفارسية الوسيطة، والذي كان أحد شخصيات الحركة الشعوبية[29].

لقد كانت الحركة الشعوبية في صلب الصراع بين المثقفين الإيرانيين والعرب والكتّاب الذين تحدوا بعضهم البعض مستخدمين الذرائع وعلم الانساب والاعراق المتفوقة. وجعل الزرداشتيون من استخدامهم للكتاب الموسوم «ايفين ناماغ» الذي ترجم الى «كتاب السلوك» أداةً في خدمة قضيتهم. وتتصل الكتب هذه بكل ما له حكم ينبغي اتباعه او سلوك يتعين اتباعه.

والمثال الافضل على التعامل مع الغذاء قدمه الشاعر الفارسي بشار بن برد (توفي 783) الذي قال:[30]

ولاَ حــدا قطُّ أبِي

خَلْفَ بعِيرٍ جَرِب

ولاَ أتــى حنْظلةً

يثقبها من سغب

ولاَ تقصَّعْتُ ولاَ أكلتُ

ضبَّ الحزب

وحتى في العالم الكوسموبوليتي لبغداد، كان الطعام أسلوبا في التمييز بين الإيرانيين والعرب. وفيما جرى تبني السلوك والطعام الفارسيين من الخلفاء، لم يسمح الفرس للعرب ان ينسوا عاداتهم الغذائية القديمة. وفي معنى ما، لا يزال النظام الغذائي يحمل، بعد اربعة عشر قرناً، مغزى معنويا في الشرق الادنى حيث يدعي الجميع أن طعامهم هو الافضل ويرون ان طعام الآخرين هو الأسوأ.

(نقله إلى العربيّة حسام عيتاني).

[1] أشكر مايكل ستاوبرغ ويوهان س. د. فيفاينا على قراءة النص هذا وعلى اضافة تعليقات قيمة عليه.

[2] راجع
M. Aymard, “Toward the History of Nutrition: Some Methodological
Remarks
,” Food and Drink in History, Selections from the Annales Economies, Société, Civilisations, vol. 5, eds. R. Forster et. al., The Johns Hopkins University Press, Baltimore and London, 1979, p. 2.

[3]Rivayat-i Hemit-i Aswahistan: A Study in Zoroastrian Law,
translated by N. Safa-Isfehani, Harvard Iranian Series, 1980, question 19,
pp. 141-148.

[4]The Pahlavi Rivayat of Aturfarnbag and Farnbag-Sros,
translated by B.T. Anklesaria, Bombay, 1969, Question 25, pp. 137-138.

[5]K.C. Twiss, “We are what we Eat,” The Archaeology of Food and Identity, Southern Illinois University Carbondale, 2007, p. 2.

[6] الحديث مأخوذ من «السنن» للبيهقي

[7]Tarikh-name-ye Tabari, ed. M. Roshan, vol. 3, 1380, p. 445.
(الترجمة الفارسية لـ تاريخ الرسل والملوك للطبري)

[8]Safar-name-ye Naser-e Khosro, ed. M. Dabir-Siyaghi,
Tehran, 2536/1356, p. 143.

[9]For all these references see Khatibi, op. cit., pp. 104-105.

[10]J.B. Saad, The Image of Arabs in Modern Persian Literature,
The University Press of America, Inc., New York, 1996, p. 6.

[11] لدينا شواهد عن اطباق عربية متواضعة مثل التمر واللبن (ghathima), راجع
Ch. Perrys’ forward to L. Zaouali, Medieval Cusine of the Islamic World: A concise History with 174 Recipes, University of California Press, Berkeley, Los Angeles, London, 2007, p. x.

[12] في شأن الشكوك في رواية المعركة بين رستم وسعد على نحو ما وردت في الشاهنامة راجع Dj. Khaleghi-Motlagh, “The Struggle between Rostam, the Son of Farrokzad, and Sa‘d, the Son of Vaqqas (Epic and History),”
Name-ye Iran-e Bastan, The International Journal of Ancient Iranian Studies, vol. 7, 2004, pp. 3-8.

[13]B. Rosenberger, “Arab Cuisine and Its Contribution to European Cultures,” in Food, A Culinary History from Antiquity to the Present, Columbia University Press, New York, 1999, p. 209.

[14] عن هذا الكتاب راجع
A.Sh. Shahbazi, “On the Xvaday-namag,”
Iranica Varia: Papers in Honor o f Professor Ehasan Yarshater
,
Acta Iranica 30, Leiden, 1990, pp. 208-229.

[15] تُكتسب معرفة المستقبل في العالم الإيراني من عدة طرق تعود إلى الحقبة الإيرانية –الهندية، راجع د. فلاتيري وم. شوارتز وهاوما وهارملاين في شأن الأصل النباتي للـ«سوما» المهلوس المقدس الإيراني –الهندي وأثره في الدين واللغات والفلكلور في الشرق الأوسط
D. Flattery and M. Schwartz, Haoma and Harmaline, the botanical identity of the Indo-Iranian sacred hallucinogen “soma” and its legacy in religion, languages and Middle Eastern folklore University of California Press, Berkeley, Los Angeles, 1985.
وأحد المشروبات المشابهة هو «مانغ أي ويشاسب» أو «قنب ويشاسب» الذي يحتوي على الحشيش والنبيذ. راجع أيضا
Arda Wiraz Namag, The Iranian “Divina Commedia,” Translated by F. Vahman, Curzon Press, London and Malmo, 1986, p. 193.

[16] وحده نص «بازند» يتضمن الفقرة هذه، فيما تخلو النصوص الفارسية والفارسية الوسيطة من الفصل المذكور. راجع:
J.J. Modi, Jamaspi, Pahlavi, Pazend and Persian Texts with Gujarati Transliteration of the Pahlavi Jamaspi, English and Gujarati Translations with Notes of the Pahlavi Jamaspi, Gujarati Translation of the Persian Jamaspi, and English Translation of the Pazend Jamaspi,
Bombay, 1903, Pazand text, p. 76, translation p. 120.

[17] Ibid., p. 76, translation p. 120.

[18]H.-P. Schmidt, “Ancient Iranian Animal Classification,” Studien zur Indologie und Iranistik, vols. 5/6, 1980, p. 209.
أنظر أيضا
M. Moazami, “
Donya-ye Heyvanat dar Iran-e Bastan,” Iran Nameh, 1378, pp. 253-260.

[19] Ibid., pp. 228-229; Ph. Gignoux, “Dietary Laws in Pre-Islamic and Post-Sasanian Iran,” Jerusalem Studies in Arabic and Islam, vol. 17, 1994, p. 23.

[20] J. Soler, “The Semiotics of Food in the Bible,” Food and Drink in
History,
Selections from the Annales Economies, Société, Civilisations,
vol. 5, eds. R. Forster et. al., The Johns Hopkins University Press,
Baltimore and London, , 1979, p. 126.

[21] من المثير للاهتمام ان الشرير في ملحمة ، الضحاك، والذي يعتبر شخصية عربية، في اللحظة التي يقترب البطل الفارسي فريدون من ضربه بهراوته المدببة، ينهى الملاك فريدون عن فعل ذلك. وتقول النصوص الزرادشتية انه بقتل الضحاك ستزحف الكائنات الضارة وللخروج من جسده وستلوث الأرض. وبسبب ذلك، قُيد الضحاك ربطاً بجبل دمافند الى حين التجديد. راجع
T. Daryaee, “Kave the Black-Smith: An Indo-Iranian Fashioner?,Studien zur Indologie und Iranistik, Vol. 22, 1999(2001), pp. 9-21.

[22]Herodotus, I.140, translated by G. Rawlinson, ed. M. Komroff,
Tudor Publishing Company, New York, 1944, p. 54.

[23] بالاستناد إلى الدليل من اوراق البردى التي تعود الى الاحتلال الفارسي لمصر بين 619 و629 ميلادية، نجد أن «نان» (الخبز) و«غوست» (اللحم) و«ماي» (النبيذ) هي المأكولات التي جرت الإشارة اليها اكثر من غيرها من قبل الفرس.

[24] راجع
Dadestan i Menog i Xrad, edited and translated by A. Tafazzoli, Tehran, 1364, Chap. 15, p. 31; E.W. West, The Book of the Mainyo-i-Khard or the Spirit of Wisdom, The Pazand and Sanskrit Texts, as Arranged in the Fifteenth Century by Neriosengh Dhaval, APA-Oriental Press, Amsterdam, 1871, (reprint 1979) Chapter XVI, p. 149.

[25] راجع
Dadestan i Menog i Xrad, Chpt. 15, p. 31; Chpt. 16, p. 149.

[26] الجمل حيوان مفيد، لكن يبدو أن شرب حليبه رمز للعيش البدوي

[27] Soler, op. cit., p. 126.

[28] راجع
D. Gutas, Greek Thought, Arabic Culture, The Graeco-Arabic Movement in Baghdad and Early ‘Abbasid Society (2nd-4th/8th-10th centuries), Routledge, New York, 1998, p. 54.

[29] R. Allen, An Introduction to Arabic Literature, Cambridge University Press, 2000, p. 37.

[30] Ch. Perry’s forward to L. Zaouali, Medieval Cuisine of the Islamic World: A Concise history with 174 Recipes,
University of California Press, 2007, ix.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬