وليد خازندار

أُلغيتْ مواعيدُهم، ويذهبون في الوقتِ

يتناوبون الصمتَ كأنَّهُ من لوازمِ الحضور.

مكشوفةٌ تمتماتُهم، لا رجعةَ فيها

ليست عن الوَحشةِ

قِلَّةِ الأرضِ، أو كثرةِ الحواجزِ

بل عن المواسمِ التي لا ترجعُ في كلامِها.

لا يُصَدِّقون نوءاً

ما من طيرٍ بينهم على هجرةٍ

أرضٌ مُسَوَّاةٌ، فضاءٌ مُرَوَّعٌ

لا يُطْرِقون، لا يُؤخذُ من يقينهم

إلاّ إذا استبدَّتْ بهم الأغاني.

أغلبُ معانيهم في الغرام

في مقامِ الرملِ، في قالبِ موجةٍ تنكسر.

الصمتُ يستأنفهم في المقاطِع التي يتوقَّفون عندها.

ما عادوا يكتبون أسماءهم رباعيَّةً

أرقامَ بيوتهم

أسماءَ الشوارعِ والحوانيتِ القريبةِ ـ

لن يستدلَّ أحدٌ في هذا الركام.

دون رسائلَ، دون ديباجاتٍ طويلةٍ

سيحملون المعنى بأنفسهم، بملابسِ الرملِ

ويذهبون فيهِ إلى أن يكتمل.

مكتوبةٌ مواعيدُهم مع كُلِّ ما يتأخرُ

منعطفون إلى كُلِّ ما هو مغلقٌ.

تشغلهم خيوطٌ كثيرةٌ، صافنون كأنهم مغازلُ

الأفقُ حائطُ ظهورِهم

يتركون علامةً

كومةَ رملٍ أو موجةً، في تراجعهم

في الخطواتِ التي يرونَها أخيرةً.

مُضْمَرون في مصائرِهم، كأنهم وحدهم من له مصير.

إصغاؤهم إلى قلبِ السكونِ

إلى القادمِ لا يَزال يأتي، كأنه قادمٌ إليهم وحدهم

حريقٌ يريدُ أنْ يطفئَ نفسَهُ بحريقٍ

بِكُلِّ ما يتحرَّكُ، ما يُثمِرُ، ما يلدُ مع مواليدهِ.

تنفتحُ لهم في الدويِّ أبوابٌ ساطعةٌ.

من أسرفَ منهم في شراعٍ أو معولٍ

صارَ في الصمتِ الكبير.

لا يرونهُ لكنَّه لا بُدَّ أمامهم يُمَلِّحُ الغياب.

يذرّون توابلَ قويَّةً على كلامهِ

يعثرون على معنىً لحياتهِ كان محجوباً بها

تصبحُ متروكاتُهُ غريبةً، موجودةً وزائلةً معاً

بِلمْسِها يمكن لمسُ الأزل

يعودُ إليها، يعرفون، ولا يشي بهِ أحدٌ.

دون خِبرةٍ، ملاّحو مسالكَ أرضٍ وبحر.

فضاؤهم أليفٌ، على تَجَهُّمِهِ

من كثرةِ النظرِ إلى الأعالي.

يؤمنون بأنَّ نافذةً تنفتحُ لهم في السماءِ

عندما يكونُ القدرُ صافياً

منها يمكن أنْ يرسلوا مطالبَ

أنْ يهجسوا بوجوهِ أطفالِهم ـ

أفي السماءِ متسعٌ لملائكةٍ لا تعرفُ شيئاً

لم تكد تمشي على الأرضِ

لا شراعَ في سرِّها ولا معولٌ

لا إبحارَ، لا وصولَ ولا مقاصدُ.

ينكسرُ الكلامُ في خواطرهم عندما يتذكَّرون

ليس يمكنُ كشفُ حجابٍ هو أثقلُ الأغطيةِ عليهم

ليس غيرُ البحرِ، يأتيهم عابرو مصائر

يأخذون صوتَهم إلى الصدى

ليس غيرُ يابسةٍ، يشقُّون فيها حياةً كتيمةً.

لا رادَّ لهم ولا أمَلُ

يتداعون في معنىً واحدٍ كأنَّهم معصيةٌ

يبحثون في الماءِ، دونَ حيلةٍ، عن منابتِ العصفِ

يَشُقّون مساربَ الرملِ

يعيشون، هكذا، إنْ عاشوا، دونَ حواجزَ

يموتون بكامل أوصالهم

لا يمدُّ اللصوصُ أيديهم عليها، ينسبونها إلى أنفسهم.

معاولهم مثلُ أشرعتِهم، آخِرُ ما يتوهُ وآخِرُ ما يصل.

لا يَضِلّون إلاّ وترُدُّهم أخيلةٌ

يصادفونها، كأنها همو من بعيد.

لا أحدَ من قريبٍ يشبهُهم إلاّ والسواحلُ في عينيهِ

والرملُ تحتَ أظفارهِ، في شُبْهَةٍ.

لَهُمْ هُنا أصصٌ مزروعةٌ، كأنْ لا تَزال أبوابُ.

ماءٌ قطرةٌ، إلى الفجرِ، قطرةٌ في منامهم

كُلُّهُ سِحْرٌ، يستيقظونَ دونه ـ

ليس فجراً هذا

فضاءٌ فاغرٌ، مديةٌ مسنونةٌ على عتمٍ.

لكنْ تبَقَّتْ لديهم شموعٌ لمن يتأخَّرُ

لمن لا يعودُ، لعابري مصائرَ مثلَهم.

شموعٌ لينقسمَ الرغيفُ، ويكفي.

شموعٌ لأولادِهم

ليقرأوا تاريخَ الحضارةِ وينجحون.

تُمْكِنُ رؤيتُهم على شاشاتِ خيامِهم

أخيلةٌ تتقاطعُ قربَ المصارعِ.

يصمتون عن المنازلِ

آنيةٌ، جدرانُ صورٍ وآياتٍ، بُسُطٌ مشغولةٌ

عفوُ الزمانِ وحنكةُ اليومِ الذي ظلَّ يتبعُ يوماً إليهم.

نَزِقون، دون قصدٍ، مجروحون من وضوحهم.

الأرضُ ما تحت سمائِهم، السماءُ ما فوق أرضِهم

فكيف يتوهون.

قَلَقُ العشيَّةِ مِنْ حَذَرِ الصباحِ

أسماءُ الليلِ أسماءُ النهارِ في كنيةٍ، كيفَ يتوهون

مصائرهم سيّانُ في الرملِ أو في الماء

يصلُ من يصلُ، ينتهي من ينتهي، ما من أحدٍ يتوه.

مراكبُهم خفيفةٌ بأشرعةٍ يقولونها في سِرِّهِم

الإبحارُ في كلامِهم من جنسِ المسافةِ

سفرٌ دونَ أمتعةٍ

موصولةٌ حكاياتُ الرملِ، في خيالهم، بأسرارِ الماء.

تَمُرُّ حقولٌ ناشفةٌ في خواطرهم

سؤالهم عن الأفقِ

لماذا ليسَ معبراً بينَ السماءِ والأرض.

يغالبون الموجَ

مثلما يغالبونَ الصخرَ، على جذورهِ

يأخذهم أو يردُّهم فيغالبون من جديد.

مقاصدُ مِنْ جنسِ الوصولِ

معدنُ الرملِ في رونقِ الماء.

وِجْهَةٌ في ضربةِ المجذافِ حين تضيقُ الجهاتُ بهم

في ضربةِ المعولِِ حين تنغلقُ عليهم ـ

وِجْهةٌ مجازٌ مُرْسَلٌ إلى ما يقصدون.

يُخَلِّصون جهاتهم من صيحاتِ غرقاهم

وانفتاحِ اللجةِ على آخرِ عيونهم.

يستردّون صيغةً لهم غرقتْ

مُطَرَّزاتِ شمسٍ ونجمٍ وطائرٍ مقطوبةً في شِدَّةٍ

مشغولاتِ سنانيرَ خَرْجَ الصباحِ، خَرْجَ المساء

مفاتيحَ مشغولةً بصبرٍ دارتْ كأنها خواطرُ في أقفالها

يمدُّ لصوصُ البحرِ خطافاتهم إليها وينسبونها إلى أنفُسهم.

يستردّون شهاداتٍ مُغَلَّفَةً بالشمعِ، مختومةً ـ

أوصافُ بيوتهم، الغُرَفُ، منافعُها

الحديقةُ والأرضُ المحيطةُ

حقوقُ الارتفاقِ والتصرفِ

الخروجُ يداً مع الفجرِ في يدٍ، ليسَ خلسةً

العودةُ تحت البدرِ دون تَلَفُّتٍ

ركضُ القلوبِ في شغفٍ إلى الأبوابِ

تصنيفُ الدقاتِ عليها بأنواعِ المحبَّةِ

الاطمئنانُ إلى الوسائدِ

النومُ وسطَ الحلمِ، ليسَ على أطرافِهِ.

يستردّون محاضرَ شَغَفٍ

تفاصيلُ ما هَمَسَ البرقُ إلى العاصفةِ

قرب بيوتهم، فَجُنَّ جنونُها

ما اعترفتْ بهِ حبيباتُ اللقاحِ للبراعمِ فانتفضتْ

تأويلاتُ صمتِ الحقولِ عن هذا كُلِّهِ

تعلو بهِ الأنساغُ في شجرٍ صافنٍ.

تفسيرُ ما يوسوسُ الحفيفُ إلى الملاحَقينَ

في اقترابهم من الكمائنِ.

قوائمُ، غيبٌ كُلُّها

ما يريدُ الليلُ من قمرٍ ليصبحَ ساحراً

ما يلزمُ الضوءَ من ظلالٍ ليمكنَ أسْرُہُ

ما تخبئُ الشمسُ، سِراً، في البذورِ، دريئةً

فلا تذهبُ أعمالُهم من أيامِهم إلاّ بخيانةٍ.

يضربون في الرملِ إذ تَفسدُ الراياتُ

إذ لا يرفرفُ ملحٌ

جذرُ الأفقِ هُنا، أقربُ إلى السماءِ من المكتوبِ عليهم

على نيَّةِ الحياةِ

الهواءُ المشكورُ، دليلُهم، قد لا يجيء.

معاولهم مكتومةٌ، هُنا

أيُّ نبأةٍ، أيُّ نبوةٍ في الخيالِ، قد تودي بِهِم

لو صادفوا جذعَ صخرةٍ

لكلَّفهم يومين من المجازات.

قد يتدفَّقُ الماءُ المقطوعُ، هُنا، فيكونُ الماءَ الأخير.

يحفرون بأوجاعِ من يحفرُ في نفْسهِ

يعثرونَ على صيغةٍ منهم

ما هذهِ الأرضُ إلاّ سماء

وتكونُ برقتْ في مخاوفِهم عندما يتوقَّفون.

ساكنون في بذرةِ العصفِ، على أدراجِ الرياحِ المدفونةِ

على شفيرِ مصائرهم

كاملُ الترابِ هُنا والفضاءُ الأخير.

البحرُ من فوقهم، يسمعونهُ في العشيةِ

تُمْكنُ آنها رؤيةُ الطفلِ المحروقِ

في أرضهِ، دونَ منازعٍ

يحفرون، عندما تعتمُ أكثرَ، أنفاقاً أكثرَ سعةً

يُحْضِرون حلوىً شديدةَ العزاء.

رجاؤهم على شفرةِ الأفق، إذَنْ

أو في جذرهِ.

جارحون على أسيجةٍ من الجانبينِ

يستوي البحرُ وراءهم، تسترُ الأرضُ معابرهم

فلا تبين آثارُهم إلاّ بوشايةٍ.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬