فادي طفيلي

في آخر الثلج ثمّة بقايا أمسٍ

ثمّة آثار عصفورٍ وروح كرديّ صغير.

الجبال صامتة الآن بعد اشتعالها بشرارات السحب

وقد حلّ ربيع حيوانيّ قارض

جاثم في الوحل.

***

صامتة لا تجيب على أسئلة الهواء المكهرب

ولا تحدّث أحداً.

تجثو الجبالُ ككتلٍ خرساء.

تغفو في سكينةٍ ارتسمت فوقها كمثل كبش عملاق من بخار،

أو كفأر بحريّ بحجم كوكبٍ تكوّن في دهور متلاحقة.

السماء حافلة بالسهول وكثبان الهواء والمراعي الطائرة.

وعلى الأرض مساكن حشرات تحجّرت

وغدت منافذ إلى عوالم لا ضوء فيها.

في تلك

اللحظة

فقط

أحسّ

المطر

أنّ

ساعته

قد

حانت

من

جديد.

***

تطلق السفن زفراتها تنهّدات عند الحوض الذي ابتلع ركام مساحة كاملة مع كلّ نوافذها وأثاثاتها.

الجرّافات تهدر في الحفر الموغلة في أحشاء المكان حيث ينزلون كي يقلبوا معاني الجبال التي هزموها. الجرّافات تهدر خلف الصور الافتراضيّة للعمائر،

فيهتزّ المستقبل حيث هو، قبل أن يصل. ثمّ تطلع من الحفر مكعّبات عالية يسمّونها شواهد قبور للجبال التي تناثرت أرواحها مزقاً فوق سطوح الأبنيّة.

***

لم تَنبت الأشجار بعد على الجزيرة الموعودة التي تتراءى الآن كمثل ورمٍ خبيث انبثق من خدّ الساحل المتطاول في البحر.

كانت الأورام تسافر في الطبيعة وتمدّ جذورها في خبايا الأرض.

كانت الجبال أوراماً متسلسلة تضيع في الغابات وفي عروق الأنهار والآبار الدفينة.

***

كان الجبل مرضاً قديماً يتضاعف في المساحة التي اختارها الأقدمون بلاداً لخوفهم. وقد بلغ الجبلَ فالقٌ عظيمٌ شقَّ جبينه إلى نصفين تباعدا كصخرتين وحيدتين قبالة الشاطئ. وجاء بعد ذلك من استأصل ما تبقّى منه وسوّاه تحت حشدٍ لا نهائيّ من المكعّبات الجديدة وآليات النقل والهوائيات وسحب البثّ المتموّجة.

***

روائح السفن المحمّلة بالمواشي تهبّ فوق المباني إعصاراً من ذكريات الريف. روائح بلا خوار وثُغاء حملان أو صرخات رعاة.

وحدها زَفَرات السفن تصل كتنهّدات تخترق الجدران وواجهات الزجاج المضاعفة السماكة وهياكل السيارات العابرة في عروق المدينة المريضة

وعلى جسورها.

زفرات تولد من فراغات سماويّة تبثُّ سرّ الخلق في الأمداء.

زفرات تجسّدت في عضلات الرياضيين الذين اندفعوا قدماً في كلّ الاتجاهات على الرصيف البحريّ. أمّا السبّاحون فقد فسّروها عبادة لإله غريب يطلع من الأعماق أحياناً بهيئة سلحفاة بحريّة مُعمّرة. وراحوا بطقوسهم يقفزون في الماء عن صخور التخوم العالية ويغطسون بلا حساب للخطر. وهناك على الشبابيك المعدنيّة، المنصوبةِ فواصل بين الرصيف والبحر، علّقوا ثياب غريقهم الأوّل الذي زرعوه في قعر الماء شجرة تثمرُ غرقاً في مواسم متلاحقة.

***

وهُم فسّروا المدينة أيضاً دلفيناً هائلاً انفجر وتناثرت أحشاؤه في الأمكنة حولهم. وذهبوا بين الأحشاء بمزيد من المشي وتمرين العضلات، قائلين إن هناك معنًى ما سيطلع من كلّ ذلك.

القدمان على الإسفلت والعنق يتطاول كي ينطح برأسه غيمة الربيع الهانئة.

لن تذهب نقاط العرق هدراً في عروق الرصيف الموصولة بحفر العمائر الموعودة. يدٌ نافرة العروق والبصمات تداعب شعر المدينة المعدنيّ المتيبّس في الشمس فوقهم. إنّها يدُ احتشادهم الغريبة وقد تحطّمت عضلات ساعدها التي كانت جبالاً وغدت فلوات مسوّاة بالأرض. إنّها اليدُ التي تحيطهم بجدران متشقّقة، تضجّ فيها أغنيات الطائر الحجري الذي دفن داخل عروقها، وتطلع من شقوق الخرسانة المعشوشبة فيها زقزقة ٌ دفينة تبلغ السطوح كصرخة مخنوقة في وادٍ سحيق بين جبلين.

***

على الطرقات يتحلّل ثقل المادّة في الأجساد التي يطاردها الزمن.

أبواق السيارات تغدو نغمات ميكانيكيّة يصدرها سرب محشور بين خطوط الأوتوستراد والمباني المُطبقة عليه. الهاربون يبلغون الأرصفة كي يتطهّروا بطقوس الركض أو بمجّ السجائر ومراقبة الزوال المتكرّر في غروب كلّ يوم.

تعجز الإشارات الضوئيّة عن ضبط الأجسام العابرة.

تتحطّم أوركسترا المرتفعات ويضجّ جاز الطرق الفوضويّة عاتياً كلهيب الصيف.

الغيتارات الكهربائيّة خرافة متأخّرة، تُصَعِّدُ عواءها بجنون مثاليّ كي ننسى كلّ شيء.

عوووووووووواااااااااااااااااااااااااااءءءءءءءءءءءء لا نهائي

ممتدٌّ من حشود التوراة القديمة

حتّى آخر شتات الأزمنة.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬