صالح بشير

ليس ما يهدد الذات والكيان والهوية كالآخر المثيل، كالآخر غير الناجز الغيْريّة، أو الملتبس الغيرية، أو ذلك الذي لا تكون غيريته تحصيل حاصل، بديهية من تلقائها، بل يجب ابتعاثها وبناؤها، لبنةً أولى في بناء الذات أصلا، إذ أنها أساس وجود هذه الأخيرة أو شرطه الشارط. كل خلق إنما هو فعل تمييز أو تمايز، يصح ذلك على كل شيء، وعلى إيجاد الذات واجتراحها في المقام الأول. فالتماثل، إذ يطمس الحدود، أيا كانت طبيعتها، ويفسّخها، إنما يجعل خطر الاندثار والفناء محدقا وشيكا. التماثل سديم، والمغايرة كون (كوسموس): ذاك اختلاط فَتَلاشٍ وتحلّلٌ، وهذا تمييز، فتحديدٌ للأشياء وتكوين لها.[1]

الآخر إذاً هاجس مقيم، أصلي، لدى كل كائن إنساني، يلابس مختلف أوجه كينونته تلك، في أبعادها النفسية والاجتماعية والحضارية ونحوها. مشكلة كل «أنا» هي الآخر، ولكن ليس الآخر بإطلاق، ليس الآخر المطلق، بل ذلك الذي يشاطرها جوهرا ما، أي ينازعها جوهرا ما، لا بعض سمات خارجية أو نافلة. الآخر الناجز الغيرية، محسوم أمره، فهو إلى الحياد أو إلى اللامبالاة أدعى، أو أن العداء حياله، في حال نشوبه، قابل للعقلنة، محدودةٌ ومعيّنة مجالاته، أما الآخر النسبي، ذلك الملتبس في اختلافه والمُلابس في تماثله، فهو التحدي والإشكال، وهو التهديد، الماثل دوما، بفقدان الذات وفنائها في المثيل وفي الشبيه. لذلك يكون التمايز عنه جهدا دؤوبا وفعلا دراماتيكيا، أي فعلَ تأسيس وفعل وجود.

قد يتعين إذاً صرف النظر، أو على الأقل الاعتصام بقدر من النسبية المتشككة والمرتابة، حيال أفكار كثيرة ترسخت وشاعت، في صدد الأنا والآخر، حتى احتلّت مصاف البديهيات الكبرى وقامت مقامها، يرددها كلام «إنسانوي» قد يكون سخيّا من حيث السجيّة والسريرة ولكنه ساذج من حيث استقراؤه للأمور، يذهب إلى أن الآخر إنما يُصَدُّ وإنما يُخيف لفرط غيريته ولإمعانه فيها بعيدا، أي لأنه الآخر المجهول، وأن إرساء التسامح هو الإكسير لرأب كل صدع ولإحلال طوبى الأخوّة الإنسانية الشاملة. فإذا الكلام ذاك يسوّغ، كما سنرى، من حيث يدري أو لا يدري، ما يسعى إلى تفنيده.

والحال أن التمعن في الظاهرة تلك يفيد بغير ذلك وبعكسه، بأن الآخر المُشكِل، إنما هو الآخر القريب الداني، إنما هو الآخر «الشريك» لا المنقطع، وذلك المعلوم لا المجهول. فالآخر المُعطى، البيّن الغيرية، لا يكاد يستثير (إلا الفضول!)، لأن الذات منه في مأمن، بمعنى أنه يحمل برهان اختلافه عنها في يده، وبمعنى أن تمايزه عنها جليّ، ساطع، مفروغ منه، في حين أن الآخر الداني أو المُلابس، يسائل الذات في صميمها، ويواجهها بتحدي الهوية على أبلغ نحو وأخطره. فكلنا، وإن بدرجات شتى، نرسيس الأسطورة الإغريقية، ذلك الذي تهدده صورته المطابِقة بالفناء، وكلنا هارب من صورته المطابقة تلك، جاهد في نكرانها. يجب أن يؤخذ كلام العنصريين وكارهي الأغراب بأنواعهم، في كل الأزمنة والأمصار، على محمل الجدّ، فهو بذيء وضيع أخلاقيا، لا جدال في ذلك (أقله في نظرنا وفي نظر من يرون رأينا)، ولكنه بليغ الدلالة كدلالة الأعراض على الأمراض، وذلك في أمر أساسي: أن العنصريين أولئك، إذ ينطقون باسم ذات تستشعر تهديدا، حقيقة أم هلوسةً، لا يصبّون جام حقدهم إلا على الآخر القريب، ذلك الشريك في ما هو جوهري وأساسي، أي ذلك الذي لا يمكنه أن يكون آخر، وأن يكتسب صفة الغيرية، إلا بفعل إرادي، وإلا إن اصطُنع اصطناعا. فالآخر ليس آخر إلا بوصفه بعض ذات ولأنه «ناطق» بتشابه مبهم أو معلوم. وإذا كانت الهوية لا تستقيم إلا ضد الآخر، فهي لا تقوم إلا به أيضاً. شرطان ضروريان بالتساوي، لا ينفي أحدهما الثاني بل يتطلّبه. معاداة السامية، كما عهدناها في صيغتها الكلاسيكية الغربية، إن تلك الدينية كما سطرها «لاهوت» الكنيسة الكاثوليكية ودان بها طيلة قرون، وإن تلك «العرقية» كما تجلت، على أفظع نحو، في النازية، تمثّل في هذا الصدد مثالا نموذجيا. ففي الحالتين، كان اليهود (ولا يزالون؟) الآخر الحميم بامتياز، التباسا وملابسة، في ثقافة تصف نفسها بأنها «يهودية-مسيحية»، أقله في وجهها الروحي وفي القيم التي تحسبها آية فرادتها بين الثقافات، ولكنها انفقت كامل تاريخها المديد، إلا خمسين سنة أو ما يزيد على ذلك بقليل، تضطهد اليهود... وبديهي أن «لكن» الاستدراكية هذه قد لا تكون في موضعها، فبين تلك الحميمية وذلك الاضطهاد وشيجة تلازم لا تنافر.

إذ لم يقيّض ربما لديانة أن اصطفَت من يمثل آخر«ها» بامتياز كما فعلت المسيحية حيال اليهودية، إذ منحت غيرية هذه الأخيرة، بذلك المعنى الذي سبقت الإشارة إليه أي الذي لا يكتسب دراميّته إلا من نسبيّته، صفةَ التأسيس. قد لا توجد ديانة بلغت في دحض ديانة أخرى كما في تبنّيها وفي تضمّنها في الآن نفسه، فاشتُقّت منها وضدها، شأوا كذلك الذي بلغته المسيحية في علاقتها باليهودية (والمسيحيون في علاقتهم باليهود، فعلا تاريخيا مسترسلا). فأخذت الأولى من الثانية تاريخها، تعاليمها، وكتابها المقدّس الذي أضحى لديها «العهد القديم»، تستكلمه الأناجيل ولا تُلغيه، ونبذتْها. ولكن النبذ ذاك لم يكن فعل انصرام وانقطاع استوفته لحظة تاريخية معيّنة وعُدّ من منجزاتها، بل إنه اضطرد عبر التاريخ معاصِرا أبداً.

الإسلام جبّ ما قبله من أديان (وإن لم يُقلع عن مساجلتها) وجعل الأمر ذاك فعلا منصرما منقضيا، أما المسيحية فما انفكت، طوال تاريخها، عن إجراء عملية الجبّ تلك، تستحضرها، أي تدرجها في حاضر لا يزول، وتعيشها سرمداً، في علاقتها باليهودية. المسيحية ما انكفت، في كل لحظة من تاريخها، تجبّ اليهودية. مهمّة لا يستنفدُها زمنٌ، أقله ما لم تستتب العلمانية التنويرية (استتبابا كان موقتا على ما يرى البعض، وربما ولجْنا طور أفوله). فجريمة قتل السيد المسيح، إذ استهدفت الله في شخص ابنه، ليست فقط جريمة لا ينالها الغفران، بل هي كذلك مطلقة مسترسلة في كل آن، وكذلك ما تستوجبه من قصاص. وذلك ما يفسر بطبيعة الحال استثنائية الاضطهاد الذي لحق باليهود في العالم الغربي، الكاثوليكي منه على نحو خاص. إذ تتأسس المسيحية، أو لبها الإيماني ممثلا في فكرة الفداء، على تلك الجريمة. واليهود كانوا أداة ذلك الفداء ومقترفيه. وهم بذلك ضرورة بالنسبة إلى المسيحية، لا تقوم إلا بهم كما لا تقوم إلا ضدهم، على ما هي الوظيفة الباراديغمية للآخر، ذلك الحميم الذي يكاد يكون مثيلا، في تأسيس الذات. وبهذا المعنى، ربما أمكننا المجازفة بالقول إن «المحرقة» إنما كانت وجها من أوجه إلحاد النازية، أو أحد أكثر تلك الأوجه جذرية، لأن النازيين، إذ سعوا إلى إبادة اليهود والقضاء عليهم قضاء مبرما، ربما هددوا بنسف المسيحية ذاتها، أو على الأقل بمواجهتها بتحدٍّ من قبيل وجودي، من خلال حرمانها من «آخرها» الذي به تتميز، والذي يمثل حضوره هدفا مقيما للتأثيم وللقصاص، شريكا-مضادا في الوجود. فعيسى ابن مريم، في نظر المسيحيين، هو كلمة الله وقد تفعّلت في التاريخ البشري، أي في استمراريته، في لحظة يجب أن تبقى راهنة دوما، بكل حيثياتها. هذا فضلا عن كون الذات أو الهوية، وإن تأسست على ماض، فإن من شروط هذا الأخير في مثل هذه الحالة، على ما سنحاول تبيانه لاحقا، أن يكون ماضيا لا يمضي.

بطبيعة الحال، لم تكن اليهودية «الآخر» الوحيد الذي كان على المسيحية أن تكابده «شريكاً-ضداً»، أي آخر يتوقف على وجوده اشتقاق الذات، قبولا انتقائيا وتبرؤا انتقائيا، في مسار واحد وحيد، بالغ الحدّة في وجهيه ذينك، بل كان لها، طوال تاريخها المديد أغيار آخرون، اضطلعوا بتلك الوظيفة، وفق الجدلية إياها، وكان لهم دورهم في بلورة أصعدة مختلفة من هوية الغرب ومما يعتبره سماته الفارقة والملازمة.

الإسلام كان، ولا يزال، بلا منازع أحد أولئك الأغيار، ولكن غيريته، وهي أساسية، حضارية في المقام الأول، وهو ما سنعود إلى الخوض فيه، على خلاف اليهودية التي لم تُقم يوما حضارةً، بل تأسست حصرا كعقيدة، وكانت غيريتها العقيدية تلك، المستندة أيضا إلى أسبقيتها التاريخية، هي العنصر الحاسم في علاقتها بالمسيحية.

ذلك أن الذات (الثقافية والحضارية)، وهي بطبيعة الحال غير وحيدة البعد، لا تساوي بين أغيارها الكثر، تزامنا أم تعاقبا تاريخيا، بل ترتّبهم أصنافا وتسند إلى كل منهم وظيفة، في عملية بالغة التعقيد والتشعب وغير منتهية. إذ ليس الآخر هو من يرشّح نفسه، بالضرورة، لمنزلة «الغيرية» تلك، بل أن الذات المُقابلة هي التي تصطفيه غالبا، لحاجة فيها أو لهشاشة تستشعرها وتروم تلافيها وردمها. وفي هذا الصدد أيضا، تمثل علاقة المسيحية باليهودية حالة «مدرسية»، إذ يقدم تاريخ نشوء المسيحية، أو صيغته المؤسطرة (وهي الوحيدة المتداولة على أية حال)، لحظة فارقة في كيفية تعيين الآخر و«اصطفائه» وفي التمييز بين الأغيار وفق الجدوى المنشودة منهم في عملية بناء الذات.

هنالك واقعة «أساسية»، أي ذات صبغة تأسيسية، في الشأن الذي يعنينا هنا من ذلك «التاريخ»، هي المتمثلة بإقدام المسيحية على التمييز بين مسؤولية معنوية في قتل السيد المسيح، نسبتْها إلى اليهود، وأخرى مادية، نسبتها إلى المحتل الروماني، مع ترجيح الأولى ترجيحا يكاد يبلغ مبلغ الاقتصار عليها. هذ التمييز تكثفه «صورة» بالغة الدرامية (والمسيحية أكفأ الديانات السماوية في استخدام الصّور، الذهنية والمادية وربما كان ذلك بعض أفضل ما ورثته عن العالم الوثني القديم وثقافته)، هي صورة الوالي الروماني بيلاطس البنطي، وهو يغسل يديه، على رؤوس الملأ، من دم السيد المسيح. والفعل ذاك «برّأ» الوالي من قتل السيد المسيح، فجُرِّم الحاضّ على تلك الجريمة (المؤسسة اليهودية)، لا مرتكبها التنفيذي (السلطة الرومانية)، أقله وفق منطق تلك «المحكمة» البالغة الخصوصية، محكمة اصطفاء الآخر الذي تُجترح الهوية منه وبالضدّ منه. وكان ثمن ذلك التحايل على ما قد يكون مجريات التاريخ وعلى ما قد يكون منطق ميزان القوة ووقائعه، فإذا ممثل الإمبراطورية، المخوّل إصدار حكم الإعدام (على الطريقة الرومانية، أي صلبا) وإنفاذه بواسطة رجاله، مجرد أداة يتوسلها قادة طائفة صغيرة وهامشية، في إقليم من أقاليم الإمبراطورية ناءٍ قصيّ!

ونحن لسنا هنا، بطبيعة الحال، بصدد «تبرئة» اليهود من قتل يسوع، فذلك أمر لا يعنينا البتّة وهو ليس من مشاغلنا، بل إن كل ما يهمنا هو محاولة النفاذ، من خلال هذا المثال، إلى كيفية اشتغال آلية إنتاج «الآخر». ذلك أن «تبرئة» السلطة الرومانية تكتسب في هذا المجال أهمية بالغة الدلالة، إذ هي رديف «تبرئتها» من صفة «الغيرية»: فتلك السلطة، ليست هي «الآخر» الذي يعني المسيحية في ابتناء هويتها كعقيدة. لو تعلق الأمر باجتراح هوية سياسية مثلا، لاضطلعت تلك السلطة بوظيفة «الآخر» عن جدارة، لأن الذات «الوطنية» كانت ستُستخلص منها، وإن جزئيا، في هذه الحالة. ذلك أن المسيحية، حسب الأولوية التي أناطتها بنفسها، أي طلب الوجود كعقيدة قائمة الذات، تخرج من رحم اليهودية وترتد عليها دحضا، ترثها وتُنكرها، تستقي شرعيتها، التي لا يمكنها والحال هذه إلا أن تكون ملتبسة، من ذلك الإزدواج، ومن وجهيه على تناقضهما الظاهري... من انتسابٍ ومن تنصلٍ، ضروري كل منهما، يؤسسانها. فالذات تنبني، كما سبقت الإشارة، قياسا إلى آخر مشكِلٍ، تشاطره جوهرا ما وتنازعه فيه في الآن نفسه.

قد يعترض مُجادلٌ أن علاقةَ غيريةٍ كتلك الآنفة الذكر قد تكون من قبيلٍ أقصى، ما قد يجعلها ضالعة في الاستثناء وفي الفرادة، لا مثالا يُعتمد ويُتوخى، يتجلى فيه ما يمثل خصوصية ذلك الضرب من العلاقة. وقد يستطرد ذلك المعترض أنْ ليس شرطا أن يكون الآخر نسبيّ الغيرية، حميما ملابسا للذات، له ضلع في تأسيسها بمقدار من المقادير وبمعنى من المعاني، حتى تكون العلاقة به درامية متوترة، وحتى تكون جوهرية ووجودية في دراميتها وفي توترها. قد يكون. ولكن أمرا كذاك لا يصح الجزم فيه إلا بعد تجاوز انطباع الوهلة الأولى، وإلا بعد استنفاد النظر فيه من وجهين: أولهما التأكد من عدم وجود بُعد نسبي في علاقة كتلك (تظهر بمظهر التباين المطلق) لم يجر التنبه له واستجلاؤه واستبطانه، وثانيهما، استتباعا، التحوّط من الوقوع في شرَك خطاب الذات حول تمايزها وما تدّعيه له من اكتمال، علما أن الخطاب ذاك إيديولوجي طبيعةً، أي يهدف إلى طمس عناصر التماثل وإلى تمويهها بانتحالها آياتِ اختلاف مبرم، وينشد الاقتناع بذلك والإقناع به.

لنأخذ مثلا نصابا عنصريا «كلاسيكيا» كذلك الذي ميّز تاريخ الولايات المتحدة واحتل فيه مكانته المعلومة، حتى كان ذريعة حربها الأهلية ومرتكزا من مرتكزات بنائها الاجتماعي، بما في ذلك على الصعيد التشريعي (حيث كانت التفرقة العنصرية مكرَّسة قانوناً في عدد من الولايات حتى عقود قليلة خلت، أي حتى ستينات القرن الماضي)، كما لا يزال حتى اللحظة من السمات الفارقة لذلك البناء أو من عاهاته الصارخة (يتوقف الأمر على زاوية النظر، توصيفا باردا أم حكما معياريّا). وقد قام ذلك النصاب على التمييز الأصلي بين أقصييْن متلازمين: البيض، والواسبيون منهم في المقام الأول من طرف، والسود الأفارقة من طرف آخر، فزج بهؤلاء في مفارقة مأساوية مدى وأبعادا، إذ منحهم موقعا تأسيسيا في بناءٍ قوامه التعدد العرقي، فيما جعلهم أكثر من يرزح تحت وزره ووطأته. فالتفرقة بين البيض الواسبيين والسود، وهي بداهة الأكثر حدة، تبدو بمظهر خط الانقسام الأساسي أو الأصلي الذي تتفرع عنه بقية مظاهر التمايز العرقي الأخرى، بصيغ متفاوتة، في مجتمع يقوم على التعدد، وهي من وجه آخر، ومن جراء منطقها ذاك ذاته، تجعل السود الأكثر تضررا والضحية «الأبدية». لذلك، قد لا تصح صفة «الهامشية» على الأفارقة الأميركيين، بهذا المعنى البنيوي، وإن انطبقت تمام الانطباق على مرتبتهم الاجتماعية-الاقتصادية، بل يمكن القول إن هذه الهامشية الاجتماعية من تلك المركزية البنيوية ووجه من وجوهها. وفي هذا ما قد يدل على فرادة وضعهم (كآخر بامتياز قياسا إلى النخبة البيضاء) وبلوغه مبلغ الإعضال الذي قد يستعصي عن كل إصلاح، إن اقتصر الاصلاح ذاك على معالجة «طبقية» أو «حقوقية» تبقى دون النفاذ إلى البنية العرقية المُفترضة للمجتمع.

والحال أن علاقة البيض بالسود تبدو كالناقضة لما ذهبنا إليه: إذ ما الجوهر الذي تشترك فيه الفئتان؟ لوهلةٍ أولى لا شيء. إن هي إلاّ علاقةُ غيريةٍ مطلقة على كل الأصعدة، من لون البشرة إلى الأصل والمأتى إلى الموقع في الحياة الاجتماعية والاقتصادية. لا شيء جوهريا تشترك فيه الفئتان وتتنازعان فيه وحوله، أو هكذا يلوح، أقله كانطباع أولي، وما كان للعلاقة بينهما، استطرادا ووفق الفرضية التي اعتمدناها في السطور السابقة، أن تكون على ذلك القدر من الدراميّة. لكن دعنا نتساءل، مع ذلك، حول ما إذا كان الانطباع ذاك ناجما، تحديدا، عن نجاح إيديولوجيا التفرقة في تمويه منطلقاتها وفي طمس أسسها الموضوعية؟

أول ما يلفت في تلك العلاقة بين البيض والسود أنها لا «تُنجب» خلاسيين. لا يعود ذلك، بطبيعة الحال، إلى استحالة بيولوجيّة، بل إلى «تعذّر» مكين من قبيل ثقافي، إيديولوجي، سياسي بل وقانوني في بعض الأطوار أو الأوجه... يعود إلى استنكارٍ وإلى إنكار من السطوة بحيث أنهما يزعمان إبطال ما تتيحه الطبيعة ولا تنفك تتيحه... والأنكى أنهما يفلحان في ذلك.

الخلاسي، نتاج المعاشرة بين البيض والسود، «لا وجود له» في المجتمع الأميركي، لا مكان له على الخريطة العرقية للبلاد، وهو، متى ما اقترفته البيولوجيا (كيمياء آبقة لا تعبأ بالأعراف) يُصار إلى إبطاله بنسبته قسرا إلى إحدى الفئتين، تلك الأضعف طبعا، ما دام العرق الغالب، الأبيض بداهةً، هو الذي يعيّن ويحدد معايير النقاء، ويعرّف الإثنيات كما يعنّ له، مشيئةً «سيادية» ينفرد بها، لا مرجعية لها ولا مسوغ غير ذاته وذاتها، ضمن بنية هيمنة تستوجب بالتأكيد سبرا، ليس هنا مجاله.

فعل الإنكار هذا، وفاعليتُه ومضاؤه على وجه التخصيص، تستوي مجتمعة أمارة بالغة الدلالة، إذ تفضح ما تزعم إخفاءه –وتنجح في ذلك أيما نجاح، إيديولوجيّاً وإجرائيا- وتفصح عنه. ذلك أن نفي كل تناسل عابر للأعراق، وعابر للعرقين «الأقصييْن» لا سيما، وتحويل أحد العرقين، ذلك الأسود، حاضنا حصريّاً لـ«الهجنة»، في معرض دحضها وادعاء نقاء الدم، إنما يمثلان (النفي والتحويل ذانك) إقرارا قويا، وإن عاند الصراحةَ عنادا قاطعا، بأن «الهجنة» تلك ماثلة ومركزية، فعلا أو احتمالا وترجيحا... فعلا لأن تاريخ الرق كان، في وجه من وجوهه، تاريخ استباحة جنسية قصوى، يقدم عليها المالك الأبيض وأفراد أسرته من الذكور دون رادع ودون تحمل تبعاتها «السلالية»، إذ يبقى من تثمرهم الأحشاء جراء ذلك الضرب من السخرة الجنسية، أبناء أو إخوة بيولوجيين، في عداد العبيد وفي مصاف الرقيق، تُجحد علاقة القرابة بهم، بأن يتم إبطالها ثقافيا وإيديولوجيا، من خلال نسبتهم حصرا إلى العرق الآخر، الدوني، وقد يباعون متاعاً... واحتمالا، لأن النوازع البشرية لا تؤتمن، «أمّارة بالسوء»، يمكنها، إن أُرخي لها العنان، أن تفضي إلى اختلاط الدماء وامتزاجها.

هكذا، يبدو أنْ حتى تلك العلاقة بين واسبيّي أميركا وسودها والتي تلوح لوهلة أولى ناجزة الغيرية، طاعنة بصفتها تلك في الفرضية التي انطلقنا منها، إنما تؤكدها، على العكس من ذلك، وتبرهن عليها، أقله في هذه الحالة. فالفئتان تتقاسمان في حقيقة الأمر جوهرا، هو الذي يباعد بينهما لفرط ما يقرب بينهما، وهو الذي يسم العلاقة بينهما بميسم التوتر الأصلي الذي يكاد يكون تأسيسيا، والجوهر ذاك لا ينحصر في الاسم العَلَم، على خطورة هذا الأخير (إذ من المعلوم أن العبيد، بعد تحريرهم، اتخذوا ألقاب سادتهم السابقين ألقابا لهم، حتى أن المناضل الإفريقي-الأميركي مالكولم إكس، أعلن وضعيته كغُفل النسب واعتمدها لقبا، وسيلة لنقض العلاقات العنصرية وصرمها من الأساس). بل إن الجوهر ذاك يتمثل في علاقة الدم، وهي ما هي في نصاب كذلك الأميركي، يقوم على التعدد الإثني وتمييز الأعراق، وينيط بالدم وظيفة المعيار الفصل في ذلك.

ما من علاقة مشكلة، متوترة، وجودية إذاً، إلا مع الآخر الحميم، إلا مع الآخر غير الناجز الغيرية... ذلك ما يفيد به المثالان الآنفان، وما قد يفيد به كل مثال آخر من قبيلهما لو كلفنا النفس عناء تحليله من زاوية استجلاء «قاسمه المشترك»، بالمعنى الحرفي، أي استخلاص ما «يقسم» لأنه، تحديدا، «مشترك».

ذلك أمر، إن سلمنا به، يفضي بنا إلى مواجهة سؤالين بالغي الحدة والإلحاح. أولهما عام، ذو بعد شامل، هو الذي مفاده: لماذا أضحت مسألة الهوية، وهي طبعا مسألة الآخر، علامة هذا الزمن المعولم وسمته الفارقة؟ أما الثاني، وهو أكثر تخصيصا، فمجاله العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب، تلك التي تعنينا على نحو مباشر وحيوي والتي أضحت المعبّر الرئيسي عن كل توترات الهوية واستعصاءاتها، تأزما نموذجيا، إن جازت العبارة، تضع، من الجانبين، «ذاتاً» مطلقة التمايز (في حسبانها) في مواجهة «آخر» تعتبره النقيض الأقصى والمبرم.

أما السؤال الأول، فهيّن نسبيا، يتوافق مع فرضيتنا، بل يسوّغها، وقد تكون له مبدأ ذا طاقة وفاعلية تفسيريتين لا يُستهان بهما. إذ أن ما دأب الكثيرون، حتى أضحى من مبتذلات القول لدى كل خائض في هذا الشأن، على حسبانه تناقضا صارخا ملغزا في مواصفات العولمة، أعني فتحها قارات العالم وأصقاعه حيزا واحدا موحدا لتبادلات كثيفة متعددة الأوجه وآنية في أحيان كثيرة، مع تأجيج الهويات في الآن نفسه واستِعارها، «حدودا» كأداء صلدة... ليس له من التناقض غير ظاهره الخادع.

ذلك أن تأجيج الهويات من تبعات العولمة ومن مضاعفاتها الأكيدة والملازمة، بل قد يكون البراديغم الناظم والباعث لصراعاتها، على نحو ما كان الصراع الطبقي بالنسبة إلى الرأسمالية في طورها الكلاسيكي، أو النزاعات القومية في حقبة نشوء الدول-الأمم واستتبابها. وبهذا المعنى، ربما كان لحركات الهوية، على اختلاف مشاربها، «وظيفة» كتلك التي كانت للشيوعية أو للفاشية في المثالين (الرأسمالي والقومي) المذكورين.

صحيح أن العولمة لم تجترح الهويات من عدم، ولكنها إذ وحدت العالم، أو فيما هي تسعى إلى ذلك حثيثا مسارا لا رادّ له، إنما هي بصدد الإجهاز، لأول مرة في التاريخ البشري، على كل آخر مطلق الغيرية، وجعل كل سكان المعمورة ضالعين، في ما بينهم وبدرجات متفاوتة ومتحوّلة دوما، في علاقاتِ غيرية نسبيةٍ، أي لا تخلو من حميمية ومن مشاطرة جوهر ما على ما سبق التنويه، ومتأزمة تاليا، لأنها تهجس بتأكيد الذات وتمييزها عن سديم التشابه، وقد أضحى كونيا أو أن ذلك ما تتوجسه.

لذلك، وعلى أهمية الخطاب الإنسانوي القائم على التذكير بالقيم الكونية والتبشير بها، واستنكار التعصب والاشمئزاز منه، فإنه يبقى قاصرا عن التعاطي مع هذا المستجد الهويتيّ، تماما كما لم تف الدعوة إلى العدالة الاجتماعية أو إلى الأخوّة بين الشعوب في تجنب مآسي الثورات الاجتماعية أو الحروب القومية... أي أنه لا مناص من الإقرار بمسألة الهوية، وبطاقتها التوتيرية الهائلة، معطى أساسيا من معطيات العولمة، سبيلا إلى البحث عن أسباب ترشيدها واحتوائها وابتداع سياساتها.

أما عن السؤال المتعلق بالعلاقة بين العالم الإسلامي والغرب، فهو بيت القصيد من كلامنا السابق الذي يعدّ مقدمة للخوض فيه.

ما لا شك فيه أن العلاقة تلك تنخرط تماما في «الفرضية النظرية» التي اعتمدناها منطلقا مبدئيا في تفسير استعار الهويات، إذ أن العلاقة تلك تستند، بدورها، إلى مشاطرة جوهر ما، هو الداعي إلى ذلك التوتر الذي يسمها وإلى ذلك الإصرار الدؤوب والعنيف على التمايز وعلى تأكيده. فبين العالمين والحضارتين وشيجتا انتماء جوهريتان تأسيسيتان، هما المتمثلتان في صدورهما، حضاريا وثفافيا وقيميا، عن ديانة الوحي وعن فكر الإغريق، تمازجاً تركيبيا مبتكرا كان الأفعل في صياغة وجودهما التاريخي، جذعا مشتركا. آية افتراقهما لأنه آية التقائهما.

لكن القول بذلك لا يفي، إلا على نحو توصيفي عام على الأكثر. إذ يتعين سبر تلك العلاقة عميقا، وتبيان مشتركاتها التي نجح خطاب الهوية والتمايز في طمسها، حتى جعل افتراضها من قبيل الهرطقة، وكذلك تفكيك آلية إنتاج الآخر والعمل على غيرنته في هذه الحالة العينية، من الطرفين، بأكبر قدر ممكن من الإحاطة...

وتلك مهام ستسعى إلى التصدي لها محاولات مقبلة...

[1] هذا النصّ نشره الكاتب التونسي الراحل صالح بشير على موقع «أوان» الذي أسّسه، وحالت الظروف دون قراءته على نطاق واسع، فآثرنا إعادة نشره تكريماً للكاتب وتسليماً بأهميّة النصّ ذاته.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬