محمد مصراتي

قل ما تشاء / واكتب بخط التاج ما نحت الشقاء / فينا، وقل متخاذلون / جبناء، ماتت فيهم همم الرجال / أنا قد هربت / وتركتُ أحذيتي ورائي / وتركتُ خلفَ الجسر صوتَ اذاعة الشرق الثقيل / قل ما تشاء، أنا عميل / متخاذل، حافٍ، يجرّ وراءهُ عاراً جديد / قل ما تريد / لكنّما أنا لن أموت / أبداً لتركب جثّتي للنصر... لا... لا... لن أموت.

محمد الشلطامي

ما الذي جئت تفعله/ في بلاد… لست تعرف فيها أحد / لقد آن أن تستريح…/ ما الذي جئت تفعله؟ / فالدوائر ليست كما تتراءى الدوائر / والشوارع عامرة بالأفاعي / والبنات يداومن في الصبح في الثكنات/ والقبائل تتهيأ للرقص/ في مهرجان النظام الجديد / ما الذي جئت تفعله؟

الجيلاني طريبشان

لم تكن المسيرات تستهوينا، نحنُ الجيل الذي خرجَ من رحم هزائم الآباء، الجيل الذي فتحَ عينيهِ ليكتشفَ أنّهُ جاءَ إلى مجتمع يفرض القمع لغة، وأن الخوف قدر يجب الإيمان به. مجتمع لم يعرف في العقود الأخيرة سوى لغة الدم، لغة الموت، ولغة التصفيات الجسدية لكلّ من يوضع في قائمة الخيانة. المسيرات لم تكن تعني لنا شيئاً. نخرج في مارس وفي أبريل، نخرجُ أثناء أي حرب في قطاع غزّة، نخرجُ في مسيرات كلّما تحدثَ الأخ الأكبر عن الامبريالية والصهيونية، نستمعُ في كلّ خطاب لذاتِ اللغة، لذات المفردات: «عدو، رجعية، جرذان، الزحف الأخضر، هجرة الجنوب، الثورة، المحكمة الثورية، طــزّ، ساعة العمل وساعة الزحف». وللأسف، كنّا نملكُ «ريسيفر» بث تتحكم بهِ وبقنواته الحكومة، وكان كلما خرجَ الأخ الأكبر ليخطب في شعبهِ، تحوّلت العشرون قناة في جهاز الريسيفر إلى قناة واحدة، وهي قناة القنفوذ الجماهيرية. نستمعَ إلى الخطاب التاريخي حتى آخر كلمة ثمّ نعودُ إلى برامجنا الترفيهية. أبي كان يغضب كلما قُطعت القنوات العالمية واستبدلت بوجه الأخ الأكبر. كنّا نسميهِ «الحمار»، وكانت هواية أبي المفضلة كلما رآه على التلفاز هو البصق في الشاشة الصغيرة.

في السابع من ابريل 1976، دخلَ عبد السلام جلّود إلى الحرم الجامعي حاملاً في حزامهِ سلاحه يتبعهُ بعض من حرسه ورجاله، وفي قاعة الجامعة، قالَ جلّود جملتهِ الشهيرة: «نحنُ لن نحتفل بالسابع من أبريل بالألعاب النارية والمهرجانات والأفراح، سنحتفل بهِ بالدم وبتطهير البلاد من العملاء والخونة». في تلكَ اللحظة نصبت أعواد المشانق واقتيدَ المعارضون إلى الساحات الجامعية لينفذ فيهم حكم الإعدام بتهمة الخيانة العظمى، فقط لأنّهم كانوا ضدّ أفكار الأخ الأكبر. هذهِ الحادثة، وما سبقها من حوادث القتل والشنق والتصفيات، حوّلت جيل الآباء والأجداد الى كتلة محشوة بعقدة الموت والقتل العشوائي، في بلدٍ تحكمه مجموعة من الميليشيات والعصابات، في بلدٍ لم يستوعب القانون ولم يعرف لغة المحاكم المدنية ولم يعرف الأحزاب ولا الاختلاف ولا تعدد الآراء.

منذ أن استولى الملازم معمّر القذافي على الحكم، اختفت كلّ الرموز الوطنية، وصارت ليبيا بلدا معزولا، مكبلا، كمن كتب عنهُم جورج أورويل في روايته «1984».

في اليوم ذاته من العام 1982، كان والدي ومجموعة أخرى من مسرحيي الجامعة يستعدون لإحياء مسرحية دراكولا على المسرح الجامعي. كان والدي ورفاقهُ قد اتفقوا على اللقاء مبكرا في الجامعة ليقوموا بالبروفات الأخيرة قبيلَ بدء العرض المقرر القيام به عند الظهيرة. دخلَ الطلاّب إلى الغرفة الصغيرة التي عادةً ما كانوا يتدربون فيها واستغلوا فترة الصباح للتدريبات. وعندَ الظهيرة، قبيلَ الانطلاق لتقديم العرض، تلقى الرفاق رسالة تأمرهم بعدم القيام بالعرض لأسباب أمنية. في ظهيرة ذاكَ اليوم، وفي الوقت الذي كان من المفترض عرض المسرحية فيه، جاءت السيارات تحمل أعواد المشانق، واقتحم طلاّب اللجان الثورية صفوفاً وقاعات محاضرات للزجّ ببعض الطلبة اليساريين ورفعهم إلى المشانق المعروضة في الساحات. رأى والدي تلك الاعدامات، فاختارَ الهرب برفقة أصدقائه قبلَ أن يخطر في بال أحد القتلة أن يزجّ بهم أيضاً. في الليل، وبينما كان والدي يستعدّ للنوم، اقتحمت بيته مجموعة من أفراد اللجان الثورية واقتادته مع طلبة آخرين إلى دائرة الأمن ليحققوا معهم في موضوع المسرحية التي كان من المقرر عرضها ذاك اليوم. قالَ لي أبي أنّه سلّم روحه ذاك اليوم، وكان يدرك أنّ هناك مشنقة في انتظاره. حاولوا أن يشرحوا للضابط موضوع المسرحية، وأنّها من الأدب العالمي ولم يُقصد بعرضها أي تأويل آخر، فهم كما قاموا بعرض مسرحيتي هاملت وماكبث ومسرحيات أخرى من الأدب الروسي، أعجبتهم فكرة مسرحية دراكولا وأحبّوا عرضها للناس لمجرد الترفيه لا التأويل. بعد أيامٍ في السجن، أطلقَ سراح والدي، واختار الانعزال لفترة مؤقتة قبل انضمامه إلى المسرح الحرّ الذي كان يضمّ مجموعة من الفنانين والمسرحيين الليبيين الذين اختاروا عدم تقديم أية مسرحية من الأدب العالمي. فكلّ ما هو عالمي يعني امبريالي وخيانة للثورة، بحسب فكر الأخ الأكبر.

في يوم السابع من أبريل 1982 ذاته، وحينَ كان والدي واقفاً يرى الجثث المعلّقة على حبال المشانق، كانت والدتي هي الأخرى تقفُ في الجانب الآخر برفقة زملائها في المدرسة. كانت والدتي وقتها في الرابعة عشرة من عمرها. أُخذت هي ورفيقاتها من المدرسة بعد أن أخبروهن أنّ هناك سيركاً سيقام في الجامعة بمناسبة احتفالات السابع من أبريل. حينَ دخلت والدتي وزميلاتها ساحات الجامعة، كان هناكَ العديد من التلاميذ والطلبة من مختلف مدارس العاصمة الليبية. جلسوا جميعاً على الأرض في انتظار بدء عروض السيرك. حينَ دخلت السيارات والشاحنات المحمّلة بأعواد المشانق قالوا لهم إنّ هذهِ عدّة السيرك، فهتفَ التلاميذ فرحين لاقتراب العرض. العساكر وأفراد اللجان الثورية كانوا منتشرين في كلّ أنحاء الجامعة. التلاميذ يحاولون الفرار من أسوار الجامعة. أعضاء اللجان الثورية التابعة للقذافي يمسكون بأي مشتبه بانتمائه إلى تجمع سياسي يخالف أفكار القذافي.

ما سبق وحدث في العامين 1976 و1979 يحدث ثانيةً ها هنا. والدي قال إنّ أنباء عن معركة بين الطلاّب واللجان الثورية ستحدث كالتي حدثت في 1976 والتي راحَ ضحيتها جيل كامل من الشباب المثقفين والكتّاب والشعراء والرسامين وراء القضبان. كان الكلّ يعيشُ في هاجس الخوف، معظم طلبة الجامعة يحاولون استغفال العساكر للهروب من أسوار الجامعة. طلبة المدارس والاعدادية الذينَ جاؤوا ليروا مهرجان السيرك بدوا سعداء في انتظار فقرات المهرجان. أبي ورفاقه يمزقون الكتب التي احتفظوا بها في غرفتهم الجامعية ويقومون بإحراق بعضها. قلق، خوف وسكوت. عندما جاؤوا بالمعارضين والشباب ووضعوهم على أعواد المشانق، بدأ الثوريون يسبّونهم ويشتمونهم ويذكرون اسم القذافي وفكره كإله ودين هم الكفيلان بحمايته. والدتي لا تتذكر ما حدث بعدَ ذلك... كلّ ما تتذكره أنّها رأت زوبعة وشنقاً وسبّاً وبكاءً وفتيات يتساقطن مغميات عليهن، ونساء من اللجان الثورية يمسكن سيقان المعدومين ويشدّونهم إلى الأسفل للتأكد من موتهم.

لقد كان القذافي يمارس ساديته ليُري الأجيال القادمة أنّ لا صوتَ يعلو فوقَ صوته، وأنّ جزاء كلّ من يقف في وجهه الاعدام. هذا يذكرني بكاتب كتبَ مقالاً ينتقد فيه أداء السلطة الليبية مدافعاً عن حقوق المواطنين، فقالَ لهُ زميلهُ الصحافي وهو يقرأ مخطوط المقال قبل ارساله للنشر: «هل تعرف أنّ هؤلاء الذينَ تدافع عن حقوقهم، سيخرجون ينادون بشنقك إن نشرتَ هذا المقال؟».

جيل أعطى دمهُ فدية لقاء الحرية

ذاتَ يوم ربيعي من العام 2003 خرجنا، طلبة المدارس الإعدادية في قلب المدينة، في مسيرة منطلقة نحوَ ميدان الشهداء بطرابلس. كنّا سعداء بهذه المسيرة التي أنقذتنا من عقاب معلّمة الرياضيات لعدم قدرتنا على حلّ معادلات الدرجة الأولى ذات المجهولين، وفي ذاتِ الوقت، كنّا ننتظرُ أيَ فرصة يغيب فيها نظر العساكر الذينَ طوّقوا صفوف الطلبة، كَي نهرب إلى احد الأزقّة، ومن ثمّ الذهاب إلى البحر للسباحة.

كنّا نجتمع في ساحة المدرسة ليقول المدير كلمته حول العيد الوطني أو المظاهرة الطلابية قبل أن ننطلق هاتفين باسم الثورة (انقلاب القذافي) رافعين أيدينا بصور الأخ الأكبر ولوحات كتبت عليها شعاراته ونصرخ «زيد تحدّى زيد، يا الصقر الوحيد»، أو «علّم يا قايد علمنا، كيف نحقق مستقبلنا». كنا نثور وننتفض، ونركل بعضنا البعض، وكان آخرون يتشابكون بالأيدي والضرب لأن أحدهم دعسَ على حذاء الذي خلفه دونَ قصد. آخر رفعت عن رأسه قبعته العسكرية واختفت وسط الحشد من المـزَبّلين والمكسدين. حينَ نصل إلى ميدان الشهداء حيث تلتقي كل المدارس نكون محشوّين بعضنا متداخل في بعض كالبندق في الشكولاطة، نسارع في أخذ أماكننا بين بنات «معهد جميلة» الجميلات المهندمات صاحبات الابتسامة الجذّابة، ملتصقين فيهن، لكننا نهتف كي نظهر أننا لسنا منشغلين بهن بقدر انشغالنا بـ «همّنا الوطني». البعض كان يتخذ موضعه بين البنات في الصفوف الأولى، والبعض الآخر يختار صفوفاً تكون حاجزاً بين باقي الطلاّب والطالبات. «المخنثون» كانوا في الخلف يتبعهم الذين لم ينالوا حصتهم من «تبعيص» البنات. هكذا أقسموا على الخروج بغنيمة فبدأوا بـ«تبعيص» الأولاد. كان من حظّي أنني نحيل ويمكنني اختراق كل الصفوف وحتى الدخول في ما بين البنات والبدء بإطلاق صواريخ الأصابع مثلي مثل غيري.

كان الطقسُ حاراً يومها، وبإمكاني الآن وأنا أكتبُ هذا النص أن أستشعر حرارة أبريل في تلك المدينة الواقعة بينَ برودة البحر وعجاج الصحراء. كنتُ برفقة أربعة من أعزّ أصدقائي: بعيشو، وخيري، ومنير، والتكالي. كنّا نصرخ بجمل وشعارات لا نفهمها. كنّا نسبّ الأميركان والانكليز والامبريالية ونهلل للأخ الأكبر الذي تُرى صوره على كل بنايات ومصارف المدينة. في واقع الأمر، لم تكن هذهِ الشعارات تهمنا بقدر ما يهمنا الخروج من هذا «الزحف» نحوَ ميدان الشهداء، نحوَ أي «زنقة» ضيّقة تقودنا إلى شارع ميزران. التفتّ وهمستُ في أذن بعيشو: «شن رايك نستنوا لعند ما نوصلوا لـ زنقة الوحشي، ومنها توصلنا لساحة بلخير». قفزَ التكالي حائلاً بيننا وهو يقترح أن نهرب عن طريق زنقة جامع بن ناجي لأنها الأقرب، ولأننا فيها سنختلط مع طلاب مدرسة الشروق وسيصعب على العساكر الامساك بنا. وافقنا التكالي رأيه والتفتنا إلى خيري لنسأله رأيه، فرفعَ رأسهُ تجاهنا وقال: «كله عادي، أهم شي انّي لازم اندخن الآن... نبّي [نبغي] دخان». مدّ لهُ التكالي سيجارة فخبّأها الآخر في جيبه ومن ثمّ انعطفنا إلى زقاق جامع بن ناجي الضيّق الذي توزعت على جانبيه محلات الذهب والبقالة وكشك للسجائر، ثمّ عند اليمين تفرع منه مبنى «مدرسة الشروق الاعدادية»، وهو مبنى كبير بطراز ايطالي ككل بنايات قلب المدينة، عند مدخله درج رخامي يذكّر ببوابات القصور في أفلام الكرتون الدرامية. إلاّ أنّ مدخل القصر هنا كان قذراً وعلى جانبيه رميت النفايات وعلّقت بضع مقولات للأخ الأكبر، من كتابه الأخضر.

عندما دلفنا داخل الزقاق، سمعنا صوتَ أحدهم يصرخ فينا: «يا حيوان انتَ وهو، وين ماشيين؟ تعالوا». لم نلتفت إلى الصوت، بل سرّعنا خطانا، وعندما سمعتُ صوتَ وقع أحذية يتبعنا، أمسكتُ قلبي وانطلقت بسرعة وأنا أصرخ «أووووماااا»، وهي كلمة طرابلسية من أصل إيطالي يُعنى بها التحذير من قدوم الخطر، فانطلقَ الأصدقاء خلفي وهم يطلقون ذات الكلمة. عندما اقتربنا من جامع بن ناجي، قال خيري إنّ علينا أن نفترق ونلتقي لاحقاً في كافي السندباد. دخلتُ أنا الزقاق الضيق القريب من المسجد، ومن هناك استطعت الخروج على بركيدجو الأفارقة منظفي السيارات. كنتُ ألتفت من وقتٍ إلى آخر خوفاً من العسكري الذي كان يلاحقنا، وحينَ وصلتُ إلى تفرع شارع هايتي، جمعتُ أنفاسي وسرتُ على مهل حتى جامع كرشود، حيثُ يوجد في ذاتِ الزقاق مقهى انترنت السندباد. هناكَ طلبت جهازاً وجلستُ أتصفّح مواقع «البورنو»، في انتظار رفاقي.

كلّما تحدثتُ بـ «الماسنجر» إلى أصدقائي، خيري والتكالي وابعيشو، ذكّرتهم بهذهِ الحادثة وكنّا نضحكُ ونتحسّر على تلكَ الأيام. كنتُ أشعرُ بنفسي بطلاً، ليسَ لهروبي برفقة الأصدقاء من تلكَ المسيرات القذافية، بل لأنّني فورَ خروجي من ليبيا، في منتصف 2005، برفقة والديّ واخوتي، تنفستُ الحرية في بلد الانكليز، وصارت انكلترا بالنسبة إلي كنزاً لن أفرّط فيه. ولأنّني عشتُ وسط عائلة منفتحة وتؤمن بالحرية، ساعدني ذلك على الكتابة وانتقاد النظام الليبي وشتمه وسبّه كما أريد. كنتُ في الصباح أو بعدَ الظهيرة أجلسُ خلفَ جهاز «اللاب توب» وأطبعُ عشرات الكلمات والمئات من الحروف سابّاً النظام الليبي، مذكّراً بماضيه الملوّث بدماء الليبيين، ثمّ في آخر اليوم، أذهبُ إلى الحانة برفقة أصدقاء جدد نشربُ الكأس تلوَ الآخر، نتحدّثُ تحتَ وطأة السائل الروحي عن الأنظمة السياسية والديكتاتوريات وأظلّ أحكي لهم عن تجربتي كليبي من عائلة عانت من ظلم القذافي، ثمّ نفترق خارجين من الحانة سعداء بحديثنا متعاهدين على اللقاء مجدداً. وهكذا استمرّت الحال حتى أواخر 2010، وعندَ بدايات العام 2011، وبدء الثورة التونسية، كنتُ أكتبُ في يومياتي أو على مدونتي أو على تويتر والفيس بوك جملاً أسخرُ فيها من الليبيين، كشعب لا يعرفُ من الحرية سوى ما تحمله آراء الأخ الأكبر. كنتُ أشعرُ بنوعٍ من الاحباط والتخدّر عندما أستيقظ كلّ صباح لأجدَ نفسي لا أزالُ ليبياً... كنتُ أسأل نفسي: لماذا خلقتُ ليبياً، ولم أخلق تونسياً أو مصرياً؟ ظلّ هذا السؤال يلاحقني حتى ليلة انفجار الثورة الليبية في 15/02/2011، واكتشفتُ أنّني حقاً لستُ ليبياً، لأنّني نسيتُ الماضي الحرج الذي يعاني منهُ الليبيون، ماضي الخوف والقهر والدم، ومسلسل التصفيات والخطابات الدموية. بادرت وقتها إلى استجماع نفسي والبدء بالاتصالات مع طرابلس. كان الشارع يغلي، الطرابلسيون خرجوا في مظاهراتٍ يطالبون فيها بسقوط النظام. اتصلت مرّة أخرى بخيري وابعيشو. كانوا يتحدّثون عن الشعارات التي يخرجون بها، كنتُ أسمعُ أصواتَ الشباب وأنا أتحدّثُ إلى ابعيشو وهم يقولون: «الشعب يريد/ اسقاط النظام»، «الشعب يريد/ اسقاط العقيد». خيري كان يسبّ القذافي وهو في الشارع بأبشع الألفاظ، كان يقول: «اوووك علينا، 42 سنة خلاص تعبنا». قلتُ في نفسي أنّ هؤلاء ليسوا هم الذينَ تربيتُ معهم، وليسوا الذينَ كبرت برفقتهم. كان هذا الحقد والرغبة في الخلاص يقيمان في نفس كلّ ليبي، ولكنّنا من خوفنا لم نستطع أن نبوحَ بهِ حتى إلى أقرب الناس إلينا. هكذا إلى أن استيقظت الثورة في منتصف فبراير، ورأى الليبييون الموت مجدداً، فقالوا يكفينا، لا يوجد بعد الموت شيء آخر يخيفنا، «والموت مرة واحدة ومن بعدها نرتاح» كما قال لي التكالي.

خيري وابعيشو والتكالي، استشهدوا ثلاثتهم في العشرين من فبراير برصاص القناصة وهم يتقدمون برفقة شباب آخرين نحو ميدان الشهداء بطرابلس. أدركتُ لحظة سماعي خبر استشهاد ثلاثتهم أنّني لم أكن يوماً بطلاً ولم أكن يوماً قادراً على مواجهة القذافي. كنتُ – كما ذكرت – أسبّ القذافي وأشتمهُ في النهار، مدركاً أنّني في الليل سأعودُ إلى حجرتي سالماً. أمّا هؤلاء الذينَ خرجوا في السابع عشر من فبراير، فقد خرجوا من بيوتهم ليواجهوا القذافي وهم يعلمون أنّهم لن يناموا الليلة في أسرّتهم.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬