هاني درويش

ينمو هذا النص انطلاقا من إحساس غامض انتابني حين فكرت في شخصنة الثورة المصرية، هي الصعبة التثبيت عند مشاهد أو أشخاص، الجارية بفعل قصور ذاتي لطاقة فذة وسحرية، واستحالة أن تشاكس حقيقتها الأصلية هي ما يغري أكثر بمحاولة توقيفها، تفكيكها على الأقل في شخصياتي الثلاث. فتثبيت الألوان الصحيحة أولى خطوات البحث عن نقطة لفهمها.

حقيقة الثورة المصرية تقع في مصطلح الاحتشاد العام، أي تلك الحشود الكبيرة التي خرجت بدعوة على شبكات التواصل الاجتماعي، اصطدمت وخبرت بجسدها العريض الممتد لا استحالة هزيمة قوى الأمن، طالما كان الشارع لنا، نخبر زواياه، نعرف حاراته، في حين يجهل عدونا تلك الخرائط معتصما بتنفيذ الواجب، مغرورا بفرط قوة لم تختبر يوما اختبارا حقيقيا على مواجهة كل الناس. لقد تراكب الأمل خطوة خطوة، ساعة بساعة، وانتشت الثقة في كرة النار التي تتدحرج، فيما مقاوموها من رجال الأمن ورجال الدولة تتفتت من تحت أرجلهم سلطة كارتونية.

يجتمع البازل الضخم للحشود يوما بعد آخر واثقين أكثر بأدرنالين جنون التحدي الذي كان ينفجر كلما خطر لأحدهم أن ينظر خلفه فيجد الصفوف تتراصّ، ويجد العدو يلجأ للهروب. نزال قائم على رمزية النظرة الأقوى التي تحسم بين متعاركين شكل الصراع، وكلما تصلب الجسد الضعيف اكتشف أوردة وعضلات ما كانت لتكتشف في لحظات الاستسلام للرصيف. فقط على الأسفلت الساخن تعملق المارد الجماهيري كما في أفلام الكارتون التي تحول شخصا عاديا إلى هالك أسطوري.

أعلم أن في قلب هذه المتتالية ثمة من أشار عند احتدام المعركة وفتور همة الجسد الضعيف، فصرخ «احتشدوا، لا تخافوا». تمفصل الحدث في من رفع الصرخة بيأس فأعاد الهمة، لكن الكشف عن صاحب هذه المبادرة صعب، انه احتياج درامي ، لو لم يقلها «س» لقالها «ص». ثمة دور وعلى المار من هنا صدفة أن يفعله. ولا أعني بهذا التمفصل أن أيا من شخوصي الثلاثة يدعي وجوده في هذه اللحظة، لماذا إذاً أصر على هؤلاء الشخوص؟ ربما يكذب هذا النص في نمذجتهم، ربما أكون مضللا بفعل ما أعتقده منسربا من هذا التاريخ فأعيد تفكيكه عبر الوجوه الثلاثة. سنترك للنص قدرته على إثبات نفسه، أو كما علمتنا الثورة: لقد جربناها ونفعت.

خالد عبد الحميد وجيمي هود وعايدة الكاشف، بنتان وولد، شباب من مصادر حياتية متباينة، يجمعهم الإحساس بالغضب وتفرقهم درجة إنضاجه. موجات ثلاث من نمط بشري نستطيع أن نملأ الفراغات التي بينهم بتنويعات أخرى، أو صور متقاطعة بينهم، أو أن نستبدل ذراع هذا بيد تلك، ليستقيم التواصل بين صورهم المتناثرة مثلا في زوايا الصورة البانورامية الحاشدة لميدان التحرير. تلك اللقطة العلوية المهيبة، التي لا تظهر تفصيلا إلا الاحتشاد، تكتفي بالطاقة النابضة من إرادة هذه الكتلة الفارقة. ولنتخيل أن ثلاثتهم، وهم حرفيا قضوا فترة الثورة في الميدان دون عودة للمنزل، كانوا يرسمون مخططا مكانيا. عايدة الكاشف في حديقة المنتصف الدائرية حيث خيمة التوثيق الإعلامي، جيمي هود عند المتاريس الأمامية لشارع التحرير مع مجموعة «ألتراس وايت نايتس»، خالد عبد الحميد يتنقل كالشبح في مهام تنسيقية على الأرض لائتلاف شباب ثورة الغضب. الخيط الواصل بين النقاط الثلاث نستطيع مده الى تنويعات بشرية متباينة في تقاطع الحشود الفاصلة بينهم، وهم الثلاثة يعرفون بعضهم البعض قليلا، أو على الأقل عبر شخصياتهم الافتراضية على مواقع مثل الفيس بوك أو تويتر أو البلوغ.

ما يشدهم ويفرقهم عن بعضهم البعض هو الاحتشاد نفسه، وكل منهم يمثل نمطا مستقلا من جمهور الثورة.

تأتي عايدة الكاشف من نطاقات مثقفي وسط البلد الذين حسموا إما بخيارات الوراثة أو البيئة أو العمل، إنحيازاتهم للتمرد. عايدة مخرجة حديثة التخرج وإبنة لثنائي من مثقفي يسار السبعينات: رضوان الكاشف المخرج الكبير القصير العمر، وعزة كامل الناشطة الحقوقية المهتمة بدراسات النوع. جيمي هود فوضوي مصري شعبوي، مصمم غرافيك ومدوّن وملحّن وقائد مؤسس لمجموعات «ألتراس وايت نايت»، إبن مناطق شعبية وبيئة صعيدية عائلية وترحال بين المهن والاهتمامات. خالد عبد الحميد ناشط سياسي من جيل التسعينات، تقلب بين انتماءات ناصرية قومية ثم يسارية، يعمل أعمالا حرة، على جلده الأسمر تستطيع تتبع تاريخ كل الحركات السياسية منذ منتصف التسعينات حتى الآن: لجان دعم الإنتفاضة، حركة كفاية، الإشتراكيون الثوريون، فاكهة سياسية عصامية منوعة، ونموذج صاف لشخصية إبن وسط البلد السياسي.

عن الغرام بشخصياتي المتقاطعة

لا أنفي ذاتية الاختيار في ما يخص شخصياتي الثلاث بدرجات العلاقة معهم، لكن جزءا من الاختيار يقع في مجال اندهاشي من تحولات جرت عليهم بين عشية الثورة وضحاها، وفي حواراتي الثلاثة سألجأ إلى تثبيت التدفق لوضع تحليل خاص سيكتب بين علامتي [ ]، وسألجأ إلى وضع شروحات بين علامتي () لما هو مطلوب من معلومات، فيما ستكون مداخلتي والأسئلة بالخط المائل الكثيف.

لكن في ما يخص مثلا جيمي هود، بدأت علاقتي به منذ قرأت قبل عام تدوينة له عن ظهور عمرو حاحا، وهو مطرب شعبي أقرب لشخصية الدي جي والرابر الأميركي، ثم لاحقا وخلال إعدادي لمقال «كلمن» في العدد قبل الماضي، صورت في شوارع حي المطرية الشعبي رسما غرافيتيا لمشجعي رابطة «ألتراس وايت نايتس». الغرافتي كان لشخص ملتحف بالأسود والأحمر يصرخ في مايكرفون مرددا حروف يو دابليو إن، مرسوم على جدار فيلا قديمة بشارع البلسان المنتمي إلى زمن نهضة العمارة الأجنبية. الألوان الزاهية للرسم تتعارض مع الهجر السكاني لشارع تركت أشجار بيوته شعثاء دون تهذيب، بدا كلمسة مابعد حداثية في زمن أبيض وأسود. عرفت لاحقا أن هذا الرسم الشهير للرابطة الكروية منتشر في كثير من الأحياء وهو من رسوم جيمي هود. تقاطع ذلك مع بحثي في عوالم الروابط الجديدة للأندية الكبيرة ومنها «الفرسان البيض الفائقين» والتي عرفت أن جيمي هود هو كاتب المانيفستو الرئيس لها، أي العقل المفكر خلف شعاراتها وتصميم لوحاتها الجماهيرية الاستعراضية في المدرجات. فإذا أضفنا أنه مدير الموقع الإلكتروني لجريدة الدستور المستقلة بدا البروفيل مثيرا.

معرفتي بخالد عبد الحميد تاريخية، منذ العمل السياسي في الجامعة. هو الصديق القريب لأقرب أصدقائي، تجمعني به المحبة التقاطعية لمعارف الدرجة الأولى في نطاق وسط العاصمة، وعلاقتنا المباشرة الوحيدة جاءت من مشاركتنا كمجموعة في المخيم القومي العربي الذي عقد في القاهرة عام 1997. كان ناصريا قوميا أقرب لليسار خاصة في تمرده على الأخلاق رغم إنتمائه الطبقي الشعبوي، مدمن لتدخين الشيشة لسنوات على مقهى «أفتر أيت» الذي توحدنا فيه على موائد لعبة الإستيمشن المتقاطعة مع تكوين الجيل السياسي الثقافي منتصف التسعينات، سكر الليالي وطاقة المرح اللذان ينفجران عندما تميل سهراتنا إلى الميلودراما المتأخرة، يجمع صفات بين الرجولة المسؤولة دون إفراط ذكوري والميل إلى الثورة الدائمة بلا ضفاف، يظهر في 90 في المئة من مشاهد صدامات التظاهرات مع الأمن في العشر سنوات الأخيرة. لقد ترك معظمنا العمل السياسي الأيديولوجي المباشر فيما بقي خالد امتدادنا اللاواعي في هذا الحقل، امتدادنا الذي نخاف أن نكونه. عندما توقف حياتك المهنية والإجتماعية لصالح أمل في ثورة لن تأتي، ثمة أسى حقيقي يترافق مع ذكر اسم خالد، ذلك الذي ندهته «نداهة» السياسة فلم يخرج يوما من جدائل شعرها.

حالة عايدة الكاشف مختلفة، فتاة يسبق حضورها كليشيه ابنة مثقفي جيل السبعينات، ابوها الأسطوري الحضور في مزاج جيلنا، وأمها الناشطة التي يجمع على محبتها طيف واسع من المثقفين والأصدقاء. تعرفت عليها عبر صديقي الأقرب باسل رمسيس، كانت تشارك في ورشة أفلام يديرها باسل وعرف عنها في الوسط أنها مساعدة إخراج جيدة. في المرات الأولى التي قابلتها فيها أصابت قلبي بغصة ضعف، لم أستطع حل غموضها إلا أيام الثورة، بقصة شعرها الغارسون ومناكشتها المستمرة مع صديقي في ميعاد إجازته الثانوية. بدت متمردة على فكرة فاصل الجيل الذي سجنها فيه باسل باعتباره صديقا لأمها ومدرسا سينمائيا لها في الوقت نفسه. كانت تسخر غالبا من نزوع صديقي إلى «تشييخ» نفسه، وبين ما تحمله هذه المناكشات من واقع أنها إبنة جيل يفصلنا عنه جيلان، وتمردها الذي يرفع راية «لقد كبرنا» ولا يصح أن تتعاملوا معنا بإحساس الآباء. كانت تثبت من جلسة إلى أخرى نزوعا لتحطيم أي تابوه، بالطبع يبدو هذا طبيعيا وميلا إستعراضيا لاواعيا في حضرة جيل يرى أنه يملك كل الإجابات.

قبل ثلاثة أشهر من الثورة حضر باسل إلى القاهرة بفكرة فيلم تسجيلي، عنوانه العريض «أين ذهب جيلنا... جيل التسعينات». من منا لا زال رابضا على إيمانه بإمكانية الأحلام ومن ترك مساره لصالح أغراض انتهازية، سؤال سياسي اجتماعي يحمل في طياته إحساسا بالبحث في أسئلة الشيخوخة المبكرة لجيل مر عشرون عاما من عمره القصير كلمح البصر.

وعايدة كانت ستعمل مساعدة إخراج في الفيلم. في ليلة عصف ذهني بين شخصيات مرشحة للتصوير كانت تجلس مذهولة بابتسامة متخفية. كنا نحكي عن تاريخ نضالي نتبادل الاشتباك حوله تحت تأثير زجاجات البيرة. حملت عينها في تلك اللحظات عدم تصديق، وربما شماتة، بجيل تمدد أمامها على شيزلونغ الطب النفسي.

هذه «الفرشة» الانطباعية السابقة، هي تاريخ صور شخصياتي قبل الثورة، وسألوّن حواراتهم بمشاهداتي لهم خلال الثورة منسوجة مع أسئلة تتعلق بالتقاطع بين صورهم القديمة والجديدة. فإلى الحوارت كما هي بالعامية المصرية: ترددها ونبضها واستيقافاتها وأحيانا لاترابطها كدفق ابن لحظته وزمنه الواقعي.

جيمي هود ...ابن المانجا الصعيدي

«اسمي محمد جمال بشير، جيمي هود، وأنا صغير عيلتي رمت قدامي كتب، أبويا كان بيشتغل في اليابان، كتب كوميكس المانجا الياباني، ولأني ماكنتش بفهم الياباني كنت بشطب الحوارات وألزق ورق بحورات بتخيلها أنا، كنت بحب باتمان وسبيدر مان والسوبر هيرو، وأنا صغير في مدرسة بورسعيد بالمطرية، في ابتدائي كانوا بيخلونا نتكلم، فقلت أنا بحب بات مان مش سوبر مان، الأبلة سألتني ليه، علشان سوبر مان ماتعبش في أي حاجة، لقي القوة بتاعته من غير مايتعب، بات مان تعب ماخدش الحاجات بالساهل، بعد كدة بكذا سنة دخلت على الموضوع بتاع الهيرو فلسفة نيتشه، ابتدت عندي نظرية أني مابحبش السوبر بويز اللي أهاليهم بتعملهم كل حاجة، أو بيلاقوا نفسه مرة واحدة كدة، باتمان بيطور وبيتعب عشان يتحول لحاجة تانية أو جديدة. دا كان ليه علاقة بالسيرة العائلية بتاعتك؟، أنا كانت عندي ظروق عائلية خاصة، أبويا وأمي إتطلقوا وأنا عندي سنتين ونص، عمري ماشفتهم مع بعض الإتنين، وكل واحد انفصل وعمل عيلة، لما كنت بتنقل بينهم كانت كل عيلة بتتغير من سنة للتانية، يعني لما قعدت مع أمي سبع سنين أمي قالتلي روح أقعد مع أبوك، رحت لقيت ابويا متجوز وعنده بنتين توأم، فضلت قاعد شوية وبعدين رجعت لقيت أمي حتولد بنت تانية، سنتين هنا وسنتين هنا، أنا أول مولود لأصل عيلتي من الصعيد، من قوص قنا تحديدا، كنت أول ولد يتولد في القاهرة، أبويا وأمي من نفس العيلة، جدي وصل بأولاده وانا إبن الإبن البكري، والدي دكتور كيميائي، إسمه جمال علي إسم عبد الناصر، دا مخزون ماهما حيحصل مش حتخلص منه، عيلتي كانت متماسكة قبليا. بس على المستوى الأسري الأصغر كانت مفككة مش كدة؟ مايخصنيش، العيلة يعني جدي المكافح اللي جه من بلدهم في الصعيد شال القصعة (إناء حديدي يستعمل لحمل المواد الخرسانية في أعمال البناء) لحد ما بقي مقاول كبير والفلوس جرت في أيديه وبقي غني. جدي بالنسبة ليا شخصية أسطورية لا تتكرر، أنا مافتكرش أهوه وأنا عندي 31 سنة أني عمري حضنت أبويا، كان شديد جدا، ماكنش بيؤمن بالعلاقات الاجتماعية أصلا، ماتعرفش كان بيعتبرها ضعف؟ نتيجة أنه كان منفصل عن العصبية والأسرة ومقرر يعمل نفسه لوحده، كان عايز يخرج فعلا من العيلة فهو الأعلى درجة علمية بين أخواته، كان بيحب فكرة د. جمال المتعلم اللي كفر بكل المعتقدات اللي جى منها، بفتكر لجدي مشهد وهوا بيموت وأنا عندي 7 سنين، كنت منبهر قوي بالفلوس اللي عملها، كل حاجة بطلبها بتيجي، هوا لاحظ انبهاري، ندهلي وقاللي: أوعى تفكر كل دا جه بالساهل، وراح معري كتفه، كانت فيه دايرة سودا من مكان شيل القصعة، وكمل كلامه: دا جه بالشقا والتعب، مافيش حاجة بتيجي بالساهل، وأنت لازم تبقى راجل، مش راجل زي أبوك اللي نسي أهله، الراجل هوا اللي ماينساش أهله، طول عمري بقى بدور على نموذج العيلة اللي زي جدي بس مش قادر أحققه، كنت منبهر بفكرة قيادة عيلة كبيرة، عارف أياميها كانت بتتعرض مسلسلات زي فالكون كريست ونوتسلاندنغ، عارف فكرة الأب الروحي دي كانت شغلاني وكان جدي مش أبويا هوا النموذج فيها. [يحكي أصدقاء كيف كان جيمي يتحرك خلال الثورة بفريق من الشباب مهمتهم حمايته الشخصية، لأن إهانة واحد من الآباء الروحيين الأربعة المؤسسين للألتراس هي إهانة لكل أعضاء الرابطة، الرابطة نفسها تشبه تنظيما حلقيا متدرجا من السلطة. الآباء الأربعة الكبار شخصيات يعرفها فريق ضيق من الرابطة، جيمي يكتب المانيفستو، يطور الأفكار، وآخر هو الكابو مسؤول الفيلق الهتافي الأساسي في المدرج، وثالث يختص بأمور التنظيم والتشكيل. تضم الرابطة نحو 6 آلاف عضو، يتدرجون حسب درجات الولاء وإثبات الجدارة. وهم نحو 200 شخص، يعرفون بعضهم البعض ويشكلون «القلب» وهم المسؤولون عن نقل وعي الألتراس للأعضاء. أسفل هذه الحلقة هناك حلقة الأعضاء المنفذين وهم ينقسمون تاليا إلى الجيوش المناطقية، وتضم بين المئات والآلاف، ويسمى كل جيش باسم كودي، فهناك الأشاوس مثلا لجيش المطرية، ثم العفاريت لشبرا، والمجموعات المناطقية هي لشباب بين السادسة عشرة والعشرين على أقصي تقدير، يكونون جيش الصدام مع الأمن أو مشجعي الفرق الأخرى، ويستمد الأولتراساوي ثقافته من كون المجموعة هي أصل اللعبة، لا اللاعبين ولا مجلس الإدارة، الجمهور هو اللاعب الأول وليس الإثني عشر، ولا لعبة بدون جمهور، ولا نادي بلاجمهور، ويرتبط وجودهم في المنطقة المنحنية خلف المرميين وتصميمهم على احتلال هذه المنطقة أو ثقافة «لا كيرفا» بتاريخ جماهير الطبقة العاملة من المشجعين. منذ طرد فقراء المشجعين إلى المنطقة الأسوأ من حيث المشاهدة خلف المرمى وذات التذكرة المنخفضة، في ثمانينات القرن الماضي والألتراس يجلس في كل مكان في العالم خلف المرمى، مهمتهم ليست المشاهدة بل التشجيع الحماسي بلا توقف طوال التسعين دقيقة، سواء كان الفريق منتصرا أو مهزوما، يعبرون عن فرحتهم بإستعراض «الشماريخ» المقذوفات التي توجه إلى أرضية الملعب فرحا أو إحساسا بالغبن. لايتوحدون مع اللاعبين، ولا مع المدرب، يصل الأدرنالين إلى قمته بصدامهم مع الشرطة الذي يبدو غاية لا وسيلة لجذب الانتباه، ويتبادل ويتنافس اعضاء الروابط عبر العالم في التنابذ بالفيديوهات التي تظهرهم يلقنون الشرطة حفلة تأديب، يذهبون إلى المعركة مع الشرطة بترتيب يضمن تصوير الكليبات، ويظهر جيمي في أكثر من كليب يضرب ويصور في نفس الوقت على مواقع اليو تيوب، وقد أنشأ جهاز أمن الدولة المنحل في مصر إدارة خاصة بإسمهم «إدارة متابعة نشاط روابط الأندية». قبل الثورة بشهرين قطع ألتراس الأهلي والزمالك أحد أهم الطرق الرئيسية بمنطقة المهندسين البورجوازية وتبادلوا الصدام بالمولوتوف والسيوف والشماريخ وحطموا نحو 40 سيارة منها سيارات للأمن إثر مباراة كرة السلة بين الطرفين في معركة استمرت ثلاث ساعات وظهر جليا خلالها عدم قدرة الأمن على مواجهة الطرفين.]

كتبت في مدونتي في 2005 أن طموحي أن أؤسس عائلة يكون اسمها الأول هوّا أنا، تبدأ بي، البيزنس العائلي والمافيا، أينعم عندما كبرت فهمت مايعنيه ذلك من إقصاء، لكن وأنا صغير كنت تقريبا بدوّر على الفكرة دي، دخلت الكشافة وتقدر تعتبرها هيّا بنية حياتي، طول الوقت كنت في تسلسل قيادي من 8 سنين لغاية 24 سنة، كنت حابب فكرة أني يكون عندي ولاد وقبيلة وخطوط أمامية وخلفية يرجعلها الواحد، في الجماعة المتفوقة دي كل فرد بقوة أنه يفرض إرادته على الجماعة يا يكون بيستمد قوته من كونوه واحد من الجماعة... أنا أتولدت في المطرية وأصلي صعيدي، واتربيت عند أمي في السويس، درست في الشرقية 9 سنين وأتجوزت وطلقت في إسكندرية، دا خلاني أفهم يعني إيه ولاد العاصمة والأرياف وأولاد البحر وبيتكلموا وبيحسوا بإيه. أنا بعتبر نفسي سفنجة، بقدر أمص ثقافة اي مجتمع بخش فيه أو ناس بقابلهم، أنا مؤمن أن كل البني آدمين يقدروا يغنوا، يقدروا يعملوا مزيكا، وأي حد ينفع يرسم لو توفرت ليه الأدوات، كل تطوير الإمكانات يخلق أي حاجة، أياميها كنت بقرا رجل المستحيل (شخصية كتب أطفال اشتهرت في نهاية الثمانينات لضابط مخابرات مصري يواجه الموساد في عمليات عبر العالم، شخصية خارقة تجمع بين القوة والذكاء والمعرفة والذكورة المغوية)، وهوا اللي خلاني أأمن إنه ممكن اي حد يبقي هيرو، الناس كلها ممكن تبقى أبطال، لهيرو مش سوبر هيرو، هيا دي حكمة الدنيا دلوقتي، العالم برا بيقولوا اللي بيشتغل أكتر هو اللي بيملك إمكانيات أكتر، أنا ابن عصر مبارك، وابن إحباطه، في السويس كتير كانت المحافظة تتحضر لزيارته ويطلّعونا من المدارس عشان نقفله ع الطريق عشان عيد السويس الوطني، نقف في الشمس كام ساعة وبعدين العربيات تعدي من غير ما يكون مبارك فيها، كنا بيجيلنا خذلان ونسأل نفسنا إشمعنا إحنا المحافظة الوحيدة اللي مبارك مابيجلهاش؟ وبعدين أيام الجامعة كنا في أسبوع الجامعات في المنيا وكنت في منتخب الجوالة وكان جاي جمال مبارك يقابل شباب الجامعة، ساعتها أجبرونا على الاستحمام تحت إشراف قائد الفريق، دا موضوع خلاني اتجنن وقلت مش عايز أشوف وجهه، فعلى الرغم أني كنت بتفوق في المنظومة الجماعية إلا أن تمردي كان غلاب، تحديدا حوالين الحقوق، مش متمرد ع المنظومة، مش ناقم على أني أحضر طوابير الساعة ستة الصبح، كنت ناقم على إننا نعمل مثلا خدمة عامة نظافة للشارع، لما رحت الجامعة في السويس اشتغلت لأني كنت عايز أبعد عن أهلي وأستقل وأبعد عن السويس والقاهرة والدنيا، كنت مطرب في الأفراح الشعبية بغني أغاني الفترة دي العاطفية اللي من سكة مصطفى قمر، كان الغنا أسهل حاجة ممكن أعملها وتجبلي اللي ساعدني في الدراسة، سميت نفسي سامر عشان كان شعري ناعم وعلى جنب. في الأفراح البلدي كنت بقدم فقرة الأغاني الشبابية اللي واكلة في الأيام دي، محمد فؤاد وحمادة هلال وإيهاب توفيق، طبعا الدنيا مشيت حلو، رغم مشاكل الالا تية (كلمة تطلق على العازفين في الباندات الشعبية). قعدت تسع سنين بدرس ولحد دلوقتي أعتبر طالب، أصلي بكره المذاكرة فمدخلتش لا التدريب العسكري ولا التدريب العملي ولا قدمت مشروع تخرج، معلقهم لحد دلوقتي، وأنا مش مهتم أصلا، أنا وحيد وماليش جيش، كنت قدمت وأنا صغير اصلا في الكلية الحربية ووصلت لكشف الهيئة ومدخلتش. كنت عايز أدخل الحربية عشان أبقى ضابط مخابرات زي ادهم صبري، وعشان محدش بيتكفل بيا ودي مؤسسة ممكن أكمل فيها حياة الإنضباط اللي عشتها طول حياتي في الكشافة، مين حيعملي طوابير صباحية غير الجيش؟ في كشف الهيئة كنت حاسس أني مقبول لدرجة أني تعاليت على الناس كلها، كنت شايف نفسي واحد واخد أوسمة في الكشافة، بلعب تايكوندو وكونغ فو زي كل أبناء جيل نهاية التمانينات اللي كانوا شايلين الفرامانش (أداة قتالية) في الأحواش والفصول، وعندي إمكانات بدنية. طب حيلاقوا مين أحسن مني؟ أنا طول عمري مربي نفسي على أن أي حد مضطر أنه يقبلني، لأن أنا أحسن من اي حد، حتى لو ماحبتنيش هوا مضطر يقبلني لأن مفيش اللي أحسن مني، أنا بشتم كل الناس على مدونتي حتى اقرب الناس ليا، ومعنديش عزيز ولا غالي ومعروف عني دا، وهوسي لحد دلوقتي أنك ممكن ماتقبلنيش بس أنت مضطر لاحترامي وتعترف أن أنا موهوب. أنا طول عمري بلعب على تلات أربع محاور، أول محور أني أكون نضيف، يعني مافيش شبهة عليّا في رزقي، وأقدر أأتاك (أهاجم) أي حد، يعني ما عليش شبهة، ماحدش في الوسط السياسي يقدر يقول أني عميل أو بقبض من حد، أنا مثلا في الماليات بخبط، عمري ما أطلب شغل من حد، أنا حياتي بتقتات على المعارك، لأنها من غير معركة مملة جدا ومالهاش قيمة. أنا ما بروحش للمعركة بس على استعداد ليها في أي لحظة، أجبر حتى الأعداء على احترامي، مابحبش الشغل السهل ولا المماينة (النفاق) مع حد عشان يشغلني، ولو في السكة عملت أنت خرا حتلاقيني أول واحد يديك لكومية (لكمة). يعني مثلا أنا كنت بشتغل في الدستور ومسؤول عن الموقع وليا ولاء للمكان، بس كنت بقطع (أنتقد) الدستور في مدونتي، اللي يقدس الموهبة ما يعبدش الأشخاص، الحياة أنك تكرييت (أختلق) هيرو فعلا، أنا مابلبسش غير الأبيض يا الأسود، ومعنديش خالص باليتة الألوان التانية دي في حياتي، ولو مابشجعش الزمالك (ذا الرداء الأبيض) كنت حلبس اللون الأسود بس. إنت يا إما صاحبي وتقتل فادفن معاك الجثة يا مانبقاش صحاب. يا صاحبي ياعدوي، يا معرفة في الخلفية، واحد بيشرب قهوة في خلفية كادر المانغا، المقدمة فيها إتنين بيتآمروا أصحاب أو أعداء وهما دول المهمين.

[في ليلة الرابع والعشرين من يناير، وبتنسيق مزدوج بين رابطتي الأهلي والزمالك نشر موقعهما بيانا موحدا يؤكدان على اعضائهما عدم النزول للشارع. كانت قيادات أمنية قد استدعت قيادات الطرفين وهددتهما بإعتقال المئات، لكن البيان وضع جملة سرية المعنى تؤكد على ضرورة النزول. جملة تلمح إلى أنه بيان موضوع لإرضاء الأمن لا اكثر. كانت الجملة في نهاية البيان تحمل تعبيرا عن تفتح أزهار الحرية في مصر، وبتنسيق مشترك تم تعديل مناطق النزول بشفرة سرية خاصة حتى لا يحصل جواسيس الأمن داخل الروابط على التعديلات. تحرك ألتراس الأهلي من جامعة الدول العربية وعين شمس والمطرية، تحرك التراس الزمالك من شبرا والهرم وفيصل ومدينة نصر، تقدموا صفوف الصدام بصيحاتهم وأعلامهم وهتافاتهم المدوية، نشوة الأدرنالين في الشوارع المفتوحة وقد تسلحوا كما في الإستاد، ماسكات على الوجه وتريننغ سوت ذو غطاء رأس، يتحركون في صفوف ملتحمة، حضروا جرادل الرمل والدروع والعصي، ويتحدث السياسيون عن مفاجأتهم بحشودهم تطارد فلول الأمن المتراجعة عن الميدان في مغرب اليوم الأول. صمم الألتراس منذ اليوم الأول على إقتحام مجلس الشعب وإحتلاله، قاومهم السياسيون، كانوا الفصيل الوحيد الذي أخذ رهائن من قوات الأمن، ضباطا وعساكر تم تجريدهم من ملابسهم الرسمية واقتيادهم وربطهم في أعمدة الإضاءة. دخلت مجموعة من شباب الألتراس مركز هشام مبارك لحقوق الإنسان في الليلة الأولى تعرض نحو ثلاثين بدلة ميرية بعد أن أطلق سراح قوات الأمن، في جمعة الغضب الأولى في 28 يناير أداروا وحدهم معركة مسجد الاستقامة التاريخية بميدان الجيزة، حين اعتدى الأمن على البرادعي والمسيسين انقسموا إلى فريقين، واحد اعتلى كوبري الميدان وأمطر قوات الأمن من أعلى، والثاني هجم أرضيا، جرادل المياه لإطفاء قنابل الغاز، إطلاق الشماريخ والمقذوفات على مدرعات الشرطة وإشعالها بأعمال فدائية فردية. حين اعتلت فرقهم المدرعات الطائشة التي دهست المتظاهرين واستخدموا الشماريخ المجمعة كقنبلة يدوية، في السويس، استخدموا مقذوف البارشوت كآر بي جيه يتمترس ثلاثة لإطلاقه في وجه تجمعات الشرطة بدلا من إطلاقه للسماء، قتل منهم ستة (أربعة من الزمالك وإثنان من الأهلي) في أحياء المطرية وشبرا ومواجهات التحرير.]

جيمي هود هوا نموذج للوعي الفوضاوي، ودا اللي قريته بعد كدة، من وأنا صغير لما كنت مالقيش فلوس وأكون جعان، كنت أنزل على أي غيط أسرق طماطم وآكل وكلّي قناعة أن دي مش سرقة، لأني ماخدتش الحاجة دي أبيعها، أول حرامي في التاريخ هوا أول واحد بنى سور حوالين قطعة أرض، بعد كدة قريت أوراق ناستور باخنو، إيمان بالأناريكية طالع من أني مقتنع بضرورة العنف، أو وجود فصيل قوي قادر يعمل مشهد القوة لحماية المبادئ اللي مؤمن بيها، ودا اللي أثبتته الثورة المصرية، لازم يبقى في الجبهة خط بيهاجم ويدافع، لأن السياسيين اللي في النص أو ورا ماكنش ممكن يكملوا لولا روح القتال اللي في الأول، في لحظة الصدام والعنف بتتخلق القيادة الطبيعية مش القيادة السلطوية، ومشاهد كتيرة في الثورة كانت كدة. واحد ظهر من بين الناس ملهم يقود بالفطرة، هما دول الأناركيين اللي مش مهتمين يوصفوا نفسهم كدا أو يعترفوا بدا، وبكره البرادعي للسبب دا، لأنه غريب وماكنش في أي معركة بيظهر بطولة طبيعية.

جدي كان عنده عربية بيضة، البايب بتاعه أبيض، الجلابية بتاعته بيضة عليها خطين حمر عند الجيب، الأهلاوي الوحيد في عيلتنا كلها هوا أبويا، وحاول يغيظ جدي ويسميني بيبو (إسم نجم الأهلي في السبعينات) بس أنا رفضت عشان جدي. جدي كانت حياته محورها الزمالك، بيتبرع بالفلوس للنادي، وياخد قرارت وفقا لحالة الفوز أو الهزيمة، خد ميعاد جواز أبويا وأمي أصلا بناء على فوز الزمالك، وعمري ما أنسى ماتش الفريق نهائي إفريقيا قدام أشانتي كوتوكو في 92، كنت بتفرج زي المجنون وبقطع هدومي (16 سنة). هنا ظهر المشجع الراديكالي فيا، مابعترفش بالمشجع الكاجوال أللي أول مشهد ليه لما راح الإستاد وأخضر أرضية الملعب بيبان تدريجيا في الطلوع (الرومانتيكية). انا لأ، أنا بفتكر أول مرة أتحرقت فعلا وأنا بتفرج ع ماتش، حتى لما كنت في السويس جربت إزاي تشجع فريق درجة تانية وتطلع بيه ممتاز، هيرو الجيل بتاعنا هوا محمد صبري (أحرف لاعبي جيل التسعينات) واد أبيض متمرد، بيدور على خناقة في الملعب، مايهموش المكسب يهمه اللعبة الحلوة، وهوا بشوط الكورة على شوبير (حارس مرمى الأهلي)، وهوا 19 سنة عينيه فيهم غل وبيقطع الفانلة، اللي بيشرب سجاير وبيتخانق مع المدرب وزمايله.

في نهاية التسعينات زرت هولندا، ارتبطت هناك برابطة أجاكس (في إيه كيه 12)، وكان مبهر ليا أشوف في الرابطة أعلام فلسطين وإسرائيل في نفس المدرج، متقبلين بعضيهم من غير قلق. لما رجعت لمصر كنت كاره روابط المشجعين التقليدية، قابلت على المواقع الإلكترونية مهتمين بالموضوع وبدأنا تأسيس «الفرسان البيض الفائقين» في 2007. الروابط التقليدية عندها علاقة بمجالس الإدارات، بتقبض منهم أو بتشتغل مع رجال الأعمال، الألتراس لا تستقطب أو تجند بالشكل السياسي، يولد الشخص ألتراس متمرد فوضاوي وبوصل لوحده للمجموعة، عنده إستعداد يضحي بوقته وفلوسه وحياته ومراته وعياله عشان النادي، الولاء لقانون الرابطة، كان معايا 40 غيغا أفلام وكليبات لألتراس حوالين العالم، منطق التأسيس واحد عبر العالم، الظهور، محاربة الروابط القديمة وتصفيتها، الصدام مع الإعلام والأمن، الصدام مع مجالس الإدارات، طور طبيعي، الفارق بين ألتراس الأهلي وألتراس الزمالك هو فارق ثقافة كل نادي، الأهلي هو القوة، فوق كل الناس، التاريخ، المدمر، المغرور، الواثق دائما من فوزه، الزمالك: إحنا الرومانسيين مع فرقتنا، العيلة الواحدة، المظلومين غالبا، شعار ألتراس الأهلي: أخوة الدم، شعار ألتراس الزمالك: وحدي ضد الجميع. الأهلاوية ماعندهمش أزمة أن رئيس مجلس إدارتهم يسرق الدولة عشان الفريق، الأهلي شايف نفسه نادي الوطنية المصرية، الزمالك شايف نفسه نادي ملكي قايم على جماليات الفردية والنخبة، الأهلي يشتم شتيمة مباشرة، نحن أكثر فنية في استعراضنا، الدخلات الاستعراضية المصممة بلوحات جماهيرية كبيرة مجال تنافس وحرب سرية بين المجموعتين، لدينا جاسوس وسطهم في القيادة العليا، ولديهم جاسوس وسطنا في نفس المستوى، جاسوسنا يصور من منحني ملعبهم دخلتنا وجاسوسهم بالعكس، والحرب مستمرة، نحن أقرب للعائلة ومناطق الفرنسيين، هم أقرب لعنف المافيوزو الدمويين في إيطاليا.

مشاركة الألتراس في الثورة جاءت لأنها مناسبة لضرب الشرطة علقة، لاعلاقة لهم بالسياسة بشكل مباشر، القلب في المجموعتين ظهر من اليوم الأول، بعد الصدامات ما اشتعلت نزلت الألوف في 28، ورغم كدا اخترق الأمن الطرفين ونزل ألتراس في جناح الثورة المضادة، واشتبك الجانبين عند شارع القصر العيني وسرعان ما انضم اللي مع الأمن للثورة، ماكنتش أول مرة الألتراس من الجانبين يتحالفوا، إتحالفوا أول مرة في معركة الجزائر لما الأمن ضربهم في وسط البلد، فيه قواعد ثابتة للإشتباك، المنطق زمان كان الدفاع عن النفس، دلوقتي الإتجاه إلى ثقافة العصابة الصدامية هي المسيطرة.

عايدة... كاميرا الميدان التي تكره الجيش

أنا من مواليد 1988، خريجة معهد السينما من سنتين، كنت شغالة قبل الثورة في فيلم عن الدعارة في مصر، المفروض كان يتعرض يوم 29 يناير وجت الثورة، الفيلم إنتاج مشترك بيني وبين مؤسسة أهلية أسمها «الكرامة»، ماكنش ليا إنتماء سياسي قبل الثورة، يعني إجتماعات أو مجموعات أو كدة، كنت بنزل على المظاهرات الكبيرة، عن غزة أو الحد الأدنى للأجور. جربت أحضر إجتماعات تنظيمية كام مرة مع شباب كفاية، كام إجتماع بعد خالد سعيد مع بعض المراكز، بس ماحبتش الموضوع، عمري ما كنت أتخيل أن اي حاجة قبل الثورة ليها معنى، كنا بننزل بس عشان أداء الواجب مش أكتر، عشان الاحساس بالذنب، بس دلوقتي لما أفكر أحس أن الحاجات اللي قبل الثورة دي جمعت، بدليل أن شعارات الثورة خارجة من على لسان كمال خليل وبتوع كفاية، عيلتي ماكنش ليها علاقة بالسياسة، أنا كبرت لقيت أمي بتشتغل في حقوق الإنسان والجندر، دي السياسة بتاعتها، ووالدي مات، طالعة بس بسمع عن قصصهم أيام السبعينات والتمانينات، قصصهم مجموعة من الذكريات اللطيفة اللي ما أنتجتش تاريخ حقيقي وإلا كان وضعنا دلوقتي غير كدة، أسباب فشلهم هيا هيا أسباب فشل اللي قبلهم واللي جم بعدهم، مع الأخد في الإعتبار أن ظروفنا طبعا أحسن دلوقتي، فيه الإنترنت وبتقابل الناس بمليون طريقة، مش مضطر تشتغل سري وفيه حرية أكتر من زمان. همّا كانوا مركزين في الكلام بتاع ماركس ولينين والتنظيم والنظريات والنظريات، ودا كانت حاجة فيها تعالي، والطبقة العاملة والثورة دي أثبتت أن كل الكلام دا فاضي ومش حقيقي، دمرت فكرة الشخص المتخصص سياسة، طبعا الأوضاع الطبقية مهمة، بس أعتقد مثلا أن خدعة كلمة سلمية دي جاية منهم، الحقيقة أن اللي عمل الثورة دي هيا العنف، تحديدا في 28 يناير يعني اللحظة الحاسمة كان العنف دموي بين الطرفين، على أرض الواقع كل نظريات الطبقة ماكنتش عملية أو بتنجز، مثلا هما كانوا شايفين أن تحالف الطلاب والطبقة العاملة هوا الموضوع، الثورة كان وقودها الحقيقي شباب لا همّا طلاب ولا طبقة عاملة بالمفهوم بتاع زمان، ولا همّا مسيّسين بالمسطرة القديمة. الغالب في الثورة كان التيار الفوضوي، لو حتحلل نوع الكلام والأكشن، الفوضاوية هي السلوك الحقيقي الثوري اللي بدأ يوم 28 يناير ولخص الموضوع. حركة زي 6 أبريل هيا اللي حركت بالفعل شباب من المناطق الشعبية بطاقة الغضب مش بكلام السياسة والأيدلوجيا. هما اللي عملوا المشهد المنظم يوم 25، أنا طلعت في اليوم دا من المهندسين، الكل خرجوا مجموعات صغيرة بس كان عندهم ثقة أن فيه ناس حتتجمع حواليهم، دعوة المجموعات السياسية جابت طبقة وسطى في 25 ومعظمهم ماكملش زي الناس ماهي فاكرة، القمع الشديد ليهم خوّف جزء كبير، بس كانوا مفيدين في إنهم يعملوا الشكل الحلو بتاع الثورة. في 28 جبت من تحت خالص، الناس إتشجعت لما شافت الأمن بينهار فأجهزوا عليه في الأقسام والمناطق الشعبية، ومن دول سقط الشهدا وبيهم سقط النظام بجد.

[طافت عايدة في الأسبوع الأول خلف الصدامات، وعندما احتُل الميدان ليلة 28 كونت مع مجموعة من السينيمائيين الشباب خيمة بالكعكة الحجرية الشهيرة، إسمها خيمة توثيق الفيديو، وكانت تلك الخيمة مركزا لإعداد الفيديو وإرساله إلى القنوات واليو تيوب. حملت عايدة الكاميرا منذ الساعة الأولى وحتى يوم 9 مارس الماضي، ينادونها على التويتر بعايدة «اللي كانت بتصور كل حاجة»، وفي معركة الجمل بدت كالمنومة وهي تخترق الصفوف بالكاميرا حتى حاجز القنص عند المتحف. لم تكن تفعل شيئا إلا أن توجه كاميراتها للناس فيتكلمون، يحكون حكايات، يعلنون بيانات، يوجهون رسائل إلى النظام أو إلى أبنائهم في البيوت. بدأوا علاقتهم بها بإنفعال تسجيل الشهادة وانتهوا إلى عدم إيلائها أي إهتمام وهي ترصد محادثاتهم الجانبية، وهي توحدت في ما يشبه الحالة الصوفية بالعدسة. بدت كمن لا يصدق أن التاريخ يصنع الآن، وبدلا من البحث عمّن يقرص أذنها حولت نفسها إلى شريط خام، لهذا كان وجهها في الميدان يشبه الريبوت، المسرنم الذي يعرف أنه يمر بأسعد الكوابيس أو الأحلام، وضغطة زرها بإيقاف التسجيل كانت تعني فقدانها لديمومة ما تحياه، كأنها ستعود إلى كابوس الحياة الواقعية فيما قبل الميدان]

أنا لو رايحة عيد ميلاد واحدة صاحبتي باخد الكاميرا، عندي توثيق لكمية سهرات وقعدات، دي آداتي الوحيدة، مش مهم حعمل إيه بالماتريل، أنا صورت يوم كامل وهما بينقلوا تمثال رمسيس، معملتش حاجة بالموضوع، التجربة نفسها هيا المهمة، عشان كدة كانت الكاميرا طبيعية معايا من أول يوم مظاهرات، وما بنزلش الحاجات بمنطق أني مخرجة. في 25 بهتف من ورا الكاميرا، بجري وهما ضاربين نار والكاميرا مدلدلة من أيدي، بكحّ من الغاز والكاميرا شغالة، اللحظة اللي بختار فيها يا أنا يا الكاميرا كنت بختار حماية الكاميرا، بقفلها، يوم الجمل أنا معرفش لا أعمل مولوتوف ولا أرمي طوب، الكاميرا يوميها لزقت في أيدي، إحساسي أن الناس بتموت وأنا ممكن أموت جنني.

الميدان ولادة ودروشة

قضيت من أصل 18 يوم 15 في الميدان، وبعديهم 8 أيام في اعتصام شفيق، أنا طول الوقت في الشارع لأن الشارع هوا الأساس، مانضمتش لأي حاجة من الأحزاب أو الروابط اللي اتشكلت في الميدان أو خرجت منه، الثورة بقت المشي في الشارع والكلام مع الناس وتصويرهم، أنا تقريبا صورت 1000 ساعة، ومكنتش قبل الميدان على علاقة قوية بكل شلة الصحاب اللي اتكونت في الميدان. كنت أنا وسلمى سعيد نعرف بعض، أنا وعمرو أتضربنا مع بعض يوم 25 فبقينا صحاب. دخل علينا أحمد غربية ولبنى اللي جت من السفر، الناس من الإعتصام التاني بتاع شفيق بدأت تبقى هيا اللي مهتمة أنها تقول شهاداتها عن الضرب اللي بيعمله الجيش، خاصة لما الإعلام إتسحب وبقينا لوحدينا ضد كل اللي برا الميدان. زاد إحترام الناس لفكرة أننا واقفين ضد التعتيم. الخيمة من أول الاعتصام بدأت لما الحكومة قطعت النت. كان فيه واحدة صاحبتنا مشتركة على سرفر ماتعطلش إسمه نور (سرفر شركة خاصة مختصة في نظم المعلومات وتعتمد عليها الحكومة والبنوك ولا تقدم خدماتها للجمهور العادي). كان كل المخرجين بيجيبوا الماتريل بتاعهم مجاني، الكل نسي ذاتيته وبقي بيسلم المادة للخيمة عشان أكبر كمية من الصور يوصل للعالم برة الميدان. حاليا أنا مش شايفة أن الثورة خلصت عشان أقعد أمنتج، قدامي سنة على الأقل، أنا مدخلتش الميدان شغل، والمونتاج يعني نهاية دوري كثورية وبداية عملي كمخرجة. ماكنش مثلا ينفع أخرج من الميدان عشان أمنتج زي ماناس كانت بتنزل الميدان كلوكيشن تصوير، كمان لأن محدش يقدر يدعي أنه فاهم اللي بيحصل والدنيا واصلة لإيه، الخطر لسه قائم.

اللحظات اللي مش ممكن تتنسى في الأيام دي يومين هما 28 ويوم الجمل، كنت ماسكة الكاميرا وبعيط طول الوقت. الناس كانت بتسأل عليّا عشان تتطمن علي: «البنت اللي ماسكة الكاميرا وبتعيط». منهم واحد سلفي قعد يعيط ويطبطب عليا ويقولي ماتعيطيش وكل دا طلع في التصوير، ماكنتش مصدقة أني ممكن في يوم واحد بالتركيبة دي يلمسني ويكون مصدر إطمئنان.

كمان الناس الكتير جدا اللي كانت بتروح تلف شاش وقطن على جروحها وترجع للخطوط الأولى، دي مشاهد فيها تحول 180 درجة للشعب المصري. التنويعة بتاعة الميدان بدءا من اليوم الرابع وحدها الموت، محدش يقدر يزايد على بنت لابسة قصير وهيا زيها زيك مستنية الموت في الميدان، تكافل فظيع، الناس جسديا أصلا بقت كتلة واحدة، الكل بيطبطب وبيحضن بعضه.

بعد قعدة فيلمكو عن التسعينات كلمت باسل ليكون زعلان مني، أنتو زي السبعينات، ناقمة عليكو، لو أنتو عملتوا كل البطولات دي، طب أيه القرف اللي أنتو سيبتهولنا دا؟ أنتو كمان آباء للهزيمة اللي إحنا فيها، سبتونا وعايشين في الذكريات والمطلوب مننا أننا نهد العالم ونبنيه، ولاحد منكم بقولنا الطريقة دي منفعتش ليه، ولاحد بيقول أقعدوا واهدوا وافقدوا الأمل. قولوا بوضوح أي حاجة تنور الطريق، أنتوا غاوين تغرقوا في قصصكم المهزومة من غير ماتعرفوا مردود دا إيه علينا، مجرد حكايات بتجيب ضحك حزين.

الثورة دي بتثبت أننا شعب عفوي ضد التنظيم، إحنا في الميدان كان صعب تنظم أي حاجة برة المعيشة، ناس حاولت تنظمه سياسيا وكان فشل ذريع، دا يبان حتى في شهادات الناس في التصوير، كلامهم فعلا ضد السلطة والنظام بكافة صورها، لايسارية ولا يمينية ولا دينية، ممكن تلعبوا أنتو سياسة وتسيبولنا إحنا الشارع، عشان كدة مش حدخل أي حزب، الشارع هنا مش مجرد الميدان، العمال والمصانع مهمين لأنهم هما اللي حيوقفوا عجلة الإقتصاد ويضغطوا، هما أكتر ناس حتأثر عليهم الثورة ولو ماحققتش طموحهم يرجعوا تاني للشارع. مثلا كل ما نخاف ننزل الشارع ونروح نبص نلاقي مجموعة مش عارف جاية منين بتهتف برحيل طنطاوي (وزير الدفاع) عشان هما أهالي شهدا، هما بس محتاجين أن السياسيين يدعموهم، الناس مؤمنة أن الموضوع مش سجن مبارك، هدفهم تكسير كل السلطات اللي موجودة، أنا ماكنتش بحس بالأمان إلا في وجود مجموعات الألتراس، العيال دي بتنزل عشان تخلص، بينزلوا بس عشان يضربوا الأمن، دول الأنركيين الحقيقيين، دول اللي فاهمين الجيش وعارفين أنه عدونا، هما وكل الناس اللي تحت الطبقة الوسطى اللي شغالة دلوقتي في إسطوانة عجلة الإنتاج.

[تحولت عايدة ومجموعتها إلى مجموعة من مهاويس الميدان، وبعد أن خرج الجسد الأعم من الثورة إما لتحقيق أهدافه بإزاحة مبارك، وإما لبدء مفاعيل عملية التفاوض السياسي مع السلطة الإنتقالية، تحلقت في الميدان تنويعات ممن حرقوا مراحل سياسية متتالية وباتوا يفتقدون لأي إرتكاز إلا البقاء على الثورة في الميدان. تتميز تلك المجموعة بالحساسية الشديدة والصدامية مع الجيش، ومنهم جرى إعتقال العشرات متحدين مع تنويعات من أهالي الضحايا وبعض شباب المناطق الشعبية الذين يرفضون العودة إلا بتدمير كامل السلطة. وخلال ترتيب المقابلة معها اعتذرت عن الموعد بعد إحساسها بإمكانية اعتقالها من قبل الشرطة العسكرية بعد مشاركتها في إحدى المداخلات التلفزيونية، وورطت مجموعة من الأصدقاء في إطار حملتها الشرسة على الجبناء الذين تركوا الميدان، وورطتهم في العودة للميدان حيث تم الإعتداء عليهم من قبل فوضويي الميدان أصدقائها]

الثورة بالذنب

أنا بنزل الميدان دفاعا عن أي حد بينزل، السياسيين بيجبوهم ع التظاهرات، تلاقي السياسيين خدوا قرار بفض الإعتصام ويبيعوا الناس، بحس أن الناس اللي بتبات في الميدان دي مسؤوليتي، كواحدة من الطبقة اللي ماينفعش يضربوها عشان أنا مخرجة ومثقفة وورايا اللي بيضغطوا. طبعا فيه إحساس بالتكفير بذنب كل اللي بننتميلهم، ناهيك عن دوري في رصدي لكل التجاوزات اللي بتحصل ليهم، إحنا علينا مسؤولية، اللي لو فشلت الثورة نقدر نقطع تذكرة ونهرب برة البلد، لكن نغسل إيدينا من الناس العاديين دا مش موقف ثوري ولا محترم، الجيش بيفرج عن اللي ليهم وسايط وبيفرم الناس العاديين، يوم ما الناس حمت الضباط اللي نزلوا الميدان كنا عارفين سياسيا أن الموضوع حينتهي بمجزرة، بس ماينفعش نمشي ونسيب الناس من غير غطا، السياسيين همّا اللي منحطين فعلا.

الثورة حققت إسقاط النظام الأمني وأي إنجاز حصل حصل بالميدان، طبعا فيه علاقة بين ثلاثي الضغط، الجيش والفوضاويين والسياسيين، إحنا كل ما يتقبض على حد بنتصل ببتوع إئتلاف شباب الثورة اللي مابنحترمهوش أصلا. أنا رأيي أننا لو قدرنا نحشد مليون بشكل دائم ممكن نسقط طنطاوي نفسه، بس الإنتهازيين همّا اللي بيكسبوا فعلا من قلب المتفاوضين، محدش في الإئتلاف دا يعرف عدد المعتقلين أو المحالين للمحاكم العسكرية، إحنا اللي بنضغط وعارفين الأهالي، الجيش في رأيي بكل طفولة جيش شرير، همّا بالتنازلات والتفاوض بيفسدوا طابع الثورة. لما تقرا شهادات التعذيب والإعتقال تعرف قد إيه الجيش عدو للثورة، وبيتحالف مع الإعلام والسياسيين. أنا مش بشارك في أي نشاط توعوي، أنا ماليش غير الشارع والناس، إحنا اللي بنضغط على وائل غنيم وبحترمه أكتر من الإئتلاف، أكتر ناس بحترمهم هما بتوع 6 أبريل، موجودين يا إما بشكل فردي أو جماعي في كل الفاعليات، هيا ليه الثورة تبقى بطيئة وكسولة وتفاوضية. على فكرة، في أول شهر كان لما بنتكلم على الجيش كنا بنتشتم، من أسبوع قلت نكتة مؤيدة للجيش لقيت على تويتر ألف واحد بيشتمني، الناس بقت فاهمة زي الست اللي عارفة أن جوزها بيخونها بس مش عايزة تخرب البيت، فيه حاجة إسمها الشرعية الثورية لازم تسقط طنطاوي إنشالله يجي واحد فاسد تاني.

بصراحة حتى من قبل الثورة أنا كنت على إستعداد أنزل أي مظاهرة لو فيها تكسير، إحنا بنعوض غيابنا الكبير عن الناس الحقيقية، عن دعمهم، مش تكفير عن ذنب، بدليل أن الناس كانت بتتعامل معانا الأول على إننا الأجانب، شوية بقينا المثقفين، دلوقتي بيعتبرونا الشعب، ولما حد مننا بيغيب بيتصلوا يطمنوا علينا، دلوقتي لما بقعد مع حد ماعرفتوش في الميدان بحس بالغربة، وجودنا بيقول للناس العادية أن الثورة دي مش تعاطف، لأ دي ثورة كل الشعب.

خالد... الصبر ع الثورة مفتاح الفرج

أنا من مواليد 1974، أتولدت في الكويت، ابويا وأمي مدرسين وفضلت هناك لغاية سنة 1991، رجعت على دخول الجامعة، أبويا كان ناصري، تربية الإتحاد الإشتراكي ومنظمة الشباب، هوا أول واحد أداني قصيدة العنبرة لنجم، كنا عايشين في منطقة شبه ريفية إسمها الوفرة معظمها فلسطينيين، صحابي فلسطينيين ومدرسنا كمان فلسطينيين، قريت قدام ياسر عرفات قصيدة لنزار، كانت حادثة خاطر أول إحتكاك ليا بالسياسة، جندي مصري قتل إسرائيلين في سينا، عملتلوه الجرايد الكويتية حملة مليون توقيع لإطلاق سراحه، ساعتها لفيت المدارس في حملة التوقيع، كان المناخ كله موسيقى عدلي فخري، بس كمان كان ليا خال شيوعي هوا أول واحد أداني مجموعة «لحم رخيص» ليوسف أدريس اللي قلبت حياتي، تحديدا فيما يخص موضوع الأخلاق والشرف، وخال تاني كان إخوان مسلمين، نقاشاتهم هما التلاتة في سهرات البيت اللي لسه فاكرها فتحت عيني على الدنيا، بس اللي سيطر عليا كان فعلا الوعي الناصري، خاصة وأن الفترة دي كان فيها كمان تنظيم ثورة مصر اللي حاول إغتيال السفير الإسرائيلي. أذكر أني لما شفت حمادة شرف (أحد أفراد التنظيم) في 2005 بوّست إيده، ثم ختم الموضوع الإنتفاضة حيث «وين الملايين» كانت نشيد المرحلة. إحنا كنا عيلة بتيجي مصر كل سنة، كأنك بتشحن، هناك وهنا عديت على الإخوان المسلمين شوية، كنت عمال أتخبط، وجت حرب الخليج واتقسمت من جوا. كنت مؤمن ببلدي التاني الكويت، خالي الماركسي كان شايف أن من حق الدول الكبيرة تاخد البلاد المستغلة النفطية، مانشتمش صدام، والدي كان مصدوم ومضبب، خالي الإخواني كان حاسم أنه مع صدام، تقريبا دي كانت حادثة الصدمة في القومية العربية. وفي 1990 إنهارت عندي تماما الميول الإسلامية، لما شفت إزاي المجاهدين بيولعوا في بعض، لما ظهر عبد الرسول سياف ممثل الإخوان في أفغانستان عرفت أن الموضوع سياسة مش دين، سألت نفسي هوا الموضوع ممكن يخليني أتعصب لدين وأسيب فكرة التعاطف مع كل المظلومين في العالم؟ دا ردني للعروبة شوية، خصوصا وأن عبد الناصر كان تورط رومانتيكي للآخر ولحد دلوقتي مابقبلش حد يتكلم عنه وحش، قول أي حاجة عن الناصرية بس ناصر حاجة تانية. لما رجعت مصر دخلت هندسة منوف (كلية تخصصية في قلب دلتا مصر) والدراسة عطلتني لأن الكلية كانت عبارة عن مدرسة ثانوي، مدينة ريفية كل نشاطها قايم على الكلية وأنشطتها، لاساعة ولابرج زي ما كنت بحلم بجامعة القاهرة، يعني السياسة والمظاهرات، قعدت في الكلية خمس سنين، سقطت الخمسة وماعديتش سنة تانية هندسة، المكان كان محافظ جدا، يدوبك شلة من الصحاب الذكور بيتكلموا في كل حاجة، 90 في المية من الطلبة مغتربين، كانت شلتنا بتتكلم في كل حاجة، أفغانستان والعلمانية والناصرية، نقرا ونتناقش عشان نصنع حياتنا، كتب هيكل ومحاضراته في معرض الكتاب. نزلت أول مرة جامعة القاهرة سنة 1993، قابلت شقيق الطاهر (صحفي ناصري حاليا) كنت عايز أشوف الجامعة بجد، هاجمت عبد الناصر قدامه، قابلته بالصدفة، كنت أعرف شاب من منطقتنا في كلية حقوق، شفت معرض «مجموعة الدراسات الناصرية»، كانوا أربعة، شقيق الطاهر ومحمود عامر وعصام عبد العزيز و محمود البديه، وبدأت ماروحش كلية الهندسة. كان فيه كمان مجموعة نادي الفكر الناصري، لما سبت هندسة لأني رفضت أدفع فلوس للدكاترة رشوة عشان أنجح، الكلام كان واضح، دكتور ندهلي وقاللي ما معناه مش أنت أبوك في الكويت طب إدفع. أبويا كان عايز يدفع وأخلص من الكلية بس أنا رفضت، أنا كنت بسقط في مواد محدش بيسقط فيها، وبنجح في أصعب مواد التخصص، كراهيتي لمنوف هيا اللي كرهتني في الهندسة، على الرغم من أني أصلا من منطقة ريفية قريبة من القاهرة هيا المناشي (شمال القاهرة). عمرنا ما فكرنا نسكن في القاهرة عشان نفضل جنب العيلة بتاعة أمي، عمر المناشي ما كانت عائق عن إننا نكون مربوطين بالقاهرة، كنا نيجي في الأجازات نقضيها ملاهي وشارع الهرم، بنأجر مع أولاد خالي عربية وننزل نتفسح كل يوم، عيلة قبيلة كبيرة، كله متجوز من كله، في جامعة القاهرة أتعرفت كمان على خالد طلعت محامي محمود نور الدين، رتبلي زيارة ليه في السجن، كنت اول مرة أشوف بطلي، رحت معاه الزيارة كان طلته تفرح، لابس قميص وبنطلون شيك بيتكلم بوقار، صامد وفيه مهابة. أخيرا شفت الإنسان اللي معلق صورته فوق سريري، كنا لسة عاملين حملة صور وملصقات عنه فيموقف ناهيا، اللي بالصدفة خرجنا منه أول يوم الثورة، فاكر أياميها كتبت مجلة روز اليوسف أننا مجموعة مستأجرة من زوجة محمود نور الدين للتحريض، أدركت اياميها إن إنقسامات الناصريين كانت كلها نتيجة خلافات شخصية، عشان كدة في عملنا وحدة بين كل التنظيمات الناصرية بالجامعة بعيدا عن خلافات الأشخاص خارجها. في 1998 بطلت الناصرية، نتيجة إحتكاكي بالماركسيين لقتني أنفع ابقى شيوعي متعاطف مع التجربة الناصرية مش العكس، كمان كان سؤال البعد الأممي والعالمي شغال، أياميها كان تنظيم الشرارة قبل وحدته مع الإشتراكيين الثوريين. وائل جمال من ناحية ومحمد البعلي من ناحية تانية، كمان إحتكاكي بمجموعة المخيم القومي العربي، كان معظم صحابي فيه ماركسيين، وحصل أني أتفطمت فيه من العداء الغير مبرر لعرب 48، كمان لما شفت شرايط الفيديو بتاعة المقاومة، كان لأول مرة أفهم بجد المشكلة ثلاثية الأبعاد اللي بين الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين، بان هنا عمق التحليل الماركسي ومواقفه من فكرة الأممية والتحرر الأخلاقي، يوم عرض فيلم المقاومة قامت رئيسة الوفد السوري البعثية تقول أنها راعية المقاومة فردت عليها لارا الأردنية أن سوريا عمرها مضربت طلقة على الجولان. الموضوع دا فرق معايا جدا في إنهاء الحس القومي للأبد.

[كان خالد مندوبنا في مجلس قيادة الثورة، الجسر الواصل بين تاريخنا ودوائرنا بالمشهد الجديد، حبيب جماهير المثقفين وسياسيي التسعينات، كان حاضرا في كل لحظة عند الطلب، نحدثه بالتليفون لننقل له هواجسنا في الميدان، وهو من جانبه يكاد يبحث عنا لتوصيل بوصلة الميدان إلى شباب الثورة، ذلك الجسد الذي ظهر كقيادة من فاعليات الثورة ولعبت صدف تاريخية دورا في إختراعه، الإئتلاف الذي لو لم يكن موجودا لاخترعته الثورة إختراعا بأسماء أخرى. كان النظام يبحث عمن يكلمه وسط هذا الحشد، وناور أعضاؤه كثيرا في كشف هويتهم، تثقيلا لوهم السرية وتأخيرا للحظة المواجهة. لم يدع أعضاؤه أنهم صوت الميدان لكن الميدان فوضهم عندما احتدم صراع تكسير العظام. كان خالد الأقل ظهورا أو ذكرا في وسائل الإعلام، مهامه كانت تنسيقية على الأرض، مهام تشبيك هذا الجسد برأسه، مهام تسمح بها تركيبته الشخصية الشعبوية. فالإخوان يعشقونه، والليبراليون يحترمونه، واليسار أبوه. لم تنسه الثورة معشوقته الأثيرة، كنت تراه في المقاهي الجانبية موزعا بين هاتف التربيطات وعشقه الإيروتيكي للأرجيلة، يجمع التبرعات ومسؤول الإعاشة، صاحب التسريبات الهامة والأسئلة النهائية عن رأي الناس، وعلى عكس جذريته التاريخية بدا واثقا منذ اللحظة الأولى بإيقاع نجاح الثورة. وتحكي صديقة عن أنه قبل ليلتين من تفجرها كان يرقص مخبولا في إحدى حفلات السكر متنبئا بنجاحها. كان صبره لا ينفد وبهدوء من يرعى حجر الشيشة كان متأكدا من الاشتعال للنهاية]

تلميذ السياسة الخايب

أنا كنت ممثلا لمجموعة العدالة والحرية في ائتلاف شباب الثورة، وفيه فجوة عمرية بيني وبين أعضاء الجماعة، اللي تأسست بعد 6 أبريل 2011، تم إعتقالهم مع بعض، وفيه مجموعة كانت في جماعة 6 أبريل وضمت عليهم، وفي ناس كانت في كفاية راحت 6 أبريل وبعدين ضمت. تنظيرة العدالة والحرية ماركسية، الربط بين الحقوق الإقتصادية والسياسية، إزاي وصلت للمنطقة دي؟ ليه علاقة بتاريخي في التنظيمات الماركسية، أنا دخلت الإشتراكيين الثوريين لما اتوحدت مع الشرارة، قعدت فترة قبلها رافض الإنضمام لتنظيمات، أنا كدة حر وطليق ومش بحب الإجتماعات والنظريات والنقاش الكتير، كمان كانوا صحابي سابوا التنظيمات، بس بعد الإنتفاضة الفلسطينية في 2000 حسيت ضرورة أني أبقى في مكان، زهقت من الإشتراكيين الثوريين وفضلت القعدة على القهوة، محسوب عليهم لكن من غير تكتيف، كانوا مسميني الطالب اللي مابيحضرش الدرس. رجعت للسياسة التنظيمية مع كفاية، دي الميلاد الحقيقي، لأن كفاية رفعت شعار مصر أولا، نبصّ شوية على أحوالنا ونواجه خراب التوريث، خصوصا أننا عشنا كتير على القضايا العربية، منها حسيت أن الصراخ والضرب وشتيمة مبارك ممكن يجيب نتيجة. وكنت بقول كلام الإشتراكيين الثوريين من غير ما أكون معاهم رسميا. الناس كلها كانت مقتنعة بالعمل الجبهوي، بس محدش عنده القدرة على تنفيذه، عندنا العصبوية والمزايدة حاجات أساسية، طبعا بتبقى داخل لابس طقية الحزب السري بتاعك ومستني تصطاد عضوية من الجبهة، طب تصدق؟ الإشتراكيين الثوريين خرجوا من كفاية عشان مزودوش من خلالها أي عضوية، ودا اللي خلانا نعمل مجموعة منشقة هي تيار التجديد الإشتراكي، التيار لا يؤمن بأننا «المنظمة الثورية الوحيدة»، فيه حوالينا ثوار كتير ولا بد من التعاون معاهم، بس أنا مشيت من الإشتراكيين الثوريين لأني عملت مؤسسة خاصة. همّا بيرفضوا أن حد يكون عنده مؤسسة بتاخد تمويل أجنبي، قلتلهم أنا لا بشتغل في حقوق إنسان ولا عمال ولا اي حاجة ليها علاقة بالسياسة، أنا مؤسستي معلوماتية تكنولوجية. للأسف اصطدمت بتصميمهم، طلبوا أن مايكونش المشروع بإسمي، رفضت تماما وخرجت من التنظيم.

للأسف، جيل التنظيمات الجبهوية المفتوحة زي العدالة والحرية أو 6 ابريل معاديين بشدة لأي أيديولوجيا، ولما نقول أن الثورة دي من غير راس أيديولوجي دا كان ميزة، بس أتحول لعيب ضخم، عيب حيخلي اليمين هوا اللي يكسبها في الآخر، فيه كفر بالأيديولوجيا، الخطاب هوا شباب بيحب مصر، كلام من نوعية نلم 100 جنيه عشان البورصة تقوم دا كلام عار، الإتلاف حاجة من غير كاتالوغ سابق، العدالة، الجبهة، 6 ابريل، حملة دعم البرادعي، شباب الإخوان، المستقلين، هيا دي الست مجموعات، وكلها كانت على علاقة ببعضها بدءا من 2005. عملنا يوم 25 بتنسيق المناطق واجتمعنا يوم 26 متخيلين أن الموضوع خلص، جات لينا التلفونات أن الميدان مليان والأمن بيقبض على الناس، كنا ساعتها واخدين قرار أن الموضوع خلص، خصوصا أننا في ليلة 25 يناير في الميدان كنا متفاجئين بحجم الناس، طب حنصرف الناس دي إزاي بعد ماوصلنا لهنا. وقعدنا نفكر في رفع المطالب فيما بعد إقالة العادلي، ولما فض الأمن الموضوع بعنف خدنا قرار نجتمع تاني يوم في بيت زياد العليمي، خدنا قرار ندعو للجمعة اللي جاية وخلاص، لقينا التلفونات بتقول الدنيا مولعة، كنت منسق مع ألتراس أهلاوي، طب الناس مكملة إزاي متعرفش. كنا بنرتب ليوم 28، وفجأة جه الإخوان يقولوا أن الجماعة خدت قرار ينزلوا كلهم بكرة، ساعتها عرفت أن فيه ثورة، وخدنا قرارات حيضربونا حنضربهم، حيقبضوا علينا حناخد ضباط رهائن، ولو موّتوا حنمّوت. يوم 28 عملنا له خطة مساجد وبلغنا بيها غروب خالد سعيد، وخدنا قرار بالخروج من قايمة جوامع تانية إحتياطية، القايمتين أشتغلوا، والأعداد نزلت والناس ضربت وأتضربت.

يوم 5 فبراير خدنا تسمية الإئتلاف، كنا بنجتمع في خيمة على طرف المسرح الرئيسي، رفضنا نعمل الإجتماعات برة الميدان، ولما خرج 7 منهم من الميدان لمقابلة البرادعي إتقبض عليهم بالصدفة في خناقة. فيه لحظات فعلا سحرية، ومشاهد حصلت حاسمة زي القتل في السويس في 26 و 27، وعلى فكرة هتاف الشعب يريد إسقاط النظام ظهر من يوم 25 يناير في شارع جامعة الدول العربية من واحد عادي. إسكندرية اللي استولى فيها الناس على كل مباني الدولة ونصبوا محافظ، أبطال الثورة الحقيقيين حيفضلوا مجهولين طول التاريخ، ودي طبيعة اي ثورة، المشكلة أن المجتمع حادف يمين وهما عاملين شعارات اليسار حرية، ديمقراطية، عدالة إجتماعية، لأن كمان اليسار ضعيف، الثورة حتخلص على حاجات، منها الفتنة الطائفية، الأقباط حيخرجوا أخيرا من الكنيسة، وحيعرفوا أنهم حيناضلوا أصلا ضد الكنيسة عشان يرجعوا مواطنين.

فقدت الأمل مرتين في الثورة، 9 مارس و9 أبريل لما الجيش فض الإعتصامين في الميدان بالقوة، ورغم كدا الثورة حتكمل، حتكمل.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬