وحيد عبد المجيد

عُرفت الثورات المصرية في العصر الحديث بأسماء قادتها. فمن أحمد عرابي إلى جمال عبد الناصر مرورا بسعد زغلول، ارتبطت ثورات المصريين بقيادة معروفة سواء كانت الثورة شعبية كما في 1919 أو قادها الجيش ونالت قبول المجتمع كما في 1881 و 1952.

وهذا أحد أوجه الاختلاف بين ثورة 25 يناير 2011 الشعبية وتلك الثورات. فهي ثورة بلا قيادة محددة معروف عنوانها. لم يخطط أحد لإشعال ثورة شعبية تغير نظام الحكم، وإن كان من دعوا إلى مظاهرات أدت إليها تمنوا تحقيق أقصى تغيير ممكن، بعد أن حفزهم نجاح الثورة التونسية وجعلهم أكثر ثقة وأشد إصرارا. وأتاح لهم هذا الإصرار وتلك الثقة إمكانات لم تكن منظورة عندما دعوا إلى التظاهر في يوم يحتفل فيه جهاز الشرطة بعيده السنوي لتوجيه رسالة قوية من الشارع ضد انتهاكات هذا الجهاز لحقوق المصريين وحرياتهم واستهانته بكرامتهم.

غير أن مظاهرات ذلك اليوم تحولت إلى مقدمة ثورة شعبية عندما انضم إليها عدد أكبر من أية مظاهرات سابقة، وحين أفرطت قوات الأمن فى استخدام القوة ضدها.

غير أنه ما كان لمظاهرات اليوم الواحد أن تشعل ثورة يشارك فيها ملايين عدة على مدى 18 يوما إلا لوجود منهج جديد في الاحتجاج ومقاومة التسلط والظلم. وقد اقترن هذا المنهج بجيل جديد من الناشطين أجاد استخدام وسائل ثورة الاتصالات وتوظيف مواقع التواصل الاجتماعي لتعويض غياب قيادة على الأرض. فإذا كانت إحدى أهم وظائف القيادة في مثل هذه اللحظات من تاريخ الأمم هي تنظيم حركة الجمهور وتحديد اتجاهاتها حتى لا تكون خبط عشواء، فقد أدى مئات من الشباب هذه الوظيفة من خلال التواصل الالكتروني بينهم أولا، ثم مع مجموعات أوسع في مواقع جغرافية مختلفة في داخل القاهرة كما في محافظات أخرى كان لاثنتين منها (السويس والإسكندرية) فضل عظيم في نجاح الثورة إلى حد أن أحد المراقبين استخدم «لغة» كرة القدم للتعبير عن دورهما إذ اعتبرهما بمثابة «الجناحين» اللذين زودا «قلب هجوم» الثورة في القاهرة بالمدد اللازم لإحراز أهداف.

وبالرغم من أن مصريين من معظم الأجيال شاركوا في فعاليات الثورة، سواء في بؤرتها المركزية في ميدان التحرير أو في الميادين والشوارع التي شهدت هذه الفعاليات، تظل هذه ثورة جيل الألفية الجديدة الذي نقل النضال الاجتماعي السياسي نقلة نوعية عندما ربط فضاء «الانترنت» الذي لا تحده حدود بالواقع على الأرض لتحريره من القيود.

ويبدو أنه لم يعد ممكناً في الأغلب الأعم أن يوجد قائد فرد لحركة شعبية كبرى في عالم «الانترنت» حين تكون الأدوات الالكترونية هي وسيلة التعبئة المعتمدة، وفي وقت بات صعباً اختصار الشعوب والمجتمعات في شخص واحد مهما كانت قدراته على التأثير في الناس. ولذلك لم يظهر بين الشباب، الذين دعوا إلى مظاهرات 25 يناير وقادوها وساهموا مع غيرهم في استمرار الاحتجاجات الواسعة التي اقترنت بها وتحولها إلى ثورة، من يمكن أن يكون قائدا فردا. وحتى أكثرهم شهرة، وهو وائل غنيم، الذي أبكى ملايين المشاهدين في برنامج تلفزيوني عندما سالت دموعه حزنا على رفاقه الذين استشهدوا في الأيام الأولى للثورة حين كان هو محبوساً، لم يكن أكثر من شريك في الإعداد لهذا التحول التاريخي.

ولم تمض ثلاثة أيام على تفاعل أعداد هائلة من الناس معه حين بكى بحرقة على الهواء ولم يستطع إكمال البرنامج حتى كان خلاف علني قد نشب بينه وبين بعض رفاقه على كلمة الرئيس السابق حسنى مبارك الأخيرة التي فوَّض فيها سلطاته إلى نائبه في اليوم السابق على اضطراره إلى التنحي.

لذلك فعندما ألقى غنيم كلمته، في الحفل الذي أقامته مجلة «تايم الأميركية» باعتباره واحدا من أكثر مائة شخصية اعتبرتهم المجلة الأكثر تأثيرا في العالم، لدوره في الثورة، حرص على تأكيد أنه ليس هو صاحب الدعوة إلى مظاهرات 25 يناير: «كل ما قمت به هو الاستجابة لمطالب أعضاء صفحة «كلنا خالد سعيد» بالدعوة للمظاهرات». وتحدث عن العمل الجماعي الذي صنع الثورة ووفر لها امكانات النجاح مستعيدا ما كتبه في رسالته التي وجهها عقب خروجه من السجن في 7 فبراير الماضي: «سننتصر لأن دموعنا من قلوبنا وليس من عيوننا.. سننتصر لأن لدينا حلما مستعدين للموت في سبيل تحقيقه».

وهذا جيل جديد من الثورات يصنعه جيل جديد من الشباب القادر على الاستغناء عن القيادة والمعبر عن مزاج عام اشتد ضجره من القادة الذين يتسلطون على من يفوضونهم. إنها، فعلاً، ثورة شباب جديد في تكوينه وذهنيته ونمط حياته، وليس فقط في عمره.

وليس هناك تعارض بين القول إنها ثورة شباب الألفية الجديدة واعتبارها ثورة الشعب المصري بمختلف أجياله، لأن هؤلاء الشباب هم الذين عوضوا غياب القيادة اللازمة لتنظيم الحركة وتجنب العشوائية. ولم يكن أحد يجد تعارضا بين نسبة ثورة 1919 مثلا إلى سعد زغلول واعتبارها ثورة شعب، بالرغم من أن دور زعيمها فيها كان أقل من دور شباب ثورة 2011.

ولا يختلف الأمر كثيرا على صعيد التركيب الاجتماعي لهذه الثورة التي كانت الطبقة الوسطى هي قلبها النابض بالرغم من أن معظم الفئات والشرائح الاجتماعية شاركت فيها. لذلك سيذكر لها التاريخ أنها ثورة طلائع شباب الألفية الجديدة وأبناء الطبقة الوسطى التي توسع نطاقها في العقدين الأخيرين بخلاف الاعتقاد الشائع في كثير من الكتابات وهو أنها انحسرت نتيجة افتراض انطباعي لم يثبت وهو أن الفقر زحف عليها وشد قسما عظيماً منها إلى قاع المجتمع.

أولا: ثورة جيل الألفية الجديدة

ينتمي صانعو ثورة 25 يناير، أو على الأقل معظمهم، إلى جيل واحد درس أبناؤه في جامعات مصر في النصف الأول من العقد الأول في الألفية الثالثة، أو قبل ذلك وبعده بعامين أو ثلاثة.

هؤلاء هم الذين دعوا إلى يوم الغضب في 25 يناير عبر مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة «الانترنت». وهم أيضاً الذين كان أركان الطبقة السياسية التقليدية في المعارضة، وليس فقط في الحكم، يعتبرونهم «كائنات افتراضية» تحلق في فضاء الكتروني ولكنها لا توجد في أرض الواقع.

استهان الجميع بهم، مثلما حدث مع الجيل الذي كان جديدا في أواخر الستينات وأوائل السبعينات الذي حلم أيضا بتغيير مصر وتحرك من خلال الحركة الطلابية كرد فعل على هزيمة 1967 أولا، وسعياً إلى فعل تحريري ثانيا، وأملا في مصر حرة عادلة ثالثا. كانت انتفاضة 1971-1972 تجسيداً لحلم جيل السبعينات، مثلما جاءت ثورة يناير 2011 تعبيرا عن حلم جيل الألفية الثالثة.

كان جيل السبعينات هو الأخير الذي تطلع إلى تغيير مصر قبل جيل الألفية الثالثة. غير أن هناك فرقين أساسيين بين الجيلين.

أولهما أن جيل السبعينات جاء من خلفية طلابية بالأساس، إذ كان قادته طلاباً في الجامعات حظوا بتأييد معظم المثقفين وشرائح اجتماعية واسعة، في حين أن صانعي ثورة 25 يناير من جيل الألفية الثالثة هم من خريجي الجامعات الذين تترواح أعمارهم الآن بين 25 و32 عاماً.

أما الفرق الثاني فهو أن قادة جيل السبعينات كانوا مسيسين بل مؤدلجين، انتمى معظمهم إلى اليسارين الماركسي والناصري، بخلاف جيل الألفية الثالثة المتحرر في أغلبه من أثقال السياسة والايديولوجيا. فهذا جيل يحلم بمصر حرة عادلة يحدد شعبها الاتجاه الذي يحقق لها التقدم والنهضة، وينتشر فيه ميلان أحدهما ليبرالي والثاني يساري، ولكن بالمعنى العام جدا وليسبالمفهوم الايديولوجي.

وعندما بدأ دور هذا الجيل يزداد في مصر منذ 2008، عبر حركات التغيير، التي يُطلق عليها أيضاً الحركات الاحتجاجية، استهان كثير من السياسيين والمراقبين بها. وصف رئيس أحد الأحزاب السياسية المشروعة أعضاء هذه الحركات بأنهم صغار لا أهمية لهم، أو على حد تعبيره بالعامية المصرية «شوية عيال».

كان ذلك عندما دعا بعضهم إلى إضراب عام في السادس من أبريل 2008، ثم أسسوا حركة اتخذت من ذلك اليوم اسماً لها. وبالرغم من أن تلك الدعوة بدت حينئذ كما لو أنها تقفز على الواقع، فقد ساهمت في خلق الأجواء التي مهدت لحالة جديد في مصر بعد أقل من خمسة أعوام.

وقد شهدت تلك الفترة تنامي حركات احتجاجية شتى يعتمد معظمها على الشباب، بالرغم من أن بدايتها كانت تقليدية على أيدي سياسيين كانت لهم تجاربهم في أحزاب وحركات سياسية ومنظمات مدنية.

فكانت هذه هي حال الحركة المصرية من أجل التغيير «كفاية»، التي أُعلنت في نهاية 2004 ويسود الاعتقاد في أنها أول حركة من هذا النوع في مصر. غير أن إرهاصات ظاهرة الحركات الاحتجاجية الهادفة إلى التغيير، وليس إلى تحقيق مطالب معينة فقط، بدأت في أوائل 2003 عبر إعلان «حركة 20 مارس من أجل التغيير».

وبالرغم من أن تأسيس هذه الحركة ارتبط بـ«العدوان الأميركي على العراق»، إلا أنها انطلقت من التنديد بالقهر الذي قالت إن مؤسسيها تعرضوا له بسبب احتجاجاتهم ضد هذا العدوان. ولذلك دعت إلى «رفض ما تعيشه البلاد من استبداد وفساد وتبعية وسياسات اقتصادية لم تأت سوى بالخراب والفقر والبطالة».

وكان بيان تأسيس تلك الحركة هو الأول الذي حمل خطاب التغيير الجذري، إذ أكد أنه «أصبح من الصعب أن يستمر الوضع على ما هو عليه»، ودعا إلى بناء «حركة مفتوحة أمام الجميع تعبر عن أوسع تحالف يقوم على مبدأ التغيير مع الناس ومن أجل الناس».

كانت هذه، إذن، هي بداية ظهور نمط جديد في العمل العام في مصر يختلف عن الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني في شكله وطابعه واتجاهه، وهو نمط الاحتجاج المنظَّم على الأوضاع القائمة والعمل من أجل التغيير الديمقراطى من خلال البيانات والمطبوعات والمؤتمرات، ثم عبر المظاهرات والوقفات الاحتجاجية التي لجأت إليها الحركة الديمقراطية من أجل التغيير «كفاية» منذ تأسيسها في آخر 2004 تحت شعار «لا للتمديد... لا للتوريث».

ولعل اقتران دور هذه الحركة بالتظاهر، الذي ظل مرفوعاً من التداول في مصر منذ 1954 إلا في انتفاضات طلابية أو من أجل قضية فلسطين ثم العراق، هو سبب شيوع الاعتقاد في أنها حركة التغيير الأولى في مصر. ولذلك غطت شهرتها على حركة أخرى لم تختلف عنها في طابعها، ولا حتى في اسمها باستثناء كلمة واحدة وهي: الحملة المصرية من أجل التغيير.

تزامن تأسيس الحركتين اللتين اختلفتا في منهج العمل الذي ميزَّ إحداهما على الأخرى بسبب جرأتها في النزول إلى الشارع مستثمرة أجواء القلق الرسمي حينئذ من المشروع الأميركي لتغيير المنطقة. فقد اضطرت السلطات إلى التسامح مع مظاهرات «كفاية» لكي لا يجد الأميركيون منفذاً للتدخل في شؤون البلاد الداخلية، قبل أن يزول القلق من هذا التدخل بعد غرق الولايات المتحدة في المستنقع العراقي.

لذلك ارتبط نمط العمل الاحتجاجي باسم حركة «كفاية» حتى بعد أن تراجع دورها تدريجيا منذ 2006 بسبب الصراعات الداخلية فيها. فقد عانت هذه الحركة من الأمراض نفسها التي تفشت في الساحة السياسية المصرية، وفي مقدمتها الميل إلى التشرذم وكثرة الصراعات الصغيرة، في الوقت الذي نشأ عدد من الحركات الأخرى التي لم تحظ بشهرة واسعة. ومنها مثلاً الحركة المصرية من أجل الديمقراطية – شركاء التي ركزت على مواجهة التداعيات السلبية للتعديلات الدستورية التي أجريت عام 2007، وحركة «تضامن» التي اختارت طريق التحرك الجماعي المنظم: ابدأ في شركتك، في مدرستك، في مصنعك... نظموا أنفسكم ووحدوا صفوفكم...».

غير أن الحركة التي أحدثت بداية التحول في مصر هي تلك التي اقترنت بالدعوة إلى إضراب 6 أبريل 2008، وهي حركة «شباب مصر شباب حر شباب 6 أبريل». فالبرغم من فشل الدعوة إلى ذلك الإضراب، حققت الحركة التي أسسها الداعون إليه نجاحا تدريجيا عبر دورها الرائد في استثمار «الإنترنت» في خلق شبكة انضم إليها عدد متزايد من الشباب الذين وجدوا وسيلة فاعلة للتواصل.

وإذا أردنا فهم كيف نجح شباب في الدعوة إلى مظاهرة 25 يناير التي توسع نطاقها وتحولت إلى ثورة شعبية، لا يمكن إغفال دلالات البيان التأسيسي لحركة 6 أبريل: «نحن مجموعة كبيرة من الشباب لا يجمعنا إلا حب هذا البلد والرغبة في إصلاحه... كانت بداية جمعتنا في 6 أبريل... جمعتنا الرغبة في إنقاذ هذا الوطن بعد ما أدركنا جميعاً فداحة الوضع الراهن... ورغم أن الغالبية العظمى منا لا تنتمي إلى أي تيار سياسي إلا أننا مصممون على إكمال الطريق. ونحن َنعلن غضبنا وتمردنا على هذه الأوضاع التي لم تترك أخضر أو يابساً».

وشهدت السنوات الأربع الأخيرة تأسيس عدد من الحركات التي جمع بينها طابعها التغييري واعتمادها على شبكة «الإنترنت» وبراعة أعضائها في امتلاك تقنيات التواصل عبرها. ويعرف من تابعوا الدعوة إلى مظاهرة 25 يناير بدقة وعن قرب أن هذه الحركات هي التي أطلقتها وخططت لها.

هذه الحركات هي التي صنعت حالة جديدة في مصر تفتح أمامها الآن طريقا أفضل إلى المستقبل بالرغم من التعقيدات التي تواجه مرحلةالانتقال الصعبة.

وبالرغم من أن الحديث عن حركات التغيير الشبابية لم ينقطع منذ 25 يناير الماضي، ما زالت المعرفة بها محدودة ويحتاج توسيعها إلى دراسات جادة وموثقة. فالدراسات التي نشرت عن الحركات الاحتجاجية قبل ثورة 25 يناير لم تتطرق إلى الحركات التي بدأت في الظهور بعد الدعوة إلى إضراب 6 أبريل 2008، وينطبق ذلك على كتاب «حركات التغيير الجديدة في الوطن العربي- دراسة الحالة المصرية» لأحمد منيسي الصادر عام 2010، والفصل الذي كتبه محمد العجاتي عن حركات الاحتجاج المصرية في كتاب «الحركات الاجتماعية في الوطن العربي» والذي حرره عمرو الشوبكي وصدر عام 2010 أيضاً. أما كتاب «ببلوغرافيا الحركات الاجتماعية» الذي حرره أحمد خير وصدر عام 2010 كذلك، فقد شمل فقط «حركة شباب 6 أبريل».

ولكن إلى جانب هذه الحركة، كانت هناك «حركة شباب من أجل العدالة والحرية» و»الحملة المستقلة لدعم البرادعي»، و«الجبهة الحرة للتغيير السلمي»، و«حملة دعم حمدين صباحي»، وكذلك حركة الإصلاح المصري التي جمعت حركات نوعية عدة ارتبطت بحركة «كفاية» في مرحلة صعودها ثم انفضت عنها بعد أن انحسر دورها. وهناك أيضاً حركة شباب العمال التي جمعت عدداً كبيراً من شباب الحركات العمالية التي ظهرت في الفترة من 2004 إلى 2007، وحركة شباب القضاة. وهذا فضلاً عن حركات قامت بأدوار مهمة، ويصعب حصرها كلها الآن، ومنها على سبيل المثال حملة طرق الأبواب، وحركة شباب الأحرار، وحركة شباب مصر. ولا ننسى الدور الذي قام به شباب حزب الجبهة الديمقراطية وشباب «الإخوان المسلمين».

وقبل هذا كله، لابد من دراسة الدور الذي لعبته صفحة «كلنا خالد سعيد» على «الفيس بوك» في الدعوة إلى مظاهرات 25 يناير، والتعبئة التي نجحت في تحقيقها لأنها عبرت بشكل مؤثر عن الشعور بالظلم الذي انتشر في المجتمع، وكان قتل الشاب خالد سعيد في يونيو 2010 تجسيداً له. فقد لاقت تلك الصفحة إقبالا واسعا من شباب تفَّرقهم ظروف حياتهم ويفصل بينهم اختلاف مواقعهم على الخريطة الاجتماعية، ولكن يجمعهم شعور جارف بالظلم.

ولذلك تفاعلوا مع نوع الخطاب الذي ميز صفحة «كلنا خالد سعيد»، ومنه على سبيل المثال في الأيام السابقة على مظاهرات 25 يناير: «لو خايف على مصر... لو عايز حقك... انضم إلينا... وشارك وكفاية سكوت لحد كده... إحنا مش أقل من تونس اللي جابوا حقوقهم لدرجة إقالة رئيس الجمهورية وهروبه من البلد... إحنا كمان عايزين حقوقنا».

وقد تفاعل الشباب مع هذا الخطاب الذي قال لهم أيضا «مش عايزين بطالة وطوابير عيش وطوابير أنابيب وشباب مش لاقي يتجوز... في نفس الوقت اللي فيه فاسدين ينهبوا المليارات ويشتروا أراضي ومصانع الشعب برخص التراب... عايز أعرف أعبر عن رأيي في بلدي... عايز ما خافش من أمن الدولة ولا ضابط شرطة... عايز تتم معاملتي بآدمية واحترام...». وبدا نداء «يلا يا شعب قوم وفوق» على تلك الصفحة كما لو أنه الهتاف الأول في ثورة كانت عواملها قد تراكمت وصارت ممكنة عبر دور جيل الألفية الثالثة الرائع الذي صنع حالة جديدة في مصر.

غير أن هذا الجيل لم يبدأ في فراغ، بل استند إلى ميراث من النضال الوطني الديمقراطي تراكم منذ مظاهرات 1968 احتجاجا على التلاعب الذي حدث في مساءلة المسؤولية عن الهزيمة المروعة في العام السابق ومحاسبتهم. وشمل هذا التراث شعرا وغناء ثوريين ساهما في تحقيق تواصل غير منظور بين الأجيال منذ جيل سبعينات القرن العشرين وحتى جيل مطلع الألفية الثالثة.

وكانت أعمال الثنائي أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام عيسى معلما بارزا في هذا التراث الذي استعادته ثورة 25 يناير في ميدان التحرير وغيره من ميادين هذه الثورة، وفى مقدمتها ميدان الأربعين في السويس وميدان المنشية في الإسكندرية.

وفي مثل هذا التراث كان نجم وإمام يبحثان عن «الولد» الذي كشفت ثورة 25 يناير أن مصر مليئة بمثله، وغنيّة أيضا بـ «البنت» التي لعبت دورا بارزا في هذه الثورة:

مصر الحبيبة الطيبــة

أم البنيّة والبنيــــــن

إيش حالها في عز الصبا

إيش حال ولادها المخلصين

البلد عاوزة ولـــــد

ياخد بتار المظلوميـــن

ولد يعَّوض اللــي راح

ويعلا فوق كل الجــراح

وربما يكون معنى الارتفاع فوق الجراح اختلف عما كان عليه في السبعينات، فهناك الآن روح جديدة يمكن أن تنتشر في ظلها ثقافة قبول الآخر بغض النظر عن الخلاف معه، والحوار الحر والتسامح، وأن تفرز تقاليد المساءلة والمحاسبة وتغيير الحكام وتداول السلطة.

كان الغناء الثوري ينادي «الولد»، الذي ملأ ملايين منه، ومن البنات أيضا، أرجاء مصر في أيام الثورة. ولكن هؤلاء الذين صنعوا مقدمات الثورة، ولعبوا دورا بارزا فيها جاؤوا من شباب الطبقة الوسطى وليس من طلاب الجامعات الذين كان إسهامهم فيها أقل مما قاموا به في سبعينات القرن الماضي على نحو وضعهم في بؤرة اهتمام الغناء الثوري، ويقول:

رجعوا التلامذة يا عم حمزة للجد تانـــي يا مصر انتي اللي باقية وانتي قطف الأماني

ولكن هذا الغناء اهتم أيضا بالشباب بوجه عام، بل راهن عليهم إلى أن تحَّقق هذا الرهان في ثورة 25 يناير:

قال الشباب المداوي شقشق يا نور الصبــاح تظهر أصول البلاوي تظهر عيون الجــراح يخضر عود الأغاني يسري العبير في الجراح

وفي الاتجاه نفسه، كان الشاعر سمير عبد الباقي يكتب والفنان الراحل عدلي فخري ينشد كلماته سعيا إلى مصر الفتية أو الشابة:

إملي قلبك بالشجاعــــة

وارجعي مصر الفتيـة

واصرخي بصوت الجواعى

لا مصر بدون الحرية

وقد راهن هذا الثنائي بدوره على الشباب، ولكنه تميز بالحرص على دور المرأة (البنات):

أنا الولاد أنا البنـات

أنا التلامذة... التلميـذات

أنا الرجال السهرانين

عالمكن والموتــورات

أنا تاريخ نبض السنين

عمري ما يغلبني المـوات

كانت هذه الأغاني الثورية هي «عيون الكلام» التي تضرب جذورها في أعماق تاريخ المصريين عبر ألفيات عدة تعيدنا إلى مواقف الفلاح الفصيح في الألف الثالث قبل الميلاد. لم تكن عيون كلام الفلاح الفصيح مجرد شكاوى، بل كان فيها تعبير حر باللغة الهيراطيقية عن مغبة الظلم وغياب العدل واحتكار الثروة وشيوع القهر.

ولذلك ظل المصريون ينتظرون جيلا ينتزع الحرية ويحافظون على عيون الكلام التي لا يبقى غيرها حين ينتشر الظلام.

إذا الشمس غرقت في بحر الغمـام ومدت على الدنيا نور الظـــلام ومات البصر في العيون والبصايـر ما فيش لك دليل غير عيون الكـلام

ثانيا: ثورة الطبقة الوسطى

توقع غير قليل من السياسيين والمثقفين في مصر ثورة جياع تأكل الأخضر واليابس، ولكنهم فوجئوا بثورة مختلفة تماماً ضد الاستبداد والتسلط والظلم. لم تخل هذه الثورة من بعد اجتماعي، ولكنه لم يكن هو ما ميزها أو دفع إليها أو حرك صانعيها ومعظم من شاركوا فيها. ولذلك تميزت بطابعها السلمي وحرص صانعيها وجمهورها على نبذ العنف عندما رُفع شعار «سلمية.. سلمية» منذ يومها الأول.

ولا تختلف الثورة المصرية، في ذلك، عن الثورة التونسية التي سبقتها وألهمت شبابها وأمدتهم بثقة غير مسبوقة في قدرتهم على التغيير. وخالفت الثورتان على هذا النحو توقعات بعض المصريين، مثلما احبطتا انطباعات كثير من المراقبين العرب وغيرهم عن الثورة التونسية فى بدايتها.

فعندما تطورت مظاهرات الغضب التي حدثت عقب انتحار الشاب التونسي محمد البوعزيزي في 17 ديسمبر الماضي إلى ثورة أطاحت الرئيس زين العابدين بن علي، كان انطباع هؤلاء المراقبين أن أسبابا اجتماعية اقتصادية هي التي فجرَّت هذه الثورة. واستند ذلك الرأي إلى أن البوعزيزي انتحر بسبب منعه من بيع الفاكهة ومصادرة العربة التي كان يستخدمها في هذا العمل الذي اضطر إليه اضطرارا هربا من بطالة خانقة بعد أن عجز عن الحصول على عمل يناسب مؤهله.

غير أن تفسير انتحار البوعزيزي على هذا النحو كان امتدادا لمنهجية يسارية ذات أصول ماركسية تركز على الأسباب الاجتماعية والاقتصادية للثورات. وأغفل هذا التفسير أن أعداداً هائلة من الشباب العاملين في ما يطلق عليه الاقتصاد الموازي أو «البلاك ماركت»، اصطدموا على مدى سنوات طويلة باللوائح الرسمية في تونس وبلاد أخرى ازداد فيها حجم هذا الاقتصاد وربما انتحر بعضهم في صمت حين ضاقت الحياة أمامهم. ولكن جديد انتحار البوعزيزي هو انه حدث بصورة مؤثرة أمام مقر محافظة سيدي بوزيد، وفي لحظة بلغ فيها تراكم عوامل الغضب المتنوعة مبلغاً لا سابق له. وساعد في ذلك شيوع قصة صفعه بواسطة شرطية في بلدية المحافظة. وهي القصة التي ثبت أخيراً أنها كانت من نسج الخيال.

ويعني ذلك أن العوامل الاجتماعية- الاقتصادية لم تكن هي المحرك الوحيد للثورة التونسية في بلد يبلغ مستوى الدخل فيه نحو أربعة آلاف دولار، أي أعلى من كل الدول العربية غير النفطية باستثناء لبنان. وظهر هذا بوضوح أكثر في الثورة المصرية التي بدأت بعد 11 يوما على نجاح ثورة الياسمين في إطاحة بن علي، وفي الاحتجاجات المتنوعة الخلفيات والفعاليات في بلاد عربية أخرى. ومن هذه البلاد سوريا التي رفض المتظاهرون فيها صراحة حصر مطالبهم في رفع الأجور. فعندما بشّرت مستشارة الرئيس بشار الأسد السوريين في بداية الاحتجاجات بأن الحكومة تبحث زيادة الأجور أو تقديم منحة للعاملين، رد المتظاهرون في مدينة درعا: «يا بثينة يا شعبان.. شعب درعا مو جوعان».

فلم تكن العوامل الاجتماعية الاقتصادية من فقر وبطالة وتفاوت طبقي حاد هي المحرك الوحيد أو الرئيسي لغضب شعوب عربية نزلت إلى الشارع كما لم تفعل من قبل منذ حصول بلادها على الاستقلال. فلم تُحدث هذه العوامل الموجودة منذ فترة غير قصيرة ثورة إلا عندما اقترنت بما يمكن أن نسميه الدوافع الثقافية التي تعود إلى تغير في ثقافة المجتمع. فعندما يحدث تطور في ثقافة كتلة مؤثرة في المجتمع وتتغير نظرتها بالتالي إلى طريقة الحياة أو تتبنى رؤية جديدة لما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الحاكم والمحكوم وبين الإدارة والجمهور، يزداد الميل إلى تغيير الواقع بما ينسجم مع هذا التطور. وحين يستعصي هذا التغيير وتُغلق أبواب الإصلاح الذي يؤدي إليه، يزداد الاستياء ويتحول إلى غضب مكتوم يتراكم تحت السطح إلى أن يجد فرصة للانفجار.

وهذا ما حدث على مدى سنوات طويلة، حيث انتشرت تحت سطح الجمود الذي خيم على بلاد عربية عدة، ثقافة مدنية حديثة تعلي من شأن حرية الإنسان وكرامته وتأبى الظلم والإذلال. وساهمت ثورة الاتصالات التي غيرت وجه الحياة على الأرض في تسريع انتشار هذه الثقافة في بلاد تعودت أجهزة الأمن وهيئات الدولة المرتبطة بها على إذلال الناس وإهدار كرامتهم.

وكان الرد على هذه الممارسات قد بدأ في فضاء «الانترنت» قبل أن ينتقل إلى أرض الواقع في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا. فقد نزل المحتجون إلى الشارع استجابة لدعوة عبر «الإنترنت» في هذه الحالات كلها. ولم يكن المبادرون بالدعوة إلى التظاهر والاحتجاج فقراء أو عاطلين يبحثون عن خبز أو عمل بالأساس. ولكنهم وضعوا الخبز أو العيش والعدالة الاجتماعية ضمن مطالبهم سعيا إلى توسيع نطاق المشاركة في الاحتجاجات التي دعوا إليها.

وعندما اختير يوم 25 يناير لتنظيم مظاهرات واسعة فيه، كان هذا تعبيراً عن العامل الرئيسي وراء الاحتجاج في مصر. ففي مثل هذا اليوم من كل عام تحتفل الشرطة المصرية بعيدها. ولذلك كان في اختيار هذا اليوم رسالة واضحة تفيد أن الكيل فاض بانتهاكات جهاز الأمن التي خلقت وجعاً شديدا في الوجدان العام.

ومن أهم القواسم المشتركة بين البلاد التي اندلعت فيها ثورة أو احتجاج حقيقي، وليس مصنوعاً لأهداف طائفية أو مذهبية، أنها شهدت توسعا في الطبقة الوسطى في مرحلة انتشرت فيها ثقافة الحرية والكرامة الإنسانية على الصعيد العالمي بالتزامن مع استمرار احتكار السلطة وازدياد سطوة أجهزة الأمن التي صارت هي القوة الرئيسية في هذه السلطة. وقد أظهرت دراسة موثقة أصدرها «المعهد العربي للتخطيط» في العام الماضي توسعا ملموسا في الطبقة الوسطى في البلاد التي شملتها هذه الدراسة. ومن بينها ثلاثة نشبت فيها ثورات هي مصر وتونس واليمن، بالإضافة إلى ثلاثة بلاد أخرى حدثت فيها احتجاجات محدودة بالتزامن مع هذه الثورات، وهي الأردن والجزائر والمغرب.

وتعتبر الطبقة الوسطى أكثر حساسية للتغير الثقافي الذي يعلي من شأن حرية الإنسان وكرامته مقارنة بالطبقات الدنيا. وبالرغم من أن معاناتها الاقتصادية والاجتماعية أقل من الطبقات التي تدنوها، فهي أكثر شعورا بالظلم لأنها المصدر الأول لعائدات بلادها من الضرائب. ولذلك أصبح الشعور بالظلم والإذلال أكثر إنتاجا للغضب الثوري مقارنة بالمعاناة من الفقر.

وهذا يفسر كيف أمكن تحويل مقتل الشاب خالد سعيد في مدينة الإسكندرية في مايو 2010 على أيدي رجال أمن اعتقلوه إلى منطلق لحملة إدانة واسعة لجهاز الشرطة والنظام السياسي برمته. وجذبت صفحة «كلنا خالد سعيد» على «الفيسبوك» الكثير من المصريين الذين نزل بعضهم إلى الشارع في 25 يناير مصرين على استرداد حقوقهم ومعلنين أنهم لن يقبلوا إذلالا بعد ذلك. ولم تلبث أعداد متزايدة من الناس أن انضمت إليهم على مدى 18 يوما حتى تنحي الرئيس حسني مبارك عن الرئاسة. وكان هذا هو ما حدث في تونس بعد 28 يوما على بدء المظاهرات الغاضبة التي خرجت عقب انتحار البوعزيزي، ولكن مع اختلاف في التفاصيل. وكان تراكم التعبير الإليكتروني عن الغضب مساعدا على سرعة انتقاله إلى الأرض في الحالتين اللتين أخذ شباب من الطبقة الوسطى، وليس من الفئات الدنيا، زمام المبادرة الثورية.

وبالرغم من أن ازدياد معدلات البطالة في هاتين الحالتين كان له أثر واضح في توسع نطاق الاحتجاجات، فقد أظهرت استطلاعات أجريت في مصر أن معظم الشبان العاطلين نظروا إلى بطالتهم باعتبارها إهانة لهم في المقام الأول كونها تحط من شأنهم في عائلاتهم ومجتمعاتهم الصغيرة.

والأرجح أن هذا هو أيضا شعور الكثير من العاطلين الذين شاركوا في الاحتجاجات في بلاد أخرى، على نحو يطرح افتراضا جديرا بأن يحظى بعناية خاصة في دراسة الثورات والاحتجاجات العربية وهو أن الإنسان بات يثور لكرامته أكثر مما ينتفض بسبب فقره.

وثمة افتراض آخر لا يقل جدارة هو أنه عندما يزداد الغضب من توسع جهاز الأمن في إهدار كرامة الإنسان، لا يعود من تحملوا الاستبداد طويلا قادرين على الصبر، الأمر الذي يجعل الديموقراطية هدفا أساسيا للثورة باعتبارها ضرورة لا بديل منها لضمان حرية المرء وكرامته.

ولم يكن هذا ممكنا بدون التوسع الذي حدث في الطبقة الوسطى خلال العقدين الأخيرين في مصر، كما في تونس وبلاد عربية أخرى. فقد أدى هذا التوسع إلى ازدياد الطلب على الديموقراطية والحرية والكرامة الفردية.

ولا يقلل أهمية هذا الطابع الذي اتسمت به الثورة انفجار المطالب الاقتصادية والاجتماعية الفئوية عقب نجاحها في إسقاط رأس النظام. فإذا كان الانخراط في الثورة أخرج أفضل ما لدى المشاركين فيها والذين بدا كثير منهم كما لو أنهم يتطهرون، فقد أدى إنجاز مطلبها الأعلى وهو تنحي حسني مبارك إلى دخول فئات جديدة على خطها حاملين ميراث نظامه الذي أخرجت سياساته أسوأ ما في الإنسان قاطبة وهو الطمع والفهلوة حين يمتزجان بالخوف والخنوع.

وبين شموخ الثورة التي أخرجت أفضل ما في داخل من شاركوا فيها وساندوها، وتدني النظام السابق الذي أخرج أسوأ ما في داخل كثير من المصريين، يغيب اليقين بشأن مستقبل مفتوح على سيناريوات مختلفة.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬