علي المقري

أظنّ أنّ القول بسقوط النظام العربي، في شكله الأخير، صار ممكناً، وإذْ لم يكن قد تحقق تماماً. فهذا النظام الذي فاض بلاقبوليته لدى معظم معاصريه وعصرهم، تفكّكت سطوته، وأصبح يتساقط، سقطة سقطة، بالثورات، أو بإصلاحات تقوم مقامها، وإن لم تحمل صفتها.

وصف ما جرى ويجري بالثورات، هنا، سيبدو تحديد هويّة لتحولات، ما زالت تدور حولها الشكوك والملاحظات والنقد. اعتبرها أدباء يقدّمون كمفكّرين، حال تمرّد، وظنّها منظّرون ساسة، انتفاضة. فيما خوّن السلطويون الخارجين لها، وفي سبيلها، فنسبوهم للعمالة لدول «خارجية»، وإلى «أعداء متآمرين» من «الداخل».

بالنسبة لي، تبدو كذلك: ثورات. ثورات تُفكك كلّ شيء، بما فيها التوصيفات والمفاهيم حول الثورات وأهدافها وقياداتها و«وقودها» وأدواتها وطُرقها.

وهي إذْ صارت، كحالها، تحمل صفة الثورية، فإنّ ذلك ليس لتطابق الوصف المتعارف عليه بالموصوف، وإنّما بثوريتها، أيضاً، على محدّدات الصفة والموصوف.

لنحاول أن نرى كيف؟

يمكن القول إن النظام العربي سوّق لسلطته وبقاء طُرق حكمه من خلال أحداث سياسية واجتماعية، ومرجعيات ثقافية، بدت بمثابة شرعيّات متوارثة ومكتسبة، تم تكريسها كـ «مقدّسات» و«ثوابت» و«مصالح عليا».

لفترات من تاريخ العرب، ظلّ المرجع الديني العام، والمذهبي خاصة، يمثّل الشرعية التي يتكئ عليها «الحاكم» في حكمه، أو حقّه في الحكم، ولم يسبقه في هذا الحق، أو ينازعه عليه، أو يتوافق معه، سوى المرجع القبلي أو العشائري. ومع أنّ هذه المرجعيات ظلّت مؤثّرة، بمكوناتها الاجتماعية، على مسار شرعيات الحكم الجديدة، إلاّ أنّها لم تعد، وحدها، مهيمنة.

حيث بدا أنّ أبرز المرجعيات الشرعية التي يتكئ عليها النظام العربي منذ تشكّله في منتصف القرن العشرين، هي المرجعية الثورية «الوطنية» أو «القومية»، من خلال إنجاز قيادات هذا النظام لما وصفته بالثورات والحركات الاستقلالية، فإذْ قام عسكريون وحزبيون جبهويون بإحداث انقلابات على نظم الحكم، في مصر وسوريا واليمن والجزائر والعراق والسودان وليبيا وتونس وغيرها، ورفعوا شعارات الثورة ضد الرجعية والاستعمار، وهتفوا للاستقلال الوطني والتحرر القومي والعدالة والتقدم والاشتراكية، فإن شرعية أخرى كانت تتأسس على هذه الشعارات التي صار لها سلطتها وأحزابها و«جمهورها».

هكذا، يمكن قراءة تجربة سلطة عبد الناصر في مصر، والقذافي في ليبيا، وبورقيبة في تونس، وجبهة التحرير في الجزائر، والجبهة القومية في عدن، كأمثلة على «الشرعية الثورية:، التي مثّلت ممارساتها السلطوية «ثوابت» وطنية وقومية عليا، استدعت واحدية الصوت في قيادة وحزب ومجتمع، في جبهة تخوض معركة لا تنتهي مع «أعداء». وإن كانت المعركة غير محقّقة، في كثير من مستوياتها، إلاّ أنها منحت السلطات الحق في احتكار السلطة والرأي، وحق التصرف في كل ما يلبي أهداف «المعركة»، وأي رأي أو نقد من قبل مختلفين كان بمثابة التشكيك بأهداف الثورة «المقدّسة» ومسارها الوطني والقومي «المبدئي» و«الثابت».

في المستوى نفسه، يمكن قراءة تجارب ما سمّي بالثورات التصحيحية، في سلطات حزب البعث، مع تجربتي حافظ الأسد في سوريا وصدام حسين في العراق، وجعفر نميري في السودان، والحزب الاشتراكي اليمني في عدن، والمؤتمرات الجماهيرية في ليبيا، والمؤتمر الشعبي العام في صنعاء، وشرعية الوحدة اليمنية.

وهناك شرعيات أخرى تناسلت من الشرعيات السابقة، اتكأت على مقولات: ضرورات وأولويات الحفاظ على أمن واستقرار الدولة و«مصالحها العليا»، وتتميّز هذه الشرعيات بعدم اتكائها، إلى حد ما، على تاريخ ثوري ما، أو على القول بمواجهة الرجعية القديمة، أو العدو الخارجي، بل إنها على العكس اعتمدت في تقديم مشروعيتها التحكمية في السلطة على دعم اقتصادي وسياسي خارجي، على اعتبار أن القوى السياسية المعارضة للنظام تمثل خطراً على السلطة «المنفتحة» على الخارج، «الغرب»، بما تقدمه هذه القوى من مشاريع قومية ودينية جهادية «إرهابية» تخل بأمن «الوطن» و«مصالحه» واستقرار علاقته مع العالم. هكذا بدا أنور السادات، وبعده مبارك في مصر، في تكريس خطر الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية إذا ما تم السماح لهم بالمشاركة السياسية، عبر انتخابات «غير موجّهة»؛ ومثلهما بوتفليقة، الذي تسلّم السلطة بعد حرب أهلية دامت سنوات في الجزائر، ورأى بقاءه في السلطة، عبر تعديل الدستور، ضمان استقرار لعدم صعود الحركة الإسلامية للسلطة، ولو عبر الانتخابات. وفي تونس قام بن علي بالانفراد بالسلطة، عبر انتخابات شكلية غير تنافسية، في إطار تخوفه من صعود الإسلاميين إلى السلطة.

كذلك اعتبرت السلطة الفلسطينية، المتمثلة بحركة فتح وبمرجعية منظمة التحرير، ضمانة استقرار للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إذا لم تكن ضمانة لمواجهة حركات مقاومة إسرائيل المتشددة، كحماس والجهاديين الإسلاميين واليساريين.

ورفع اليمني علي عبدالله صالح شعار «الوحدة أو الموت» عام 1994 لينقلب على شركائه الجنوبيين الذين تحالفوا معه في إطار دولة الوحدة عام 1990، متخذا من «الوحدة» شرعية دستورية «مقدّسة» لإقصاء مخالفيه وتفرده بالحكم، وصولا إلى اعتباره شريكاً «دوليا» في مكافحة الإرهاب المتمثل بـ«القاعدة»، وبالتالي له أحقية «شرعية» أخرى في السلطة.

إلى ذلك، هناك شرعيات الحكم الملكية، التي تتكئ على تاريخية التشكل القبلي العشائري والديني لسلطة الحكم، كما في السعودية، أو على عوامل اجتماعية ودينية وتاريخية كالأردن والمغرب ودول الخليج الأخرى.

وهناك شرعية الدولة الطائفية في لبنان المتكئة على تقاليد التوازن المتفق عليها، في الدستور والقانون والاتفاقيات، كاتفاق الطائف.

وما يلحظ أن هذه السلطات مارست شرعيتها، أو أبدتها، في أشكال كثيرة، إلاّ أن جميعها كادت تتفق على أن الحكم هو حق شبه مطلق لها، وإلى الأبد، سواء حمل الحكم صفة الملكية أو الجمهورية، أو اتخذ شكل التقاسم الطائفي/الجهوي. ولم يقتصر التوجه، في هذا المجال، على منح هؤلاء الرؤساء حق الحكم مدى الحياة، عبر تشريعات دستورية واضحة أو باستفتاءات وانتخابات موجّهة، بل وامتد ليؤسس مشاريع توريث الحكم لأبنائهم ، كما حدث في سوريا، وكان على وشك التحقق في العراق ومصر وليبيا واليمن.

صاحب الدولة

هكذا، أصبح الحاكم بمثابة الدولة، خلاصتها وصاحبها. أمّا الحزب المناطة به المهام العروبية والقومية فيقاد من عشيرة الرئيس وصُحبه، على اعتبار أن الرئيس هو الحزب ورأيه. وفي حدود المقربّين الأمناء على «مصالح الدولة العليا» تدار سياسة البلد واقتصاده، وبهم ومعهم تُمنح، لمن أرادوا، السلطات السياسية والإدارية، وتُعطى الفرص المالية في «استثمار» ثروات البلد، والتجارة بها.

هذا الاحتكار، للسلطة والمال، أدى إلى تكشفات شتى، سقطت عبرها، أوهام شرعية النظم القائمة، فالشعارات القومية التي رفعت كأولوية، بدت، والحال هكذا، مضلّلة، ولا تلامس معيشة الناس المقهورة بالتسلط والفقر والفساد.

ومثلها، الشعارات الوطنية، كشرعية «الوحدة» الوطنية وتقديسها، إذ أن التوسع الجغرافي للحكم تحت هذا الشعار أدى إلى استحواذ السلطة على ثروات أخرى تضاف عوائدها المالية إلى الأرصدة الخاصة، كما حال صالح والبشير في جنوبي اليمن والسودان. وأدى هذا التكشف إلى زيف ما وصف بالدولة المنفتحة والليبرالية، كما في مصر وتونس، حيث صعوبة تحقق هذه الدولة في ظل الاستبداد المؤدي إلى الانغلاق والتطرف.

ومن نتائج هذا الاحتكار، للسلطة والمال، نشوء مقاومات وانشقاقات في مجتمع، يفترض أنه مقوّم الدولة، وليس الطائفة أو الحزب أو القبيلة أو الأسرة الحاكمة، فبدت هذه الاحتجاجات، مع الأكراد، والأقباط «المسيحيين» واليهود والأمازيغ وغيرهم من القوميات والجماعات والأقليات المذهبية كالشيعة في البحرين واليمن والسعودية، لتكشف عن حرمانهم من المشاركة السياسية وحصرهم اجتماعيا بقوانين سلطات غير دستورية، لها منطلقات مذهبية محددة، في وجودها، يصير مفهوم الولاء للدولة، عند هؤلاء المنشقين، ملتبسا مع الانتماء إلى المذهب، أو القومية، المتجاوز حدود الوطن الجغرافية. أمّا، إذا غابت الدولة، بتقاليدها المؤسسية الحديثة، فإن الصراع الطائفي يبدو حياة معاشة، كحال لبنان، ويصبح، تبعا لمفهوم الولاء المذهبي، الطائفي، ذي البعد السياسي الإقليمي، من الاعتيادي وجود سلطة حزبية لها دولتها الخاصة، داخل الدولة وخارجها، بل، ربّما، فوقها، اتكاء على شرعية مقاومة «العدو»، عدو الوطن والأمّة والدين والمذهب، والذي باعتباره كذلك، عند الحزب، تكون مقاومته «مقدّسة» ولا جدل حول قرارات المقاومة في الحرب، موعدها وأسلوبها وقوام عدادها ومصادر عدتها، كما لا مجال لمحاسبتها، في «خسارة» أو «هزيمة»، فما تقوم به هو «النصر» بعينه، فيما نجد الموصوف بـ«العدو»، وهي دولة ذات مؤسسات، تقوم بالتحقيق والمحاسبة لكل ما جرى، وتنتقد طرق تنفيذ خططها، على كلّ حال.

ومن الاحتجاجات الجهوية التي دلّت على فشل الدولة الوطنية السائدة، يمكن الإشارة، أيضا، إلى ما حدث في جنوبي السودان واليمن.

تفكك الوهم

أدت جملة التناقضات للسلطات العربية، إلى تفكك كثير من الأوهام التي تتخذها منطلق قوّة لبقائها. ومنها القوة الأمنية «العسكرية»، المال، القبيلة، الطائفة والمذهب والحزب.

فمع توسع الهيمنة في كل جوانب المجتمع تشكّلت قوى احتجاجية أخرى، وبأشكال جديدة، غير الطائفية والقومية والجهوية، فتحالف عدد من الأحزاب والمنظمات السياسية والاجتماعية في تونس والجزائر والمغرب وغيرها، كما في حركة «كفاية» في مصر، وتحالف «أحزاب اللقاء المشترك في اليمن»، الذي ضم اليساريين والقوميين والإسلاميين (السنّة والشيعة).

بدت هذه التحالفات بصيغ سياسية جديدة حددت أولويات عملها السياسي في الوقوف ضد احتكار فرد وعائلة، أو مجموعة، للسلطة السياسية وثروات البلد، وضد ما يحدث من نشر لفساد إداري ومالي لم يعدبالإمكان احتماله.

وبدا أن تفاصيل متطلبات هذه التحالفات تعددت، من الدعوة إلى إسقاط النظام في تونس، إلى الوقوف ضد تمديد فترة الحكم للرؤساء، أو توريثه لأبنائهم، كما في مصر واليمن.

وصار من الواضح أن هذه الفعاليات أوجدت الكثير من الخبرات المتراكمة، التي ازدادت مع انتشار وسائل الاتصال المتجاوزة للحدود الأرضية والفضائية، ووجود منظمات وهيئات عالمية تكافح في سبيل حقوق الإنسان والديمقراطية. فأدى هذا التعاضد الإنساني المحلي والعالمي، بوسائله الحديثة، إلى سقوط وهم الزعيم المحصّن من النقد، إذ لم يعد في متناول نقد الرأي وحده، بل وفي متناول الرقابة والمحاسبة، من خلال الكشف الفاضح للمعلومات المتعلقة به.

هكذا، يمكن القول إن الإنسان العربي، إذا صحت التسمية، انفجر إثر تراكم مؤلم، لم يعد لديه فسحة لتحمّله. لقد اكتشف نفسه، إذ رأى أنه لا يعيش، كما ينبغي، وأن خياره الوحيد هو أن يخرج، ويرفض.

بدأت هذه الاحتجاجات غير منظّمة، أو موجّهة، وكأنّ العوامل الفردية أدت إلى انفجارها على هذا النحو، كقيام البوعزيزي بإحراق نفسه إثر قهر إداري تلقاه. لقد تواصل الناس بوسائل شتى ليخرجوا في تونس متضامنين مع الجسد المحروق ورماده الذي أصبح دليل حياتهم، ولم يكن أمام المعارضة التقليدية إلاّ اللحاق بهم.

مع اتساع التضامن استذكر الناس الكثير من فساد الحال وخبرات مقاومته، واكتشفوا فعالية الطرق الحديثة، ومنها الصورة؛ حيث التصوير لم يعد للتوثيق فقط، وإنما للكشف المؤدي إلى تكوين رأي وقرار. بدت الصورة، على الرغم من محاولة حصرها ومنعها ومراقبتها، أنها تؤدي الدور المهم في حركات الاحتجاج، فتواجدها الموثّق والمراقب، سرّاً وعلناً، أخاف أجهزة السلطة من المحاسبة فحدّت من ممارسات قمعها.

ما جرى في تونس، صار طريقة، في مواعيد محددة للخروج، في مصر واليمن والبحرين والمغرب والجزائر والأردن، كما أتخذ شكل انفجارات احتجاجية هائلة في ليبيا وسوريا.

ما لوحظ في يوميات الثورات، أنّها ما إن بدأت، حتى بدت كأنّها «أقدار» محقّقة مسبقا، مادام الشعب أرادها، أو أراد الحياة، على قول أبي القاسم الشابي. فتحقق الثورة بدا هدفاً مشتركاُ لحركات الاحتجاجات العربية، وإن لم يحمل التحقق اسمها، كالدعوة إلى إصلاحات جذرية في نظم الحكم الملكية، تتحول عبرها إلى ملكيات دستورية تمنح المواطنين حق المشاركة في السلطة السياسية والثروة الوطنية، كما في البحرين، عمان، السعودية، المغرب، والأردن.

ثورات جديدة

قدّمت هذه الثورات مفهوماً مغايراً لمفاهيم الثورة القديمة، يمكن القول إنّها صارت بلا مفهوم محدّد، إذْ هي لم تقم على أهداف حزب بذاته أو أيديولوجية بعينها، بل صعّدت نشاطها على أهداف مفتوحة، تستوعب أطروحات مختلف الأحزاب والمنظمات الاجتماعية التي تتلاقى في قاسم مشترك، وهو إسقاط النظام المستبد، وإقامة نظام جديد.

فكرة تفاصيل كيفية إقامة النظام الجديد، يبدو لي، أنّها لم تتشكّل إلاّ أثناء الثورة، وظلّت في حال جدل وتكوّن بعدها، أيضاً. فنزول الكثير من الناس، إضافة إلى أعضاء الأحزاب والمنظمات، إلى الساحات التجمعية من أجل إسقاط النظام، أعاد التصور المسبق للكثيرين عن شكل النظام المطلوب تحققه. فمع اعتبار أن الثورة كانت تتشكّل وتنجز من خلال هؤلاء، وليس عبر حزب أو جماعة بذاتها، فإنّه كان من الواضح أنّ الجميع قد قبلوا بعضهم البعض، وأن ذلك يتطلب الكثير من التنازلات عن الشعارات الانقلابية الأيديولوجية، التي كانت تقدّم باعتبارها الحل الوحيد كـ «الإسلام هو الحل»، أو تحقيق الوحدة العربية ودولتها الواحدة، أو الحتمية الاشتراكية، أو الليبرالية المحسومة.

لم يتخلّ الكثيرون عن مضامين شعاراتهم، تماماً، كما يبدو، ولكنّهم، ربّما، صاروا في حال امتحان وجود، في ظلّ تشاركهم مع الآخر «المحلّي» و«الخارجي». هكذا يمكن فهم تصريحات حركة النهضة في تونس التي اعتبرت قانون الأحوال الشخصية التونسي، المانح حقوقا متساوية للمرأة والرجل، اجتهادا لا ترفضه، وأنّها لا تدعو إلى فرض الحجاب على المرأة، وإنّما إلى حرّية اللبس، متجاوزة بذلك الليبرالية المزعومة للرئيس بن علي. ومثلها قال الإخوان المسلمون في مصر إنهم لن يرشحوا للانتخابات الرئاسية المقبلة، وإنّهم لا يطمحون إلى أغلبية في البرلمان، مبدين استعدادهم للتشارك مع الأقباط.

وفي هذه التصريحات كان الأخوان المسلمون في مصر، كما في تونس واليمن وليبيا وفلسطين «حماس» وسوريا، يطمئنون العالم، بما فيه إسرائيل، الى أنهم سيقيمون علاقات جديدة معهم، غير التي عرفت عنهم، وإن كانوا أكثر مراوغة في الحديث عن إسرائيل، التي بدا أن القوميين العرب لم يحسموا بعد تصوّر علاقتهم معها، وإن كانت دعواتهم التصعيدية ضدها قد صارت محدودة، وعارضها كثيرون، كما في مصر، ممن رأوا أن الأولوية الآن لمشاكل الواقع المحلي.

هكذا، اتفقت قوى سياسية كانت تبدو متصارعة، مسيحية ومسلمة، سنية وشيعة، وجماعات وأحزاباً وأفراداً، على إسقاط النظام، وتشكيل النظام الجديد باتفاق الجميع.

لقد أُنجزت الثورة، ولا أحد يقول من صانعيها غير ذلك، إلاّ أنّهم يعترفون، أيضاً، بوجود ثورة مضادة تهدف إلى إعاقة المشروع المستقبلي، الذي هو نفسه لا يزال في حال تشكّل.

هذا المشروع المستقبلي، كما بدا، لا يستبدل نظاماً بالياً بآخر، وإنّما يصنع نظاماً يفكك فيه أسس النظام القديم، يفكك بنيته الاستبدادية الاحتكارية، أولاً، من خلال صياغة دساتير وقوانين جديدة تحدد مهام سلطة الرئاسة، ووظيفة الرئيس ومدتها، وكيفية تشكيل الحكومة ومراقبتها، وحصر دور المؤسسة العسكرية في الدولة، وتفكيك البنية المركزية لإدارة النظام القديم بإقامة تقسيمات فيدرالية ومجالس حكم محلية، وبرلمانات فاعلة، مع حرّيات غير محدودة للصحافة والأحزاب والهيئات المدنية.

إذن، هي ثورات في عالم جديد، ومن أجيال جديدة، لهذا، لم تحفل بدعوات المثقفين والمفكّرين إلى أهمية وجود مشروع فكري تنويري نهضوي للثورة، كما وجد في الثورات الأوروبية، إذْ أن المشاريع نفسها، التي تبنتها أنظمة عربية، من ليبرالية ويسارية وقومية وإسلامية، كانت تحمل شعارات النهضة والتقدم والحرية، فيما سلطاتها تمارس، مع هذه الشعارات، الاستبداد مستأثرة بالحكم والرأي والمال.

ما أجده واضحاً، هنا، أنّ فضاءات الاتصال العالمي الحديثة، من انترنت وتلفزيون وغيرها، سهّلت الحصول على المعرفة والمعلومة، وأظنّ أن ذلك كفيل بتشكيل ثقافات تعددية، غير مفروضة من نظام تعليمي أو توجّه أيديولوجي. وبما أنه لم يعد بالإمكان تبيّن القول بغزو ثقافي خارجي، أو حقيقة عقائدية واحدة، فإنّ التبادل المعلوماتي والمعرفي، سيسهم بتشكيل ثقافة حديثة، أكثر انفتاحاً على «الآخر»، الذي قد يُكتشف أنّه يشبه الـ «نحن»، أو أنّ هذا «الآخر»، هو «نحن».

فالتطورات المعرفية والعلمية صارت معاشة وفي المتناول، ولا تحتاج إلى مشاريع فكرية ضخمة كالتي وجدت في القرون الغابرة لتؤكّدها.

على الأقل، يمكن القول إنّ المشاريع الغابرة، أصبحت تتجلّى في هيئات حديثة، تتجاوز ما اعترى تحولاتها من تكلّس واتكالية سلطوية، ربّما.

هكذا يبدو أن الثورات العربية قد عصفت بزمن وأحيت آخر، لكنّها، مع هذا، لم تحدد الفواصل بينهما، إذْ هي ما زالت في حال بدء مستمر.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬