حسام عيتاني

منذ 14 شباط (فبراير) الماضي، تشهد مملكة البحرين هبة وطنية تطالب بالإصلاح والمساواة والعدالة.

تأثرت الثورة في البحرين بسابقتيها في تونس ومصر، لكنها تأسست مثلهما ومثل غيرهما من الثورات العربية الجارية اليوم، على مطالب خاصة بالبحرين تعود إلى عقود عدة. هذا ما يدل عليه اختيار المتظاهرين الذكرى العاشرة للاستفتاء على ميثاق العمل الوطني لبدء تحركهم. والميثاق، جاء بدوره نتيجة نضالات طويلة خاضها البحرينيون طلبا للحرية والديموقراطية.

لا يعنينا هنا المسار اليومي للأحداث وارتفاع وانخفاض سقف المطالب وما إذا كان طرف خارجي قد ضاعف ضغوطه لحرف الثورة الشعبية صوب انقلاب طائفي، على ما تقول السلطة، أو أن طرفا خارجيا مقابلا ما عاد يستطيع تحمل تظاهرات شباب البحرين فتدخل بالقوة المسلحة لاجهاض ثورة تملك من السمات ما يؤهلها للتمدد والانتشار في بلدان الخليج العربي الأخرى. ولا يعنينا أيضا قابلية بعض مطالب المعارضة للتحقق وصعوبة أخرى، أو جدية أو عدم جدية الحوار الذي لم يحصل، وكان ولي العهد قد دعا المعارضة اليه، ولا انقسامات المعارضة وتوزعها.

ما يهمنا هو اسقاط ذلك التمييز الذي رفعه الحكم في البحرين، بالتكافل والتضامن مع القوى الخارجية، بين أحداث البحرين وبين غيرها من أحداث ربيع العرب، لسجن الثورة البحرينية وراء قضبان الطائفية. غني عن البيان ان التركيب السكاني الطائفي والموقع الاستراتيجي، يضفيان مزيدا من التعقيد على امكان التغيير الديموقراطي في البلاد. وهذه ليست حال البحرين فقط. فما نشهده في سوريا والصعوبات التي تواجه إحداث تحولات سياسية عميقة في العراق ولبنان، تبدو متشابهة من نواح عدة مع ما أعاق تقدم حركة التغيير في البحرين.

ووجود مسألة طائفية في البحرين، ليس ذنب المطالبين بالتغيير. وتركز التمييز ضد ابناء الطائفة الشيعية التي تشكل ما يزيد عن ثلثي عدد السكان، لا يعني أن المنتفضين جعلوا من نقل السلطة من الأقلية السنية الى الاكثرية الشيعية همهم الوحيد. وجملة السياسات التمييزية التي كانت أكثرية شعب البحرين تشكو منها قبل التحرك الاحتجاجي المعارض، لم تولد فجأة ذات صباح مشمس. لقد تراكمت الأخطاء والممارسات الطائفية للحكم عبر سياسة التجنيس الواسع النطاق للمسلمين السنة من ذوي الأصول غير البحرينية وما يرافق ذلك من اقصاء عن الوظائف العامة للمواطنين الشيعة لمصلحة المجنسين، وبإبقاء حرية التعبير والتداول السلمي للسلطة بعد «إصلاحات» أوائل العقد الماضي في أضيق حد ممكن، وبرفض ابعاد بعض الشخصيات التي ترمز الى سياسات القمع والاضطهاد السابقة على الفترة الاصلاحية، من بعض المناصب المفتاحية.

ولا ينفع تحميل بعض الأصوات الموتورة التي خرجت للرد على الممارسات الطائفية بالدعوة إلى أسوأ منها، مسؤولية سحق السلطات بالقوة العارية للتجمع السلمي في دوار اللؤلؤة وشن حملة اعتقالات والتضييق على من ظل طليقا من المعارضين. ولا يكفي كذلك تحميل إيران وتصريحات بعض الرسميين العنصريين في مؤسساتها الأمنية والسياسية، وزر القضاء على الحركة الشعبية البحرينية بهذه القسوة والدموية.

فالحال ان أوضاع الاقليات في بلداننا العربية ارتبطت منذ قرون بعلاقات القوى وموازينها العابرة للحدود الوطنية، قبل تشكل مفهوم الحدود عندنا. والتدخل الخارجي بذريعة الدفاع عن هذه الجماعة أو تلك من التي تمتّ بصلات قربى مذهبية او قومية إلى دول بعيدة او قريبة، من صلب مدونة السلوك السياسي والديبلوماسي هنا. لذا، لا يصح القبول بهدم الحسينيات واماكن العبادة الأخرى عند الشيعة البحرينيين على انها مبان مخالفة لأصول الترخيص والانشاء، ولا يصح كذلك السكوت عن اعتقالات شملت أطباء وممرضين بتهمة القيام بعملهم الانساني في انقاذ الجرحى والمصابين، ووضع كل ذلك في إطار منع تغلغل النفوذ الإيراني في الخليج.

بكلمات أخرى، إن حصر الحل بالاجراءات الامنية لا يمثل خروجا من الأزمة ولا تجاوزا للتحرك الشعبي. وهو إن طمس تجليات هذا الأخير الأسطع، عبر هدم رموزه (والحيلولة دون بلوغه مستوى من التراكم الرمزي) على غرار نصب دوار اللؤلؤة واغلاق المنابر الاعلامية التي ابدت تعاطفا مع التحرك، لن يفيد سوى في إطالة أمد الاحتقان وتنويع مساربه المقبلة التي قد لا تكون كلها سلمية وديموقراطية مثل التي شهدناها في الشهور الماضية.

وفيما لم يغب عن الملاحظة ذلك التشابه بين السمات العامة للتظاهرات والاحتجاجات في البحرين وتلك التي سبقتها في تونس ومصر، لا يغيب عن الرصد كذلك التشابه في اللجوء إلى لغة التخوين والتهويل بالحرب الأهلية، بل العمل على استحضارها والدفع اليها في خطاب السلطات العربية. وفي البحرين وفي غيرها من البلدان العربية المنتفضة على عقود من الاستبداد والتسلط والاستلاب الاجتماعي والاقتصادي، لا يرف رمش للسلطات خجلا من تركيزها على تصنيف شعبها شيعاً وطوائف وعشائر وجهات لا جامع يجمعها إلا نقص النضوج الوطني والافتقار الى السوية السياسية الضرورية لقيام حكم ديموقراطي يحقق طموحات الشعوب العربية في الكرامة وتكافؤ الفرص وقدر من العدالة الاجتماعية والاقتصادية.

ولا يخفى أن النظام البحريني الذي لا يختلف في شيء يذكر عن الأنظمة العربية الأخرى، سواء بادعاءته الاصلاحية او بإماطته اللثام عن حقيقة موقفه القمعي عند امتحانه، لم يختلف أيضا عن بقية الانظمة في طرحه المقايضة المهينة بين بقائه او الفوضى المتمثلة في الهيمنة الإيرانية وخسارة السنّة (أو آل خليفة، بالأحرى) للحكم.

ومما يثير الانقباض في النفس، ذلك التواؤم بين الذرائع التي يوفرها الحكم الايراني بيسر وسهولة للأنظمة التي تعمل على قمع الحركة الاحتجاجية في البحرين وبين وقوف طهران إلى جانب قتل المتظاهرين السوريين المعارضين. واذا نحّينا جانبا عنصر المفاجأة الذي واجهته القيادة الايرانية، في تعاملها المضطرب، مثل باقي الحكومات والانظمة، مع التطورات العربية، فإننا نقع بسهولة على خلفيات ضيقة لا تغيب عنها المصالح الاقليمية المباشرة في الخطاب الإيراني. أبرز مثال على ذلك كان في المواقف الايرانية من البحرين واحداثها.

وإذا كان بعض المرددين لشعارات الممانعة والمقاومة قد أخذوا على أقلام ووسائل إعلام عربية معينة تبنيها معايير مزدوجة أثناء تناول الثورات العربية، فإن معسكر الممانعين هؤلاء، هو بذاته، فضيحة مجسدة لكل ما تنطوي عليه مقولة المعايير المزدوجة، سواء لناحية تجاهل المجازر ضد المتظاهرين السلميين في سوريا أو الاسراف في التحريض المذهبي والطائفي في لبنان وغيره، مقابل تركيز عُصابي هذياني على البحرين، ليس لأن قضية البحرين لا تستحق اهتماما عاما، بل لأن مصدر الاهتمام الهذياني وموئله، ليسا غير مصالح وتصورات طائفية غنية عن التوضيح.

وبقدر كبير من الاستياء، يقابل المرء التدخل العسكري الخليجي في البحرين. لقد وجه مجيء قوات «درع الجزيرة» رسالة حزينة عن مستقبل قاتم للحريات في بلادنا، خصوصا الصغيرة منها. كذا الامر عن تصور شرائح واسعة من النخب الحاكمة العربية لمعنى الاعتراض السياسي والحق في الاختلاف والتعدد الذي لا يمكن أن يأتي، وفق النخب تلك، سوى على شكل مؤامرة من الخارج.

خلاصة القول، ان قمع المعترضين السلميين، في البحرين وسوريا واليمن، لا يدع مجالا للشك بمدى تمسك القوى الحاكمة الحالية ببقائها في اماكنها واستنفارها أغرب النظريات وأبعدها عن الصدق لتدمير صورة الخصم. لكن السلوك هذا يكشف ضآلة النضج السياسي والاخلاقي عند الحاكمين، اي تماما التهمة التي يوجهها هؤلاء الى معارضيهم.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬