حازم صاغيّة

لا يحتاج مؤيّد الثورات العربيّة، والمتحمّس لها، إلى تبرير وإلى ذرائع. فنظاما مصر وتونس اللذان سقطا، وأنظمة ليبيا واليمن وسوريّا التي تسقط، ونظام البحرين الذي وقى نفسه السقوط بقوّة التدخّل الخارجيّ...، إنّما تحضّ على السؤال عن سبب تأخّر الثورات لا عن حصولها.

ذاك أنّ هذه الأنظمة جميعاً تشترك في سمات تستدعي موتها المعجّل، سماتٍ ليس يمكن التوفيق بينها وبين أدنى حقوق الانسان، ولا بينها وبين أبسط شروط المعاصرة لعصرنا. وقد تولّى القمع الذي اعتمدته في لحظات عسرها، بعد النهب الموسّع الذي اعتمدته في سنوات يُسرها، تبيان حجم الاحتقار والكراهيّة اللذين تكنّهما لشعوبها. فليست الوطنيّة الجامعة التي تدعو تلك الأنظمة إليها، وتتّكئ عليها، سوى رابطة تربط العبيد بأسيادهم. فمتى قرّر العبد رفض عبوديّته، كشف السيّد كم أنّ ولاءه للوطن كاذب وشراكته فيه مزعومة.

والذين يدينون الثورات (ونضع المنتفعين جانباً) يفوتهم أنّ تلك الأنظمة تتساقط بذاتها أو تؤول إلى السقوط، لأنّها فاقدةٌ القدرة على البقاء والاستمرار. وهذا ما كان يشي به انحصارها المتعاظم في وظائف أمنيّة، وقلّة اكتراثها المتنامية بما يُقنع المحكوم بمحكوميّته. أمّا جبال المشكلات التي يخلّفها تهاويها، فمصدر الكثير منها أنّ تلك الأنظمة، وعلى مدى عقود، لم تحلّ أيّاً من المشكلات تلك حلاًّ جدّيّاً، بل تركتها تتعفّن في الخفاء علّها تضمحلّ من تلقاء ذاتها. وهذا، لئن جعل العبور إلى ما بعدها أقرب إلى عبور الصحراء، فقد أكّد أنّ بقاءها ضدّاً على الطبيعة لن يتسبّب إلاّ بمزيد من المشكلات ومزيد من التعفّن. وأمّا التذرّع بالعلمانيّة لرفض التغيير، فلا يرقى إلى شهادة لصالح الأنظمة، بل إلى شهادة ضدّ العلمانيّة التي تُستخدم، والحال هذه، لتبرير ما لا يُبرّر من طغيان وفساد.

وفي الحساب الأخير، تتولّى الثورات والانتفاضات، كائناً ما كان الرأي فيها، وضع الشعوب والجماعات أمام مسؤوليّتها عن ذاتها وعن بلدانها. ومَن الذي يسعه رفض الانعتاق من هذه الأبويّة الجائرة، كائنةً ما كانت أثمان الانعتاق؟.

بيد أنّ الناظر في ما يجري حولنا لا يملك، من موقع التأييد الأقصى للثورات، إلاّ أن يحذّر من حماسات يشوبها التعجّل، ومبالغات تخونها الدقّة، كما تحيد أحياناً بأصحابها عن رؤية التعقيد وعن تقدير الاحتمالات الكثيرة التي قد تنجرّ عن أحداثنا الكبرى. وهذا، كما سلفت الإشارة، يصدر عن موقع منحاز لا صلة له بعظات «الوسطيّين» و»الحياديّين» ممّن يساوون بين الطرف القاتل والطرف القتيل.

فنحن في معظم البلدان التي خضّتها الثورات، وتخضّها، نعيش مفارقة مفادها أنّ التغيير، وهو ما يُفترض نظريّاً أنّه ذو مدى «وطنيّ»، يسبق تشكّل الأوطان، إن لم نقل إنّه يتوازى مع تفكّكها.

وقد لا يفيد كثيراً استرجاع لحظة سابقة في تاريخنا الحديث هي الثورات الاستقلاليّة ضدّ الاستعمار الغربيّ. ذاك أنّ الأخيرة جدّت فيما شعوبنا موعودة بالوطن والوطنيّة كأفق مستقبليّ مسلّم به، وبينما قيمة المواطنة، كواحدة من قيم الحداثة، مستحوذة على عقول النخب السياسيّة والثقافيّة. أمّا اليوم، فتنشب الثورات بعدما أمعنت الأنظمة الاستقلاليّة في هلهلة النسيج الوطنيّ لبلدانها، وفي إدارة خبيثة لتعايش ظاهريّ لم يكتف برعايته عناصر التفاوت الموروث بل فاقمها. وهذا ناهيك عن الأثر الذي أنجبته استقالة تلك الأنظمة من أغلب وظائفها الخدميّة. فبنتيجة الاستقالة تلك حُرمت التحوّلات الديموغرافيّة الضخمة التي شهدناها من حمولات تربويّة وثقافيّة هي وحدها ما يُعدّ الجماعات للحداثة السياسيّة. وهذا ما كان له دوره البارز في إطلاق يد الحركات الدينيّة والسلفيّة، فضلاً عن الولاءات الموضعيّة والتجمّعيّة، فراحت تملأ الفجوات المتعاظمة الاتّساع.

والعناصر تلك، مأخوذةً في تضافرها، لا تجعل مرحلة الانتقال صعبة ودامية فحسب، بل تجعلها أيضاً غامضة الوجهة وحمّالة أوجه شتّى. فعلى عكس ما يفترضه الوعي الحداثويّ البسيط من حلول أنظمة ديموقراطيّة محلّ أنظمة استبداديّة، من غير أن تسقط شعرة من رأس المجتمع والوطن، يميل التغيير السلطويّ إلى أن يكتسب ملمحاً جيولوجيّاً يفيض معه الزلزال عن السياسة إلى الاجتماع. فالتحوّلات الثوريّة قد تستجرّ تدخّلات دوليّة، على ما حصل في ليبيا، وما قد يحصل في بلدان أخرى، وربّما أدّت إلى إعادة نظر في الخرائط حيث تعجز القوى الداخليّة عن حسم صراع متطاول ومكلف ومؤثّر في جيرانها، وربّما في العالم. هكذا رأينا، مثلاً لا حصراً، تداعيات الثورتين التونسيّة والليبيّة على مسألة الهجرة إلى أوروبا، ما استدعى، أقلّه في نظر الفرنسيّين، طرح اتّفاقيّة شنغن على الطاولة، أو تقاطع الثورة البحرينيّة مع النزاع على ضفّتي الخليج بين جمهوريّة إيران والمملكة السعوديّة.

ولا يؤتى بجديد حين يقال إنّ العقود الأخيرة من عمر مجتمعاتنا، وفي ظلّ أنظمة شديدة الفئويّة، خلقت ضرباً من التماهي بين النظام وبين هذه الجماعة الأهليّة أو تلك، حتّى غدت إطاحة النظام تمسّ مباشرة مسائل الحدود وتعايش الجماعة الوطنيّة داخلها. والتماهي هذا هو ما يفسّر أنّ تلك الأنظمة، على رغم سقوطها التاريخيّ والأخلاقيّ، تحظى بقاعدة من التأييد لا يُستهان بها، لحمتُها المذهب والمنطقة والعصبيّة بأوسع معانيها. هكذا لم يكن إسقاط علي عبد الله صالح ومعمّر القذّافي بالسهولة النسبيّة لإسقاط زين العابدين بن علي وحسني مبارك في البلدين العربيّين الأقلّ عصبيّة والأقرب إلى الدولة-الأمّة.

صحيح أنّ الأنظمة، وبجمعها المدهش بين الابتزاز والانتهازيّة، طرحت حجّة انهيار الأوطان فزّاعةً في وجه التغيير. وربّما كان سيف الإسلام القذّافي أوضح من بلّغ هذه الرسالة التي تسبغ الرؤيويّة الكالحة على التهديد القاطع. لكنّ هذا لا يعني، في المقابل، ومن قبيل الردّ السجاليّ على الأنظمة، تعميم السذاجة «الوطنيّة» وتهيئة الناس للصدمات والخيبات فحسب.

ويمكن، على العكس تماماً، أن تحضّنا الثورات على إعادة اختراع للوطنيّة، إن لم يكن في مضمونها ففي أشكالها، بما يتّسع لاحتمالات تتعدّى السياسيّ إلى الاجتماعيّ. فبعدما أفشلت الأنظمة تجارب التعايش، أو أقلّه أضعفتها، في بلدان المشرق والخليج خصوصاً، وبعدما أعادت إنتاج انقسامات عصبيّة قديمة سابقة عليها، فجدّدتها وحدّثتها، بات من الجائز، إن لم يكن من المطلوب، نزع القداسة عن الحدود الاستعماريّة كما ارتسمت بعد الحربين العالميّتين الأولى والثانية.

ولا بأس، هنا، بالتنبيه، ضدّاً على الرواية «القوميّة» الفقيرة للتاريخ العربيّ الحديث، وعمادُها مقولة «التجزئة»، إلى أنّ الكثير من البلدان العربيّة ينطوي في تكوينه على فائض توحيديّ: أليس هذا مثلاً حال العراق الذي نجم عن ضمّ بعض من كردستان التاريخيّة إلى عربه، أو حال السودان الذي ضُمّ أفارقته الجنوبيّون إلى عربه الشماليّين؟ أوليس الاستفتاء الذي أجري مطالع العام الجاري وقضى بتقسيم السودان، تصحيحاً للحدود الاستعماريّة يذهب مذهباً معاكساً للتصحيح «القوميّ» الموعود؟.

والكلام أعلاه لا يستبطن أيّة حتميّة يُزعم أنّ تاريخنا يتّجه إليها. غير أنّه، في المقابل، لا ينزّہ مستقبلنا عن هذا الاحتمال الذي لوّح به السودان، صاحب الثورة العربيّة الأولى ولو اتّخذت شكلاً مغايراً للثورات، كما يلمح إليه التعايش البالغ الصعوبة في بلدان كالعراق ولبنان.

واقع الحال أنّ تجنّب هذه الحقائق، منعاً للوقوع في فخّ الأنظمة وروايتها، يفضي إلى التعتيم على جانب أساسيّ من الثورات الراهنة، جانبٍ لا يختصرها ولا يقلّل من أهميّتها، إلاّ أنّه يدفع إلى تحرير النظر إليها من التعريف المبسّط الحداثويّ و«الوطنيّ». فأن يسود اللون السنّيّ الثورة السوريّة، واللون الشيعيّ الثورة البحرينيّة، واللون الجهويّ الشرقيّ الثورة الليبيّة...، فهذا ليس من الدعايات المغرضة، تماماً كما أنّ تضخّم الحجم الإسلامويّ في الثورات ليس، هو الآخر، دعاية مغرضة.

وهذا لا يضير تلك الثورات حيث أدّى عمل السلطات الفئويّة، عقداً بعد عقد، إلى تلوين الاحتجاج بلون فئة أهليّة معيّنة، وكيف لا يكون ذلك فيما المادّة الـ 94 من الدستور السوريّ، وهو مثل غير حصريّ، تنزل حكم الإعدام بـ«كلّ من يثبت أنّه على صلة» بالأخوان المسلمين؟.

وقد يقال، وهذا صحيحٌ، إنّ ظلم الأنظمة لا يقتصر على فئة أهليّة بعينها، بل قد يطاول بعض المنتمين إلى الفئة الأهليّة نفسها التي تُحسب عليها السلطة. كما قد يُقال، وهذا أيضاً صحيح، إنّ الأنظمة تتعدّى، تعريفاً، الفئات الأهليّة التي انبثقت منها، لأنّ مصالح وخدمات ومصاهرات تربطها بسواها. لكنّ ما لا يقلّ صحّة عن ذلك أنّ الاضطهاد إذ يصيب الفئة الأشدّ تعرّضاً له فإنّما يصيبها في هويّتها الأهليّة تحديداً، فيستنطق تلك الهويّة ويستحضرها بقوّة.

بيد أنّ ذلك، وهو بذاته مبرّر كافٍ للعمل الثوريّ حتّى لو اقتصر على تحرير هذه الفئة بعينها، يثير مسألتين مترابطتين: واحدتهما تعاطُف الجماعات الأخرى في المجتمع مع الفئة الأكثر استهدافاً، والثانية، سعي الأخيرة، هي نفسها، إلى تخفيف لونها التجمّعيّ الخاصّ والحدّ من احتمالات طغيانه على الثورة. فإذا بدا مفهوماً لغير المسلمين السنّة مثلاً، بل مقبولاً منهم، أن يتصدّر هتاف «الله أكبر» حيث المسلمون السنّة الطرف الأشدّ مظلوميّة، وحيث «الله أكبر» عبارة مفتاحيّة في الكلام الشعبيّ العامّ، كان مطلوباً من المسلمين السنّة تطويق الحساسيّة التي يثيرها الهتاف هذا عند سواهم والعمل على طمأنة أصحابها.

وهذا ما تحول دونه الوقائع العنيدة للانقسام العموديّ بحيث ينحصر البُعد الوطنيّ، الفعليّ لا الكلاميّ، في نخبة ضيّقة من المثقّفين والمتعلّمين ورجال الأعمال المنحازين إلى الثورة.

هكذا يمسي لزاماً أن يُميَّز بين مستويين نادراً ما يُصار، في حومة الحماسة، إلى التمييز بينهما: مستوى طلب الحرّيّة، وهو ما أطلق مخيّلة الشعوب العربيّة فهبّت إليه، ومستوى بناء الأمم ديموقراطيّاً.

فالحريّة والديموقراطيّة ليسا أمراً واحداً، بل أمران. وفي أحيان كثيرة ينشأ لبس بين المفهومين فيُظنّ أنّ من يبغي الحريّة، ومعها الكرامة، يسعى إلى الديموقراطيّة، علماً بأنّ طلب الديموقراطيّة وبناء الأمّة على قاعدتها يفترضان ضمناً أنّ الحرّيّة قائمة إلى حدّ بعيد ومبتوتٌ وجودها.

فالحرّيّة مفهوم طبيعيّ، أو أقرب إلى الطبيعيّ. وللسبب هذا تشيع، لدى استعادتها، صورة العصفور والقفص، كما تُستخدم على نحو موسّع رمزيّة السجن والسجّان. وفي الحدود هذه يمكننا قياس الجريمة التي ارتكبتها الأنظمة بحرمانها مواطنيها هذا الحقّ الانسانيّ الأوّليّ، كما يمكننا تعيين العتبة البالغة الانخفاض التي ثبّتتنا فيها الأنظمة: فقد صار القيام بالثورة طلباً للحرّيّة والكرامة مدار افتخارنا وأهليّتنا لأن نصير مساوين للآخرين في العالم. إلاّ أنّ المفارقة التي يثيرها هذا الشعور المفهوم هي أنّ الثورة كفّت عن الوجود في أنحاء العالم المتقدّم، دليل ذلك أنّ الأزمة الاقتصاديّة الراهنة التي تكاد تبزّ أزمة 1929 فداحةً، لم تطلق ثورة واحدة في أوروبا الغربيّة وأميركا الشماليّة واليابان.

لكنّ الديموقراطيّة وبناء الأمّة، على عكس الحرّيّة والكرامة، مفهومان مؤسّسيّان، قبل أن يكونا إراديّين، يختبران قدرات المجتمع وثقافاته وتراكيبه ويمتحنان تأهيله لإنجاز مهمّة تاريخيّة كهذه. هكذا ينصبّ التركيز لا على البسالة والشجاعة والإقدام، ممّا يستدعيه طلب الحرّيّة والكرامة وممّا برهنت الشعوب العربيّة على استعدادها لبذله، بل على مدى وجود الطبقة الوسطى، وتوافر التقاليد السياسيّة، وحال النُخب والتعليم والثقافة، ناهيك عن اتّساع رقعة التسامح في المجتمع أو ضمورها. فإذا كانت الصورة المنمّطة عن الحرّيّة صورة السجين الذي يخرج من السجن، صغيراً كان أم كبيراً، فإنّ الصورة المنمّطة عن الديموقراطيّة يرسمها إقدام الأحرار على بناء برلمانات ومدارس ومؤسّسات.

لقد تحوّل اقتحام الباستيل في 1789 إلى رمز كونيّ أمثل لطلب الحرّيّة، وبات الحدث هذا، الذي دُشّنت به الثورة الفرنسيّة، معياراً للفرز بين أحرار العالم وخصوم الحرّيّة على أنواعهم. بيد أنّ بلوغ فرنسا إلى الديموقراطيّة كبّدها، بعد هدم الباستيل، المرور في ديكتاتوريّة روبسبيير وإرهابه ثمّ في امبراطوريّة نابوليون وحروبه. ذاك أنّ الحرّيّة، كحقّ طبيعيّ مرفق بمساواة البشر والأخوّة بينهم، وبتدخّلهم في شأنهم العامّ، تقتصر على كونها الشرط الضمنيّ المسبق، إنّما غير الكافي، للديموقراطيّة. وقبل فرنسا، كان إعلان الاستقلال الأميركيّ في 1776، حيث لا تُذكر كلمة «ديموقراطية» بتاتاً، قد أصاب الهدف ذاته إذ أكّد أنّ للبشر جميعهم حقوقاً أصليّة في الحياة وفي السعادة.

فإذا كانت الحرّيّة خطوة على طريق الديموقراطيّة فهي لا تشرطها قبْليّاً بالضرورة، كما أنّ المسار الذي يُسلَك من الأولى إلى الثانية ليس بسيطاً ولا ممهَّداً بالتأكيد. لهذا، مثلاً، جادل فرانسوا فوريه، أحد كبار مؤرّخي القرن العشرين الفرنسيّين، بأنّ بلاده إنّما تموضعت إيديولوجيّاً بين ثورتين: الأولى مساواتيّة شهدها العام 1789، والثانية انقلاب سلطويّ نجمت عنه امبراطوريّة نابليون في 1799. لكنّ ما حصل من عجز النزوع الامبراطوريّ عن استئصال أصولها المساواتيّة لم يكن آليّاً ولا تلقائيّاً، بل استدعى قيام تلك الأصول المساواتيّة تمرّدات سجّلتها ثورات 1830 و1848 ثمّ كوميون باريس عام 1871. لهذا رأى فوريه، في «تأويل الثورة الفرنسيّة»، وضدّاً على مذاهب أكثر حماسة وغنائيّة لدور تلك الثورة في إرساء الديموقراطيّة، أنّ إسهامها الأكبر في التاريخ كان تأسيسها التطرّف الإيديولوجيّ. وحتّى يومنا هذا لم يُحسم النقاش في أيّهما كان أكبر وأفعل: تعبيد الثورة طريق الديموقراطيّة والليبراليّة، أو تعبيدها طريق العنف والاستبداد والتوتاليتاريّة.

والحال أنّ إدماج المهمّتين، مهمّة إنجاز الحريّة ومهمّة تشييد الديموقراطيّة، لم يستعرض نفسه في التاريخ الحديث على النحو الصافي الذي عرفناه في أوروبا الوسطى والشرقيّة قبل عقدين. لكنّ النجاح المميّز والاستثنائيّ هذا لم ينفصل عن وقوع البلدان الثائرة، المنعتقة من النير السوفياتيّ، في الجوار المتّصل لبلدان ديموقراطيّة مستقرّة في أوروبا الغربيّة، وأهمّ من هذا، وجود رغبة حارقة لدى البلدان الثائرة في الاقتداء بالبلدان التي سبقتها والالتحاق بنموذجها، بعيداً عن عقد التشاوف الثقافيّ الشائعة في العالمين العربيّ والإسلاميّ. وهذا ناهيك عن درجة بعيدة من التقدّم الماديّ الذي عرفته بولندا وهنغاريا وألمانيا الشرقيّة وتشيكوسلوفاكيا السابقة، والذي سهّل الانتقال إلى الديموقراطيّة.

والخلط بين الاثنتين، الحرّيّة والديموقراطيّة، خطأ سبق أن ارتكبه كثيرون غيرنا في عدادهم إدارة الرئيس الأميركيّ السابق جورج بوش حين تداخلَ، في عرفها، المفهومان. فقد ظُنّ أنّ طلب الحرّيّة في العراق يمهّد تلقائيّاً لبناء الأمّة الديموقراطيّة، وما دام الكلّ يبغون انتزاع حرّيّاتهم من صدّام حسين وسلطته، فهذا معناه أنّهم سوف يبنون تلقائيّاً الأمّة الديموقراطيّة لما بعد صدّام. وغنيّ عن القول إنّ حبّ الحرّيّة في العراق لم يكن كافياً البتّة لجعل العربيّ والكرديّ، والسنّيّ والشيعيّ، يحبّ واحدهم الآخر، أو لحملهم على تنظيم عيش مشترك يُدار ديموقراطيّاً.

أكثر من هذا، تعمل الديموقراطيّة أحياناً على الحدّ من الحرّيّة بأن تمأسسها وتشذّب الحريّات المطلقة والفوضويّة إذ تغدو قيداً على حرّيّات أخرى. ذاك أنّ الديموقراطيّة معنيّة بالتوفيق بين الحرّيّات كي لا تتحوّل الحرّيّة استبداداً يمارسه البعض على بعض آخر. فإذا أتت الحريّة جامحة، مثقلة بما تحمله من ذواتنا الخام والأولى، أعيق الانتقال إلى الجمهوريّة الديموقراطيّة. وهذا ما يفسّر أنّ متطرّفين في اليمين واليسار يعلنون ولاءهم للحرّيّة ومقتهم للديموقراطيّة: ذاك أنّ الأولى تتيح لصاحبها نشر القيم العرقيّة، أو تحطيم الخصوم الإيديولوجيّين أو الطبقيّين، فيما تحول الثانية دون ذلك. فالحرّيّة صراعيّة بطبيعتها، والديموقراطيّة شرطها الاستقرار واشتغالها توافقيّ. والحرّيّة تنحو إلى إسباغ الإطلاقيّة على هدفها، والديموقراطيّة تقيّد أهدافها بالنسبيّة كما بالإجراء الانتخابيّ الذي تتغيّر نتائجه كلّ أربع سنوات أو خمس. وإذا كانت الحرّيّة ميّالة إلى محاصرة أعدائها أو عزلهم، لأنّهم ببساطة أعداء الحريّة في نظر دعاتها، فإنّ الديموقراطيّة تجمع بين كونها حكم الأكثريّة وكونها ضمانة الأقليّات.

ولئن صحّ أنّ الشعوب كلّها تريد الحرّيّة، وكذلك الأفراد، إلاّ إذا كانوا مرضى، فالصحيح أيضاً أنّ الشعوب نفسها قد لا تريد الديموقراطيّة بالضرورة، وأنّها أحياناً قد لا تستطيع إنشاءها، أو أنّها تفتقر إلى مقوّمات ذاك الانشاء. لا بل قد لا تريد «الشعوب» أن تغدو، في نهاية المطاف، شعوباً تغلّب الوطنيّ على سواه من روابط الاجتماع. فهذا أيضاً يتطلّب مواصفات، موضوعيّة وإراديّة، تفيض عن مجرّد تسمية الجماعات شعباً.

ولنا أن نقول، عملاً بالتمييز هذا، إنّنا نعيش اليوم طور الطلب على الحرّيّة، وهو عمل جليل يستحقّ، كما سبقت الإشارة، الدعم والتأييد بلا تحفّظ ولا استدراك. غير أنّنا قد لا نكون في طور بناء الأمم-الجمهوريّات الديموقراطيّة.

وضعف التمييز إنّما تنتجه أسباب شتّى في عدادها الشوق الحارق إلى إزاحة حاكم غاشم، والرغبة العارمة في إضفاء كلّ المعاني الفاضلة على تلك الإزاحة عملاً بما هو معروف في تاريخ الإيديولوجيا كلّه من تعميم الأفعال وإسباغ الإطلاقيّة عليها. هكذا يغدو التمييز، ناهيك عن النقد، مدعاة لنفور أهل الفعل الثوريّ ولاستيائهم، إن لم يكن لتشكيكهم بمن يميِّز. وكلّما أوغل المستبدّ في الدم، تحوّل الاستياء من النقد والتمييز استبداداً مضادّاً، يضع تصلّبه الفكريّ في مقابل التزمّت الدمويّ للحاكم.

على النحو هذا يلتقي الطرفان، من موقعين نقيضين، عند التكتّم على الحقيقة الاجتماعيّة: الحاكم الفئويّ ينكرها برفضه أدنى تعيين يسمّي الطوائف والجماعات بأسمائها، فيما ينكرها خصمه كذلك، رافضاً الإقرار باللون الأهليّ الذي يسود انتفاضته، واضعاً بين هلالين وقائع، كثقل السلفيّين أو رفض أهل قنا في مصر أن يحكمهم إداريّاً محافظ قبطيّ، ينبغي أن تخرج من حبس الهلالين.

إلاّ أنّ الحجّة الأقوى لاستبعاد التمييز ذاك الاتّكاءُ على «الشرعيّة الثوريّة». فهذه، على رغم الكوارث التي أنزلتها بالشعوب العربيّة في تاريخها الحديث، لا تزال تملك القدرة على التمكين وعلى تسليح أيٍّ كان بأنياب وأظافر متعالية ومنزّهة عن النقد. وهو استئناف لتقليد معوجّ يجعل من «يقوم بالثورة» امتداداً لمن «يقاوم» أو «يقدّم الشهداء»، أي أنّه واحد مثل الله، لا تجوز عليه القسمة ولا يُوجّه إليه النقد، شرعيّتُه نابعة من العمل المحض الذي يؤدّيه.

ويتعيّن، والحال هذه، القول إنّ الثورة ليست فعلاً شرعيّاً، بل هي فعل اضطراريّ أملاه افتقار الوضع القائم إلى الشرعيّة، أو استنفاد الشرعيّة القائمة وتخشّبها، ومن ثمّ ميلها إلى صدّ السياسة والحيلولة دون أيّ حراك سياسيّ. ومقاربة الثورات بوصفها اضطراراً فرضه المستبدّ على الشعب، يرهّف العمل الثوريّ ويجعله أشدّ تواضعاً وأكثر استعداداً لتقبّل النقد والتمييز، وتالياً للإقرار بالحقائق الاجتماعيّة المحيطة.

فإذا كان واحدنا اليوم لا يملك إلاّ الإكبار للبسالة والشجاعة، وهما سلعتنا في معركة الحرّيّة، بقي أنّ تلك البسالة واقعة بين حدّين ليسا من سلعنا، أحدهما أدوات التواصل الاجتماعيّ والثاني التدخّل الدوليّ. فمن دون هذين قد تتحوّل المعركة المجيدة في سبيل الحرّيّة ملحمةً دمويّة نغرق فيها وفي الحدود «الوطنيّة» المقدّسة المرسومة سلفاً لها. هكذا نستنزف أنفسنا قبل أن تلوح في الأفق معركة الديموقراطيّة.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬