ثيودور زيلدن

[1]
تقديم

مخيّلاتنا مسكونة بالأشباح. هنا نتائج استقصائي للأشباح المألوفة التي تطمئن، ولتلك الكسولة التي تحيلنا مشاكسين، وفوق كلّ شيء آخر، للأشباح المخيفة التي تثبّط عزيمتنا. فالماضي يجثم علينا، لكنّ الناس، بين وقت وآخر، يغيّرون رأيهم في ما خصّ الماضي. وأنا أريد أن أُظهر أن الأفراد، في يومنا هذا، يسعهم أن يكوّنوا رأياً غضّاً، أكان في ما يتّصل بتاريخهم الشخصيّ أو في ما يتعلّق بمجمل السجلّ الإنسانيّ من حيث القسوة وإساءة الفهم والفرح. فلامتلاك رؤية جديدة عن المستقبل، من الضروريّ دائماً امتلاك رؤية جديدة عن الماضي.

كلّ واحد من فصولي يبدأ بصورة عن شخص حيّ لديه رغباته وندمه مما قد تتعرّف فيه إلى شيء فيك. إلاّ أنّ هذا الشخص قد يكون مقيّداً بمواقف موروثة عن أصول طواها النسيان منذ أمد بعيد. فالعقل ملجأ للأفكار التي تعود إلى قرون كثيرة مختلفة، تجدّد نفسها أو تتفسّخ بوتائر متفاوتة السرعة. وبدل تفسير خصوصيّة الأفراد بالإشارة إلى عائلتهم أو طفولتهم، أعتمد نظرة أطول مدى: فأنا أبيّن كيف أنّهم يتنبّهون إلى تجربة الأجيال الأقدم والأبعد، أو كيف يتجاهلونها، وكيف يمضون في صراعات سبق أن خاضتها جماعات أخرى كثيرة على امتداد العالم، أكانت لا تزال جماعات ناشطة أو أنّها اندثرت، من الأزتيك والبابليّين إلى اليوروبا والزرادشتيّين، وكيف أنّ لديهم في هذه الجماعات أصدقاء حميمين يشبهونهم أكثر مما يظنّون.

فأنت، في هذه الصفحات، لن ترى التاريخ مطروحاً كما تراه في المتاحف، حيث تُفصل كلّ واحدة من الإمبراطوريّات، وكلّ واحدة من الحقب، بدأب وعناية عن سواها. فأنا أكتب عمّا لا يتمدّد هامداً، عن الماضي الذي هو حيّ في عقول الناس اليوم. لكنْ قبل أن أفسّر ما الذي أريد صنعه بهذه الأشباح، أودّ أن أعرّفك إلى قليل منها.

***

كيف فقد البشرُ الأملَ تكراراً،
وكيف تستعيده اللقاءات الجديدة ونظّارات جديدة؟

«حياتي فشل»، هذا هو الحكم الذي تصدره جولييت على نفسها، مع أنّها نادراً جدّاً ما تعلن ذلك. هل كان لحياتها أن تكون مختلفة؟. نعم، تماماً كما يمكن أن يختلف تاريخ الإنسانيّة.

إنّها تتحرّك باحترام للذات، تلاحظ كلّ ما يحصل حولها لكنّها تحتفظ لنفسها بردود أفعالها. فقط في لحظات عابرة، وعلى تردّد، تكشف القليل ممّا تفكّره، وهي تفعل ذلك همساً كما لو أنّ الحقيقة إذا ما أُخرجت من اللفائف التي تلفّها جَرحت تلك اللفائف. وثمّة في عينها لمعة تقول: قد تظنّونني بلهاء، لكنّي أعرف أنّي لست كذلك.

جولييت في الواحدة والخمسين، كانت خادمة منزليّة منذ كانت في السادسة عشرة. لقد برعت في فنّ الإشراف المنزليّ، وفي تحضير مآكل وتقديمها، حتّى أنّ كلّ الأمّهات المثقلات بالأعباء اللواتي يلمحنها، واللواتي يستطعن ذلك، تراودهنّ الفكرة إيّاها: كيف يمكن إقناع هذا الكائن المثال بالعمل عندهنّ؟، هل لديها بضع ساعات أخرى؟. إلاّ أنّها، رغم كونها عوناً نموذجيّاً للأُسَر، لم تستطع التكيّف مع أسرتها. ففي العمل، هي موضع ثقة كليّة، تبذل لكلّ تفصيل اهتماماً لا حدود له. أمّا في بيتها هي، فلم تمتلك مرّةً ما يكفي من تلك الصفات.

أمّها كانت أيضاً خادمة منزليّة. «لا يوجد شيء أتذمّر منه»، تقول جولييت، «فهي، مع أنّها كانت تضربنا، ربّتنا بطريقة جيّدة جدّاً». لقد ترمّلت فيما جولييت في السابعة، فكانت تذهب في وقت باكر إلى العمل وتعود منه في وقت متأخّر: «لم نرها كثيراً». هكذا راحت جولييت تعبث بالوقت بدل أن تحضّر دروسها: «لم أر فائدة من المدرسة». وهي لم تلتق بصديق يمنحها عناية خاصّة، ولا بأستاذ من خارج عالمها الصغير يساعدها. لهذا غادرت من دون أن تحصل على شهادة، من دون أن تحصل على بطاقة تفيدها في الدخول إلى أيّ مكان.

مع بلوغ السادسة عشرة «قمتُ بعمل أبله». هكذا تزوّجتْ أبَ طفلها ثمّ أنجبت ثمانية أبناء آخرين. الأطفال عندها بدوا متعة صافية، لكنّ هذا استمرّ ما استمرّوا أطفالاً. ما إن كبروا «حتّى أصبحوا صعبين». زوجها كان نجّاراً حسن المظهر يؤدّي خدمته العسكريّة. وهو، في البداية، كان لطيفاً معها: «لقد كنت حقّاً مغرمة به». لكنْ سريعاً جدّاً ما أطلّ الخطأ. فعندما بلغت ابنتها الأولى أشهرها الستّة، اكتشفت من جيرانها أنّ لديه خليلة. منذ ذلك الحين لم تعد هناك ثقة بينهما. صار يخرج كثيراً لزيارة خليلته بحسب ما شكّت دوماً. ثمّ صار يشرب فيما يقلّ عمله، وبات يقول إنّ العمل متعب جدّاً، كما بدأ يضربها: «هناك نُدوب في كلّ جسمي». لكنّها لم تخبر أحداً، فقد أخجلها الأمر كثيراً. «حين أراه يتقدّم نحو البيت عبر الحديقة أرتعد خوفاً». لماذا لم تتركه؟، «كنت خائفة جدّاً. كنت وحيدة بين سكّان بلدته لا أعرف أيّاً منهم. انقطعتُ عن عائلتي بعد زواجي، ولم أر أخواتي طوال أربعة عشر عاماً. هو حالَ دون خروجي وصار الأولاد من يتبضّعون للبيت. لقد منعني حتّى من الذهاب إلى جنازة أخي، ولم يعد لديّ أيّ نساء صديقات. لم أعد أخرج إلاّ إلى العمل». وهذا ما عنى، بالطبع، أنّها لم تعد قادرة على الاهتمام بالأبناء الذين وضعتهم أجهزة الخدمات الاجتماعيّة في عهدة من يرعون الأطفال بالوكالة عن الأهل. وهذا إذلال جعل جولييت في غاية الحساسيّة. حين كان أحدهم ينوي إهانتها كان يقول: «لا تستطيعين حتّى أن تربّي أبناءك». كانت تحتجّ. فـ«الناس ينبغي ألاّ يقولوا أشياء كهذه من دون معرفة الحقائق».

«في النهاية صرت أردّ على ضرب زوجي بالضرب. كان عليّ أن أفعل هذا من قبل».

حصل ذلك قبل وقت طويل على تمكّنها من تركه. لقد مات بعد شهر واحد على طلاقهما: «لم أشعر بالحزن، بل ضحكت فعلاً. الآن، أنا أضحك، لكنّنا حينما كنّا معاً لم أضحك». منذ ذاك الوقت عملتْ بهدف واحد لا غير: «هدفي في الحياة أن أملك بيتي فحسب».

مؤخّراً دفعت مقابل الرهن على شقّتها. وهذا أساس افتخارها الذي يجعلها شخصاً أقوى. لكنّها تشعر بالخوف الشديد من العيش وحدها، مع أنّها حاولت أن تفعل ذلك. أمّا الآن فمعها رجل: «هو للأمان، وكي لا أكون وحدي كلّيّاً في الليل». أحياناً تفضّل ألاّ يكون معها أحد على الإطلاق، وهي مصرّة على أنّها لا ترغب في الزواج من هذا الرجل. «في هذا، أنا مثل بنت صغيرة من بنات زمننا اللواتي لم يعد الزواج عندهنّ شيئاً أساسيّاً». الأمور بينهما تبدو سالكة لأنّه، هو الآخر، مطلّق و«يريد العيش في سكون». إنّه يتولّى الطبخ، وهي التبضّع: إنّها تحبّ الدوران في الأسواق أيّام الآحاد، والاكتفاء بالتطلّع والإحساس بالثياب الجديدة، فهذا كمثل حلم لم يلوّثه الواقع. وكونها تملك المال الذي قد تنوي إنفاقه يمنحها إحساساً عميقاً بالحريّة. أمّا هو فاشترى بيتاً ريفيّاً صغيراً لأنّها أوضحت له أنّه هو من سيغادر البيت إذا تشاجرا. وهي دائماً ما تذكّره بأنّ الشقّة لها، كما تقول له بطريقة جازمة: «أستطيع الخروج حين أرغب في ذلك، وأستطيع أن أخرج لأرى صديقة حين أرغب في ذلك».

وهما لا يتحدّثان كثيراً. حين تعود إلى البيت مساء تجد في الراحة متعتها: أن تستلقي وحدها في العتم على سريرها. إنّها بالمطلق لا تقرأ كتباً، وبالكاد تشاهد التلفزيون. هي تفضّل، في المقابل، أن تفكّر بحياتها الماضية فيما الأنوار مطفأة: بأمّها وبزوجها وبأولادها وبالرعب الذي ينتابها من البطالة: «إذا ما حلّ وقت لا يجد الأولاد عملاً فيه، فهذا لن يكون شيئاً لطيفاً». إنّها حزينة لأنّ حياتهم لن تكون أفضل من حياتها: «هذا ليس عدلاً». وهي تفسّر ذلك بوجود الكثيرين من الأجانب في فرنسا، فهم يأخذون العمل والمساكن، ما يعني أنّ «الفقراء الفرنسيّين لا يملكون شيئاً، وأنا لا أريد أن أنتقد العرب أو السود، لكنّي أظنّ أنّ هذا ليس عدلاً. فبسببهم صارت حياة أبنائي صعبة». إحدى البنات تعمل في معمل، والثانية في دائرة الشرطة، أمّا الثالثة فخادمة منزليّة، كما لو أنّ العائلة محكومة إلى الأبد بشغل الوظائف الأقلّ عائداً.

وما الذي تفكّر فيه جولييت أثناء العمل؟. «لماذا أُسأل هذا السؤال. لا شيء. في العمل، أنا لا أفكّر، أو أنّي أفكّر في أواني مطبخي». فالعمل هو الراحة من البيت. ومع أنّها نظّمت حياتها البيتيّة على نحو يُشعرها بالسكينة، فالناس حيال جولييت يتصرّفون بلؤم جارح، والأخذ والعطاء معهم يستلزمان التأهّب الدائم. ورغم إحساسها الآن بأنّها غدت أقلّ قابليّة للعطب، فإنّ ما يقوله الناس لا يزال يجرحها بكلّ يسر. إنّها تفضّل أن تعمل وحدها، بوصفها امرأة مستقلّة، في أداء مهمّات التنظيف، ذاك أنّها تخشى أقاويل المكاتب والمعامل: «فالناس يكرّرون الأشياء التي يقولونها عنك، متلاعبين بكلماتك، وهذا ما قد يكلّفك في بعض الأحيان غالياً». ولا يوجد ما تكرهه أكثر من تعريضها للنقد. فكلّ إشارة تنمّ عن عدم موافقة هي جرح فوق جرح. وإبقاء رأسها عالياً مهمّة متواصلة، فيما الكرامة تستدعي منها ألاّ تتذمّر. فهي البتّة لم تخبر أخواتها بكيفيّة معاملة زوجها لها. وعندما تزورهنّ الآن تكون حذرة ألاّ تقول ما تراه في الطريقة التي يديرون بها شؤونهن. وهنّ أبداً لم يحدّثنها عن ماضيها: «فهنّ يعرفن أنهنّ بهذا يجعلنني غاضبة عن جدّ». أختها الصغرى، مثلاً، والتي مات زوجها وتساكن رجلاً لا تشعر معه بسعادة حقّة، غالباً ما تقول لهذا الرجل: «احزم أكياسك واختفِ». وجولييت حريصة على ألاّ تتدخّل في نزاعاتهما: «إنّها مشكلتها». فإذا، بالرغم منها، تفوّهتْ بقطرة نقد صغرى، أجابتها الأخت: «اهتمّي بشؤونك». وهي تقول إنّ شقيقاتها كلّهنّ حذرات بدرجة حذرها نفسها: إنّهنّ لا يُبدين غضبهنّ.

«في العائلات التي تضمّ أولاداً هناك دوماً شجار». وبين أبنائها هي، ربّما كانت الفتاة الكبرى من يبلي البلاء الأحسن. فزوجها ميّت أيضاً وهي تعيش مع رجل يطيعها: «إنّها الريّسة، وهو معتوه لأنّها صارمة جدّاً معه». لكنّها لا تلبث أن تضيف: «أنا لا أنهمّ لحياة أبنائي الشخصيّة، فإذا ما تقاتلوا أمامي لا أتدخّل».

لكنّ الشخص الأكثر إزعاجاً في عالم جولييت، والذي كأنّه بعوضة تعضّ ولا تزول، فابنة رجلها البالغة سبعة عشرة، والتي تقيم في نزل لأن أمّها انفصلت بعد زواج فاشل ثانٍ. وجولييت، رغم حكمتها، تبقى زوجة أبٍ كلاسيكيّة. «أنتِ لا يمكنك المجيء إلى هنا في عيد الأمّ، لأنكِ لستِ ابنتي. تستطيعين أن تأتي في عيد الأب». فهي مقتنعة بأنّ هذه الفتاة «شريرة حقّاً»: لقد عرفتْ بمتاعب جولييت ودائماً ما تقول لها: «أنتِ فاشلة»، بحيث يجنّ جنون جولييت. «لو كانت ابنتي لضربتها بسوط»: البنت مُفسَدة وقد تربّت تربية سيّئة، فهي لا تساعد في شغل المنزل: الجيل الجديد يحصل على ما يريده بسهولة بالغة. البنت تجيب بأنها سوف ترفع أمرها إلى القاضي: «سوف تذهبين إلى السجن»، وجولييت ترتعد من التورّط مع القانون. رجلها لا يتدخّل في هذه الخلافات: «إنّه يريد الهدوء». وهكذا حين يغدو الجدل غير محتمل «أخرج في نزهة مصحوبةً بدفتر شيكّاتي». إنّه مثل جواز سفر يبرهن لجولييت أنّها امرأة مستقلّة. وهي تشعر بأنّها تحقّق تقدّماً في فنّ استقلالها بالطريقة التي تستخدمه فيها. فقط قبل سنوات قليلة، كانت تجد في الإسراف بالإنفاق تعافياً من إهانة تُوجّه إليها: «لم أكن أفكّر مرّتين قبل الشراء، لم أكن أقارن الأسعار. أمّا الآن فبتّ أكثر استقراراً. لربّما كان صديقي من أثّر عليّ في هذا. إنّه حذر، وقد جعلني أشدّ توازناً. كنت أكثر توتّراً ممّا أنا الآن». إنّ مجتمع الاستهلاك مهدّئ عملاق للأعصاب الخام.

حين كانت جولييت صغيرة كانت تعمل ثلاث عشرة ساعة في اليوم. الآن تعمل أقلّ لكنّها تتقاضى ما يقلّ عن معظم الناس. من الممكن أن تجد عملاً يدرّ عليها عائداً أكبر، إلاّ أنّها تحبّ ربّات العمل اللواتي تتكيّف معهنّ وتفهمهنّ، واللواتي لا يزعجنها بالانتقاد. ولكي تضمن التوازن المناسب، تعمل لدى عديدات منهنّ موزّعة ساعاتها كما يفعل من يتّبع نظاماً غذائيّاً. «من المستحيل أن تكون عندي ربّة عمل تصرخ في وجهي طوال النهار، ثمّ أذهب إلى البيت حيث رجل يصرخ في وجهي طوال المساء». إحدى النساء اللواتي تنظّف بيوتهنّ تصرخ فعلاً، غير أنّ «قلبها طيّب». واحدة أخرى حفيدة رئيس سابق للجمهوريّة الفرنسيّة، تتمدّد على المقعد طوال النهار من دون أن تفعل شيئاً إلاّ التألّم من أمراض عدّة: «لو لم تكن حزينة جدّاً على نفسها لاستطاعت أن تفعل بحياتها شيئاً مفيداً». إلاّ أنّ لطفها رفيع. هناك ثالثةٌ تعاني المشاكل مع أبنائها ومع صحّتها: «أقول لها: انتبهي إلى نفسك، فتجيبني: حاضر يا دكتور». والرابعة طبيبة لا تبدي اكتراثاً لها حين تكون مريضة، وهذا على عكس زبونتها الخامسة التي تُظهر كلّ الاهتمام بمجرّد أن يصدر عنها أدنى سعال: إنّها تتذكّر، كلحظة مميّزة في حياتها، أنّها سمحت لها بالذهاب إلى البيت قبل ساعة من الوقت المفترض، قائلة: «أنتِ هنا لستِ
في معمل».

هي، على الأقلّ، تعتبر بعض أرباب العمل «أصدقاء» لها. لقد قالت لواحدة منهم: «ليحدث ما يحدث، فأنا لن أتركك. لن أسمح لنفسي بتركك. لم أعثر على أحد في لطفك». لقد عملت عند دكتور أربعاً وعشرين سنة، على رغم نواقصه، «والسبب أنّني أعرف طبعه. إنّني أجيد التعامل معه. لا أتفوّہ بكلمة حين أجده في مزاج عكر».

الأمور المزعجة تحصل حين يتذمّرون من عملها. «ربّة البيت ينبغي ألاّ تهين عاملتها أمام الضيوف: ينبغي أن تفعل ذلك في المطبخ، وإلاّ ابتُذل الأمر». مرّة، في حفلة مسائيّة، نسيت جولييت أن تضع البطاطا حول اللحم، فوضعتها خطأً في وعاء آخر. ربّة عملها سمّتها بقرة بلهاء. هي انفجرت بالبكاء وقالت إنّها ستترك. «الدكتور اعتذر لكنّ زوجته لم تفعل». جولييت بقيت. في بيت آخر سُمّيت خادمة للأعمال الوضيعة. «لن أتسامح مع تسميتي هكذا». لكنّ الغضب لا يلبث أن يخمد: «على الواحد منّا أن يكيّف نفسه مع كلّ الناس. كلّ ربّ عمل يثير مشاكل. هناك من يتفهّمون حياة السيّدة التي تعمل في التنظيف، إلاّ أن البعض لا يتفهّم». وهي تعزّي نفسها: «هؤلاء الناس يعتمدون عليّ، وأنا أغدو معهم أكثر حذاقة: فهم يخبرونني أشياء. أحد هؤلاء، وهو رجل متعلّم، يطلعني على مشاكله، لكنّه يقول: لا تخبري أحداً. هكذا يبقى الأمر بيني وبينه».

ربّما كانت حياة جولييت لتختلف لو أنّ اللقاءات التي تحكّمت بمسارها كانت أقلّ صمتاً وسطحيّة ورتابة، ولو تمّ تبادل أفكار أكثر فيها، ولو أن الإنسانيّة بدت أقدر على استعراض نفسها فيها. بيد أنّ تلك اللقاءات اقتصرت على الأشباح التي تمضي في تحكّمها بما يقوله أرباب العمل والغرباء، وحتّى الناس الذين يعيشون معاً، لبعضهم البعض أو لا يقولونه. وجولييت تصرّ على أنّها كانت، «إذا ما أُخذت قدراتي بعين الاعتبار»، مهيّأة للحصول على عمل أفضل، وأنّ العمل عند مُسنّين كان ليجذبها، وأنّ ما اعترض طريقها كان افتقارها إلى شهادات. لا بل كان الأكثر مأسويّة أنّ ما من شخص نافذ ممّن عملت لديهم وجد أنّ من مصلحته مساعدتها على مباشرة عمل أعلى كفايةً. استنتاجها هو: «حياتي انتهت».

حالياً، هناك عدّة طرق مختلفة في تأويل القصّة هذه.

نستطيع أن نقول: هذا ما هي الحياة عليه، وهناك أسباب كثيرة تفسّر لماذا تكون الأمور هكذا. أو أن يأمل المرء في أن يؤدّي توحيد العُقد التي تربط الإنسانيّة نفسها بها وتجعل مؤسّساتها المجنونة أشدّ عقلاً، إلى تغيير الحياة وإلغاء الفقر. لكنّ ذلك يستغرق عقوداً، بل ربّما قروناً. أو أن يكره واحدنا الحياة لأنّها على هذه القسوة ويحاول أن يحتملها عن طريق السخرية منها، أو مسخرتها، أو أن يستمتع بالأوصاف التفصيليّة الصغيرة لها، فيما يحمي نفسه من خيبة الأمل برفضه اقتراح حلول للمشاكل وبإدانة كلّ جهد كهذا بوصفه ساذجاً.

هدفي مختلف. فأنا أرى وراء سوء حظّ جولييت كلّ أولئك الذين عاشوا وهم يظنّون أنّهم فاشلون، أو أنّهم عوملوا كذلك. وأسوأ إحساس بالفشل هو إدراك المرء بأنّه لم يعش على الإطلاق، وأنّه لم يُرَ بوصفه كائناً إنسانيّاً مستقلاًّ، فلم يُنصَت إليه مرّة، ولم يُسأل رأيه مرّة، بل اعتُبر متاعاً، ملكاً لآخر. وهذا ما كان قد حصل علناً للعبيد. فنحن كلّنا متفرّعون عن العبيد، أو من يقاربون العبيد. كلّ سِيَرنا الذاتيّة، إذا ما دُفعت بعيداً في الماضي، سوف تبدأ بكيف أنّ أسلافنا استُعبدوا في شكل أو آخر، وبدرجة التحرّر الذي أحرزناه من هذه التركة. قانونيّاً، بالتأكيد، ألغيت العبوديّة (وهذا لم يحصل في زمن بعيد جدّاً، فالعربيّة السعوديّة، وكانت آخر دولة تلغيها، فعلت ذلك في 1962). إلاّ أن للعبوديّة معنى كنائيّاً أبعد: فمن الممكن للمرء أن يكون عبداً لعواطفه، أو لعمله، أو لعاداته، أو لزوج أو زوجة لا يمكن تركهما لأسباب عديدة. والعالم لا يزال يعجّ بالناس الذين، ومن دون أن يكون لديهم أسياد معتَرف بهم، يرون أنّهم لا يتمتّعون إلاّ بقليل من الحريّة، وأنّهم تحت رحمة قوى اقتصاديّة واجتماعيّة غفل ولا سيطرة عليها، أو تحت رحمة الظروف، أو حماقتهم هم أنفسهم، وأنّ طموحاتهم الشخصيّة ستبقى، للأسباب هذه، مثلومة على نحو دائم. والمتحدّر الحديث عن عبد لديه من الأمل أقلّ مما لدى مرتكب الخطايا الذي يستطيع أن يتوب. أمّا الكائن الإنسانيّ العاجز والمتورّط فليس لديه علاج فوريّ قابل للمقارنة.

جولييت ليست عبدة. ما من أحد يملكها. وهي ليست قنّاً: لا أحداً يملك الحقّ في عملها. لكنْ أن يظنّ المرء أنّ حياته انتهت، أو أنّه فاشل، فهذا يعني أنّه سيتألّم من اليأس ذاته الذي آلم البشر في عالم ظُنّ فيه أنّ الحياة غير ممكنة بلا عبيد. لهذا من المهمّ أن نفهم ما الذي تعنيه العبوديّة القانونيّة.

لقد أصبح البشر عبيداً في الماضي لأسباب رئيسة ثلاثة. الأوّل هو الخوف: فهم أرادوا ألاّ يموتوا، بغضّ النظر عن الألم الذي تتسبّب به الحياة. لقد قبلوا أن يكرههم الملوك والفرسان ومدمنو العنف الآخرون ممّن اعتقدوا أن الموت في المعركة هو الشرف الأرفع، والذين كان استعباد البشر وتدجين الحيوانات جزءاً من سعيهم نفسه وراء السلطان والراحة. لكنّ العبيد بدورهم تكيّفوا مع معاملتهم كحيوانات، يباعون ويشترون وتُحلق رؤوسهم ويوشَمون ويُضربون ويُعطون أسماء تحقيريّة (قرد، حقير، مومس، مزعج)، لأنّ الظلم يبدو، بالنسبة لأكثر الناس، مكوّناً لا مهرب منه من مكوّنات الحياة. في صين الهان، اشتُقّت كلمة «عبد» من كلمة «طفل» أو «إمرأة وطفل». ومثل هذه الطاعة التي لا تُساءل فُرضت كذلك على غالبيّة الإنسانيّة في معظم أجزاء العالم، أكانت العبوديّة رسميّة أم لا.

وقبل أن يُختطَف إثنا عشر مليون أفريقيّ ليكونوا عبيداً في العالم الجديد، كان السلاف الضحايا الأساسيّين الذين أعطوا اسمهم للعبوديّة. فقد اصطادهم الرومان والمسيحيّون والمسلمون والفايكنغ والتتر، وصُدّروا إلى سائر العالم. والسلافي أصبح يعني الأجنبيّ، فيما علّمت الأديان في معظمها بأنّ من المقبول استعباد الأجانب. الأطفال البريطانيّون الذين صُدّروا كعبيد، والبنات منهم كنّ يُسمنّ للحصول على أسعار أعلى، انتهوا بوصفهم سلافاً. وفي زمن أحدث عهداً، حينما وجد السلاف أنفسهم محكومين بطغاة، ولم يروا أملاً في الفرار، استنتج البعض، بمزاج كالح، أنّه لا بدّ من وجود شيء ما في طابع السلاف يرشّحهم للاستعباد. وهذا تفكير باطل يدّعي أنّ ما حصل كان لا بدّ من حصوله. وما من شخص حرّ يمكن أن يؤمن بهذا: إنّه تفكير فُرض على العبيد كي يدفعهم إلى اليأس.

دائماً تقريباً كان الخوف أقوى من الرغبة في الحريّة: البشر لم يولدوا أحراراً. لكنّ الإمبراطور البيزنطيّ موريس (582-602) اكتشف استثناءً. فهو اندهش بثلاثة سلافيّين أسرهم ولم يكونوا يحملون سلاحاً. كلّ ما كان معهم قيثارات، فيما كانوا يهيمون ويغنّون لفرحة الحريّة، وللوجود في الحقول المفتوحة والتعرّض للنسائم الطريّة. لقد أخبروه: «من الطبيعيّ في أناس غرباء عن الحرب أن يكرّسوا أنفسهم بحماسة للموسيقى».

أغانيهم كانت عن الإرادة الحرّة وكانوا معروفين بشعب الإرادة الحرّة. في 1700 كان لا يزال هناك شعب كهذا فيما أعلن بطرس الأكبر أنّه لا ينبغي أن يوجد مزيد من هؤلاء: كلّ واحد يجب أن يكون جزءاً من تراب شرعيّ وعليه واجبات ثابتة. لكنْ بعد ذاك بـ150 عاماً، كان تارار سيفشنكو، وهو قنّ أوكرانيّ محرّر، يغنّي أشعاراً تنتسب إلى التقليد ذاته، ناعياً كون «القيصر السكّير نوّم الحريّة»، ومصرّاً على أن الأمل قائم في الطبيعة:

أنصت إلى ما يقوله البحر،

إسأل الجبال السوداء.

لقد وُجدت العبوديّة، قبل كلّ شيء آخر، لأن أؤلئك الذين أرادوا أن يُترَكوا لشأنهم ما كان في وسعهم أن ينأوا بأنفسهم عن الذين يستمتعون بالعنف. والعنيفون كانوا المنتصرين في معظم التاريخ لأنّهم أيقظوا الخوف الذي وُلد كلّ شخص فيه.

ثانياً، أصبح البشر «طوعاً» عبيداً. في المكسيك الأزتيكيّة اختار معظم العبيد، إذا جاز استعمال «اختار»، أن يكونوا هكذا: أن يستولي عليهم الكساد، وأن يتخلّصوا من مسؤوليّاتهم – مثلاً، أن يتقاعدوا بوصفهم لاعبي باتولي، لعبة كرتهم الوطنيّة، وأن يُتلفهم إدمانهم الرياضة، فيما النساء متعبات من الحبّ باحثات عمّا يطمئنهنّ إلى وجود شيء يؤكل: وأساس التعاقد العبوديّ وجوب إطعام العبد، فإذا لم يتمّ إطعامه تمّ تحريره. فأهل موسكو حين تعلّموا كيف يقاومون مفترسيهم، وبدأوا، بدلاً من استعبادهم، يستعبدون واحدهم الآخر، طوّروا ثمانية أشكال مختلفة من العبوديّة، وكان أكثرها شيوعاً بلا قياس ذاك الشكل «الطوعيّ». فمجتمعهم الحدوديّ لم يعرف مؤسّسات العمل الإحسانيّ فيما باع الجائعون أنفسهم عبيداً. وبين القرنين الخامس عشر والثامن عشر، أصبح ما يقارب عُشر أهل موسكو من العبيد حتّى فاق عددُهم عددَ سكّان المدينة، أو الجنود، أو رجال الدين. وقد قارن مؤرّخ أميركيّ هؤلاء العبيد بالفقراء الأميركيّين الذين يعيشون على برامج الرفاه.

لقد أصبحت العبوديّة في روسيا نوعاً من مستودع للناس الذين لا يملكون إلاّ أنفسهم كي يبيعوها. ثلث العبيد كانوا أساساً فارّين، إلاّ أنّهم في العادة كانوا يرجعون يائسين من طلب الحريّة، وعاجزين عن مغادرة عقليّة السجين: «ما كلّ واحد من العبيد يحلم بالحريّة. فبعد سنوات قليلة على إخضاعهم التامّ، يصبح الوجود المستقلّ في عالم قاسٍ خارج التفكير تقريباً»، على ما يقول مؤرّخهم هيللي. والهرب في أميركا كان أصعب: فلربّما عرفت الولايات الجنوبيّة من الولايات المتّحدة الأميركيّة أحد أشرس أنظمة العبوديّة في العالم، وذلك لأنّ العبيد كانوا مستثمَرين على نحو مكثّف في الزراعة التي تجلب ربحاً وفيراً. أمّا في روسيا والصين، فكانوا يُستعملون أساساً كخدم منزليّين. لكنْ بغضّ النظر عن الشروط المحدّدة للمعاملة، فإنّ حقيقة وجود كلّ هذه الأنواع من العبيد، وكون كلّ فرد معرّضاً لشكل من الإساءة لا يختلف إلاّ قليلاً عن الشكل الآخر، جعلا كلّ واحد يظنّ أنّه صاحب امتياز ما، وأنّه ليس أوطأ الواطئين. فالحسد يعميه عن الألم الجامع. في المزارع الأميركيّة كان ممكناً أن تجد عبيداً أفارقة يجلدون بالسوط عبيداً أفارقة آخرين.

بكلمات أخرى، حين تقام مؤسّسة سريعاً ما يجد حتّى أولئك الذين يعانون ألمها، الوسائلَ لاستخدامها، مهما كانت الوسائل قليلة. وهم، في الحالات كافّة، يساعدونها على الاستمرار.

والصنف الثالث من العبيد أسلاف المدراء التنفيذيّين والبيروقراطيّين الطموحين في يومنا الراهن. فامتلاك العبيد أعطى صاحبه امتيازاً، وكون المرء عبداً فهذا ما يعني أنه يعمل. وقد اعتبر الرجال الأحرار أن العمل لغيرهم هو ما لا يليق بهم، ورفض الأريستوقراطيّون الرومان أن يكونوا بيروقراطيّي الإمبراطور. هكذا ابتدأ الأخير بإنشاء إدارة يستخدم فيها العبيد، فيما وظّف البيروقراطيّون عبيداً آخرين لتسيير شؤون أراضيهم. فالعبيد ليست لديهم عائلات ولا يكنّون ولاء لأيّ شخص ما عدا سيّدهم. لقد صاروا أكثر الموثوقين من بين الموظّفين الرسميّين والجنود والسكريتيريّة الخاصيّن. وغالباً ما أدار عبيد شؤون الإمبراطوريّتين العثمانيّة والصينيّة، وأحياناً كان يتولّى هذا الدور الخصيان منهم الذين صعدوا إلى أعلى المناصب ومنهم من صار صدراً أعظم أو إمبراطوراً. ووظيفة الخصي هي التأكّد من أنّ العبيد المخصيّين يمنحون الدولة أولويّتهم على العائلة. والآن لا توجد أيّة إحصاءات تعلمنا بعدد الناس الذين يخصيهم أرباب عملهم أخلاقيّاً.

الكلمة الروسيّة للعمل هي «رابوتا» المتفرّعة عن كلمة عبد أو «راب». وأصل مجتمع وقت الفراغ هو الحلم بالعيش عيش السادة، فيما يتولّى العملَ الروبوت، أي العبد الميكانيكيّ. والجارح في هذه القصّة من تاريخ العبوديّة هذا أنّ الناس ما إن يتحرّروا حتّى يصبحوا في غالب الأحيان روبوتات، أقلّه في جانب من حياتهم. لقد ظهر تردّد كبير في التخلّي عن أشكال السلوك العبوديّ كلّها. فـ»أوج البؤس الاعتماد على إرادة الغير» كما قال بوبيليوس، العبد السوريّ الذي أصبح يعمل في الترفيه والتقليد الصامت الشعبيّين في روما القديمة. مع هذا فإنّ فانتازيّات الحبّ الرومنطيقيّ تقوم على التبعيّة. فالعبد المحرّر غالباً ما فضّل أن يبقى تابعاً يستأنف عمله ذاته.

لقد انقضت أجيال عدّة قبل أن يندمل جرح العبوديّة. ففي الصين وأفريقيا غالباً ما أصبح العبد المحرّر نوعاً من طرف في علاقة فقيرة. أمّا في أوروبا فصار زبوناً. فقد بدا العيش خارج حماية شخص يكون أقوى مغامرة مخيفة جدّاً.

وكانت الكرامة الميزة الأكثر إلفاتاً في ما خصّ العبيد – أو على الأقلّ أولئك الذين لم يلجأوا إلى السُكر الدائم لنسيان حزنهم. فالكثيرون منهم نجحوا في توكيد استقلاليّتهم حتّى حين يكونون مجبرين على أداء العمل الخدميّ زاعمين، على سبيل تقبّل إذلالهم، أنّهم يلعبون دوراً. هكذا يعيش السيّد في ظلّ وهم السيطرة على الأمور بينما يعرفون هم أنّه هو الذي يعتمد عليهم. «إلعبها كأنّك أبله تحظَ بحصّة الحكيم» كان المثل المفضّل للعبد الجامايكيّ. وبين وقت وآخر كان مالك العبيد يدرك أن العبد لا يستبلهه بل أنه هو نفسه عبد كذلك: «نحن نستخدم أقدام أناس آخرين حين نخرج، ونستخدم عيون أناس آخرين كي نعرف الأشياء، ونستخدم ذاكرة أناس آخرين كي نحيّي الناس، ونستخدم عون شخص آخر كي نبقى أحياءً – الشيء الوحيد الذي نبقيه لأنفسنا هو مسرّاتنا»، على ما كتب بليني الأكبر في 77 م. فهذا المالك الرومانيّ للعبيد، والمؤلّف البارز في التاريخ الطبيعيّ، مات جرّاء إفراطه في الاقتراب من جبل فيسوفيوس الذي رغب في أن يعاين انفجاره: لقد عرف أنّه طفيليّ لأنّ مراقبة الطبيعة طريقة جيّدة لتعلّم التعرّف إلى الطفيليّين.

الحلّ للعبوديّة لم يكن بإلغائها، أو أنّ هذا، على الأقلّ، لم يكن حلّاً شاملاً، لأنّ أشكالاً مختلفة منها كانت تظهر حاملة أسماء أخرى. فعمّال المعامل الذين كانوا يكدحون في ظلّ هواء مسموم، من طلوع الشمس حتّى مغيبها، والذين لم يروا البتّة ضوء النهار إلاّ في أيّام الآحاد، ممارسين الطاعة بصمت، هؤلاء ربّما عاشوا حياة أسوأ من حياة الكثيرين من العبيد القدامى. واليوم، فإنّ كلّ الذين يفضّلون أن يقوموا بما يُطلب منهم بدل أن يفكّروا لأنفسهم ويتحمّلوا مسؤوليّته – وثلث البريطانيّين، حسب أحد الاستقصاءات، يقولون إنّ هذا ما يفضّلونه – هم ورثة روحيّون لعبيد روسيا الطوعيّين. فمن المهمّ أن نتذكّر أنّ العيش بحريّة متعِب وممتحِن لصاحبه، وفي أزمنة التعب، دائماً ما يضعف الحبّ للحريّة، أيّاً كان الكلام الذي يقال فيه رفعاً للعتب.

الاستخلاص الذي أنتهي إليه من تاريخ العبوديّة أنّ الحريّة ليست مجرّد مسألة حقوق ينصّ عليها قانون. فالحقّ في أن تعبّر عن نفسك يتركك أمام الحاجة إلى اختيار ما الذي تقوله، وإلى إيجاد الشخص الذي يستمع، وإلى جعل كلماتك تبدو جميلة. هذه مهارات ينبغي اكتسابها. كلّ ما يقوله القانون لك أنّك تستطيع أن تعزف على قيثارتك إذا ما امتلكت واحدة. وهكذا فإن إعلانات حقوق الإنسان لا تزوّدنا إلاّ بالقليل من المكوّنات التي تُصنع منها الحريّة.

على الدرجة ذاتها من الأهميّة تستوي اللقاءات مع الآخرين، مع الناس أو مع الأمكنة التي توفّر ما يلهم ويشجّع على الهروب من الرتابات الفارغة. ففي كلّ مرّة كان يحصل لقاء ولا يحدث فيه شيء، كانت ثمّة فرصة تُهدَر، وهذا ما يصحّ في أنّ أيّاً من ارباب عمل جولييت لم تخطر له مساعدتها لبلوغ المهنة التي تحلم بها. ففي معظم اللقاءات تحول الكبرياء والحذر بين المرء وبين قوله أعمق ما يشعر به. إنّ ضجيج العالم يتشكّل من الصمت.

هكذا بدل أن نبدأ باستظهار الفلسفة الإغريقيّة القديمة، على ما تكون الحال عند ذكر الحريّة، أفضّل استخدام مثَل واحد عن شخص واحد يلتقي الأشخاص المناسبين والظروف الملائمة، مع أنّ حصول ذلك يستغرق منه نصف عمره. فدومينيكوس ثيوتوكوبولس الملقّب بـ إل غريكّو (1541-1614) كان سيبقى فنّاناً مجهولاً لا أهميّة له، يكرّر رسم الأيقونات التقليديّة، مسجوناً بالشكليّات والعادات، لو لم يعقد صلات مع آخرين ويتعلّم كيف يرسم الإنسانيّة من أولئك الذين يبدو أنّهم لم يمتلكوا شيئاً منها. وكونه هضم كلّ ما استطاعه من حزمة التقاليد في بلده كريت – التي يحكمها البندقيّون وتتقاسمها المسيحيّتان الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة كما يشدّها إلى الماضي لاجئون يؤبّدون الرسم الميّت لبيزنطة –، أضاف من خلال السفر إلى الخارج أبعاداً جديدة إلى ميراثه. في إيطاليا التقى رسّاماً كرواتيّاً صغيراً يُسمّى جوليو غلوفيو ويُعرف بـ»المقدونيّ»، ومن خلال تقديمه له صار تلميذاً لتاتيان. بعد ذاك بات من السهل عليه أن يعيد تكبيل نفسه كرسّام لوحات صغير مزيّف الإيطاليّة يفعل ما يُطلب منه. لكنّه طمح إلى ما يتجاوز التقليد. هكذا استقرّ في طليطلة (توليدو) لدى بلوغه الخامسة والثلاثين، وعندما سئل عن السبب، أجاب: «لست مضطرّاً إلى الإجابة عن هذا السؤال». لقد بدا خطِراً أن يقول علناً إنّه هنا أحسّ بالحريّة، وهنا لا يوجد منافسون يؤرّقونه، فيما لا يمكن تحقيق طموحه لأن يرسم «بشكل أكثر أمانة واحتراماً» من ميكالنجلو، كما قال هو نفسه، إلاّ في مدينة حدوديّة. فطليطلة كانت تخفق بالإثارة لأنّها كانت تعرف ما الذي يعنيه التسامح والاضطهاد سواء بسواء. فالمسيحيّون والمسلمون واليهود هناك عاشوا ذات مرّة جنباً إلى جنب، وافتخر أحد ملوكها بأن يسمّي نفسه إمبراطور الأديان الثلاثة، بينما افتخر ملك آخر بأن يُحفر شاهد ضريحه بالقشطيليّة والعربيّة والعبريّة. مع هذا، شاهد إل غريكّو أكثر من ألف ممّن يُفتَرض أنّهم هراطقة، إذ يؤتى بهم للمثول أمام محكمة تفتيش محليّة. هنا، وإبّان إقامته في الحيّ اليهوديّ القديم، منعزلاً واجتماعيّاً في آن، محاطاً بعطف الإصلاح المضادّ كما الأصدقاء المتفلسفين، وجد حافزه في محاولةٍ لمصالحة ما يبدو غير قابل للمصالحة: أن يرسم المقدّس والإنسانيّ وهما متداخلان، وأن تكون لديه شجاعة وضع ألوانه مباشرة على الخيش من دون رسم تمهيديّ، كما لو أنّ الشخص أكثر سيولة من أن يمتلك حدوداً صلبة. لقد رأى في الرسم جزءاً من السعي وراء معرفة الفرد وفهمه.

لقد استغرق اعتراف الأسبان به كواحد منهم زمناً طويلاً: كاتالوغ 1910 الذي أصدره متحف برادو كان لا يزال يصنّفه عضواً في «المدرسة الإيطاليّة». فاعتراف الناس بزملاء روحهم يستغرق زمناً طويلاً حين يكونون هم أنفسهم لا يملكون إلاّ أضيق الأفكار عمّن يكونون.

وزمن طويل ما تطلّبه الإسبان كي يدركوا أنّ مساهمتهم في تاريخ إحداث التناسق بين المتنافرات أهمّ من مساهمتهم في تاريخ الفخر، أو من تثمينهم قولة ألونسو دو كاستريّو في 1512 من أنّ الناس في النهاية «ينتهي بهم الحال تعباً من الطاعة» (تماماً كما قد ينتهي بهم تعباً من الحريّة إن لم يعرفوا ماذا يفعلون بها).

اليوم تستطيع الإنسانيّة كلّها أن ترى شيئاً منها في رسوم إل غريكّو الذي مات وهو لا يملك إلاّ سترة وقميصين ومكتبة من كتب محبوبة في المواضيع كلّها. وبسببه، يستطيع كلّ واحد أن يشعر، إلى هذا الحدّ أو ذاك، بأنّه من مواطني طليطلة. فهو مثال الشخص الذي يكتشف ما هو المشترك الذي يملكه البشر.

ولسوف أذهب أبعد في ما يخصّ تشكيل الروابط، أو انقشاعها، بين أفراد يبدون في الظاهر معزولين، بعضهم تواصل مع غيره عبر قرون. لكنْ قبل أن أفعل ذلك، سأقول المزيد عن طريقتي وهدفي.

يعتمد ما يمكن قوله في سائر الناس، وما في المرآة حين ننظر إلى نفوسنا، على ما نعرفه عن العالم، وما نظنّ أنّه ممكن، وأيّة ذاكرات نملكها، وما إذا كانت ولاءاتنا متّجهة للماضي أو للحاضر والمستقبل. فما من شيء يؤثّر على قدرتنا على التكيّف مع المصاعب كما يؤثّر السياق الذي ننظر إليها على ضوئه. فكلّما زادت السياقات التي نختار النظر بموجبها تراجعت حتميّة الصعوبات والعجز عن تجاوزها. وحقيقة أنّ العالم أصبح أكثر من أيّ وقت آخر امتلاءً بالتعقيدات من كلّ أصنافها قد توحي لنا في البداية أنّ الخروج من معضلاتنا بات أصعب. لكنّ الواقع يقول إنّه كلّما تعاظمت التعقيدات، وكلّما زادت الصدوع، توافرت لنا فرص زحف أكثر. وأنا أسعى وراء الفجوات التي لم يلتقطها الناس، ووراء الإيحاءات التي فاتتهم.

أبدأ بالحاضر وأعمل رجوعاً إلى الوراء، تماماً كما أنطلق من الشخصيّ وأنتقل إلى الكونيّ. فعندما أواجه مأزقاً في طموحات يومنا الحاضر، على ما تعكس العيّنات البحثيّة للناس الذين التقيتهم، أسعى إلى النفاذ منه بوضع أولئك الأفراد في مقابل خلفيّة التجربة الإنسانيّة كلّها وعبر القرون جميعاً، سائلاً: كيف كان يمكن أن يتصرّفوا لو أنّهم، بدل اتّكالهم الأوحد على ذاكراتهم، استطاعوا استخدام ذاكرات الإنسانيّة كلّها؟.

وذاكرات العالم مرتّبة في العادة بطريقة لا تجعل استخدامها هيّناً. فكلّ حضارة، وكلّ دين، وكلّ أمّة، وكلّ عائلة، وكلّ مهنة، وكلّ جنس، وكلّ طبقة، لديها تاريخها. وحتّى الآن كان البشر مهتمّين أساساً بجذورهم الخاصّة، لهذا فهم لم يملّكوا أنفسهم كلّ الميراث الذي ولدوا في ظلّه، وهو تركة التجربة الماضية لكلّ الناس. فكلّ جيل يقتصر بحثه على ما يظنّ أنّه ينقصه، ولا يعترف إلاّ بما تسنّى له أن يعرفه.

وأودّ أن أنطلق من تلخيص هذه التركة، لا بالرجوع كرونولوجيّاً إلى أفعال الموتى، بل بطريقة تتيح للأفراد أن يستخدموا تلك الأجزاء من التركة التي تُرخي أثرها على المسائل التي تتصدّر اهتمامهم.

فحين كان الناس في الماضي لا يعرفون ما الذي يريدونه، وحين كانوا يفقدون حسّ الوجهة ويبدو لهم كلّ شيء متداعياً، كانوا يجدون التعافي في تغيير بؤرة نظرهم فيُجرون تحويلاً في اهتمامهم. فما يبدو ذات مرّة شامل الأهميّة يصير فجأة وكأنّه لا يحظى بأيّ انتباه. هكذا تنهار المثالات السياسيّة بجلافة وتحلّ محلّها هموم شخصيّة، كما تتقدّم الماديّة لتليها المثاليّة، وبين وقت وآخر يعود الدين.

وأريد أن أُظهر كيف يتغيّر المساجين اليوم، وأيّة نظّارات نحتاجها كي نلحظهم. ففي مجرى التاريخ، غيّر البشر تكراراً نظّاراتهم التي من خلالها ينظرون إلى العالم وإلى أنفسهم.

في 1662 تميّزت بداية تحوّل كبير في الانتباه بإنشاء الجمعيّة الملكيّة في لندن. فهناك، كما قال مؤسّسها، نشأت حاجة إليها لأنّ الناس ما عادوا يعرفون إلى ماذا ينظرون وكيف. هؤلاء العلماء وورثَتُهم فتحوا للاكتشاف أراضي ضخمة، جاعلين العالم مختلفاً. لكنّ الاكتشاف العلميّ نشاط أخصّائيّ، معظم الناس ينظرون إليه بمهابة إلاّ أنّه لا يساعدهم في تقرير كيفيّة عيشهم حياتَهم اليوميّة.

في القرن التاسع عشر صار تحويل الانتباه أكثر تواتراً، وأشدّ تسبيباً للتشوّہ كذلك. فرحلة أليكسيس دوتكفيل إلى الولايات المتّحدة في 1831 كان أوحى بها الاقتناع القائل بأنّ في وسع أميركا تقديم نظرة خاطفة إلى المستقبل، وأنّ المرء قد يكتشف هناك أيّة أشياء مدهشة قد تُصنع بالحريّة. فقد أصبح إصلاح المؤسّسات السياسيّة لجعلها أكثر ديموقراطيّة هدف كلّ شخص تقريباً من المعنيّين بالسعي إلى السعادة. لكنّ توكفيل عاد بالتحذيرات من طغيان الأكثريّات الذي يلوح في الأفق، ومن أنّ الأقليّات لم تجد بعد المكان الذي تشعر فيه بالرضا الكامل. في العام ذاته كان لرحلة داروين إلى عالم الحيوان، وكان البشر حتّى ذلك الحين يظنّون أنّها وُجدت لخدمتهم، أن حوّلت الانتباه إلى الصراع من أجل الحياة، والذي بات يُنظر إليه على نحو متنامٍ كعامل مسيطر على أوجه الوجود كلّها. لكنّ داروين نفسه تذمّر من أن معتقداته جعلته يشعر «مثل رجل أصبح يعاني عمى اللون» و«فقد الذوق الجماليّ الأرفع»، وأن عقله صار «نوعاً من آلة لطحن قوانين عامّة انطلاقاً من مجموعات كبرى من الحقائق»، ما يتسبّب في «فقدان السعادة» وفي «إضعاف الجزء العاطفيّ من طبيعتنا». وأمّا رحلة ماركس إلى عذابات الطبقة العاملة، ودعوته إلى الثورة، فمزّقتا العالم لمئة عام إرباً، مع أنّه سريعاً ما بدا واضحاً أنّ الثورات عاجزة عن الوفاء بوعودها مهما كانت درجة أمانتها. ثمّ، وفي السنوات الأخيرة من القرن، أقلع فرويد في رحلة إلى لاوعي عُصابيّي فيينا، وهي التي غيّرت ما رآه الناس داخل ذواتهم، وما قلقوا بشأنه، ومن وجّهوا إليه اللوم. إلاّ أن الأمل بأن يسامحوا حالما يفهمون هو ما لم يُدرَك.

كلّ هؤلاء المفكّرين وضعوا فكرة الصراع في قلب رؤيتهم. والعالم يمضي فيما يحوّم فوقه شبح الفكرة هذه. حتّى أولئك الذين ينوون إلغاء الصراع يستخدمون طرقه في محاربته.

على أيّة حال، فإنّ ما يميّز زمننا هو أن الانتباه يتحوّل عن الصراعات إلى المعلومات. فالطموح الجديد هو أن نمنع الكوارث والأمراض والجرائم قبل حدوثها وأن نعامل الكون ككلّ واحد. أمّا دخول المرأة الحيّز العامّ فيعزّز التحدّي الموجّه إلى التقليد القائل إن الغزو هو الهدف الأعلى للحياة. وهناك اهتمام يُعطى إلى تفهّم عواطف الشعوب الأخرى أكبر ممّا يُعطى لإقامة المؤسّسات وفكّها.

مع هذا فالكثير ممّا يفعله الناس، وبغضّ النظر عن تلك الصبوات الجديدة، محكوم بطرق قديمة في التفكير. فالسياسة والاقتصاد صارا سواء بسواء عديمي القوّة في مقابل العناد المقيم في ذهنيّات راسخة. ذاك أنّ الذهنيّات لا يمكن تغييرها بمراسيم لأنّها ترتكز إلى الذاكرات التي يكاد يستحيل قتلها. لكنّ من الممكن توسيع ذاكرات شخص ما عبر توسيع آفاقه، فحين يحصل ذلك تقلّ حظوظ استمراره إلى الأبد في ارتكاب ما درج عليه من أخطاء.

لقد عرفت أوروبا، قبل خمسمئة عام، النهضة التي جاءت ثمرة أربعة لقاءات جديدة، مترعة بأربعة حوافز جديدة، توسّع آفاقها. الأوّل، أنّها أحيت ذاكرات منسيّة عن الحريّة والجمال لكنّها قصرت نفسها على اليونان والرومان. ولقد حاولتُ في هذا الكتاب أن أفتح ذاكرات الانسانيّة كلّها وأن أستخدمها بما يضع معضلات الحاضر في إطار غير محكوم بفكرة الصراع الأبديّ. والثاني، أنّ أوروبا وأميركا التحمتا، بفضل التقنيّة الجديدة. لكنّ الأمر ظلّ اكتشافاً جغرافيّاً لقارّة أكثر منه لبشر كلّ من القارّتين بوصفهم أشخاصاً. هكذا لا يزال هناك صمت وطرش بين ساكني الأرض، مع أنّ التقنيّة وُجدت لتمكينهم من التكلّم إلى أيّ كان، في أيّ مكان. لقد استقصيت السبب الذي أبقى الآذان مغلقة وكيف يمكن فتحها. أمّا ثالثاً، فارتكزت النهضة على فكرة جديدة عن أهميّة الفرد، إلاّ أنّ هذا بقي أساساً هشّاً لأنّ الأفراد اعتمدوا على التهليل والاستحسان الدائمين للمحافظة عليهم. وهناك في العالم نقص في التهليل، كما يوجد نقص في الاحترام المطلوب توزيعه. لقد بحثت عن المناهج الآيلة إلى زيادة عرضه. وأخيراً، طالت النهضة فكرة جديدة عمّا ينبغي للدين أن يعنيه. فالهدف الأخير للأديان كلّها تقريب الناس بعضهم من بعض، إلاّ أنّها عملت أيضاً على تفريقهم. إنّ تاريخها غير مكتمل. ولقد فتّشت في ما وراء اختلافاتها للوصول إلى الأهداف الروحيّة التي تتشارك فيها، ليس في ما بينها فحسب، بل أيضاً مع غير المؤمنين.

إنّ ما عُرف، وما كُتب، عمّا يفرّق الناس، بات يكفي. وهدفي هو تفحّص المشترك بينهم. لهذا ركّزت في صورة خاصّة على كيف يلتقون. ففي رأيي أنّ السعي وراء أنماط جديدة وقديمة من العلاقات، أكانت قريبة أو بعيدة، كان الانشغال الإنسانيّ الأهمّ على مدى تاريخنا، مع أنّ هذا قد قُنّع تحت أسماء عدّة واتّخذ لنفسه ممرّات كثيرة. فلقاء الله كان الهدف الأسمى لكلّ أولئك الذين كان الروح لديهم شرارة مقدّسة. ذاك أنّ الانسحار ببطل أو بمعلّم كامن في قلب النموّ والترعرع، والحياةُ الشخصيّة محكومة على نحو متزايد باصطياد «النصف الآخر». أمّا الأهل فقد بذلوا الجهود كي يبقوا على الموجة نفسها مع أبنائهم، بينما احتلّت قسطاً ملحوظاً من الثقافة تلك العمليّة التي اعتُرف بموجبها للفنّانين بأنّهم يمثّلون مشاعر بشر لم يلتقوهم البتّة. وكانت أغلبيّة الأفكار مغازلات مداورة لأفكار آخرين، أمواتاً كانوا أم أحياء. فالمال والسلطة، مهما كانا موضوعاً للهوس، مكثا في آخر المطاف وسيلة لغرض أشدّ حميميّة.

إنّني أستقصي كيف التبس أمر الإنسانيّة في ما خصّ أغراضها، وكيف يمكن امتلاك حسّ جديد بالوجهة.

فحينما نظر الأفراد في ما وراء وسطهم المألوف، وحين تعلّموا أن يقرأوا ويسافروا، اكتشفوا أنّ أغراباً كثيرين يشاركونهم عواطفهم ومصالحهم. إلاّ أنّ الاحتكاك المثمر بينهم كان نادراً. فقلّة قليلة من أولئك الذين تبادلوا التعاطف والتحفيز، أو استطاعوا التشارك في مغامرات لا يقوى عليها الواحد وحده، هم الذين التقوا. أمّا الآن وقد أصبحت الاتّصالات الأفضل، وللمرّة الأولى، إحدى الأولويّات الأساس للإنسانيّة، فلم يعد ممكناً اعتبار أنّ الحياة قد عيشت بالكامل ما لم يُستفَد من اللقاءات التي أضحت تتيحها. فاليوم لا يُديم الأمل، وأكثر من كلّ شيء آخر، إلاّ أفق اللقاء بأشخاص جدد.

كلّ الاكتشافات العلميّة وجدت ما يلهمها في أعمال سعي مشابهة وفي لقاء أفكار لم تلتق مرّة من قبل. والشيء نفسه يصحّ في الأعمال التي تجعل الحياة جميلة وذات معنى والتي تنطوي على إيجاد روابط بين ما يتراءى أنّ لا روابط بينها. هكذا يُجمع الناس والأمكنة والرغبات والذاكرات من خلال تفاصيل لم تُلحَظ ضمنيّاتها سابقاً. فالسعي إلى اكتساب زميل للروح تكون زمالته بالغة التكافؤ، لا يشكّل غير جزء من حياة حميمة، ذاك أن الأفراد يغدون، في صورة متزايدة، متعدّدي الجوانب. لهذا فإن ما أكتب عنه يتعلّق بزملاء روح من نوع أقلّ شمولاً، يملكون في طباعهم أو مواقفهم بعضاً من العناصر التي إذا جُمعت مع عناصر مثلها لدى آخرين، أنتجت ما لا يملكه أيّ من الطرفين وحده. فعلم الموادّ اخترع مجالات جديدة وكثيرة لراحة البشر عندما اكتشف إمكانيّة العثور على الجُزيئات نفسها في أشياء تختلف ظاهريّاً اختلافاً كاملاً، وكيفيّةَ إعادة ترتيب هذه الجزيئات، وكيف أنّ ما يبدو منها غير متجانس يرحّب بعضه بالبعض الآخر، ويتّحد واحده مع الثاني بروابط كثيرة ووديعة. هكذا فإن اكتشاف روبط غير مُدرَكة بين الكائنات الإنسانيّة يحمل أفقاً من المصالحات والمغامرات التي بدت من قبل مستحيلة. إلاّ أنّ الاكتفاء بانتظار الاعتراف المتبادل لا يكفي. فالحلم الذي حلمه الكوزموبوليتيّون من أنّ العداوات سوف تتبخّر بشكل طبيعيّ، بدا بسيطاً جدّاً، كما أنّه فقد صدقيّته لأنّه قلّل من أهميّة مدى اختلاف كلّ شخص، وكلّ جماعة، ومدى قابليّتهما للعطب. لقد استقصيت إمكان إنشاء الصلات ذات القرب المتفاوت، والعابرة للحدود، من دون أن يتخلّى المرء عن ولاءاته وفرادته.

وقد نبدو في مجرّد أن نتصوّر حصول نهضة أخرى مفرطين في الشجاعة، إلاّ أنّ الأمل دائماً ما انبثق من عطالة الأمل، بغضّ النظر عن مدى تمزّقه وعن طول الزمن الذي يستغرقه استيقاظه. وهو، بالطبع، لن يمكنه العودة مصحوباً بإيمانه بالطوبى، إذ الطوبى تسبّبت في الكثير جدّاً من الكوارث. فلكي نعثر على حسّ جديد بالوجهة، علينا أن نمتصّ تأكّدنا، إلى هذا الحدّ أو ذاك، من الفشل. لكنّ توقّع الفشل ودراسته لا يحوجاننا إلى تدمير الشجاعة. وبدل أن أحشد معلوماتي في مقولات تقليديّة لا تفعل غير التوكيد على أنّ العوامل المعهودة من اقتصاديّة وسياسيّة واجتماعيّة بالغة التأثير على سائر ما يفعله البشر، قمت بإعادة ترتيب المسألة، لأجد نقاط احتكاك جديدة بين العاديّ والإكزوتيكيّ، وبين الماضي والحاضر، بحيث أكون قادراً على معالجة الأسئلة التي تعني الجيل الحاضر أكثر ما تعني.

لقد تعاملت فحسب مع حلقة محدودة من البشر والأمكنة والمواضيع، لأنّي أحاول أن أقترح منهجاً ومقاربة، لا أن أُدخل كلّ الحقائق في معادلات قاطعة. والسبب الآخر أنّه حتّى لو قُيّضت لي حيوات عدّة فإنّها لن تكفي لمعالجة جهلي، ولا للتكيّف مع كلّ المعلومات التي غدت في حوزتنا. فما الذي يُفعل بهذا الكمّ من المعلومات هو اللغز الأكبر لزمننا. وحَـلّي يقوم على النظر إلى الحقائق بعدستين في وقت واحد: كلّ منهما عبر ميكروسكوب، مختاراً التفاصيل التي تنير الحياة في تلك الأوجه التي تلمس البشر أقرب ما يمكن. وكلّ منهما عبر تيليسكوب، ماسحاً المسائل الكبرى من مسافة بعيدة. وآمل أنّي سأقول ما يكفي لإظهار أنّ البشر يملكون من الخيارات أكثر كثيراً ممّا يظنّون راهناً.

فغاليري الصور التي أثبّتها في قلب كتابي هي لأفراد ليسوا عيّنة تمثيليّة بالمعنى الإحصائيّ. إنّهم هناك لكيّ يحضّوا على التأمّل، لا لكي يشيروا إلى تعميمات سهلة. لقد اخترت الكتابة عن النساء لأنّي لست منهنّ، ولأنّي فضّلت دوماً أن أكتب عن مواضيع لا تغريني بأن أكون متعجرفاً بحيث أعتقد أنّني أستطيع فهمها على أكمل وجه. لكنّي اخترت ذلك، قبل أيّ شيء آخر، لأنّ نساء كثيرات، كما يَظهرن لي، ينظرن إلى الحياة بعين غضّة. أمّا سِيَرهنّ، وعلى اختلاف أشكالها، فهي الجانب الأشدّ أصليّة في الأدب المعاصر. ذاك أنّ صراعهنّ مع العقليّات القديمة هو المأزق الذي يقزّم كلّ مأزق آخر. هكذا كان التفكير في كيفيّة حسم ذاك المأزق ما جعلني أبدأ هذا الكتاب. وأمّا استنتاجي فأنّ عليّ أن أكتب عن الجنسين في وقت واحد.

لقد كتب فرويد عن الانسانيّة على قاعدة لقاءاته مع مرضى هم في غالبهم من بلد واحد، علماً بأنّه أسدل سجّادة شرقيّة على سرير المعالجة. وفي سياق بحثي كانت لي مداولات مع أناس يعودون إلى 18 جنسيّة مختلفة، وكان يمكنني أن أبدأ كلّ واحد من الفصول بشهود من هذا الطرف من العالم أو من ذاك. لكنّي لا أرغب في أن أقترح أنّ بلداً بعينه مرشّح، على نحو ما، أكثر من غيره، لقلق معيّن أو لضعف معيّن. لهذا جاءت أكثريّة الأشخاص الأحياء في هذا الكتاب من بلد بعينه. وهو بلد غنيّ (مع أنّه يعرف الفقر)، وبلد حرّ (لكنّه يناضل ضدّ كثير من التقييدات التي لا تبرح)، وبلد يفضّله السيّاح بسبب تكرّسه للحياة الجيّدة، بحيث يجذب منهم كلّ عام ما يوازي عدد سكّانه، إلاّ أنّهم، مع هذا، لا يجدون الإقامة فيه على هذه البساطة، ويُرجّح أن يكون كارهوه منهم في عدد محبّيه. هكذا أجدني قادراً على التساؤل: ما المتروك للبشر كي يفعلوه بعد حصولهم على الأساسيّ من راحتهم وحريّاتهم، أو على الأقلّ بعض حريّاتهم؟

لقد التقيت معظم هؤلاء النساء في فرنسا، البلد الذي كان لديّ مختبراً لحياتي الناضجة كلّها، ومصدراً ثابتاً للاستيحاء. فكلّ كتبي عن فرنسا كانت محاولات كي أفهم فنّ الحياة على ضوء الألعاب الناريّة التي يرسلها البلد هذا إلى السماء في محاولته أن يفهم نفسه. وما أقدّره على نحو خاصّ تقليده في التفكير بهمومه تبعاً لمعايير كونيّة، وكذلك، مع أنّه ينمّ عن تخمة بالذات، ذهابه أبعد من الانشغال بالنفس الذي تحسّه الأمم جميعاً. فإعلان حقوق الإنسان إنّما وُضع بالنيابة عن العالم كلّه. ويبدو لي أنّ أيّة رؤية جديدة للمستقبل يجب، أكثر من أيّ وقت مضى، أن تشمل الانسانيّة كلّها. لهذا كتبت كتابي بالطريقة هذه.

(نقله إلى العربية حازم صاغيّة)

[1] ثيودور زيلدن مؤرّخ وفيلسوف وسوسيولوجيّ بريطانيّ، وُلد في فلسطين ونشأ في مصر قبل أن يُعرف بوصفه مؤرّخ فرنسا. أهمّ ما في عمله أنّه جدّد طرق التأريخ وكيفيّاته، رابطاً بين الشخصيّ والعامّ، كما بين الإنسانيّ والمحليّ. وقد تركّزت اهتماماته الواسعة على أنسنة العمل ودور العلاقات والروابط والعادات والحساسيّات والعواطف وأنواع الفضول والمخاوف في التاريخ، ومن ثمّ دورها في تغيير مجراه. هنا ترجمة للمقدّمة وللفصل الأوّل من كتابه الأشهر «تاريخ حميم للإنسانيّة» الصادر في 1994.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬