منال خضر

شخصٌ في دمشق

أجلس في غرفتي في الفندق. أجمع اغراضي تمهيدا لمغادرته. أذهب إلى مكتب الاستقبال، أدفع المبلغ المستحق علي لقاء أربع ليالٍ أقمتها فيه وأطلب منهم حفظ الحقائب إلى حين موعد سفري، أي بعد سبع ساعات. أخبرهم بأنني سأغادر الفندق وسأعود قبل الموعد بساعة أو أكثر لآخذ حقائبي.

أعود إلى الفندق عند السادسة مساء، اجلس مع شقيقتي في باحته الداخلية الجميلة في الهواء الطلق حيث المسبح المزخرف بالفسيفساء. نطلب كأسي نبيذ ابيض ونسترخي في آخر ساعة سوف نقضيها معاً قبل ان نفترق، كل منا عائدة إلى بلدها. هي إلى فلسطين وانا إلى لبنان.

من حيث أجلس أطل على غرفة الفندق التي سكنت فيها لأيام ونشأت بيني وبينها علاقة حميمة. لقد تعودت عليها وازعم انها تعودت علي. أنظر إلى شباك الغرفة التي كانت غرفتي وأرى ضوءاً خافتاً وخيال شخص لا أعرف ما إذا كان امرأة أم رجلاً. هذا لا يهم على كل حال، المهم أنني في هذه اللحظة رأيت شخصاً ما يسكن المكان الذي كنت أسكنة قبل ساعات قليلة. أزعجني المشهد وأربكني. صفنت للحظة تابعت بعدها الحديث مع شقيقتي. لا شعورياً رأيتني اعود بنظري إلى تلك النافذة، وهذه المرة مع اصرار وتركيز أحاول بهما التعرف إلى ساكن او ساكنة غرفتي. إنها ساعة مغيب الشمس. موسيقى جميلة وطقس أجمل. حاولت التركيز على ذلك كله ولكن من دون جدوى. بقي الارباك يتملكني. أخذت ارتشف نبيذي بوتيرة عصبية. لم اعرف في تلك اللحظة ما إذا كانت حياتي قد خسرت شيئاً منها.

لقد رأيت للتو شخصاً ما يكمل حياتي عني.

***

الحلم رقم 1

قالت ابنتي، وكانت في العاشرة حينها، إنها تحلم كل ليلة أحلاماً مثيرة وتتذكر احلامها عندما تستيقظ في الصباح. صديقتي لميا نصحتها ان تكتب تلك الاحلام وتحفظها.

على الصفحة الاولى من مدونتها الحمراء طلبت مني ان اكتب لها ما اسمته «الحلم رقم 1».

كتبتُ وهي تلقنني: «12 شباط 2006. اقف خلف أمي بأمتار قليلة وهي تقف أمام زجاج القناطر الثلاث في بيتنا البيروتي الذي اكرهه. بيدي آلة صغيرة للتحكم عن بعد، أحرك القضيب في وسطها وأسيطر من خلاله على حركة أمي التي تقف ووجهها إلى الزجاج. هي لا تراني. أرسل أوامر من جهازي فتستجيب أعضاء جسمها لأوامري. أحرك من خلال آلتي يدها اليمنى فتكتب كلمات على الزجاج المغطى بالندى. أحرك القضيب باتجاه اليسار فترفع هي يدها اليسرى لتمسح ما كتبته يدها اليمنى على الزجاج. أنتظر دقيقة أو اثنتين ليعود الغباش ويغطي الزجاج من جديد بسبب فارق الحرارة بين الداخل والخارج، وأعاود أنا الكرّة. أحرّك القضيب فتكتب بيدها اليمنى ثم احركه ثانية فترفع يدها اليسرى لتمحو ما كتبته من جديد».

هي تريد أن تمحو كلماتي لتكتب كلماتها. المؤكد أنها لا تريدني ميتة لكنها تريدني استمراراً لها.

***

عندما عشت في دفاتر صديقي ورحلت عندما رحل

اخاف من كوني موجودة في دفاتر رجل رحل. ذهب الدفتر إلى الارشيف وذهبت انا معه.

جاء يومها صديق ليقول لي ان عليّ أن أكون حذرة لأن هناك ملفاً في مخابرات أمن الدولة عنّي. سألته: لماذا تهتم الدولة بشؤوني ومنذ متى أصبحتُ ذات أهمية. افهمني ان تحركاتي مرصودة في فصل من ملف معدّ عن صديقي فلان. الفصل معنون باسمي ومسطّر تحته بالخط الاحمر. وما تُهمتي، سألته. قال إنني على صلات بأشخاص عبر الحدود، وانني أذهب إلى «هناك» وأتصل بصديقي فلان من هناك. قلت هذا طبيعي فأنا من هناك وهناك كل أهلي، فكيف يصبح ذلك تهمة. قال لا يهم، المهم أنني مراقبة وكل تحركاتي مدونة ومكالماتي الهاتفية مع فلان تمّ تفريغها.

بعد أشهر قليلة رحل صديقي فلان عن الدنيا. تذكرت حين اخبرته، قبل رحيله بأسابيع قليلة، ما قيل لي عن الملف وفصوله والفصل المتعلق بي تحديداً. تبسّم لي يومها تلك الابتسامة، أو نصف الابتسامة، الجميلة والخبيثة التي أحببتها. هذا كان جوابه.

رحل صديقي فلان. عندما سألت ماذا يحدث لملفات الاشخاص الذين يرحلون. قيل لي إنها توضع على رف الارشيف حيث تعتبر موادّها في عداد الموتى.

اصبحت تحركاتي وتفاصيل حياتي المدونة في عداد الموتى إذاً.

***

السيناريو الأسوأ

قالت لي المعالجة النفسية، أو بالاصح المرأة التي تعالج كل ما يخطر على البال عبر التنويم المغناطيسي: «تخيلي السيناريو الاسوأ وعيشيه».

كنت ذهبت لرؤيتها لانني أخاف في الطائرة. قالت إن علاج هذا النوع من الفوبيا سهل ولن يحتاج إلى أكثر من خمس جلسات. طلبت مني، بعد ان جلست على الكرسي السحري في غرفتها الذي يفتح جزؤه الامامي ويرتفع ليتحول إلى نصف سرير، ان استعيد في مخيلتي تفاصيل رحلة من رحلاتي ابتداء من وصولي المطار حتى وصول الطائرة إلى البلد المقصود، وأن أقول بصوت مرتفع ما أشعر به في كل مرحلة. كانت هذه المرأة قد نجحت قبل أشهر قليلة في جعلي اقلع عن التدخين في جلسة مغناطيسية واحدة، لذلك قررت أن أثق بها هذه المرة أيضاً.

قلت لها إنني في الطائرة الآن فيما المطبّات كثيرة، وقلبي يكاد يتوقف خوفاً. قالت ببرود: تخيلي الاسوأ. قلت: أن تقع الطائرة؟. قالت: فليكن، عيشي التجربة. توقفت عن الكلام وبقيت عيناي مغمضتين. سألتني بعد صمت قصير: ما بك؟ فقلت لها ببرود يشبه برودها: لقد هوت الطائرة ومت. طلبت مني أن أفتح عينيّ. قالت لي: هل ترين أنك ما تزالين على قيد الحياة؟.

نعم ولكنني لست في الطائرة الآن.

هذا صحيح، ولكن لم تقع الطائرة بك ولا مرّة حتى اللحظة. قالت: علينا إعادة الكرة مرات كثيرة حتى نبتذل هذا الخوف ونجعله تافهاً.

كان عليّ أن أعيش موتي مرات عديدة لأتوقف عن الخوف من الموت.

***

بروفة على الشهادة – تمرين قيد الدرس

اتصلت بي مسؤولة «كاستينغ» لتقول لي ان مخرجاً اجنبياً يريد أن يعرض عليّ دوراً في فيلم سينمائي يريد تصويره، بعد عدة أشهر، في المنطقة. قلت: من حيث المبدأ أنا لا أمثل ولكن لا بأس في الاطلاع على السيناريو والتعرف إلى المخرج، فإذا أعجبني الموضوع كان لكل حادث حديث.

هي قصة عن الصراع الفلسطيني الاسرائيلي تدور احداثها في غزة، قال لي المخرج في لقائنا الاول. إنه موضوع قريب منك ويمكنك تفهم القصة وحيثيات الشخصية. كتابة السيناريو لم تنته بعد. هناك بعض الامور التي لا تزال عالقة، لكن الفكرة واضحة ويمكنني أن أشرحها لك، كما قال. هي قصة امرأة تفجر نفسها على حاجز للجيش الاسرائيلي. يحاول الفيلم تفكيك حياتها لمعرفة كيف، ولماذا، تصير امرأة من عائلة متوسطة الدخل ومستقرة اجتماعياً، انتحارية.

قرأت السناريو بعد الانتهاء من كتابته وقلت له انني عاجزة عن فهم تلك المرأة. لم أجد تطورها في القصة مقنعاً ووجدتها غير قادرة على تفسير ما يجري في داخلها للقارئ، وللمشاهد في حال صور الفيلم بالفعل. ناقشنا الموضوع مطولاً فلم يقنعني ولم اقنعه.

نسيت موضوع الفيلم لكن صورة واحدة منه بقيت عالقة في ذهني: صورة تلك المرأة، او بالأحرى، ذاك الجزء منها الذي هو نصفها الاعلى، والذي بقي متماسكاً بعد التفجير ويُعرض على العائلة للتعرف عليها.

لم يكن للمرأة وجه عندما قرأت السيناريو ولكن في مخيلتي اصبح لتلك المرأة وجه. أصبح لها وجهي.

***

قال لي صديقي حازم ذات يوم: ليس هناك من تمرين على الموت. فهو يعطبنا في الصميم ويفاجئنا كل مرة. كأنه كل مرة يحدث لأول مرة.

إنها إذاً تمارين عديمة القيمة.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬