حسن داوود

[1]
يوم أخبرني الطبيب بمرضي غلبني شعوري، في تلك المرّة أيضا، بأني يجب ألاّ أظهر أمامه خائفا. كنت قد عرفتُ بما جاء يقوله لي منذ أن أطلّ من باب غرفتي، عابسا صامتا ومبقيا على جسمه الثياب التي يرتدونها في غرفة العمليّات. قال لإبن أخي الذي كان ملازمني في المستشفى أن يتركنا قليلا بمفردنا. وإذ خرج إبن أخي قرّب الطبيب يده من مقبض الباب وأقفله. كنت سأفهم من أيّ شيء يقوله أنّني أصبت بالمرض الذي أخافُه. وهو لم يسمّه على أيّ حال. قال لي وأنا ما أزال جالسا على الكرسي بجانب السرير إنّهم وجدوا شيئا في الخزعة التي أخذوها منّي. أتاني الخوف قويّا. في لحظةٍ غطّى عرقي كلّ جسمي وارتفعتْ إلى رأسي موجةُ سخونة مدوّخة. وقد أبقيت عينيّ ناظرتين إلى بلاط الأرض حين أضاف على ما كان قاله إنّ ما بي لا يهدّد حياتي. لم يقلّل ذلك من خوفي. ولم أرفع عينيّ إليه سائلا إيّاه أن يزيد شيئا قد يطمئنني. كنت أريد أن يتركني وحدي ليجنّبني حرجي من انكشاف خوفي أمامه. أن أقوم إلى الحمّام لأجفّف عرقي وأزيله عنّي بالمنشفة الكبيرة. وأن أخرج بعد ذلك إلى الشرفة الضيّقة ليمسح وجهي الهواءُ الذي أعرف أنّه سيكون ناشفا وقليلا.

كنت قد أعددت نفسي من قبل لأسمع ما قاله لي الطبيب. ليس لأسمع أنّ مرضي قد أتاني، بل أعددت نفسي لأداري خوفي من مرضي وأخفيه. قبل أشهر من ذلك اليوم، بل قبل سنوات، كنت أحسّ به آتيا إليّ. هو نفسه وليس سواه إذ لم يكن يخيفني أن أُصاب بقلبي، وهو المرض الثاني الذي يخاف الناس أن يقعوا فيه. كأنّني اخترته، هو السرطان، الأولّ بين الإثنين، الأسد وليس النمر، فكنت أتعرّق وأحسّ بالارتجاف حين يأتي أحد على ذكره أمامي. أو كأنّي زرعت بذرته فيّ وربّيته ليكبر ،شهرا بعد شهر، حتّى يحين مجيئه.

لم يسمّه الطبيب الذي لم يُطل بقاءه عندي في غرفتي. قال لي فيما هو يعيد يده إلى مقبض الباب ليفتحه، أن أستعدّ لأخرج الآن، وأن آتي إلى زيارته في عيادته غدا أو بعد غد. يوم أو يومان لراحتي، كما يظنّ، ولطمأنتي أيضا، لأفكّر أنّ المرض ليس سريعا وأنّه، في يوم أو يومين، لن يعطّل شيئا فيّ.

بلال، إبن أخي، الذي لم يتأخّر كثيرا عن الظهور أمام الباب، بدا عارفا بما بي. لا أكثر من نظرة سريعة واحدة، مستكشفة وفزعة، أرخى عينيه من بعدها لتظلاّ لائذتين بالنظر إلى كلّ ما

تقعان عليه حوله. نسيتُ حاجتي للذهاب إلى الشرفة، لكن المنشفة كانت بين يديّ مبسوطة كأنمّا لأجفّفها من العرق الذي تشرّبتْه لتوّها، ساخنا لا يزال. قلت له، متقويّا بأنني عمّه وهو ابن أخي، إنّنا سنعود إلى زيارة الطبيب بعد يوم أو يومين. لكن، برغم ذلك، خذلني صوتي. طلع رفيعا وضعيفا كأنّه صوت ولد. حتّى أمامه، هو ابن أخي الذي لم يزد عمره عن الثالثة عشرة، وجدتني محاولا إخفاء خوفي. وقد فكّرت أنّني، حين أصل إلى بيتي، سأبدأ ذلك أمام زوجتي التي ستكون عارفة إذ لا بدّ أنّها وجدت مَن يتلفن للطبيب سائلا إيّاه. أولادي أيضا، الصبيّان أوّلا، اللذان لن يتأخرا عن أن يعرفا بما بي، على رغم خرسهما. الناس الذين سيأتون لزيارتي، لكن ليروا كيف أنّي مريض بعد أن سمعوا بأنّي مريض. ثمّ أبي، الذي، لمرّة واحدة، سيُخرج عينيه من سهوه الذي يُغيّبهما ويروح يحدّق بي موقفا يدي وهي تقرّب ملعقة الأكل من فمه.

قلت لبلال وأنا أعيد المنشفة إلى الحمّام أن يأتيني بعمامتي من الخزانة. في المرآة بدا لي وجهي وقد رقّق جلدَہ وحمّره العرقُ الكثير الذي نضح منه. وإذ جاءني بلال بالعمامة مقلوبة، حاملا إيّاها بيديه الإثنتين، قال لي إنّي لا أستطيع أن أترك الغرفة قبل أن يأذنوا لي. أنا أيضا كنت أحتاج إلى وقت قبل أن أخرج إلى الممشى الطويل بين الغرف المفتوحة أبوابها. ذاك لأنّهم لن يكتفوا بالنظر إليّ عابرا الممشى فقط بل إنّهم سيحيّونني وأنا سيكون عليّ أن أردّ على تحيّاتهم. وعليكم السلام، أجيب بها مسموعة، كلما قال أحدهم السلام عليكم يا شيخنا ملتفتا إليّ. في فيلم شاهدته نظر طبيب إلى رئتيه المسودّتين في صورة الأشعة ثمّ قال لزميل له واقف بقربه: «هذا سرطاني.. لم يعد لديّ وقت كثير». قالها هكذا، كأنّ الصورة التي ألصقها على اللوح المضاء واحدة من الصور التي يراها كلّ يوم، أو كأنّه يرى رئتيه مثلما يرى رئات مرضاه. آنذاك، في وقت ما شاهدت الفيلم، ظننت أنّ الناس كلّما كبروا صاروا أقدر على التحكّم في هيئاتهم ، مهما كان الذي يفكّرون فيه.

***

مع أنّني ما زلت مرتديا هذه الجبّة وهذه العمامة منذ أكثر من ثلاثين سنة، ما زلت، إلى الآن، أراني كما لو أنّني أُلبستهما رغما عنّي. لا أقول إنّي لا أعرف كيف أتدبّر مشيتي بهما، أو أن أخاطب الناس في طريق عودتي إلى بيتي، أو حتّى أن أصلّي بهم جماعة أو أخطب أمامهم في الحسينيّات ، فكلّ ذلك أفعله. بل إنّ الناس، وهم قاعدون في أماكنهم، يكثرون من رفعهم الصلاة على محمّد وآل محمّد، مستحسنين هكذا ما يسمعونه منّي. لكنني، مع ذلك، أبدو كما لو أنّني أقول لنفسي هيّا فلنذهب إلى العمل، وذلك كلما مددت يدي لآخذ عمامتي قبل خروجي من البيت. في الصورة المعلّقة عندي في غرفة الإستقبال كانا كلاهما، أبي وجدّي السيّد مرتضى، راضيين معا بثياب العلماء التي يرتديانها. بل إنّ أبي زاد على ذلك بأن أهمل كيّ عباءته التي تبرز خيطان قطبها غليظة نافرة كأنّه هو الذي خاطها، بيديه، وبالمسلّة لا بالإبرة التي يشتغل بها الخيّاطون. مثل ثياب الميدان، كنت آنذاك أقول لأخي عدنان، مشبّها لباس أبي بثياب العسكريين. فقط وأنا هناك في النجف عرفت أن إهماله للباسه عقيدة ومذهب اتّخذهما هو ورفاق له هناك.

«أنا أريد أن أدرس في الجامعة، وقد قبلوني»، قلت له مرّة، ثمّ مرّة أخرى. ما لا يحبّ سماعه لا يبدو عليه أنّه سمعه. يظلّ يمسدّ لحيته إن كان يمسّد لحيته أو يظلّ ماشيا إن كان يمشي مفكّرا في شيء. مرّة واحدة قال لي إنّني أنا الذي يجب أن أذهب إلى النجف، وليس أخي، الكاره للعلم. بدا لي كما لو أنّني أُقدّم أضحيةً وإنّي، فوق ذلك، مثل الأضاحي لا يحقّ لي أن أعترض أو أن أسأل. «قولي له أن يكلّم أخاه السيّد عقيل ليرسل إلى هناك واحدا من أولاده» رحت أقول لأمّي التي يصغي إليها وحدها، وإن كان لا يعمل بما تقول. «أولاد عمّك عقيل سيكونون مثل أبيهم» تجيبني مذكّرة إيّاي به، هو عمّي السيّد عقيل، واقفا بين النساء، عندنا في بيتنا، ليمازحهنّ ويضحكهنّ على رغم كبر جسمه وارتدائه ثياب العلماء.

بعد أن لبست الجبّة والعمامة بقيت أشعر أنّني مستعير ثياب سواي. حتّى أنّني كنت أستغرب نفسي كيف أنا حين أعود إلى ضيعتي في الصيفيّات. أستغرب نفسي حين ينظر إليّ أحد على الطريق، تلك النظرة الأولى التي تسبق وصوله إليّ وقوله لي السلام عليكم. يراني أصغر ممّا يجب عليّ أن أكون وهو سيعود ينظر إليّ، ملتفتا نحوي، بعد أن يصير ورائي. لكي يتحقّق مما استغربه فيّ وليرى مشيتي التي، حتّى يومي هذا، لا أعرف إن كانت مشية رجل يؤمّ الناس في صلاتهم. ذاك أنّي أنقّل رجليّ تنقيلا فيما أنا أخطو بهما وأؤرجح يديّ إلى الأمام والخلف فأبدو كما لو أنّني مسرور بخفّة حركتي.

مشيتي هذه لم يغيّرها تمريني أمام المرآة في بيتنا ولا قول أبي لي، مرّة واحدة، إنّني أمشي كأنّني أهمّ بأن أرقص. في أحيان كنت أفكّر أنّني يجب أن يصيبني شيء يبدّل حركة رجليّ وجسمي، كأن تصير عظام قدميّ توجعانني أو أن تتشنّج، بمرض خفيف، فقرات في ظهري. وقد جرّبت ذلك أمام المرآة أيضا حيث رحت أطأ الأرض بجوانب من قدميّ وليس بقدميّ كلّها. أصير أهتزّ في الغرفة التي أكون فيها وحدي إذ حتّى هنا في بيتنا لا ينبغي أن يشاهدني أحد أتخايل هكذا أمام المرآة، ماشيا إليها تلك الخطوات القليلة التي تفصلها عن الحائط المقابل لها. «حلو، إسم الله عليك» كانت ستقول لي أمّي إن رأتني واقفا أنظر في المرآة إلى جسمي، أو مقرّبا وجهي إليها محدّقا فيه.

«حلو» هذه، على لسان أمّي، أترجمها بحركة من رأس أبي ويده يبين فيها طاردا الشيء الذي لا يحبّ أن يراه. يفكّر أنّ المرايا هي للنساء وحدهنّ، وأنا، كلّما رأيته يكلّم الناس الذين يأتون إلى بيتنا، أقول في نفسي إنّه لا يعرف كيف يكون وجهه حين يتكلّم. ليس أنّه لم يكن ينظر في المرايا الآن، كنت أقول آنذاك، بل أنّه لم يسبق له أن نظر فيها أصلا. كان يرفع شفته العليا عن أسنانه ولثّته فيما هو يحدّق تحديقا في من يكلّمه، هكذا كما لو أن عينيه الصغيرتين لا تكفيانه ليرى رؤية واضحة. وأمام الناس في الحسينيّات كان يخلع عمامته غير مكترث بأن تظهر لهم دائرة رأسه التي بيّضها خباؤها . وإذ، في مرّة، وقف ليسوّي ما يلبسه تحت جبّته، وذلك أمام المئتين الذين كانوا قد أتوا لسماعه، قلت إنّه لا بدّ يفعل ذلك عن قصد، وأنّه يعلم أنّ الناس لن يتهامسوا على كراسيهم ولن تأتيهم
الضحكات ليكتموها.

ذاك لأنّهم كانوا يصدّقونه ويطيعونه. وهو لم يكن يمتحن نفسه معهم حين يقول لهم، مثلا، إنّهم كسالى قاعدون ولا عجب بعد ذلك أن يؤكل حقّهم. حتّى إنّهم قاموا عن طاولاتهم تاركين عليها أوراق اللعب والنقود التي كانوا يتراهنون بها حين رأوه قادما إلى الساحة التي وزّعوا طاولاتهم على أنحائها. كنت معه آنذاك، رجل دين مثله، وقد وقفت أتفرّج على قلبه الطاولات بيديه، واحدة بعد واحدة، وهم مبتعدون ومتفرّقون في أطراف الساحة. «تعال.. إمشِ..» قال لي بادئا المشي قبلي، تاركا الرجال حيث هم، منتظرين ابتعادنا ليلمّوا ما تساقط من أشيائهم على الأرض.

يعرف أنّهم سيقبلون بما يفعله. حتّى إنّه لا يفكّر أبدا بما سيتبع قلبه للطاولات وقوله في أثناء ذلك إنّ الحرام لا يقع فيه إلاّ أبناء الحرام. ونحن نبتعد عنهم، غير ملتفتيْن إليهم، خطر لي كما لو أنّ ما بينه وبين الشيء الذي يفعله أو يقوله مسافةٌ لا تزيد شبرا عن عينيه أو يديه. لا يكون يفكّر في أشياء كثيرة حين يرى أمامه ما يُغضبه. رحت أتلفّت إليه بطرف عينيّ فيما نحن نمشي مسرعين في تلك الطريق الضيّقة. ما كان يدور في رأسه هو ما يجري في داخل رأسه فقط، لا الناس الذين تركهم هناك، لا الناس في المكان الذي كنّا ذاهبين إليه، ولا أنا المتلفّت إليه متردّدا ومتسرّقا.

***

الموجة الساخنة التي تدوّخني قويتْ في رأسي وأتعبتني. على الطريق، لحظة ما خرجنا من المستشفى، سألني ابن أخي إن كان من الأفضل لنا أن نستأجر سيّارة توصلنا. كان ذلك سيريحني، لكنّني بدأت المشي باتجاه سيّارتي التي كنت قد ركنتها في الشارع الذي يعلو شارع المستشفى. وقد تبعني ابن أخي، بادئا النطنطة ورائي من جهة إلى جهة محاولا أن يصل إلى أن يصير ماشيا معي، عند أحد جنبيّ. كان الناس يتدافعون مسرعين كأنّهم يسابقون بعضهم بعضا إلى بوّابة المستشفى. وأنا كان عليّ أن أظلّ متنبّها لتدافعهم مهيّئا يديّ الإثنتين لأردّ بهما من قد يصطدم منهم بي. وقد زاد ذلك في تعبي، حتّى أنّني رحت، بين كلّ خطوتين أو ثلاث، أدير وجهي لأرى إن كان ابن أخي ما زال قريبا منيّ. وهو كان يعرف لماذا أحرص على قربه فيقول لي، مرّة بعد مرّة، أنا هنا وراءك يا عمّي.

كانت الأيّام الثلاثة قد غبّرت السيّارة وأوسخَتْها، لكن كانت هناك مسافة خالية أمامها تعفيني من تقديمها وتأخيرها مرّات. بعد أن جلست وأرحت يديّ على المقود، سألني ابن أخي إن كنت أحتفظ بشيء ليزيل به ما علق على الزجاج أمامي. كانت بقعة الوسخ ملتصقة بالزجاج، مدهنة وسميكة. تلفّتّ حولي لأرى أين هي علبة المحارم ، لكن من دون أن أكون مكترثا بأن أجدها. وإذ توقّفت عن التلفّت، مرجعا رأسي لأريحه على المسند الذي وراءه، أدخل ابن أخي يده بيني وبين المقود ليرشّ الثقبان الصغيران ماء على الزجاج. لم يأت منهما إلاّ صوت الجفاف الذي أعرفه، والذي يطلع مثل هدير خفيف. ومن دون أن ينظر إليّ أو يقول لي شيئا، استدار ابن أخي إلى المحلاّت التي على الجهة الأخرى من الطريق. أخرج من العلبة التي جاء بها مفتوحة ستفة من الأوراق جعل يحفّ بها البقعة المدهنة السميكة التي بدت أنها لن تُزال. كانت قد تيبّست على الزجاج وكان عليه أن يعود ثانية إلى المحل ليحضر منه قنّينة ماء. لكنّني، قبل أن يستدير ليتّجه إلى هناك، أشرت له بيدي أن يصعد إلى مطرحه، رغم علمي أنّ تلك البقعة ستظلّ طول الطريق أمامي، تُتعب نظري وتقرفني.

الكيلومترات الثمانون التي تفصلني عن بيتي لن تزيد في تعبي. بل إنّها ربما ستريحني إن ظلّت الطريق أمامي خالية من السيّارات. ثمّ إنّ التعب الذي أنا فيه لن يُنعسني. تلك المرأة التي جاءت من فنزويلا لتقيم عندنا في بيتنا ظلت تجيب أبي، كلّما سألها عن مرضها: النوم.. النوم.. كانت تقول بصوتها الذي يطلع أجشّ مكهربا من حنجرتها المثقوبة. ونحن في البيت كنّا نعلم أنّها لا تنام أبدا إذ لم تكن تتوقّف الأصوات التي تطلع من لهاث نَفَسها ومن فتحها حقائبها ومشيها بعد ذلك بين غرفة نومها والمطبخ الذي في آخر البيت. لم تنم هذه الليلة أيضا، كانت أمّي تقول لأوّل من يفيق في الصباح، وذلك بصوت تحرص على ألاّ تسمعه المرأة التي يمكن في أثناء ذلك أن تكون في أيّ مكان: خلف أمّي وهي تتكلم ، أو قريبة من باب الحمّام المفتوح حين أكون أغسل وجهي وأذنيّ، أو تكون في الممشى بين الغرف، واقفة على الرغم من أن ليس في الممشى شيء يمكن لأحد أن يفعله. ولم تكن أمّي تتأفّف أو تتشكّى أو تقول لأبي مَن من الناس غيرنا يقبل أن تعيش في بيته امرأة لا يعرفها. بل إنّها، فوق ذلك، كانت تقول مشفقة عليها إنّها مسكينة لا تعرف أحدا وأنّها جاءت من فنزويلا لأنّها لا تحبّ أن تموت هناك.

وهي، المرأة، أنجزت ما جاءت من أجله عندنا في بيتنا. دخل أبي إلى الغرفة حيث كانت ممددة وقال لأمّي، الواقفة بقربه، إنّها ماتت، هكذا من دون أن يرفع جفنها ليرى بؤبؤ عينها أو يلتقط يدها ليعرف إن كان نبضها ما يزال يعمل. ماتت، قال، ثم استدار ليخرج من الغرفة كأن لا شيء مما يتبع ذلك ينبغي فعلُه.

النوم. أشعر به كيف سيكون بعيدا ومستعصيا حتى وأنا منهك من تعبي ولا قوّة فيّ لأحتمل أن يعبر كلب مسرع قاطعا الطريق من أمامي. وقد تشبّث بي تذكّري للمرأة واقفة عند باب المطبخ ممسكة بإصبعيها تلك الحديدة التي تُخرج من الثقب الذي في وسطها نَفَسَها وأصواتها. كنت، وأنا في التاسعة أو العاشرة آنذاك، أتعلّم المرض وإسمَه ، متركّزين معا في تلك البقعة الصغيرة المجوّفة أسفل رقبتها. «أصابها مرض السرطان»، كانت تقول أمّي لزائراتها هامسة بالكلمتين ، المرض وإسمه، كأنّها تعرّفهنّ على ما لم يسبق لهنّ أن عرفنه. «مرض السرطان!»، كنّ يتلقّين ما يسمعنه فزعات ومشفقات معا. ذاك أنّهنّ كنّ يعرفنه، لكن كأنمّا عن أحد مات به في إحدى القرى وجاءهنّ منها خبره.

حين بلغنا أوّل الأوتوستراد أوقفتُ السيّارة وقلت لإبن أخي بلال أن ينزل ويزيلها، تلك اللطخة التي عرفتُ أنني سأظلّ أحدّق فيها كلّما تعلقت بها عيناي. لم يجد شيئا إلا المفتاح الذي أخرجه من جيبه وراح يحكّ به الزجاج محدثا أزيزا جافّا. ثم نظر إليّ ليرى إن كان عليه أن يُوقف ذلك الصوت الذي قد يخربش الزجاج ويجرّحه. تأخّرت في أن أجيبه، من صفنتي وكسلي. قال لي، حين عاد إلى مقعده، أنها لن تُزال إلّا بالبنزين. وقد أخرجني قوله ذاك من صفنتي، لكن للحظة تساءلت فيها كيف له، هو الصغير، أن يعرف ما يفعله السائقون ليزيلوا اللطخ التي تلتصق بسيّاراتهم.

– تعرف كيف تسوق السيّارة؟

سألته بعد أن انتبهت إلى أنّ تفكيري بما يعرفه عن البنزين قد أخرجني، ولو لتلك اللحظة الواحدة، من التفكير بمرضي.

وهو، العارف بما بي، انتظر أن يأتيه سؤالي مرّة ثانية. وإذ لم أفعل، اكتفى بأن التفت إليّ ثمّ إلى مسافة الأوتوستراد التي تمتدّ أمامنا.

***

– أوصلك إلى بيتك أو تأتي معي إلى بيتنا؟

كان صمتي على الطريق قد أضجره وأتعبه. ثم إنه لن يحبّ أن يكون معي لحظة ما تكون زوجتي واقفة عند الباب، صامتة وتتسرّق تحديقها بعينيّ.

– أمي وحدها في البيت، من ثلاثة أيّام هي وحدها.

أتتني صورة أمّه في بيتها، واقفة على بعد ثلاث خطوات أو أربع من حيث كنت أجلس على تلك الكنباية الواسعة. وقد تشبّثتُ، على رغم تعبي، بصورتها تلك، كأنّني أختبر نفسي إن كان تذكّري لها سيريحني. في زياراتي التي كنت أقوم بها مرّة كلّ شهر كنّا نجلس متباعدين، أنا على طرف الكنباية وهي على طرفها الآخر. ولم أكن أريح نفسي في جلوسي، كأن أجعل وجهي وجسمي مائلين إلى جهتها. «هذه من أبي»، كنت أقول لها فيما أمدّ لها يدي. وهي، من دون أن تقول شيئا، تقرّب يدها لتأخذ النقود الملفوفة بورقة لكي لا تبين من خارجها. ولم يصدف أبدا أن لامست يدها يدي. يدها تلك التي لم أكن أطيل النظر إليها حين تصبح على ذلك القرب مني. « سأعمل قهوة يا سيّد»، تقول لي. وأنا، لكي أوحي بأنّ ما قد يبقيني هو الوقت، أنظر إلى ساعتي، ثمّ أبدو كأنني أجري حسابا في رأسي لأقول من بعده: « لا بأس بالقهوة، لكن من دون سكّر». ولا أطيل التفاتي إلى مشيتها وجسمها بعد أن تستدير ذاهبة إلى المطبخ. ثانية واحدة فقط، أو أقلّ من الثانية، يعود وجهي بعدها مستويا مع جسمي.

– لكنّها لا ترجع إلى البيت إلاّ بعد الظهر، قلت له لأذكّره بأنّها لا تقضي كلّ الوقت وحدها، لكن أيضا لأعرف منه أنّها ما تزال تذهب إلى شغلها مثلما كانت تفعل.

ولكي يساعدني على طمأنتي له بأنها ليست لوحدها، قال، ملتفتا بوجهه إليّ، إنّ المعلّمات رفيقاتها يأتين معها أحيانا بعد المدرسة.

– كثيرات؟

– هنّ رفيقاتها؟

أومأت له برأسي، إيماءة خفيفة لأبدو أنّني لست مهتمّا كثيرا بما سألته.

– في مرّات يأتين كلّهن...

يعرف، حين أكلّمه عنها، أنّني أنتظر أن أسمع ما هو أكثر مما يحمله سؤالي. يعرف ذلك. في أحيان يجيبني بما أنتظر أن أسمع، ذاهبا في جوابه إلى أبعد من سؤالي المراوغ. في أحيان كنت أفكّر أنّ فضولي هكذا تجاه أمّه يُعجبه.

– أوصلك إذن إلى بيتك.

– لا، لا، انا أنزل عند المحطّة.. هناك أجد دائما سيارة توصلني.

لكي أبقى معه في هذا الحدّ من التواطؤ، كنت في كلّ مرّة أسكت أنا وأسكته عما كنّا نقوله. هكذا كنت أفعل. الآن أخرجني تعبي من رغبتي في التحدث عنها. تلك الرغبة التي كنت ساعدت نفسي على الاندفاع نحوها.

– معك أجرة الطريق؟

– معي، أجاب ممدّدا جسمه على المقعد ليستطيع أن يوصل يده إلى داخل جيبه. « أنت أعطيتني وأمّي أعطتني» قال فيما هو يريني ما في كفّه المنبسطة الممدودة.

***

بعد أن أوقفت السيّارة، هناك حيث كانت سيارات ثلاث تنتظر اكتمال عدد راكبيها، استمهل نفسه للنزول. بدا لي، فيما يده مبقية على الباب نصف مفتوح، كأنّه سيعيد النظر بنزوله هناك. لم يدم ذلك أكثر من لحظات إلتفت إليّ من بعدها وسألني إن كنت أرغب في أن يبقى معي. كان يعتذر عن نزوله من السيّارة وتركه لي. ثمّ، بعد أن نزل وأطبق الباب، انقلب عن هيئته وقال لي، من فتحة الشباك، أن أنتظر كي يزيل اللطخة التي ما زالت أمامي، عالقة على الزجاج. كنت راغبا في المسير من فوري لكنّه أبقاني، ناظرا إليه يركض نحو السائقين الواقفين معا يتحادثون بقرب إحدى سيّاراتهم.

كانت قنينة الماء البلاستيكيّة ممتلئة بالماء إلى ما يزيد عن نصفها، ومتسخة لكثرة ما استُعملت وأُعيد ملؤها . لكنّني، حين رأيت الماء يُصبّ على الزجاج أمامي، إنتبهت، فجأة، إلى جفاف حلقي وعطشي. كان قد أفرغ آخر ما في القنينة من ماء حين أشار لي أن أُشغّل المساحات. وقد غَلبتْه اللطخة هذه المرّة أيضا. أفهمتُه، بحركة من يدي، أن يصرف نظره عنها وأنّني سأذهب الآن.

***

لا يأتي المرض هكذا من دون أن يسبقه شيء يستدعيه. على ما تبقّى من الطريق، وقد صرت وحدي، راحت الأفكار التي تخطر لي تتسابق لتحلّ كلّ واحدة منها محلّ الأخرى. ربّما كان بيتي هو الذي أمرضني. الهواء الذي أتنفّسه مسموما لأنّه يظلّ عالقا في الغرف ولا يخرج منها. أو ربّما أمرضتني زوجتي التي، رغم أنّها لا تعرف أن تظهر إلاّ بالثياب المهترئة المبلّلة بالماء، لا تتوقّف عن أن تُفهمني، بنظراتها وحدها، أن ليس هكذا يعيش الناس. لا تعجبها الحياة التي لا تعرف كيف تعيش حياة سواها. حتى أنّني، كلّما رأيتها في الممشى الضيّق الذي تسند جسمها إلى حائطه لتتركني أمرّ، أحاول أن أتخيّلها في هيئة أخرى فلا أفلح. لا أفلح حتى في أن أزيد على خدّيها حمرة ولو قليلة، فذلك البياض الباهت الممصوص من خباء البيت يجعل وجهها ممطوطا وبلا لون كأنّه مسلوخ من رقعة جِلد واحدة.

تُلصق جسمها بالحائط، جسمها كلّه، من مؤخّرتها إلى أعلى رأسها، كأنما من أجل أن لا يلامسها شيء منّي. وحين تقترب من باب الغرفة التي أكون جالسا فيها مع مَن يزورونني، تروح تناديني، لأن آخذ منها ما في يديها، كأنّها تزجرني. «صينيّة الشاي»، تقول، أو تقول لي، من وراء الباب أيضا: «أباك»، إن كان أبي يحتاج أن أفعل له شيئا. في أحيان أفكّر أنّها كانت جميلة مرّةً، مرّة واحدة، وذلك حين كانت واقفة عند مدخل بيتها، هناك في أعلى الدرجات. قال أبي ما شاء الله فيما هو يقرّب منها عينيه الصغيرتين. وهو قال ذلك أيضا لأبيها السيّد جعفر حين صرنا في داخل البيت. كانت آنذاك في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة. «نعم أقبل» كتبتُ لأبي رادّا على الرسالة التي قال فيها إنّني الآن يجب أن أتزوّج. «إنّها الإبنة الصغرى للسيّد جعفر قريبنا في الكوثريّة» كتب لي، وهو اكتفى بذلك عنها إذ لا يحسن به، هو أبي، أن يصفها كأن يقول مثلا إنّها جميلة، أو أن يفصّل في وصفها فيقول أشياء عن عينيها أو عن فمها أو عن صوتها حين تتكلّم. «نعم أقبل» كتبت له، لأبدو واقفا قبالته وهو يجري عقد الزواج، هكذا من ذلك البعد الذي يفصل ضيعتنا عن النجف.

رأيتها أقلّ جمالا حين وصلتْ إلى النجف معه. ليس أنها كانت كما هي الآن ضعيفة وبلا لون، لكنّ السنوات الأربع أو الخمس غيّرتها عما كانت يوم رأيتها. كانت غريبة تلك النظرات الأولى في عينيها، إذ كانت تطيلها بدل أن تغضّها كما تفعل البنات. كانت تبقي عينيها ناظرتين إليّ حتى بعد أن ينتهي ما كنت أقوله لها. كأنها كانت تبلغني، بتلك النظرة الزائدة التي تستمرّ لثانيتين أو ثلاث، أنّي آذيتها بقبولي أن يأتوا بها إليّ. وأنا رحت أفكّر أنها ربما كانت مثلي، تنتظر أن تتاح لها حياة أخرى؛ أنها مثل رفيقاتها من البنات، تحلم بأن تعيش حياة غير الذي عاشتها عند أهلها.

تلك النظرة المعاتبة ، بل والمؤنّبة، ظلّت ترميني بها على الدوام: حين تقوم بعد أكلنا لتحمل الصينيّة والصحون إلى المطبخ، وحين أقول لها وأنا واقف أمام الباب أنّي خارج، وكذلك حين أفتح الباب بعد أن أعود من خروجي، وحين أقبل عليها لنفعلها، وكذلك حين تهمّ بأن تنحني لتلتقط ثيابها عن الأرض وتذهب بها حاملة إيّاها إلى الحمّام.

آنذاك، بعد أن تأخّر إنجابها أكثر من ستّ سنوات، كنت أقول إنّ هذه المجامعة لا تنجب أولادا... وحين صارت تلدُ بعد ذلك صرت أقول إنّ من تكون مثلها لن تحبل إلاّ بأولاد مثل أولادي.

***

خلف باب الحديد الذي دفعته بيدي كانت إبنتي هبة جالسة عند منتصف الدرجات الصاعدة إلى بيتنا، وفي حضنها دميتها. حين رأت أنني أنا الذي دخلت من الباب عادت تنظر إلى الدمية ، النائمة على الدرجة بقربها والمغطّاة حتى ذقنها. لم ترفع رأسها إليّ حين وقفتُ أمامها، ولا حين كلّمتها سائلا إيّاها إن كانت قد أطعمت دميتها. «تعالي.. تعالي معي..» قلت لها مادّا يدي إليها لتقوم. لكنّها ظلّت منشغلة بالعينين الصغيرتين اللتين تعودان تنفتحان بعد أن تُطبقهما بيدها. «قومي، قومي لعّبيها في البيت، هي لا تحب النوم على الدرج». وإذ ظلّت العينان تعاندانها أقفلتْ عليهما بكفّها كلّها كأنما لتنيم الدمية عنوة.

تركتُها هناك، وصعدتُ الدرجات ثقيلا أدفع رجليّ دفعا .

كانت زوجتي قد سمعت خبط أقدامي على الدرج. رأيتها واقفة وراء الباب المشقوق تسوّي حجابها متعجّلة على رأسها.

– ماذا قالوا لك؟

لم يخبرها أحد. لم تجد أحدا تطلب منه أن يتلفن للمستشفى، أو أنها لم تسعَ لأن تجد أحدا.

– قالوا أن أرجع بعد يومين.

كنت أستطيع أن أؤجّل إجابتي لها، لكنني، فيما أنا أفتح الباب الآخر، ذلك الذي يؤدّي إلى الغرفة التي أستقبل فيها ضيوفي، أعدت مصحّحا ما قلته:

– بعد يومين أو ثلاثة قال الطبيب.

لحقتْ بي إلى غرفة الزوّار، صامتة لا تقول شيئا. حتى حين صارت واقفة أمامي، تنظر إليّ أرفع عمامتي عن رأسي، ثمّ أخلع عباءتي، ظلّت تنتظر أن أُكمل ما بدأت بقوله.

وإذ هبطْتُ بجسمي بعد ذلك على الكنباية، ساكتا، بدا كما لو أن صبرها القليل قد نفد:

– بعد يومين أو ثلاثة، ماذا سيصير بعد يومين أو ثلاثة ؟

– لا أعرف، قال إنّي مريض.

بالتدريج، مَلْمحا بعد ملمح، سيغيّر وجهها هيئته، من الحياد إلى الفضول ، ثمّ إلى الهيئة التي تبديها مستغربة غير مصدّقة. ذاك لأنّها بلغت حدّ أن تعرف ما هو مرضي، وأن تعرفه بإسمه.

– سيدخلك الطبيب إلى المستشفى؟

– لا أعرف.. قال أن أذهب إليه بعد يومين أو ثلاثة.

وهي تعرف أيضا أنّ عليها، الآن وفي هذه اللحظة، أن توقف سؤالاتها التي تجعلني أدير رأسي من جهة إلى جهة ولا أعرف أين أنظر بعينيّ. «سأعمل لك شايا» قالت فيما هي تستدير متوجّهة إلى المطبخ.

***

رحت أفكّر، وأنا جالس على كنبايتي في غرفة الزوّار، أنّه كان عليّ منذ زمن أن أُخفض الصورة التي على الحائط أمامي. كان أخي عدنان، كلّما أتى لزيارتي، يسألني ممازحا لماذا علّقتهم هكذا مثل المشنوقين. كانت تلك الصورة، صورتهم، في أعلى الحائط، قريبة من السقف، وهو ظلّ يقول لي إنّني يجب أن أُخفضها لتصير على مستوى عينيّ الرجل الناظر إليها. وأنا كنت أجد ذلك صحيحا إذ لم أعد أتميّزهم، هم الثلاثة، بهيئاتهم الواضحة، لا بالنظارات ولا بدونها. أروح أتذكّرهم في الصورة تذكّرا كلما نظرت إليها، عالية وصغيرة في داخل البرواز الفضي المجدول.

الآن، وأنا جالس على الكنباية نصف ممدّد، خطر لي أن أرى الصورة عن قرب. أن أرى أبي في عمر الثلاثين، كما كان، ناظرا إلى المصوّر بعينيه الصغيرتين كأنّه يحثّه على أن يستعجل وينصرف بكاميرته من أمامهم. كانت أمّي تقول، معوضّة له عن صغر عينيه، إن الوهرة التي فيهما تُخيف كلّ من تقعان عليه. « حتى القطتان اللتان تربّتا في بيتنا كانتا تستديران مبتعدتين من خوفهما، صافنتين في الأرض كأنهما ولدان»، كانت تقول واصفة وقت خروجه إلى مصطبة الجنينة ليريح نظره من عتم غرفته، كما ليقف على رجليه بعد أن أتعبه القعود هناك، في وسط
صفّ الطراريح .

– لدينا سلّم هنا في البيت؟

نظرت إليّ من فوق الطاولة الصغيرة التي رفعتها عن الأرض لتدنيها منّي:

– السلّم، لماذ السلّم؟

– سأُخفض الصورة، هي عالية ولا يستطيع أحد أن يرى مَن فيها.

إلتفتتْ نحوها وهي ما زالت منحنية فوق الطاولة التي وضعت فوقها الشاي ثمّ، قبل أن تستقيم واقفة، أدارت وجهها إليّ:

– أنت ستنزلها؟.. الآن؟

– ليس الآن ، لكن يجب أن تكون هناك.

وهي التفتت هذه المرّة أيضا لكن إلى حيث أشرت بإصبعي، بل وأطالت النظر إلى هناك كأنّما لتفهمني أنّها تفكّر بشيء آخر، وأنني أنا أيضا يجب أن أفكر بشيء آخر.

– على كلّ حال كان مريضا وأنت هناك في المستشفى.

– مثلما يمرض كلّ مرّة ؟

– مثلما يمرض ، أجابت كأنّها تقول لي إنّه أتعبها مثلما يُتعبها عادة.

لكن رغم ذلك خطر لي إنّ ما أمرضه هذه المرّة هو غيابي عنه

– كان ينام في سريره؟

– نام في سريره ليلة وعلى كنبايته ليلة...لكن إشرب الشاي أوّلا، قالت حين رأتني أمسكُ بيديّ طرفي الكنباية لترفعاني.

ليس فقط غيابي أنا عنه، لكن بقاؤه جالسا على كنبايته الوقت كله من دون أن يقف أمامه أحد يكلّمه.

– الصبيّان...

كنت سأسألها إن كان الصبيّان يسلّيانه بأن يلاعبا أختهما أمامه، لكنني انتبهت، كأنما فجأة، إلى أنني لم أسألها عنهما بعد.

– أين هما؟

– خرجا، في المرّات التي قَبِل فيها أبوك أن يأكل، كان أحمد هو الذي يطعمه، بالملعقة.

تخيّلت إبني أحمد واقفا حاملا صحن الأكل ، منتظرا أن يزدرد أبي ما في فمه حتّى يقرّب إليه الملعقة ملآنة طافحة فلا يعرف أبي كيف يأخذ منها ما يقدر على مضغه.

– أكل؟

– من؟

– أبي.. هل تغدّى؟

أن أُطعمه، الآن، هو ما ينبغي عليّ أن أفعله. هو ما سيريحني. سأبدو، وأنا أدخل إليه حاملا أكله، كأنني لم أغب عنه.

***

كأنّني أُصمته بما أضعه في فمه. يأخذ ما في الملعقة بشفتيه لكنّ عينيه لا تلبثان أن تعودا إليّ، ناظرتين في وجهي. وهو يعرف أنّني سأتمكّن من إسكات فضوله بهذه الكلمات التي أعيدها مرّة بعد مرّة: «كل يا أبي»، «بالصحة يا أبي»، «هذه بعد»، «هذه فيها الشفاء». لكنّه، مع كلّ كلمة أقولها يُشعرني بأنني أتعبه وأؤذيه. « كل يا أبي» أقول له وإن كنت أنتظر أن يزداد إلحاح نظراته ويشتدّ حتى ليخيّل إليّ أنه يكاد يُطلع صوته الذي أبقاه محبوسا في داخله كلّ هذه الشهور ليقول لي: «أين كنت؟... قل لي أين كنت».

لكن بصوت هو غير صوته الأوّل، الساخط الذي يزجر سامعيه. « أنتما هناك، كفّا عن الكلام» كان يقول لإثنين يتكلّمان في أثناء ما كان يخطب في الحسينيّة. وهو، إن لم يسكتا، كان سيقول لهما، هكذا أمام جميع الجالسين: «أخرجا من هنا». وهما كانا سيتلفّتان حولهما من حرج، مستصعبين الخروج، وذلك حتى يُخرجهما الناس. وهو لن يعود إلى الكلام إلا حين يرى ظهريهما يتواريان في نزولهما على الدرجات: «من عرف الله وعظّمه ...» يقول مستأنفا تفصيل ما كان رُوي عن أبي ذرّ.

«أحسنت.. أحسنت» راح يقول لي وأنا ألقي خطبتي الأولى بعد عودة لي من النجف. وأنا لم أكن أستحقّ أن يثني عليّ إذ كانت رجلاي المختبئتان خلف منبر الحسينيّة ترتجفان وكان صوتي يطلع متردّدا بين أن يكون صوتي الذي لي وبين أن أجعله في قوّة أصوات الخطباء. «أحسنت.. أحسنت» كان يأتيني صوته عن يمين المنبر حيث كان يجلس مواجها الناس. كان يقصد أن يُسمعهم ما يقوله لي حتّى يظلوا ساكتين مصغين إلى ما أقول. وأنا كنت أعلم ذلك لكنّي كنت أقبل به، بل وأنتظره. أنتظر أن يعود إلى قوله «أحسنت» مرّة بعد مرّة علنّي أصدّق أنا نفسي ما يقول.

وكنت أعرف أنّه لن يعود إلى الكلام عن تردّدي في خطبتي حين خرجنا من الحسينيّة. لم يجب بشيء حين قلت له إنّني لم أكن كما ينبغي لي أن أكون. ظلّ ساكتا مستغرقا بالنظر إلى الطريق أمامه. فكّرت آنذاك أنني أخجلته، ليس فقط من ضعف صوتي وارتباكي في ظهوري، بل أيضا لتعريضي له إلى أن يستحسن، أمام الناس، ما لم يرضه ولم يعجبه.

«كُلْ يا أبي.. هذا الطعام يقوّيك» بقيت أقول له. وهو يطيعني بأن يفتح فمه كلمّا قرّبت إليه الملعقة. ربما كان ينتظر أن أطيعه مثلما يطيعني بأن يظلّ يأكل على رغم شبعه، أن أقول له إنّني كنت في المستشفى وإني راجع إليها بعد يومين أو ثلاثة.

***

«أكل كلّ ما في الصحن» قلت لزوجتي الواقفة في وسط الممشى تنفّض، بضربات سريعة، الغبار الذي غطّى ثياب هبة. لم تلتفت إليّ لتأخذ الصحن الفارغ من يدي. وإذ توجّهت أنا لأضعه على المجلى، سمعتُ هبة تتهيّأ لتشرع في البكاء. كاتت الضربات التي اشتدّت على مؤخّرتها قد أوجعتها، وهي فهمت أنّها، الآن، تتلقّاها كعقاب. حين رأتني عائدا من المطبخ اندفعت نحوي مادة إليّ يديها. حملتُها، وتقدّمتُ بها إلى حيث كانت لعبتها مرميّة على الأرض. قلت لها، فيما أنا أنحني لألتقط اللعبة، إنّها ما تزال نائمة. «خذي..خذي.. إحمليها قبل أن تفيق»، قلت لها، لكنّها امتنعت عن أخذها بهزّها كتفها، ثم بالنظر إليها نظرة كارهة.

***

استعدت، وأنا في الطريق متوجّها إلى الجامع، ما كان يقوله لي السيّد عبد الحسن عن كسلي. لم يكن يقصد قرب بيتي من المسجد فقط، ولا قلّة بقائي فيه، بل إجابتي له بـ«لا» كلّما دعاني إلى أن نذهب معا إلى العزاءات في القرى. « أنت الذي اخترت أن يكون البيت هكذا قريبا من الجامع؟ «كان يسألني، وأنا أُجيبه ممازحا، بأنّ أهل الدويرة هم الذين اختاروا البيت لي وهو لاءمني. لا أكثر من ثمانين خطوة كنت أعدّها كلّما ذهبت منه إلى المسجد. حتى إنني كنت أستطيع أن أتبيّن من أتى إليه من الناس، وذلك بمجرّد الالتفات إلى أيّ من نوافذ البيت الثلاث التي لجهة الطريق.

وهم أيضا، من نوافذ بيوتهم، سيعرفون أنّي جئت فيلحقون بي. لا أكثر من خمس دقائق أو عشر سأكون فيها وحدي، جالسا في وسط الجامع، منقّلا حبّات المسبحة بين أصابعي. ذاك لأن لا شيء يجب أن أفعله قبل مجيئهم. ليس من شيء حولي لأنشغل بترتيبه أو بإرجاعه إلى مكانه. كان جدّي السيّد مرتضى يُعيّر أهل الحسانيّة ببخلهم لأنّهم لا يفعلون شيئا لجامعهم. بل إنّه كان يضرب بهم المثل فيقول عن الأمكنة الخالية إنّها مثل جامع الحسّانيّة ليس فيه إلّا إبريق الوضوء.

– الحمد للّه على السلامة، قال الرجلان اللذان دخلا إلى الجامع من بعدي. كانا قد شاهداني لا بدّ، وأنا خارج من بيتي إلى الطريق. بتهنئتهما إيّاي بالسلامة، كانا يقصدان أن يسألا لا أن يهنّئا، أن أقول لهما ماذا وجد
فيّ الطبيب.

كانا أكثر أهل الدويرة تردّدا على الجامع، ليس من أجل الصلاة والاستماع إلى الموعظة، لكن من أجل أن يقطّعا بعضا من وقت نهارهما الطويل. وأنا، لمعرفتي بهما، أروح أحادثهما فيه بما كنت سأحادثهما به فيما لو كانا في بيتي.

وإذ لم يفدهما تلميحهما عن سلامتي كان عليهما أن يزيدا استفهامهما وضوحا:

– بقيت في المستشفى يومين؟

– يومين، أجبت بعد أن بدوت كأنني أعدّهما.

– كنت لوحدك؟

– كان معي بلال، إبن أخي.

يريدان أن يعرفا. وأنا، إن ظلّا على فضولهما، لن أستطيع أن أظلّ أوارب وأجيبهما فقط عمّا يسألانه.

– في غيابك أحضروا الطبيب للحاج زينو.

– مرّة أخرى؟

– على عادته، ينسى أنّه مريض بالسكّري ويروح يأكل نصف صينيّة البصما التي جاء بها إبنه من النبطيّة.

كانا يريدان أن يسلّياني، ساعيين إلى التخفيف من وطأة المرض بتحويله إلى واحدة من فكاهاتهم.

– وإبنه، ألا يعرف أنّ البصما تضرّہ؟

وإذ أضفت على ذلك أنّ لا طريقة لمنع مريض السكّري عن أكل الحلوى إلا بإخفائها من بيته، بدوت كأنني أوقف الكلام المازح الذي كانا سيسترسلان به عن الحاج زينو.

وقد زاد في إسكاتهما قولي لهم، بعد أن نظرت إلى ساعتي، أنّ أذان العصر سيحلّ بعد دقيقتين.

– الكهرباء مقطوعة من أمس، قالا معا، ثمّ انفرد أحدهما بالقول إنّهم في جميع القرى باتوا يشغّلون الأذان بالبطّاريات.

ولكي أعود إلى مسايرتهما، قلت لهما إنّنا بدلا من ذلك يجب أن نرجع الأذان إلى ما كان عليه، بلا كهرباء وبلا بطاريّات. ثمّ خطر لي أن أشركهما بالنسمة الهادئة التي أتتني من تذكّري السيّد أمين واقفا على مصطبة الجامع ومطلقا أذانه الذي لن يسمعه إلا الذين في البيتين أو الثلاثة القريبة من الجامع، مع أنّه كان يجحظ عينيه حتى ليبدو كأنّه يحاذر أن يباغته أحد فيما هو يرفع أذانه.

– السيد أمين.. الله يرحم السيّد أمين، قال أحدهما متأسّفا ومتفكرا.

***

كان الناس يملأون المقاعد كلّها في عيادة الطبيب. تردّد قليلا ذلك الشاب، بعد أن دخلت، عن القيام ليجلسني في مكانه. وقد انتظرتُ قليلا قبل أن تنتبه المرأة، أو الرجل الجالس بجوارها، أن يبدّلا مكانيهما فيصير هو من سيكون إلى جانبي وليس هي. حين أتمّا ذلك مدّ بلال ذراعه مشيرا لي إلى حيث الكرسي. بدا صغيرا يقلّد ما يفعله الكبار. ابتسمت له فيما أنا أجمع طرفي عباءتي لأبدأ بالجلوس. كان يعرف أنّني أحتاج إلى أحد يكون معي، وأنّني أحتاج، قبل أن أقوم بتلك الأشياء مثل الجلوس والقيام، أن أبدو كأنّني اُدعى إلى ذلك.

ما أحدثه دخولي من تلفّت وارتفاع للنظرات والرؤوس لم يدم كثيرا بعد جلوسي. لا أكثر من لحظات عاد الجالسون إثرها إلى الصمت الذي كانوا فيه. كان بلال واقفا مستندا إلى الباب وناظرا إليّ كأنّه ينتظر أن أقول له شيئا. بعد انقضاء دقائق التفتت إليّ موظّفة الطبيب من وراء مكتبها لتقول لي إنّه في الداخل، وإنّه سألها عنّي. وقد أربكني ذلك إذ خطر لي أنّ الجالسين سيعاودون النظر إليّ ليتبيّنوا شيئا عن مرضي. لكنّني، مع ذلك، عرفت أنّ جلوسي بينهم لن يطول وأنّني، حين يفتح الطبيب بابه سأكون
أوّل الداخلين.

– أهلا شيخنا، قال لي فيما هو يمسك بإحدى يديه درفة الباب ليبقيها مفتوحة.

– السلام عليكم، قلت له حين صرت في الداخل.

– كيفنا؟ قال، فيما هو يستدير ليصير وراء مكتبه، وليبدأ بعد ذلك رفع الأوراق عنه ليصل إلى ما يخصّني منها.

وقد جلس في أثناء ما كان يحدّق في أوراقي، مقلّباً صفحاتها.

– ضروري أن نُجري العملّية.

لم أجب بشيء. خفت أن أتلعثم، أو أن يطلع صوتي ضعيفا ومرتجفا.

– خائف؟

– وقل لن يصيبنا... أجبت بصوتي المرتجف إيّاه.

– لن تموت، قال ناظراً إليّ، في عينيّ، وعلى شفتيه تلك الابتسامة التي لم أستطع إلّا أن أرى فيها خبثاً.

– وبدون عمليّة ماذا...؟

– تموت، ليس اليوم، ولا غداً، ولا بعد شهر أو شهرين... لكن...

كان يتكلّم بنبرة محايدة ومنتظرة، كأنّما ليعرف منّي أيّ الإحتمالين أختار.

وقد بقيت ساكتا، أو أنّني كنت أتباطأ، لا من حيرتي، بل من ضيقي ومن استمهالي لنفسي لكي يكون هناك وقت بين ما سمعته وبين ما سأقوله.

– بعد العمليّة، هل سأظلّ كما أنا؟

– هي عمليّة صعبة، وطويلة، لأنّنا سنستأصل أعضاء ونضع أعضاء في مكانها.

– وخطرة؟

بحركة من رأسه بدا كما لو أنّه لم يفهم، أو أنّه لا يجيب عن سؤال مثل هذا.

– أقصد وأنا في العمليّة، تحت العمليّة، هل...؟

– في الطب لا شيء مؤكّد ولا مضمون، لكنّنا في المستشفى أجرينا مثل عمليّتك هذه مرّات كثيرة.

ولم يكمل، لكنّي فهمت أنّه يقصد أنّ المرضى لم يموتوا، أنّه كان يخرج من العمليّة والمريض حيّ لم يمت.

– لكنّك ستوقّع على ورقة رفع المسؤوليّة حين تدخل، قال معيدا جملة من ذلك الدرس الذي قاله لي، حين كان أبلغني بمرضي، بأنّهم، في هذا المستشفى، لا يخفون عن المريض شيئا.

– ... لكن هل سأظلّ كما أنأ؟ أعدت عليه السؤال الذي كان أغفله.

– هي عمليّة صعبة. هناك أشياء ستتغيّر في جسمك، أقصد في وظائف جسمك...

لم أشأ أن يكمل. ذاك أنّه اتخذ هيئة من سيبدأ بأن يحصي ما سيتغيّر فيّ وما سأخسره. وهو فهم انّني تلقّيت هذا اليوم ما يكفيني. قال لي إنّنا سنتكلّم عن كلّ ذلك حين أكون في المستشفى، معلّلا ذلك بغمزة من عينيه أشار بها إلى الكثيرين المنتظرين هناك، في الخارج.

– ومتى أرجع؟

– لسنا مستعجلين كثيرا... أنت رتّب أمورك ثم اتّصل بي.

حين فتح لي الباب لأخرج بدا ناظرا إلى من سيدخل بعدي من الجالسين. وإذ تعدّيت الباب، واقفا بينهم، قال لي كلمة سريعة مودّعة: «أنتظر اتصالك»، قالها مصحوبة بتلك النظرة التي سريعا ما استردّها ليبدأ اهتمامه بالمريض الذي قام ليصير في الداخل من بعدي. كنت متعرّقا وأنا في الخارج، بل إنني قاومت حاجتي لأن أرفع العمامة وأمرّر يدي على جبيني ورأسي لأمسح العرق الذي كان قد تجمّع مبلّلاً أطرافها. قالت لي الموظّفة بعد أن استدرت باتجّاهها إنّها لاتريد منّي شيئا، وهي أعطتني البطاقة التي أحتاجها لاتصالي بها أو بالطبيب. ثمّ استدرت لأرى إبن أخي الذي كان ما يزال واقفا في مكانه، مبعدا نظره عنّي لكي لا يراني وأنا في حرجي ذاك. ولا أعرف لماذا نظرت إلى البطاقة التي أعطتني إيّاها الموظّفة كأنّني أتبيّن شيئا فيها، على الرغم من أنّ ذلك أخّرني وعرّضني وقتا زائدا إلى نظراتهم. ثمّ، أمامهم، تمهّلت وأنا أضعها في جيبي. كأنّني كنت أؤخّر لحظة الخروج، المربكة والتي تحتاج منّي إلى أن أتهيّأ لأقول «السلام عليكم»، فيما أنا أخطو باتجاه الباب الذي يقف لصقه إبن أخي.

كان من الأفضل لي، أنا مريضه، أن لا أبلّغ مسبقا بما سيحصل لي. ثم تلك النبرة التي كانت تقع عليّ مهدّدة، وليس محايدة كما قد يسمّيها هو أو يصفها. وهو، إلى ذلك، لم يبلغني إلا بما يريد أن يبلغه. «نتكلم حين نصير في المستشفى»، قال، هكذا مثلما كان يفعل معلّم المدرسة حين يقول: الآن أغلقوا الكتب، سنكمل القراءة في الغد.

كان من الأفضل لي، بعد أن أفيق من العمليّة، أن أعرف بنفسي ما خسرته من جسمي، أو أن لا أفيق أبدا. ذلك أهون عليّ من أن أتحزّر كيف سأكون وماذا سينقص منّي.

– من هنا، من هنا السيّارة، قال لي بلال منبّها إيّاي إلى أنّنا ننحرف إلى جانب آخر من الطريق.

وأنا أطعته مغيّرا وجهتي إلى حيث تقدّم عنّي خطوة، موفّرا عليّ أن أُجهد رأسي بتذكّر أين أوقفت السيّارة. وقد تركته يمشي أمامي ليفسح لي الطريق من
بين السائرين.

– صارت قريبة، قال مادّا يده ليشير إلى المفرق الذي سننعطف إليه.

أولئك المقبلون على الموت، في الأفلام التي شاهدتها، كانوا يقرّرون ماذا سيفعلون في ما تبقّى من حياتهم. بعضهم قال إنّه سيعيش ما حلم بأن يعيشه، بعضهم قال إنّه سيجرّب ما لم يجرّبه من قبل، أن يزور بلادا، أو أن يزيح عن كاهله المسؤوليّات التي ترهقه، أن يتعطّل عن شغله مكتفيا بتأمّل ما سبق من سنواته. كأنّهم لا يرون في الحياة إلا الوقت، يقسّمونه أجزاء لا فرق بين أوّلها وآخرها. الوقت الباقي هو للعيش الباقي عندهم، وليس للخوف من الموت، الخوف وحده.

لن أموت، قال لي الطبيب مدارياً، أو كاذباً. ما يدّعونه من أنّهم يقولون للمريض كلّ شيء عن مرضه ليس إلاّ نصف ما يعرفونه، ذاك لأنّ عليهم أن يتركوا شيئا لأنفسهم، وإلا كيف سيمْكنهم أن يطمئنوه مرّة، ويعابثوه مرّة، ويطيعوه ليسلّم لهم كلّ أمره.

– من هنا... من هنا، صار يقول لي بلال كلّما التفت إليّ ليراني إن كنت ما أزال خلفه. حتّى أنّه، حين يشتدّ الزحام، يروح يمدّ يده إليّ كأنّما لألتقطها.

– وصلنا، هناك السيّارة، قال مشيرا إليها بالتفاتة من وجهه.

وأنا رأيتها. اليومان اللذان انقضيا على خروجي من المستشفى زاداها اتساخاً. ثمّ تلك اللطخة التي، لوهلة، بدت لي كأنّها تتحرّك متفاعلة مثل شيء حيّ.

– سأغسلها، سأغسلها هناك في بيتنا، قال لي حين أحسّ بنفوري منها. وهو، لذلك، أخذ المفتاح من يدي وتركني أنتظر أن يفتح لي بابها لأدخل.

***

من السيّارة الوسخة، من نافذتها المفتوحة، راحت تأتيني نسمات أنعشتني وقوّتني. بل إنّها أعادت إليّ كلام الطبيب صحيحاً وغير موارب. ليس الموت ما ينتظرني، بل النقصان. هذا الرأس الذي كان ما يزال مقفلا على ما فيه، منذ أن أُبلغت بمرضي، وجدَتْ تلك النسمات الباردة ممرّا إليه. حتى أنّني وجدت نفسي، بعد موجة الطمأنينة تلك، أنقر بإصبعي على المقود كما لو أنّني أوقّع لحنا أطربني. وقد أَلْفتَ ذلك وجه بلال إليّ.

– عندكم أو عندنا؟ سألته.

– عندنا، قال، تتغدّى وترتاح عندنا.

– وماذا ستطعمنا أمّك؟

– أكلاً طيّباً، حين لا تذهب إلى شغلها تطبخ أكلاً طيّباً.

تخيّلتها واقفة فوق مجلى بيتها، بجسمها القويّ، تغسل الخضار، ثم، في مشهد ثان، تُنزل وعاء من الرفّ الذي يعلوها، ثمّ تستدير لتحضّر شيئا كانت قد وضعته على الطاولة وراءها.

– ولن تجيء رفيقاتها؟

– لم تقل لي، كانت ستقول لي لو كانوا سيجيئون.

– وقد عدت إلى نقر المقود بإصبعي، كما عاد هو ينظر إليّ بطرف عينه.

– عندنا، سنتغدّى عندنا، قال مجاريا هدأتي ومسرورا بها.

وأنا، لكي أبدو أنّي ألاعبه، قلت له: لكنّنا لم نعرف ماذا طبخت أمّك.

وقد عدت إلى تخيّلها هناك، في مطبخها، تكمل ما كنت رأيتها تفعله، نافضة يديها لتزيل ما علق بهما من الماء، ثمّ تعود تلتفت كأنّها تبحث عن شيء نسيت أين وضعتْه.

أحسّ به كأنّه يدفعني دفعا إلى أن أقترب منها، أقصد ذلك القرب الذي يتعدّى أن نظلّ كما نحن، أنا وهي، قريبيْن منه، لكنْ متباعديْن في ما خصّنا. كان يخطر لي في مرّات أن أجاريه، كأن أسأله مثلا مَن هنّ رفيقات أمّه، وهل إنّهنّ نساء فقط، أو أن أقول له، من دون أن يكون لذلك مناسبة: ربما تكون أمّك ضجرانة الآن.

– لكن ماذا ستقول أمّك حين ترى السيّارة وسخة هكذا؟

– لا يهمّ، هي رأتها في الصباح حين جئت لتأخذني.

– كانت في البيت؟

– كنّا أنا وهي ننتظرك. هي كانت تتركني واقفا وراء الشباك لتشتغل شيئا، لكنّها كانت تعود وتقف معي.

قال ذلك كأنّه يفشي سرّاً، وهو التفت إليّ ليرى كيف وقعَ ذلك عليّ.

ولم أرغب في أن أدفعه خطوة إضافيّة إلى الأمام، كأن أقول له، مثلا، إنها كانت بذلك تستعجل مغادرته لتنصرف إلى شغلها، من أجل أن يجيبني أنْ لا، ليس من أجل ذلك كانت تقف وراء النافذة.

ثمّ إنّه كان كافيا لي أن أبقى متصوّرا وقوفها هناك، فهذا وحده يظهر لي وجها آخر لها. أو أنّه، على الأقلّ، يحرّك ذلك الحياد الذي أبقانا، منذ أن مات أخي، نؤدّي وظيفة الجلوس ذاتها عند كلّ زيارة لي إلى بيتها. «أهلا بالسيّد» تقول لي بعد أن تفتح الباب، ثمّ «تفضّل يا سيّد»، ثمّ تشير لي إلى مكان جلوسي ذاته على الكنباية، ثم السؤال عن القهوة، ثمّ استراقي النظر إلى جسمها وهي ذاهبة لتعمل القهوة. ثمّ تلك المسافة المتباعدة في جلوسنا الذي ستقول في آخره، مبقية في يدها النقود الملفوفة والمغطّاة بورقة كأنّما لتحجب ما في داخلها: «شرّفت يا سيّد».

– ما رأيك لو غسلنا السيّارة في المحطّة؟

– بدا لي أنّ دخولي بها نظيفة ملمّعة يُحدث فرقا.

– كما تريد، قال، وإن بدا أنّه يستعجل الوصول إلى البيت.

– هي ربع ساعة لا أكثر، قلت، غير مطيع رغبته. ذاك لأنّي لم أحبّ أن يكون دخولي إلى بيتها إلا كما تخيّلت.

***

فكّرت أنّني، هذه المرّة، أستطيع أن أعبر متجاوزا ذلك الخطّ الذي لم أجرؤ أبدا على وطئه. تلك الخطوات القويّة غير المتردّدة، التي تظلّ هي ذاتها عند دخولي وعند خروجي، لم تترك ولو فسحة قليلة لأن أحيد عمّا اعتدت قوله وترداده. لم أستطع أن أمرّر، بين كلمات الترحيب المجامِلة، كلمة واحدة تجعلها تدير وجهها إليّ مستفهمة متسائلة، وأن تروح تفكّر، بعد خروجي، لماذا قلت تلك الكلمة وماذا أقصد بها.

– هذه المرّة سيتكفّل مرضي بأن يُضعف تلك القوّة التي لم تفارقها أبدا. وقد بدأتْ بذلك، بحسب وليد الذي قصد أن يبدو كأنّه يغمز لي بشيء حين قال لي عن وقوفها على الشبّاك منتظرة وصولي.

– هي تعرف بماذا أنا مريض؟

– مَن؟

– أمّك، أنت حدّثتها عنّي؟

– فاجأتُه. كان يظنّ أن ما نعرفه عن ذلك، أنا وهو، لن نتحدّث فيه.

– هي تعرف.

كان يعلم أنّني لن أعود إلى إحراجه بأن أسأله كيف عرفتْ. وهو انتظر دقيقة قبل أن يقوم عن الكرسي قبالتي:

– سأرى إن كانوا أزالوا اللطخة عن الزجاج، قال فيما هو يسير إلى
المغسل ورائي.

وهو سيطيل وقوفه هناك، ناظرا إليهم يسلّطون الماء الذي أسمع تدفّقه، غزيرا وسريعا، على حديد السيّارة. وأنا سأظلّ جالسا على تلك الكرسي، كأنّني أنتظره.

– رجعتْ جديدة، قال فيما هو يتقدّم عائدا إليّ.

– وصلوا إلى لونها الأصلي؟ قلت مازحاً ليفهم أنّنا عدنا إلى ما قبل سؤالي له عن معرفة أمّه بمرضي.

– رجعت جديدة، قال ثانية لكي ألتفت وأراها.

بدت جديدة تلمع. في كلّ مرّة يفاجئني كيف أنّ لونها يظلّ محافظا على جدّته تحت الغبار الذي يغطّيها.

– وهم نظّفوا الزجاج أيضا، قال مذكّرا إيّاي باللطخة التي كانت عصيّة على الإزالة.

وحين أخرجوها إلى الشمس رأيته يدور حولها ليرى إن كان هناك شيء لم يطله تنظيفهم. وإذ أنهى تفحّصه ذاك نظر إليّ وهو يهزّ رأسه معلنا موافقته على ما فعلوه. ولمّا قمت عن الكرسي لأضع يدي في جيبي، رأيته يحرّك يده ليفهمني أنّه أنهى الأمر معهم ودفع لهم مما معه.

وإذ عدت ومددت يدي إلى جيبي جعل يهزّ كتفيه ورفع يديه الإثنتين رافضا أن يستعيد ما دفعه. رحت أدفع المال دفعاً إلى يده وإلى جيبه وهو يتمنّع. «معي... معي مصاري» صار يقول حين تمكّنت من وضعها في جيبه. ثمّ، وأنا أبتسم له، صفعت خدّّہ بيدي صفعة تحبّب.

في السيّارة، ونحن خارجان من المحطّة، قال لي إننا سنتغدّى أكلاً طيّباً، كأنّما لأجيبه مؤكّدا له أنّي سأكون معه هناك في بيتهم.

– أكل طيّب... همممم، قال حين تأخّرتُ في موافقته على ما قاله.

– جعت هاه؟ سألته.

– جعت، وأنتَ؟

– جعت، لكن سآكل بعد نصف ساعة أكلاً طيّباً.

[1] فصل من رواية




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬