وسام سعادة

يسهل التقليل من شأن التحذير الذي وجّهته حنّة أرنت في «أصول التوتاليتارية» حول قابلية نشوء نظام توتاليتاريّ في الهند. فالإلتفات إلى التطوّر الإجماليّ الذي عرفته الديمقراطية الهندية، منذ الاستقلال عام 1947 إلى اليوم، لا يوحي كثيراً بأنّ هذا التحذير كان له ما يبرّره.

هذا لا يلغي صعوبة المسار الذي سلكته التعددية الحزبية والسياسية لتقليص الهيمنة المديدة لحزب المؤتمر ولدمقرطة حزب المؤتمر نفسه. كما لا يلغي مفارقة أنّ الحزب الرئيسيّ الذي تمكّن من مناهضة حزب المؤتمر وبالتالي توسيع الإمكان الديمقراطيّ في هذا الإتجاه، كان حزب الأصولية الهندوسية المنهمك بـ«التأصيل» الهزليّ في أحيان كثيرة لأسماء المدن والشوارع ومحطات القطارات.

كذلك حال المؤسّسات الدستورية، فهذه لم تكن بمنأى عن نزعات تسلّطية عديدة، وصولاً إلى «الفاصل الديكتاتوريّ» الذي شكّله إعلان انديرا غاندي لنظام الطوارئ عام 1975 في ظروف اتسمت بالتصدّع المقلق للمؤسسات الدستوريّة على خلفية إبطال المحكمة العليا للانتخابات.

ثم إنّ الهند عاشت منذ الاستقلال تفاوتاً في التطوّر الديمقراطيّ بين ربوعها، يرتبط في جزء منه بالتفاوت في التطوّر الاجتماعيّ والاقتصاديّ بين الولايات، ويرتبط في جزء آخر بجغرافيا غير مستقرّة أمنياً، وما تزال مخترَقة بنزعات انفصالية وحروب أهلية ما تزال تفرض وقائعها في عدد من الولايات... ولا نعني هنا حالة كشمير وحدها، إذ ثمّة، من شمال البلاد حتى جنوبها، نزعات انفصالية غير قليلة ينادي بها أبناء الأقاليم للانفصال عن ولاية والانضمام إلى أخرى، كما ثمّة، وخصوصاً في الشمال الشرقيّ، ميليشيات ماويّة تسيطر على مساحات شاسعة بقوة السلاح.

بيد أنّ كلّ ما استُجمع، هنا، للإشارة إلى صعوبة الديمقراطية الفدرالية الهندية وإلى تشوّهات غير قليلة شابتها في مراحل من تاريخها وما تزال، إنما يعود فيعطي لهذه الديمقراطية خلفية فسيفسائية متماسكة وصلابة تاريخية معيّنة، كونها نجحت منذ البدء في اختيار الشكل الدستوريّ الأنسب للاتحاد الهنديّ، وهو مستوحى أساساً من تجربتي البرلمان البريطاني والفدرالية الأميركية.

هكذا يبدو كما لو أنّ النقاش حول الديمقراطية الهندية ما عادت له صلة بحنّة أرنت ونظريتها في التوتاليتارية. وعلى هذا المنوال، درجت العادة في معظم ما يخاض من نقاشات، داخل الهند وخارجها، أن لا يكون مدخلها علاقة الاستبداد الشرقيّ بالتوتاليتارية، وإنما علاقة الاستعمار بالديمقراطية، وعلاقة الفقر بالديمقراطية.

ففي الباب الأول تجد من يردّ الديمقراطية الهندية إلى أثر مباشر أو غير مباشر للتدخّل الاستعماريّ البريطانيّ المزمن وللتفلّت التحرّري الهنديّ من القيد الاستعماريّ، فضلاً عن التصوّر «الكومنولثيّ» الذي طبع الحركة الوطنية الهندية منذ البدء.

أما الباب الثاني فيتشتّت بين من يجعلها ديمقراطية قامت على رغم حدّة الفقر واتساع الفوارق الاجتماعية، وبين من يتأوّلها كديمقراطية للفقراء، أو كديمقراطية فقيرة، أو كديمقراطية استبعادية للفقراء أو متستّرة على الفقر، وبين من يرتجي تطوّرها كديمقراطية تؤمّن الحلّ التدريجيّ لمسألة حدّة واتساع رقعة الفقر، حتى لو كان ذلك على مدى أجيال.

وهناك طبعاً الممرات الواصلة بين البابين، كمثل السؤال عن دور النهب الاستعماريّ في زيادة الفوارق الاجتماعية والتسبّب في توسيع الفقر المدقع، أو دور التحديث الاستعماريّ بما فيه النهب، في زعزعة نظام الطبقات الدينية المهنية المقفلة وفي ظهور المدن الكبرى.

إلا أنّ كلّ ذلك لا يلغي أهمية التحذير الذي وجّهته حنّة أرنت حول قابلية الهند للتحوّل في اتجاه توتاليتاريّ. صحيح أنّها قابلية لم تتحقّق يوماً ولم تعد مطروحة أصلاً، لكن تحذير أرنت من وجودها يطرح في الواقع مسألتين: ما الذي جعل مؤلّفة «أصول التوتاليتارية» تطرح هذا الاحتمال وما هي قيمته بالنسبة إلى نظريتها في التوتاليتارية؟ وما الذي جعل تاريخ الهند بعد الاستقلال يتطوّر في اتجاه معاكس تماماً للنزعة التوتاليتارية التي حذّرت أرنت من أن كل الشروط الموضوعية لازدهارها متوفرة في الهند؟

كانت حجّة أرنت حول خطورة انبثاق توتاليتارية هندية وفرة الشرطين الجغرافيّ (اتساع المساحة) والديموغرافي (اي الكثافة السكانية) بما يغري مشاريع الهندسة الاجتماعية الشاملة في البلد القارة، علاوة على تركة الاستبداد الشرقي التقليديّ. بل إنّ تركة الاستبداد الشرقيّ دفعت بأرنت لأن تُجمِل نظرتها إلى الصين والهند في اعتبار واحد: فاحتمال التطوّر التوتاليتاريّ قائم على قدم وساق في البلدين. وفي هذا جرأة من طرف أرنت لأنها تجاوزت في ذلك مركزية المباينة بين النموذجين الصينيّ والهنديّ عند ماكس فيبر الذي يبدأ تعريفه للهند بالقول إنّها «وبخلاف الصين، كانت وتبقى بلداً من القرى الريفية حيث الانقسام إلى مراتب موروثة بالولادة أكثر صلابة من كل ما يمكن تخيّله»، ويضيف أنها «رغم ذلك أيضاً بلد التجارة، وليس فقط التجارة الداخلية، بل التجارة البعيدة النطاق»، والمتجذّرة منذ عصور.

فهذه القارة الريفية – التجارية التي قلّما توحدّت عبر التاريخ، لم يوحّدها إلا الاستعمار البريطانيّ. لم يوحّدها إلا بشكل تدريجيّ، وبعد ثنائية لها تاريخ معقّد حكمت العلاقة بين «مستعمرات شركة الهند الشرقية» وبين «مستعمرات التاج»، وكان حلّها المنطقيّ المتأخّر في اعلان الملكة فيكتوريا امبراطورة على الهند عام 1877، وفي ربط مهراجات وأمراء الهند بتسلسل في مراتب النبالة مرتبط بها. وحين توحّدت الهند لأوّل مرة، أي كمستعمرة للتاج البريطانيّ، جاءت أزيد من شبه القارة الهندية كما نعرفها اليوم، إذ كانت بورما جزءاً من الهند البريطانية، وكانت الثنائية التي حكمت الفكر الاستعماريّ هي ثنائية «الهند البريطانية»، أي الهند القارة في مقابل «الهند الهولندية» أي الهند الأرخبيلية أو ما بات يعرف لاحقاً باسم اندونيسيا.

بالتالي، نحن أمام نطاق حضاريّ مختلف تماماً عن النموذج الصينيّ، ومعجون أكثر منه بالتجربة الاستعمارية، أي أنّ الاستعمار هو الذي يشكّل الأمّة في الهند، وليست هذه حال الصين وتجربتها المريرة مع الاستعمارين الياباني والغربيّ. ومع ذلك، ورغم كل هذه التباينات النافرة التي جعلت ماكس فيبر يقيم تضاداً بين الصين والهند، جاءت حنّة أرنت لتقول في «أصول التوتاليتارية» إن هذين البلدين قابلان أكثر من أي بلد آخر للتطوّر في الاتجاه التوتاليتاريّ.

ففي هذين البلدين، كما تقول أرنت «هناك مادة أوّلية تكاد لا تنضب لأجل تغذية آلة السيطرة الكليّة، المراكمة للسلطان والمدمّرة للبشر»، ويضاف إلى ذلك الشعور الذي يسم الإنسان ضمن الكثافات السكانية الكبيرة بانعدام نفعه، وهي ظاهرة تعتبر أرنت أنّها طارئة على أوروبا مع الحداثة، ومتأتية من البطالة الكثيفة والنموّ السكاني المتعاظم مع الثورة الصناعية، في حين أنّها ظاهرة لها تاريخ في آسيا. ولعلّ النظر إلى «الفناء الصوفيّ... في الديموغرافيا» الذي يطبع الكثير من مشاهد الحياة اليومية الهندية اليوم، يحتاج إلى الاستدراك بأن النموّ السكّاني الذي جعل الهند ما نعرفها به الآن هو ظاهرة حديثة نسبياً، حيث سبقت المرحلة الكولونيالية البريطانية قرون مديدة من النموّ البطيء، أو حتى الركود في هذا المجال.

والحال أنّ «الفناء الصوفيّ في الديموغرافيا» لم يكفل وحده تطوير الهند في اتجاه توتاليتاريّ حذّرت حنّة أرنت من أنّه يملك مواطئ قدم «موضوعيّة» فيها. على العكس تماماً، وبخلاف النموذج الصينيّ قبل كلّ شيء آخر، تطوّرت الهند سياسياً ليصبح بالإمكان تقديمها على أنّها أكبر ديمقراطيّة في العالم، حيث تتوفّر شرعية النظام الدستوريّ – الفدراليّ وموارده وصلابته بما فيه الكفاية، وتكتسب التجربة البرلمانية نوعاً من عراقة. فمن هذه الناحية، يبدو أنّ التاريخ يعطي الحقّ للمباينة الفيبرية بين النموذجين الهنديّ والصينيّ، والتي بقيت مباينة في إطار وحدة الاستبداد الشرقيّ عنده، حيث إنّه اشتهر أساساً بخلاصته القائلة بأنّ الهند لم تعرف التطوّر الرأسماليّ قبل المرحلة الاستعمارية، وهو ما لم يعجب الكثيرين لاحقاً داخل الهند وخارجها، خصوصاً منهم أصحاب مقولة أنّ الاستعمار دمّر الصناعة الهندية السابقة عليه، وطوّع التجارة الهندية لأدوات نهبه المتعدّدة.

وفي تاريخ الخوض في المسألة التوتاليتارية، كان يُنظر إلى الجرأة التي طبعت موقف أرنت في الحديث عن قابلية مشتركة صينية – هندية لقيام النظام التوتاليتاري من باب واقع الحال في هذين البلدين، وبالتالي درج العلم السياسيّ على أنّ يقول بأنّ التحذير كان مبرّراً في شأن الصين، وغير مبرّر في شأن الهند، وأنّ حنّة أرنت لم تفهم دور نظام الطبقات التقليدية الدينية في المجتمع الهنديّ (نظام الكاست) في الحدّ من النزعات المركزية أو التسلّطية، ناهيك عن النزوع إلى التوتاليتارية، وأنّها بقيت أسيرة تصوّر «توكفيليّ» عن الديمقراطيّة ينظر إلى تساوي الفرص على أنّه المحرّك لقيام الفضاء الديمقراطيّ، ويعدّ نظام الكاست نقيضاً مباشراً له. أمّا في حال الصين، فكان هناك تقدير لجديّة التحذير الأرنتيّ وطابعه الاستشرافيّ، هذا مع فارق أنّ أرنت ظلّت ترفض اعتبار الماوية حركةً أو مرحلة توتاليتارية، في حين أصرّ كثيرون على سريان مفهوم «النظام التوتاليتاريّ» على النظام القائم في الصين، واختلفوا على تحديد المرحلة.

وفي الحقيقة، فإنّ معظم ما طرح حول موقف أرنت من الهند والصين فيه فائدة لجهة فهم ما جاء يحفّّز الديمقراطية ويعيق نقائضها في المجتمع الهنديّ، إلا أنّ المسألة الأساسية التي طرحتها حنّة أرنت من وراء تحذيرها هذا، وهي العلاقة الثلاثية الأبعاد بين كلّ من الاستبداد الآسيويّ والاستعمار الغربيّ والتوتاليتارية الحديثة، لم تنل حظّها بعد.

لكن، متى تأتي حنّة أرنت على ذكر الصين والهند في «أصول التوتاليتارية»؟ تقوم بذلك مباشرة بعد تمييزها بين الحركات التوتاليتارية والأنظمة التوتاليتارية. أي بعد أن توضح موقفها من نظام موسوليني الذي كان يدّعي التوتاليتارية، لكنه لم يكن في الواقع كذلك، وتستعين عندها بالإعجاب النازيّ بالتنظيم الستالينيّ الحديدي للمجتمع السوفياتي مقروناً بالهزء من الفاشية الإيطالية، على ما كتب غوبلز حين رأى أنّ «الفاشية ليس لها ادنى علاقة بالقومية – الاشتراكية، ففي حين ان هذه الأخيرة تغوص حتى الجذور تبقى الفاشية نزعة سطحية». وتخلص أرنت هنا إلى أنّ التوتاليتارية كانت هدفاً طموحاً أبعد من المنال بالنسبة إلى البلدان الأوروبية الصغيرة، وأنّ «ديكتاتوريات ما بين الحربين» في إيطاليا ورومانيا وبولونيا ودول البلطيق والمجر والبرتغال واسبانيا (استمرار الديكتاتوريتين الأخيرتين حتى السبعينات لا يلغي طابعهما الأصلي كديكتاتوريات ما بين الحربين) كانت تسبقها حركات توتاليتارية تتمكن بصفتها تلك من تنظيم الجماهير للوصول إلى السلطة، لكنها لا تلبث أن تعود إلى أنماط مألوفة من الديكتاتورية. ففي هذه البلدان الصغيرة ما كان للآلية التوتاليتارية أن تؤمّن العنصرين الديموغرافيّ والجغرافي الضروريّين لهندساتها الإجتماعية. ثم تصل أرنت إلى أنّ المانيا النازية أيضاً ما كان لها أن تطوّر منظومة السيطرة التوتاليتارية بشكل كامل إلا في حال انتصارها في الحرب، وأنّ الحرب وحدها، وخصوصاً الانتصارات النازية على الجبهة الشرقية، هي التي أمنت الموارد البشرية الضرورية التي جعلت معسكرات التجميع ممكنة، وجعلت التطوّر التوتاليتاريّ ممكناً في ألمانيا. عند هذه العتبة فقط، تعرّج أرنت على الصين والهند، للحديث عمّا يؤمّنه الاستبداد الشرقي التقليديّ من عناصر موضوعيّة لقيام السيطرة التوتاليتارية.

هذه الصفحات من «أصول التوتاليتارية» هي بين أهمّها، إذ هي تمثّل مسعى متقدّما للإحاطة بإشكالية العلاقة بين الاستبداد الشرقيّ والتوتاليتارية. فالموقف النازيّ في هذا الإطار بقي مزدوجاً: اعجاب يكاد يكون دينياً بنماذج الاستبداد الشرقيّ من جنكيزخان حتى ستالين، ورُهاب منقطع النظير أيضاً من هذا الاستبداد الشرقيّ ومن رؤيته وهو يجتاح القارة الأوروبية.

وهذه الازداوجية تجد في التفكير النازيّ حلّها في الإقتباس من الهند.

فمن جهة، يجري تأوّل نظام «الكاست» القائم في الهند منذ الفتوحات الآرية الغابرة على أنه نظام طبقات عرقية تراتبية، وبالتالي يصبح الحلم التوتاليتاريّ الألمانيّ تطبيق نظام الكاست في أوروبا، وهنا كان يمكن توظيف المقارنة التي شغلت علم الاجتماع الألمانيّ وبالذات ماكس فيبر، بين المنبوذين في الهند وبين اليهود في التاريخ الأوروبيّ.

أما من جهة ثانية، فكانت تجربة الاستعمار البريطانيّ للهند التجربة النموذجية التي حلم أدولف هتلر، أو أعلن جهاراً، بأنّه في صدد تطبيقها في بولونيا وأوكرانيا.

أي أن النازية قامت على معادلة تزيّن لنفسها أن الاستبداد الشرقي خطر داهم على أوروبا، وأنّه من يبادر العرق الشماليّ لإعلان نظام الطوارئ ضده أولاً، ولكنْ ثانياً، إعداد العدّة لاقتباس نموذج نظام الكاست الهنديّ، مع ممارسة التجربة الاستعمارية في الداخل الأوروبيّ هذه المرّة، وبالذات على الجبهة الشرقية.

من هنا، لم يكن بمقدور حنّة أرنت يومها أن تتوقّع تطوّر الأمور بالشكل الذي يعطي لاستمرار نظام الكاست بأشكال متعدّدة في المجتمع الهندي دوراً في قيام ديمقراطية معاكسة لتوقعات الكسي دوتوكفيل، أي ديمقراطية تقوم على التراتبية بدل المساواة، وهو الأمر الذي شغل بالأساس أعمال عالم الاجتماع الفرنسيّ لوي درومون ومقابلته بين الأيديولوجية المساواتية الغربية وبين الأيديولوجية التراتبية الهندية، داعياً إلى مراجعة تصوّرنا للتراتبية إذ هي ليست سلسلة من الطاعات من أعلى إلى أدنى، ولا كرامة تنخفض منزلتها من فوق إلى تحت. وهو لإيضاح فكرته يعطي مثال آدم في سفر التكوين: فآدم هو شخصان في شخص: من ناحية يمثّل النوع البشريّ ككل، ومن ناحية أخرى يمثّل الذكور حصراً داخل النوع البشريّ. وهذا يعني أن الذكور والإناث متساوون من ناحية، وأنّ الذكور متفوّقون على الإناث من ناحية ثانية. أما الجمع بين هاتين العلاقتين فهو الذي يوجد رابطة تراتبية، كرابطة استيعاب الأعلى للأدنى، من دون أن تكون رابطة ارتباط هرميّ بين الأعلى والأدنى.

عملياً، يعني كل هذا الكلام أن تطوّر المؤسسات الدستوريّة والتعدّدية الحزبية في تاريخ الهند المعاصر تجاوز بأشواط تطوّر حقوق الإنسان. فهل يعني هذا غرقاً في عدمية نسبوية من نوع أنّ الفكرة المساواتية يمكنها ان تنتج ديمقراطية وتوتاليتارية، كما ان الفكرة التراتبية يمكنها أن تنتج ديمقراطية وتوتاليتارية؟ بمعنى آخر، هل تعتبر التجربة التاريخية للهند الحديثة، وبالذات للديمقراطية فيها، توسيعاً أم نقضاً لأفكار عصر الأنوار، وأفكار 1789، التي شكّلت في حركة واحدة الوعي الديمقراطيّ الأوروبيّ كوعي مساواتي؟ أم أن الهند تمثّل من خلال ديمقراطيتها استمراراً للخط المناقض لعصر الأنوار، المساجل ضدّ وحدة الوعي الديمقراطيّ – المساواتيّ؟

في جواب سريع يمكن القول إن الهند أكبر انتصار للفكرة الديمقراطية خارج أوروبا والغرب في الزمن الحديث، وهي قبل كل شيء انتصار للقضية التنويرية الليبرالية الأساسية، وهي أنّ قيم التقدّم والمساواة والحرية قيم ينبغي إشاعتها في كل العالم. لكن بشكل خاطف أيضاً يمكن القول بأنّ الهند أكبر انتصار للخطّ الذي لا يرى في التراتبية نقيضاً للحداثة، بل الذي يرى فيها ما يحفظ المجتمعات من المغامرات العنيفة للنزعات المساواتية ومن نزعات التسريع القسري للتاريخ. وبهذا المعنى، فإن آباء الثورة المضادة للتنوير في الغرب، أي بيورك ودوبونالد ودوميستر، بإمكانهم التعرّف على بعض أفكارهم في تجربة الهند الحديثة.

فهل يمكن الحديث عن «تأليف نسقيّ ومأزقيّ» بين أفكار التنوير والتنوير المضاد يجد ارتكازاً له في تجربة الديمقراطية الهندية؟ هنا السؤال لا يمكن أن يطرح في المجرّد وإنمّا يفرض نفسه على كلّ تاريخ يُكتب للحركة الوطنية الهندية.

والحال أنّ هذا التاريخ لم يكن بعدُ يحاول أن يخطو باتجاه تفكيك السردية الرسمية التي صنعتها تدريجياً هذه الحركة عن نفسها، لا سيّما في تجربة حزب المؤتمر، وخصوصاً في مرحلة ما بعد الاستقلال، حتى جاءت مدرسة «نقد الاستشراق» ومن ثمّ مدرسة «ما بعد الكولونيالية» لإنقاذ السردية الرسمية عملياً. وفي هذا الإطار فإن المحاكمة التي أجراها إدوارد سعيد لكارل ماركس ولموقفه من الهند، يعد علامة فاصلة على تطوّع هاتين المدرستين لإنقاذ السردية الرسمية، وخصوصاً ثنائية أن هناك استعماراً يستبيح ويدمّر وأنّ هناك حركة وطنية تحرّر وتعمّر.

فأهم ما في موقف ماركس حول الهند رفض هذه الثنائية، ليس لأجل قلبها وجعل الاستعمار تحديثياً بطبيعته و/أو جعل الحركة الوطنية مقاومة للتحديث بطبيعتها، وإنّما للتفتيش في النموذج الهندي عن أسلوب مميّز لاشتغال الجدلية التاريخية. وإلى حد ما كان موقف ماركس من الهند، ومن الاصطدام الحاصل عملياً بين السيطرة العسكرية البريطانية من جهة وبين البنى الريفية التقليدية للاستبداد الشرقيّ، أقرب ما يكون إلى بعض ما أبدته الأوساط الوطنية الليبرالية في الهند، والذي تمكن مقارنته بما كتبه البراغماتيّ غوبال كريشنا غوكال في سجاله داخل الحركة الوطنية الهندية مع التيارات الأكثر تشدّداً.

وحركة التحرّر الهندية يمكنها طبعاً أن تصطنع تاريخاً أيديولوجيّاً رسميّاً رومانسيّاً لها، إلا أنّه ليس التاريخ الذي يمكن أن يصمد لحظة أمام الأرشيف. فثورة 1857 التي تعرف بـ«السيباي»، والتي بدأت كتمرّد جنود داخل الجيش الهندي – البريطانيّ ضدّ استخدام رصاص مطليّ بدهون حيوانية، كانت أكبر أزمة عاشتها الامبراطورية البريطانية. فالهندوس رفضوا استخدام الدهن البقريّ لأن البقرة مقدّسة. والمسلمون رفضوا استخدام الدهن الخنزيري لأن الخنزير نجس. هكذا اندلعت شرارة الثورة. الا ان الثورة نفسها لم تكن هندوسية – اسلامية، بل تطوّرت بسرعة كثورة اسلامية في اقاليم بعينها، وكإحياء لسلطنة دلهي المغوليّة. واحتاج البريطانيون لإخماد هذه الثورة إلى ترتيب وضعهم أهلياً في الهند مع جماعات على حساب أخرى. فـالسيخ وأهل البنجاب والغورخا كانوا على الطرف النقيض لثورة السيباي عام 1857، واليهم عُهد ببناء الجيش الكولونيالي الجديد بعد اخمادها فيما جرى تعريفهم حينها كـ«طبقات محاربة». ولسوف يصطدم البريطانيون بعد ذاك بعنف شديد مع السيخ، فيما تمارس الرواية الرسمية للحركة الوطنية القفز على كافة التعقيدات للوصل بين ثورة السيباي على البريطانيين وثورة السيخ عليهم، أي القيام بتجاوز التاريخ، في حين أن السيخ سوف يؤسسون لربط بين تاريخين، واحد متقاطع مع الإنكليز والثاني مصطدم بهم، وذلك لتطوير سرديتهم الرسمية كرابطة شبه قومية.

والإشكالية التي طبعت النضال ضدّ البريطانيين في الهند كانت دائماً التالية: ان أي خروج عن التصوّر «الكومنولثيّ» للعلاقة بين الهند وبريطانيا كان يؤدي إلى انقسام الهنود أنفسهم في ما بينهم. فأي منادٍ بـ«الاستقلال التام» كان سرعان ما ينقلب كلامه إلى المناداة بـ«هند للهندوس» أو بـ«هند للمسلمين»، ووحده التصوّر «الكومنولثيّ» للعلاقة بين الهند وبريطانيا كان يمكنه أن يصل الطابعين التوحيديّ والتحرّريّ للحركة الوطنية الهندية ببعضهما. فقد كان بمقدور هذا التصوّر وحده أن يعي أن التاريخ المشترك لم يكن يوماً تاريخ اندماج اجتماعيّ بين الهندوس والمسلمين في الهند، وأنّ المزج الثقافيّ الذي حدث في أيّام السلطان أكبر بقي ابن ساعته، بل قامت بعده ردّة إحيائية لا آخر لها بين مسلمي الهند، هي الردّة التأسيسية لكامل طروحات السلفية الإسلامية في شبه القارة الهندية.

والأمر أخطر من ذلك: فكلّما حصل خروج عن التصوّر «الكومنولثيّ» للعلاقة بين الهند وبريطانيا، حصل خروج عن حصر تهمة الاستعمار بالبريطانيين وحدهم لكي تصبح تهمة أهلية يتقاذفها الهندوس والمسلمون، بحيث وجد دائماً بين غلاة الهندوس من يعتبر أنّ الاستعمار البريطانيّ أتى مسبوقاً بالاستعمار الإسلاميّ.

بيد أن الجمع بين الطابعين التوحيديّ والتحرّريّ للحركة الوطنية لم يكن إرادياً، بل تمّ، بدوره، من خلال اعتماد ثنائية تفرّق بين ما هو رابطة دينية وما هو إتحاد قوميّ، وهي الثنائية التي عُممت على كل مكوّنات المجتمع الهنديّ. فالولاء للرابطة، أو ما يعرف في الهند بالكومونالية، هو ولاء لرابطة الدين كما لو كانت رابطة قومية غير جغرافية، بينما الولاء للاتحاد هو الولاء للهند كما لو كانت أمّة تامّة وعالماً قائماً بذاته. وعلى هذه الثنائية تقوم الدولة الأمّة في بلد ما كان لأبنائه أن يقتبسوا «اليعقوبية اللغوية» حتى لو أرادوا ذلك، نظراً للتعدّدية اللغوية التي لا حصر لها عندهم، ونظراً لأنّ اللغة الوحيدة التي يمكن أن تلعب دوراً توحيدياً – يعقوبياً، هي لغة المستعمِر، أي الإنكليزية. وبهذا المعنى، يكون الانتماء الوطنيّ في الهند انتماء، في مكان ما، بل في أماكن كثيرة، إلى التراث الاستعماريّ، واحتضاناً له، وتسلّحاً بطابعه التوحيديّ، وهذه علاقة لا تخفي بعضاً من أمومة.

وهذه «الرابطية» أو الكومونالية هي التي تسمح، كما لاحظ لوي دومون، بأن تكون الدولة الهندية علمانية، محايدة في الموضوع الديني، بحيث أنّه حتى الأصوليون الهندوس لا يرمون إلى جعل الهندوسية ديانة دولة. وبسبب هذه الازداوجية القائمة عند كل هنديّ، بين انتمائه إلى رابطة الدين «شبه القومية» وإلى الولاء القوميّ للاتحاد الهنديّ، ما عاد بالإمكان أن يلعب الدين دوراً في تشكيل مفهوم الأمة الهندية – الإتحادية عن نفسها، وأمكن بالتالي تحاشي «الثورة الحديثة»، أي تلك التي قامت في الغرب لتقليص دور الدين في تنظيم المجتمع وخياراته الثقافية والسياسية.

هذه الثنائية بين الانتماء إلى الدين كرابطة شبه قومية، وبين الانتماء إلى الاتحاد كرابطة قومية وفوق قومية، لم تكن ممكنة من دون ذاك التصوّر الكومنولثي الذي تبنته الحركة الوطنية الهندية، وبعدها الديمقراطية الفدرالية الهندية. لكن لهذه الثنائية أيضاً تاريخاً صعباً تختصره معادلة تتعلق باستقلال الهند عن بريطانيا الذي كان أيضاً، وفي الوقت نفسه، انفصالاً للقسم الأكبر من مسلمي الهند عنها، على ما حلّ مع قيام الباكستان.

وبخصوص ماركس، ليس صحيحاً أنّه برّر الاستعمار بحدّ ذاته: ذلك أنّه ظلّ يرفض أن يكون هناك شيء ثابت وشامل اسمه الاستعمار، وظلّ يفضّل الحديث عن «المستعمرات بالمعنى الحصريّ» كما كان يقول في «رأس المال»، أي المستعمرات لأجل الاستيطان السكانيّ، وعندما كان يتعدّى ذلك إلى مستعمرات الرّق والزراعات المدارية كان يشير إلى ذلك بالتخصيص أيضاً.

وهذا لا يعني أنّ الموقف الذي سلكه كان الموقف الأمثل، كما لا يعني نفي أنّ الاستعمار شكّل ظاهرة تاريخية حكمت علاقة الغرب الأوروبيّ ببقية العالم، وإنّما التنبّه إلى أنّ هذه الظاهرة ليس لها جوهر ثابت وسابق على تحقّقها التاريخيّ، والتنبّه من ثمّ إلى أن جزءاً أساسياً من عمل إدوارد سعيد كان البحث لهذه الظاهرة عن جوهر ثابت وقبْليّ (أبريوريّ)، من خلال مسألة الاستشراق. وهذا طبعاً، لا يسقط أهمية أخرى لعمل إدوارد سعيد، وتحديداً في فهمه للاستشراق كظاهرة أدبية وثقافية وإجتماعية تتجاوز النطاق الضيّق للمسافرين والمستشرقين. وهو ما ولّد بالفعل تأثيراً نقدياً ونقدياً - ذاتياً إيجابياً في الغرب، وفي فهمه أنّ السيطرة ما كانت لتكون كولونياليّة لولا الإسناد الاستشراقيّ لها، وهو ما له أن يولّد تأثيراً نقدياً ونقدياً ذاتياً في الشرق، بشرط القدرة على تفكير التطوّر التاريخي للمجتمعات بشكل جدليّ، ومقارن، يعتمد مرجعية المناهج الغربية بشكل أساسيّ، مع ما نفع من حواشي الشرقيين عليها!

إلا أنّ التأثير السلبيّ كان حاضراً أيضاً ومنذ البدء، وهو إشاعة مناخات لا آخر لها من «الأناكرونية» أو «اللازمنية»، أي المغالطة والإسقاط والفوضى الاصطلاحية والمفهومية في تناول التاريخ والربط بين أحداثه. فالأناكرونية - الأرشيفية سمحت لإدوارد سعيد بأن يبدو في مظهر من يُخرِج الأرشيف للاحتجاج به على التاريخ، كما سمحت، من قبل، للرواية الرسمية لأنظمة التحرر الوطني بأن تحتجّ بالتاريخ الأسطوريّ - الأيديولوجي على الأرشيف.

وفي لحظة كانت تتساقط فيها السرديات الرسمية للأنظمة العالمثالثية عن النضال الوطنيّ ضدّ الاستعمار، جاءت الثنائية الجديدة، المقترحة بدءاً من سعيد، والمعزّزة بأدبيات «ما بعد الكولونيالية»، لتقيم سردية أخرى، بدعوى الخروج من السرديتين الرسميتين الاستعمارية والوطنية – الرسمية، إنّما بهدف إنقاذ هذه الأخيرة. فالثنائية السعيدية جاءت بين استعمار هو في الأساس «جرح لم يزل» أو «جرح لم يندمل بعد» وبين «البوح بهذا الجرح» كأمر ما نزال نصبو اليه أو نتمرّن عليه ونعاني ما نعانيه في هذه السبيل كما لو كنا ننتظر وحياً. أي أنّ أبناء المستعمرات لم يتكلّموا بعد، فيما اقتصر سبب تهافت الروايات الرسمية لحركات التحّرر الوطنيّ على سطوة اللوغوس الغربي على الترتيب الداخلي الذي وضعته لنفسها، والمعالجة تكون دائماً بـ... البوح... ثم البوح.. عن الجرح الذي لا يندمل ولن يندمل... وهكذا!

وفي مقابل ثنائية الغمّ والنكد، أي «الجرح غير المندمل... والبوح الذي ينتظر»، تأتي التجربة التاريخية للديمقراطية الهندية لتذكّر بأنّ ثنائية الاقتباس عن أنظمة الغرب الدستورية والسياسية والسعي «للالتحاق» بها ليست بالضرورة ثنائية واهنة أو خاملة، بل يمكنها أن تكون بمثابة التجربة الحية لتعايش أفكار اصطدمت ببعضها البعض في تاريخ الحداثة الغربية، كمثل الاصطدام الحاصل في القرن التاسع عشر بين المراتبية والتراتبية من جهة، وبين المساواتية الحقوقية أو الاجتماعية من جهة أخرى. وهذا يعني بشكل من الأشكال أن الخيار ليس بين «مركزية أوروبية» وبين «مركزية آسيوية»، أو بين «مركزية أوروبية» ولامركزية بالمطلق، وإنّما تاريخ المركزية الأوروبية هو هو تاريخ توسّعها من جهة، وتخفيف مركزيتها من جهة أخرى من خلال التجاوز الاستيعابيّ، لكنْ الصعب، لنقائضها، وبالتالي فإن تاريخ اللامركزية الأوروبية هو تاريخ تحوّلها إلى لامركزية، كما أنّ تاريخ فكرة التقدّم هو تاريخ تمكّنها من استيعاب حركة توسّع اللامركزية الأوروبية.

إنّ التاريخ الحديث والمتباين بشدّة لبلدان مثل روسيا وأميركا واليابان وتركيا والهند، يبرز هذه الصفة للحداثة من حيث هي توحيد للعالم على قاعدة اللامركزية الأوروبية. وفكرة اللامركزية الأوروبية يمكن تطويرها أكثر لكي تصلح رداً مزدوجاً سواء على أولئك الذين يطاردون «المركزية الأوروبية» في كل شيء، أو أولئك الذين يفصلون بشكل جذريّ بين «التحديث» و«التغريب»، بدلاً من إجمالهما في جدلية تاريخية واحدة، هي جدلية اللا-مركزية الأوروبية.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬