خالد الدخيل

تأتي الأهمية الكبيرة للثورتين التونسية والمصرية من شيء واحد، وهو أن كل واحدة منهما أنزلت سؤال الحكم في الثقافة السياسية العربية من عليائه، وجعلت منه ما كان يفترض به أن يكونه منذ قرون طويلة: إشكالية تعود للناس، وذلك لتأثيرها المباشر على حياة الناس في حاضرهم ومستقبلهم، على أمنهم، وحقوقهم، ومعيشتهم اليومية، ولأنه يهم بكل متعلقاته وتداعياته أولاً الفرد المواطن.

أعادت الثورتان التونسية والمصرية سؤال الحكم إلى طبيعته: أن يكون أساًساً، ومنطلقاً، لعقد اجتماعي طرفه الأول الناس، والطرف الثاني الدولة. وإذا قدر لهذه المبادرة الكبيرة التي انطوت عليها الثورتان أن تترسخ، وأن تصبح مرجعية لثقافة سياسية جديدة للشعوب العربية، يصح القول عندها بأن ما اجترحته الثورة التونسية أولاً، ثم الثورة المصرية ثانياً، إنجاز تاريخي كبير، سيشكل علامة تاريخية فارقة لكل منهما أولاً، وللعالم العربي ثانياً.

ربما أصابت الدهشة البعض من السرعة المفاجئة التي انفجرت فيها الثورة الشعبية، والحجم الهائل الذي أخذته في فترة زمنية قصيرة، ثم السرعة التي تهاوى فيها إثنان من أعتى الأنظمة السياسية في المنطقة أمام تيارها الجارف في تونس ثم في مصر. لكن السرعة التي بدت وتبدو عليها هذه الثورة حالياً قد لا تكون في عمقها كذلك، إذا أخذنا في الاعتبار حقيقة أن الشعوب العربية صبرت على تهميشها سياسياً، وعلى حرمانها من حقوقها الإنسانية والسياسية والاقتصادية، وعلى إخضاعها لنظام أمني قمعي تميز باستبداد سافر، على مدى قرون مديدة.

فالثورة الشعبية الحالية انفجار لتراكمات هائلة من الظلم، والحرمان، والتهميش. وبالتالي يمكن القول بأنها ربما تأخرت كثيراً، وأن الشعوب صبرت على أنظمتها السياسية طويلاً بأكثر مما كان ينبغي لها أن تصبر. من هذه الزاوية، يُرجّح أن يكون السر في ما تبدو عليه الثورة من سرعة في فعلها، وفي انتشارها، عائداً في الأساس إلى انفجارها بحد ذاته على حين غرة، ولأول مرة في التاريخ العربي منذ بزوغ الإسلام في النصف الأول من القرن السابع الميلادي. وبما أن الثورة بمعناها العلمي هي إسقاط النظام السياسي بكل متعلقاته الاجتماعية والسياسية، واستبداله بنظام مختلف في أسسه وقيمه وتوجهاته، فإنها تتعلق دائماً، وبشكل مباشر، بمسألة الحكم.

فالهدف المعلن للانتفاضات الشعبية التي تعصف بالعالم العربي هذه الأيام هو إسقاط الأنظمة السياسية التي بقيت تحكم لعقود طويلة، والعمل على استبدالها بأنظمة تعترف بأن الشعب طرف أساسي في إعادة تأسيسها، ومن ثم طرف في العملية السياسية. وهذا ينطوي على طموح كبير يستهدف إعادة صياغة «مسألة الحكم» من كونها مسألة تخص الطبقة الحاكمة، ومعها أهل الحل والعقد، إلى مسألة تهم بالقدر نفسه من الأهمية الشعب بكل فئاته ومكوناته.

وتنبع الأهمية القصوى لهذا الطرح الجديد على يد الانتفاضات أو الثورات الشعبية العربية من أنها تعيد طرح سؤال الحكم بقوة وجرأة غير مسبوقتين بعدما تم تغييبه طوال القرون الماضية. ومن المعروف أن هذا السؤال أهم وأخطر الأسئلة في حياة أية أمة. وهو يتكون من أربع إشكاليات أساسية لا مناص في الأخير من مواجهتها.

الإشكاليات الأربع هي: من يتولى الحكم؟ وكيف، أو بأية آلية يتولى الحكم؟ وماهي حدود سلطات من يتولاه؟ وماهي المدة المحددة لبقائه في سدته؟

هذه إشكاليات بسيطة في منطوقها، لكنها في مضامينها وآثارها السياسية القريبة والبعيدة، أكثر تعقيداً مما تبدو عليه. ذلك لأنها إشكاليات تنطوي على جوانب قانونية، ومعطيات ثقافية وتاريخية، وتتعلق بحقوق إنسانية وسياسية يشترك فيها الجميع. ومن هنا فإن بقاء هذه الإشكاليات غامضة، من دون إجابة واضحة ومقننة، يتحقق لها حد أدنى من الإجماع، سوف يبقي سؤال الحكم معلقاً في الهواء من دون حل. وعندما يبقى سؤال في هذ الحجم، وعلى هذه الخطورة، معلقاً من دون إجابة واضحة تحظى بالقبول، فهذا مؤشر على الاستبداد، وضياع الحقوق، وعلى تداخل العام بالخاص، والقانون بالهوى السياسي. وهذا تحديداً هو المآل الذي انتهى إليه هذا السؤال المركزي في العالم العربي.

من ناحية ثانية، سؤال الحكم جزء لا يتجزأ من مسألة الحكم في شكلها العام، لكنه يختلف عنها من حيث إنه يتعلق بإشكاليات لا تنفك عن كونها مصدراً للاختلاف، وللصراع في الكثير من الأحيان. هذا في حين أن مسألة الحكم بذاتها، ومن حيث إنها تشير إلى ضرورة أن يكون هناك حكم يضبط الأمور في المجتمع، لم تكن يوما موضع اختلاف. ولعل التمييز بين هاتين الإشكاليتين يبرز في أوضح صوره في الحالة السياسية العربية. فالإجماع في إطار هذه الحالة متحقق منذ القدم على ضرورة أن يكون هناك حكم، خاصة بعد ظهور الإسلام وارتباط هذه الضرورة برأي ديني يؤكد أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال، وتحت أي ظرف من الظروف، أن يبقى الناس من دون حاكم، أو مؤسسة حاكمة يستظلون بظلها أكثر من ثلاثة أيام. أما بالنسبة لسؤال الحكم في إطار الحالة العربية، فقد كان ولا يزال على العكس من ذلك تماماً.

هنا، لم يقتصر السؤال على كونه مصدراً للاختلاف وحسب، بل كثيراً ما تسبب في صراعات دموية، وحروب أهلية لم يكن من السهل وضع حد لها. وقد ترتب على ذلك أن صارت القدرة على حسم ميزان القوى، وحسم الخلاف بالقوة، الآلية التي فرضت شرعيتها أكثر من غيرها على الواقع السياسي العربي، وبالتالي داخل الثقافة السياسية العربية.

لقد كانت أولى الحروب الأهلية في التاريخ العربي، وأكثرها إيلاماً، ما يعرف في التراث الإسلامي بـ«الفتنة الكبرى» التي عصفت بالخلافة الراشدة في أعقاب مقتل الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان. وبعد أن انتهت هذه الحرب بقيام الدولة الأموية، تم التواضع على أن أنجع السبل لتحقيق الإجماع حول مبدأ ضرورة الحكم هو القبول بمبدأ القوة والغلبة كخيار شرعي لتحقيق هذا المبدأ على أرض الواقع. وهذه رؤية تبدو إذعاناً لمقتضى الواقعية السياسية، لكنها واقعية جنحت في تطرفها إلى درجة أنها أحلَّت الواقع محل النظرية. ومن ثم صارت وظيفة النظرية لا تتجاوز كثيراً تبرير الواقع مهما كانت درجة انحرافه، وذلك بهدف تخفيف وطأته، بدلاً من تفسيره والعمل على تغييره.

من ناحية نظرية، يقول الفقهاء بأن هناك أكثر من طريقة لنصب الإمام أو الحاكم، وكلها جائزة شرعاً. من هذه الطرق: الاختيار (الانتخاب)، أو الاستخلاف، أو النص، أو القهر والغلبة. وتاريخياً يمكن القول بأنه لم يحصل الاختيار الطوعي للحاكم إلا في حالة واحدة، وهي عندما اختار مجتمع المدينة أبا بكر الصدّيق في السقيفة كأول خليفة للنبي محمد بعد وفاته. أما بالنسبة للنص، فإن هناك إجماعاً إسلامياً خارج حدود المذهب الشيعي، على أن الرسول توفي وهو لم يوصِ لأحد من بعده بالخلافة. يعزز ذلك أن القرآن صمت تماماً، وبشكل لافت، عن مسألة الحكم، وعن الصيغة التي يجب أن يكون عليها، أو طريقة اختيار الحاكم. فالقرآن لم يتناول مسألة الحكم إلا من زاويتين: التأكيد على أهمية الشورى، كما في القرآن «وأمرهم شورى بينهم»، والتأكيد على ضرورة طاعة ولي الأمر(الحاكم)، كما جاء في سورة النساء «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم».

ومن الواضح هنا أن طاعة ولي الأمر تعتبر جزءاً من طاعة الله ورسوله. لكن هناك شيئاً من عدم الانسجام بين الحض على الشورى من ناحية، والأمر بطاعة ولي الأمر من ناحية ثانية. هذا بالإضافة إلى أن الفقهاء انقسموا حول ما إذا كانت الشورى ملزمة لولي الأمر، أم أنها معلمة وحسب، ومن ثم فهي غير ملزمة.

تتبقى بعد ذلك طريقتا الاستخلاف والقهر. ولأن الاستخلاف غير ممكن ما لم يكن مدعوماً بالقوة والقدرة على الفرض، فإنه لم يتبقّ عملياً غير خيار «القهر والغلبة». وهو الطريقة التي سادت في التاريخ السياسي العربي لتبادل السلطة منذ نهاية الفتنة أواخر النصف الأول من القرن الهجري الأول. وللتأسيس الشرعي لهذا التوجه السياسي عمل الفقهاء منذ العصر الأموي على حشد الكثير من الآيات والأحاديث، مشفوعة بتخريجات فقهية لا تخلو من ميول وتوجهات أيديولوجية واضحة. من ذلك الآية التي سبقت الإشارة إليها من سورة النساء «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم...». ومن الأحاديث قول الرسول: «على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية...». وقد اختصر ابن تيمية هذا التوجه حول شرعية الحاكم على أساس من معيار القدرة والقوة بقوله: «والقدرة على سياسة الناس إما بطاعتهم له، وإما بقهره لهم. فمتى صار قادراً على سياستهم بطاعتهم، أو بقهره، فهو ذو سلطان مطاع...»، واستشهد على ذلك بقول الإمام أحمد: «ومن ولي الخلافة فأجمع عليه الناس ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين فدفع الصدقات إليه جائز، براً كان أو فاجراً». وحسب أبو يعلى بن الفراء أن أحمد قال: «ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، براً كان أو فاجراً».

والمفارقة أن هذا الإجماع المتحقق على ضرورة الحكم، لم يمتد ليشمل القبول بشرعية «القهر والغلبة»، ومن ثم لم يتحقق في أي إطار سياسي عربي في القديم أو الحديث، بالنسبة لمن يملك الحق في تولي هذا الحكم الذي يتفق الجميع على أهميته وخطورته.

ولعل أزمة الشرعية التي تعاني منها الدول العربية الحديثة، وحالة الضعف السياسي العربي التي استبدت بالجميع، نتاج طبيعي لتلك المفارقة التي تجمع بين إيمان بضرورة الحكم من ناحية، وارتباك أمام إشكالياته الأولية، من ناحية أخرى.

فمن الواضح أن الإقرار بشرعية الاستيلاء على الحكم بالقوة يتضمن إعطاء الأهمية القصوى لوحدة الجماعة، وتجنيبها الوقوع في الفتنة، على حساب العدل والحرية، وحق الجماعة في الاختيار. وهو الأمر الذي ترتب عليه عملياً ترك السؤال عمن يحق له تولي الحكم خارج إرادة الأمة مفتوحاً على كل الاحتمالات. وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى سؤال الحكم بعناصره الأربعة.

وربما كان من الضروري هنا تتبُّع شيء من الخلفية التاريخية لهذه الإشكالية، وذلك بطرح سؤال بسيط ومباشر، لكنه ذو صلة: متى فرض سؤال الحكم نفسه على العرب لأول مرة؟ حسب المصادر التاريخية، فإن أول مرة تداول فيها العرب هذا السؤال كانت في سقيفة بني ساعدة في المدينة المنورة. كان ذلك في اليوم الذي انتقل فيه النبي محمد إلى الرفيق الأعلى، وهو على أرجح الأقوال يوم 12 ربيع الأول من السنة الحادية عشر للهجرة (631 م). وينقل شيخ المؤرخين، أبو جعفر الطبري، عن عمر بن الخطاب عبر سلسلة من الرواة، روايته لما حدث في السقيفة هكذا: «كان من خبرنا حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن علياً والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة، وتخلفت عنّا الأنصار بأسرها، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر. فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم... قال: فأتيناهم وهم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة. فقام رجل منهم فحمد الله، وقال: أما بعد فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر قريش رهط نبينا، وقد دفت إلينا من قومكم دافة. قال: فلما رأيتهم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، ويغصبونا الأمر، وقد كنت زورت في نفسي مقالة أقدمها بين يدي أبي بكر، فلما أردت أن أتكلم، قال [أبو بكر]: على رسلك. فكرهت أن أعصيه. فقام فحمد الله وأثنى عليه... وقال: أما بعد يا معشر الأنصار، فإنكم لا تذكرون منكم فضلا إلا وأنتم له أهل، وإن العرب لا تعرف هذا الأمر [الحكم] إلا لهذا الحي من قريش؛ وهم أوسط العرب داراً ونسباً... فلما قضى أبو بكر كلامه قام منهم رجل، فقال: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش. قال [عمر]: فإرتفعت الأصوات، وكثر اللغط، فلما أشفقت الاختلاف قلت لأبي بكر: إبسط يدك أبايعك. فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون، وبايعه الأنصار ...» (تاريخ الطبري، ج3، ص205-206).

فتؤكد رواية الطبري، وغيره من المؤرخين، أن عمر سؤال الحكم في الثقافة السياسية العربية تجاوز الآن أربعة عشر قرناً، وهذه الحقيقة تمثل بحد ذاتها جانباً مضيئاً يعكس أن هذه الثقافة كانت في يوم ما مهيأة لمواجهة أسّ الأسئلة التاريخية. يعزز ذلك أن رواية الطبري لحدث في أهمية وخطورة الاختلاف على الحكم كانت لا تتميز فقط بسلاستها، ومتانة لغتها التي تدهشك بسهولتها في الوقت نفسه، وإنما بتركيزها الضوء بشكل لافت على البعد السياسي الصرف للخلاف الذي ثار حول القضية التي فرضت نفسها على الجميع آنذاك. وهو ما يدل على أن ما حدث في السقيفة، رغم أنه لم يخلُ من مواجهات حادة، ومن تراشق أخذ أحيانا منحى عنيفا، كان طبيعياً، ومتوقعاً لأهل ذلك الزمان.

لكن ما يجب التوقف عنده ملياً في هذا السياق أن اجتماع السقيفة، على أهميته وسابقته السياسية، لم يتناول إلا العنصر الأول من سؤال الحكم، أو: من الذي يحق له خلافة رسول الله في تولي أمر المسلمين. ولا تختلف الروايات التاريخية الأخرى عن تلك الفترة عما ذكره الطبري من أن الخلاف بين المجتمعين انحصر حول هذه المسألة تحديداً: هل يكون الخليفة من المهاجرين أم من الأنصار؟ ومما زاد الأمر إرباكا أن الرسول توفي ولم يعهد بشكل مباشر لأحد من بعده. يذكر الطبري أن الرسول قال أثناء مرضه الذي توفي فيه: «أفرغوا علي من سبع قرب من سبع آبار شتى، لعلي أخرج إلى الناس فأعهد إليهم» (المصدر نفسه، ص 194)، لكن هذا لم يحصل. وهو في ذلك لم يتجاوز كثيرا حدود طرح السؤال.

وهذه عناصر أساسية تتفرع عنها مسائل وقضايا فرعية أخرى لا تهمنا هنا. وبذلك يكون الرسول قد ترك للناس سعة من أمرهم في تقرير أمورهم السياسية. لكن الذي حدث عبر التاريخ الإسلامي أن الأمور أخذت تضيق بدل أن تتسع. والدليل أنه منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا بقي السؤال معلقاً في سماء الثقافة العربية من دون إجابة واضحة ملزمة تحقق الإجماع داخل أي من الكيانات السياسية التي نشأت بعد ظهور الإسلام. وهذا التعليق المديد لسؤال كهذا مؤشر على مدى تخلف هذه الثقافة عن الوصول إلى مرحلة نضجها السياسي. والأسوأ أنه دليل على أن الثقافة تلك انغلقت على ذاتها وأضحت منذ ذلك الحين تدور في حلقة مفرغة تعيد إنتاج نفسها طوال تلك القرون المديدة.

وربما كان من الطبيعي بالنسبة لمجتمع بسيط في القرن السابع الميلادي، حديث عهد بأمر الدولة، أن لا يتناول العناصر الأخرى لسؤال الحكم، فضلاً عن أنه لم يكن هناك معيار واضح ومتفق عليه كأساس لاختيار الخليفة: هل هو معيار الدين أم معيار القبيلة؟ ثم إن أسئلة أخرى لم يكن وارداً آنذاك تناولها بشكل متعمد ومباشر، كمثل العلاقة بين الدين وكل من القبيلة والدولة، والسياسة، كما نعرفها في أيامنا هذه. فمن الطبيعي أن هذه وغيرها من الأسئلة كانت ملتبسة ومتداخلة بشكل يصعب في حينه التمييز بينها. ومن الواضح مثلاً أن عامل «السابقة في الدين» كان حاسماً في من يجب أن يكون الخليفة. لكن هذا العامل كان يتوفر في أناس كثيرين، خاصة من بين المهاجرين. وهذا الالتباس وعدم الوضوح يكشف عنه الجدل الذي امتد في السقيفة لوقت غير قصير، وارتفعت حدته أحياناً إلى درجة استخدمت فيها عبارات التهديد والوعيد بين بعض المشاركين من الطرفين. بل إن حضور الدين والقبيلة في الخلاف قابله غياب واضح للبعد القانوني لعملية سياسية لا يمكن ضبطها إلا بالقانون، مما يكشف أيضا حالة البساطة والالتباس ذاتها.

وفي كل الأحوال لعب العامل السياسي بشكله القبَلي دوراً واضحاً في حسم الخلاف لصالح المهاجرين. لكن الملاحظة المهمة التي لا بدّ منها هنا هي أن الرسول لم يوصِ لأحد من بني هاشم، وأن أبا بكر لم يوص لأحد من أولاده أو لأحد من قبيلته تيم، وأن عمر لم يوص أيضاً لأحد من أولاده، أو لأحد من قبيلته عدي، بالخلافة. وهذا يعني أن القبيلة كانت تمارس حضورها وفعاليتها في إطار أيديولوجيا الدين الجديد.

وهناك أيضا اختلاف الطريقة التي تسلّم بها كل واحد من الخلفاء الراشدين منصب الخلافة. وإزاء ذلك يمكن القول إن التجربة السياسية الإسلامية في مراحلها الأولى سارت في طريقة تراكمية كان من الممكن أن تفضي إلى إفساح المجال أمام طرح العناصر الأخرى لسؤال الحكم، وهي العناصر التي لم تكن مطروحة في السقيفة. فهل يمكن القول، بالتالي، إن الفتنة التي انفجرت في عهد الخليفة عثمان بن عفان، وانتهت باغتياله على يد الثوار، جاءت نتيجة لعدم تناول تلك العناصر ومواجهتها بشكل مباشر؟

مهما يكن من أمر هذا السؤال المهمّ، فإنه مع بداية الخلافة الأموية تم حسم إشكالية العنصر الأول من سؤال الحكم لصالح القبيلة، فيما استبُعدت عناصر السؤال الأخرى من التداول، لتمتنع عن الطرح في الثقافة السياسية العربية حتى يومنا هذا. وهذا أمر غريب لأن القبيلة رغم تصدع بنيتها، بفعل عمليات الهجرة والاستقرار المستمرة، وبفعل سيطرة الدولة، استطاعت، ولزمن طويل، أن تحتفظ بأيديولوجيتها داخل بناء هذه الدولة. وهو غريب أيضاً لأن في ذلك تضافراً بين أيديولوجيا الدين وأيديولوجيا القبيلة. لكنْ ما دام أنّ سؤال الحكم هو أسّ الأسئلة التاريخية، لم يكن من الممكن سحبه من التداول وإفراغ الثقافة السياسية منه. كل ما حصل أنه تم تجاهله والسكوت عنه: تجاهلته الحكومات والنخب السياسية والدينية، أو أهل الحل والعقد، كما فرضت على الجميع السكوت عنه وتجاهله، بالقوة أحياناً، وبالمجادلة أحياناً أخرى، إلى أن أصبحت، مع الوقت، محاولة تداوله في العلن، أو محاولة إعادة طرحه من جديد، مدعاة للاتهام بالخروج على الجماعة، أو مطية للقفز على السلطة. ومع الوقت تحول هذا الموقف الفاسد إلى قيمة ثقافية سياسية تهتدي بها الأغلبية الساحقة من العرب عند مواجهتها لسؤال الحكم.

وهي مواجهة لا تحدث غالباً في العلن، بل في لقاءات واجتماعات خاصة ومحفوفة. أمّا إذا ما حصل وتمّت مواجهة السؤال علناً، تمّ ذلك عادة عبر استخدام عبارات ومفاهيم عامة وغير محدّدة أو خاصة (كما هي حال هذه المقالة).

فالشائع أن الإسلام يقوم على الرحمة والعدل والمساواة، ويستند إلى منهج المجادلة بالحسنى. لكن الواقع السياسي للمجتمعات الاسلامية ظل في حالة تناقض مع ذلك. وهو أمر أدركه الفقهاء والمؤرخون: فابن خلدون، مثلاً، يقول إن الدولة تقوم في الأساس على القوة والعصبية، وليس على المشورة والمساواة في الحقوق، وأن الدين، في هذه الحالة، عامل مساعد يضيف إلى قوة العصبية لكنه لا يغير مجراها. والفقهاء يؤكدون أن أساس شرعية الحكم هو القوة، أو الاستطاعة على درء الفتنة. ومع أنه يجب عدم طاعة الحاكم الذي يأمر بمعصية، يبقى أنّ أمره بالمعصية لا يوجب الخروج عليه. بل حتى لو ثبت كفر الحاكم فإنه لايجوز الخروج عليه إلا بشرط توفر القدرة والاستطاعة.

فالقوة والقهر، إذاً، هما الأساس في معادلة الحكم في التاريخ الإسلامي، وليس العدل والمساواة والمجادلة بالحسنى. وإلى هنا يتناقض الواقع مع الإيديولوجيا في التاريخ السياسي الإسلامي، وهذا أمر طبيعي، لكن ما ليس طبيعياً هو القدرة الثقافية الهائلة للمجتمعات الإسلامية على تجاهل، وعدم الاعتراف، بهذا التناقض، وعلى تجاهل خطورته.

إنّ موقف الفقهاء من هذه المسألة يتسم بواقعية واضحة، بل مفرطة أحياناً. وهذا ينم عن إحساس مرهف بدقة معادلة الحكم الإسلامية وهشاشتها، وبالتالي قابليتها للعطب. لقد كان عبد الله العروي محقّاَ عندما قال: «من السهل اليوم أن نرميهم [الفقهاء] بالوصولية والذرائعية دون أن ننتبه إلى ما في موقفهم من شجاعة... إذ يحاولون محاربة اليأس المتسرب إلى النفوس والمؤدي إلى انهيار الدولة، وربما اندثار الإسلام».

ولا شك في أن الانفجار المفاجئ والمدهش للثورات الشعبية في أنحاء العالم العربي هذه الأيام يمثل مناسبة للحديث عن سؤال الحكم. لكنْ يبقى هناك أكثر من مناسبة، أولها وأهمها أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يكون العرب من أوائل من طرح سؤال الحكم، ثم صاروا أول من يتخلى عنه ويتركه من دون إجابة تخصّهم هم.

فلماذا بقي هذا السؤال الخطير من دون إجابة في الثقافة العربية لمدة تتجاوز أربعة عشر قرناً؟ وأمام مثل هذا السؤال لا يجوز للعرب أن يحمّلوا الآخرين مسؤولية تخلفهم، بل عليهم أن يواجهوا أنفسهم أولاً، وثانياً تجربتنا السياسية التي تلحّ على ضرورة طرحه مجدداً، ومن دون مواربة. أمّا ثالثاً، فقد بلغ أن وضعنا السياسي العربي من السوء أنه أضحى موضوعاً للآخرين يفكرون فيه بالنيابة عنا، ويخططون لتغييره حسب مصالحهم رغماً عنا، على ما حصل في الغزو الأميركي للعراق.

فليس للثورة الشعبية في تونس، ثم في مصر، شبيه في تاريخ العرب. الاستثناء من ذلك كان الانتفاضة الشعبية التي انتهت بمقتل الخليفة الراشدي الرابع عثمان ابن عفان. أي أن المسافة الزمنية بين الانتفاضة الشعبية الأولى، والانتفاضة الثانية والحالية تمتد لأكثر من 1400 سنة. وهذا يشير، مجدداً، إلى أن الدولة العربية الإسلامية، في مختلف مراحلها، وبمختلف توجهاتها، اتفقت على شيء واحد نجحت في تحقيقه بدرجة كبيرة، هو إخراج الشعب من العملية السياسية تحت مبررات وشعارات مختلفة، من أبرزها تفادي تكرار الفتن، أو الحرب الأهلية التي انفجرت بعد مقتل الخليفة الثالث.

وكما في تلك الانتفاضة، تمسكت جماهير الانتفاضة الراهنة بتنحي رئيس الدولة كشرط لا بد منه لإنهاء الانحرافات والمظالم التي أنزلتها الدولة بالناس.

لقد قبلت الشعوب العربية والإسلامية نظرية الفقهاء عن الفتنة، وأخرجت نفسها من العملية السياسية. لكن ذلك لم يؤدّ إلا إلى مزيد الاستبداد والظلم والفساد، وانحدار الناس إلى حالة يرثى لها من البؤس والفقر والخوف. والأنكى والأسوأ أن هذا انتهى بمكاسب مادية للحاكم وبطانته، لكنه انتهى أيضا بضعف الدولة ووهنها في الداخل والخارج معاً.

وليس هناك من علاقة، أقلّه على مستوى الوعي، بين الانتفاضتين، الأولى والثانية. فالمسافة الزمنية الشاسعة التي تفصل بينهما تعني فروقاً كبيرة جداً بين الإطار التاريخي والسياسي لكل منهما. لكن فكرة الانتفاضة عادت مرة أخرى، من غير أن تكون متصلة بالانتفاضة الأولى. لقد عادت كرد فعل على النتائج الاقتصادية والسياسية والثقافية الكارثية التي تمخض عنها الالتزام بنظرية الفتنة. فكأن الشباب الذين انتفضوا، وأطلقوا شرارة الثورة في شوارع تونس، وشوارع مصر، أرادوا أن يقولوا للشعوب: أعيدوا طرح سؤال الحكم بكل عناصره ومستتبعاته، ثم استعيدوه من الحكام والفقهاء.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬