فادي طفيلي

بين 2002 و2004، حين حللت فيه ساكناً، ظلّ شارعنا مستقرّاً في شكله وكتل مبانيه. فهو الذي يحدّہ من الجنوب بيت قديم من طابقين يمثّل عمارة القرن التاسع عشر في بيروت، ومن الشمال شارع رئيسي متعامد معه، ثمّ شارع مكمّل له يفضي إلى مبنى خفيض بطابق أرضي واحد يفصله عن البحر، لم يفقد منذ السبعينات أيّاً من مبانيه ولم يغيّر شكله، على ما لا ينفكّ كلّ شيء في هذه المدينة عن فعله.

في طرف الشارع الغربي، وعلى مقربة من البيت القديم الكبير، ثمّة بيت قديم آخر، صغير بطبقة أرضيّة واحدة وسقف قرميديّ وحديقة صغيرة خربة ومهملة. عند باب البيت الصغير، على الجدار المحاذي للباب، كتبت المرأة التي كانت قد سكنته، وقبل مغادرتها مسلّمة إيّاه للهجر والغبار، رسالة بقلم رصاص تعبّر فيها عن وفائها للحيّ السكني ولبعض الأشخاص ممن عرفتهم وصادقتهم وربّما شاركتهم السكن في الجوار ذاته. رسالتها تلك تضمّنت أسماء أولى لإناث وذكور لا يمكن تحديد أعمارهم. كما أنّ عمرهاهي بقي مجهولاًً وغفلاًً، حيث لم تذيّل رسالتها الرصاصيّة سوى باسمها الأوّل: مريم، وقد كتبته بالأحرف اللاتينيّة Mariam، وبتاريخ كتابتها الرسالة وببعض الرسومات التي برز منها قلبٌ ملتو ٍ وورود عدّة وزّعتهابين الأسطر والعبارات.

من غير المؤكّد ما إذا كانت مريم قد كتبت رسالتها الجداريّة المنمنمة تلك حين غادرت، إذ أن 1991 الذي يظهر في ذيل رسالتها واضحاً كان في بيروت عام مغادرة وعودة، على حدّ سواء. فقد تكون مريم غادرت خلال العقد السابق للتسعينات، ذاك الذي كان في بيروت عقد مغادرة صرفاً. ثمّ عادت في التسعينات لتزور البيت زيارة عابرة، كاتبة في أثناء زيارتها ومرورها عليه كلماتها القليلة على جداره الخارجي. لكنّ المؤكّد أن مريم قامت، من خلال كلماتها وخربشات قلم رصاصها، بتحويل الجدار الخارجي لبيتها، الجدار المحاذي لباب المدخل، إلى ورقة تذكار حميمة، كتلك الأوراق التي يتركها التلاميذ في دفاترهم وكتبهم حين يودعون الأخيرة صناديق الحفظ أو الرفوف العالية (أو الخفيضة) في مكتبات بيوتهم العائليّة. ورقة من أوراق دفاتر "الأوتوغراف" القديمة التي كان التلاميذ والمراهقون يتبادلون كلماتهم التذكاريّة على صفحاتها. ورقة للذكرى محفوظة بين دفّتي كتاب.

الجدار الخارجي لبيت مريم غدا، إذ أودعت رسالتها عليه، شيئاً داخليّاً كمثل غرض حميم من أغراض الأدراج والصناديق والعلب والعليّات والغرف السفليّة المعتمة التي لا يُتلفها أصحابها لكونها من أشيائهم الحميمة، بل يودعونها هناك، في صناديق الزمن.

***

الأبنية والبيوت والجدران والأبواب والمداخل جميعها في شارعنا، المهمل والمهجور منها أو المأهول، كما المقفل والمفتوح، هي كجدار بيت مريم: أغراض حميمة تحاكي رسائل أوتوغراف رقّقها الزمن. الثبات بالنسبة إليها، ومنذ أعوام التسعينات، لم يعد أمراً مألوفاً. إذ أن فكرة إبقاء شارع على مبانيه العائدة إلى حقب سالفة لتمثّل شكله ومجمل بنيته، لم تعد فكرة بيروتيّة. أو أنّها لم تعد فكرة لبيروت التي أعرفها وأعيها، البادية على الدوام كما لو أنّها تسعى لأمر ليس فيها وليس أمامها بالضرورة. فالثبات هنا، ولاستثنائيّته، بات له مع الزمن وصفة سحريّة ترقّق الأشياء وتقلبها رأساً على عقب،محيلة الخارجي منها إلى داخلي، والظاهر إلى باطن. والأمر يحدث في أحيان كثيرة دون أن ينتبه أحد، بخفّةِ السحر، عبر خربشات قليلة مثلاً تشبه خربشات قلم رصاص مريم.

والحال أنّ شارعنا، بثباته هذا، لا يبدو شارعاً بيروتيّاً بالتمام. ثباته السحريّ المقيم فيه منذ عقود كأنّه راح يبعده عن بيروت، أو ينزله إلى قعرها وزوايا طبقاتها السفليّة الخبيئة، جاعلاً إيّاه أمام إيقاع المدينة المسعور والمثابر نحو شيء ما لم نصره بعد، شارعاً يقوم بتصريف فورانه المرتبط بالعيش اليومي في مسالك عمرانه، دونما حاجة إلى مسالك جديدة إضافيّة.

***

سوى البيت الكبير عند حدود الشارع من جهة الجنوب، المحاذي لجدار مريم وصفحة ذكرياتها، ذلك البيت المتهالك والمهجور والمحتل ليصير مركزاً لعناصر ميليشيا محليّة، فإن مجمل ما تبقى من مبان على طرفي شارعنا يعود إلى عقدي الخمسينات والستينات. بنايات سكنيّة من سبعة أدوار لا تزال تضمّ سكاناً، وأخرى تضمّ شققاً مفروشة غدت خالية ومخرّبة. وثمّة بناية تضمّ شركة كبرى ومكاتب، وبناية ضخمة أخرى يسمّيها جاري "حيّاً كاملاً" قائماً بذاته، تضمّ إلى جانب شققها المؤجّرة وتلك الخالية والمهجورة، "بانسيوناً" رخيصاً للعمّال والسيّاح الجوالين المستكشفين.

وهناك بناية تضمّ إلى شققها السكنيّة، وفي دورها الأوّل، مطعماً إيطالياً ملتبس الدوام، يفتح في أيّام ويقفل في أخرى على نحو غير منضبط ومن دون لافتة توضح برنامجه في الفتح والإغلاق.

كما هناك في شارعنا فندقان أحدهما في الجزء الوسطي منه، والثاني قيد الإنشاء عند حدود الشارع من جهة الشمال. وثمّة أيضاً موقف كبير للسيّارات يستخدمه السكّان وموظفو الفندقين والشركة وزبائن المطعم ذي الدوام الملتبس، وغيرهم، لركن سيّاراتهم. إنّه موقف السيّارات عينه الذي "قد يصبح مقبرة في يوم من الأيّام"، على ما كتبت مرّة في إحدى القصائد، قالباً ظاهر ما تراه عيناي إلى باطن وخالطاً على نحو غير متعمّد بين فسحات السكن الكثيف التي تصيرها مواقف السيّارات عندما تُنشأ فيها الأبنية السكنيّة الضخمة وبين فسحات الفناء التي تمثّلها المقابر. كان ذلك بمثابة محاولة منّي للكتابة عن أشياء لا أفهم منطق صيرورتها لشدّة ما تحويه من عوالم محجوبة سريعة التحوّل، فأسمّي ما أكتبه عنها شعراً.

المحال التجاريّة في شارعنا، ومنذ أن حللت فيه ساكناً للمرّة الأولى بين 2002 و2004، ظلّت قليلة جدّاً. هو ليس شارعاً تجارياً على ما يمكن القول. إذ أن المتاجر المتوفّرة في مجمل الطوابق الأرضيّة لبناياته بقيت مقفلة في معظمها، ولم يسبق لي أن رأيتها بغير حالتها هذه.

كلّ شيء مقفل، باستثناء مكتبين للسفريات ومطعم للمشاوي ومحلّ للسمانة متوسّط الحجم ودكّان صغير ومحلّ آخر شبه خال ٍ سوى من بعض المعلّبات وصاج للمناقيش. الأمر أدّى إلى هدوء غريب في الشارع يناقض مواقيت الهدوء في الشوارع البيروتيّة الأخرى، وتحديداً تلك النادرة منها المتميّزة ببعض السكينة. فعلى عكس الحال في هذه الأخيرة، يُنهي شارعنا سكينته عند العاشرة ليلاً، أو أحياناً عند منتصف الليل، وينقلب رأساً على عقب.

إذّ ذاك حين ينقلب مع إيغال الليل، وعلى نحو فجائي لا مقدّمات له، يغدو شارعاً صاخباً ضاجّاً بحياة لا يصدر منها سوى إيقاعات باطنيّة تخرج من تحت الأرض، ولا يظهر منها سوى سيّارات سوداء من طرز حديثة تودع ركّابها الشبحيين في جوف أمكنة خافتة الأضواء لم يكن ليظهر منها في النهار سوى أبواب قديمة موصدة توحي بهجران أزلي مقيم. حين كنت أقف على الشرفة لأراقب الشارع ليلاً، كنت أشعر أنّي ابتعدت وصرت في مكان آخر. وإذ كان يتراءى لي من الشرفة محل السمانة والمشروبات الروحيّة القريب، ذلك المحلّ المتوسّط الحجم الذي سمّاه صاحبه "الأرجنتينو"، كنت أسأل نفسي: هل صرت فعلاً في الأرجنتين؟ في بيونس أيريس مثلاً؟

***

منذ أعوام التسعينات، وقبل حلولي به ساكناً في 2002، كان الشارع قد بدأ يعيد تأليف نفسه كمكان يجمع بين مظاهر وأشياء يبدو اجتماعها في الأحوال العاديّة متعذّراً، أو غير مألوف.

منذ الأيّام الأولى التي بدأت معها أفواج المهجّرين تُخلي المناطق المحيطة بالشارع، كما بعض مبانيه، أخذ شارعنا يختبر حياة الأحياء المدينيّة الطرفيّة التي لا كتل سكنٍ أهليّة فيها، أو حولها، بادئاً في الوقت عينه باستعادة سلطة أصحاب الأملاك العائليّة المتوارثة على مبانيه وعقاراته، تلك السلطة التي وهنت تماماً وذوت خلال الحرب.

والحال أنّ المظهرين المتناقضين المتمثّلين بـ "التفلّت"، من جهة، وبـ "عودة العائلات"، من جهة أخرى، فرضهما بالدرجة الأولى موقع الشارع الجغرافي. إذ أنّه قبل حرب السبعينات كان جزءاً من منطقة سكن أرستقراطيّة مجاورة لفنادق النجوم الخمس، وهي منطقة ما لبثت أن تحوّلت إلى أرض معركة مشهودة في 1975، ثمّ إلى وكر للمسلّحين والمهرّبين بعد أن سارع سكّانه إلى مغادرتها. كما فرضهما واقع ملكيّات العقارات في الشارع، التي إذا ما نظرنا إلى خارطتها، قد تحيلنا إلى ما يشبه "بستان أبنيةٍ" تملكه عائلة واحدة، أو عائلتان على الأكثر.

والعائلات إذ استعادت أملاكها في مطلع التسعينات، لم يرجع أفرادها إلى الشارع الذي اختبر صلف الحرب وفظاظة مسلّحيها طوال أكثر من عقدين. بل قامت تلك العائلات بإرسال نواطير وحرّاس وقبضايات ومشرفين تمّ اختيارهم من منابت متشابهة، فبدوا متجانسين كأنّهم ظلال تعكس إرادة قيّم العائلةالذي اختارهم.

عدم العودة المباشرة للعائلات المالكة (عائلتين على الأكثر) في شارعنا، وقيامها بإرسال النواطير الذين كأنّهم ظلال القيّم العائلي، وعدم مباشرتها بترميم الجزء المُخَرَّب الكبير من أملاكها، وشى بالترهّل الذي أصابها بفعل منطق الحرب كما بفعل تراجع قدراتها الماليّة والإداريّة المطلوبة للإمساك بالأملاك.

على أنّ الترهّل المذكور لا يمكن قصره فقط على حال العائلات المالكة التي عادت بظلالها إلى شارعنا. إنّه ترهّل يمكن سحبه بمعانيه ومظاهره المتفاوتة على كلّ من عاد إلى الشارع بعد غياب عقود. ففي حين يبدو الترهّل ذاك إدارياً ومالياً في ما خصّ العائلات المالكة، فهو يستحيل رقّة عاطفيّة لا تخلو من الانكسار في حالة مريم وجدار بيتها الرسالة. كما أنّه يبدو ابتذالاً في حالة الأندية الليليّة والبارات التي عادت بدورها إلى الشارع بعد إقفال قسري، هابطة من تصنيف النجوم السابق قبل الحرب، كونها كانت جارة لأفخم فنادق بيروت، إلى حضيض الدعارة الرخيصة دفعة واحدة.

ثمّة خفر عام يلفّ الساكنين جميعاً في شارعنا، وهو خفر صَدَرَ في الأساس عن إحساس انكسار يضمره العائدون، المترهّلون و"الظِلاليّون"، كلّ على طريقته. خفر يمارسه الجميع، بدءاً من أفراد العائلات المالكة الذين يندر ظهورهم في أملاكهم، مروراً بالعائدين على نحو رمزي ورومنسي، أمثال مريم، وصولاً إلى أندية الليل والبارات التي لم تستعد زبائن فنادق النجوم الخمس القليلة العائدة، بل اجتذبت زبائن يأتون تحت جنح الليل من أمكنة بعيدة فيبدون على شيء من الشبحيّة. إنّه خفر يجعل الأشياء في شارعنا مواربة، تبدّل ظهوراتها في كلّ مرّة، فتبدو مع كلّ ظهور جديد مختلفة عمّا كانت عليه بحالتها السابقة.

***

البناية التي يسمّيها جاري "حيّاً كاملاً"، والتي أنشأها أصحابها في شارعنا في أواخر الستينات، جُعلت في مساحة من الاتّساع الأفقي لتمتدّ بأقسامها الثلاثة فتبدو، من كلّ جهة تطلّ بها على الجوار، بناية أخرى مختلفة لا يمكن ردّها إلى اسم واحد تحمله، هو اسم عائلة مُلاكها، ولا إلى مدخل واحد وسكّان يتواطأون على نمط حياة واحد أو متقارب.

عند الزاوية الرئيسة شمال شارعنا تُطلّ البناية بأقسامها الثلاثة الموزّعة، لكن المتّصلة بمحور واحد ومدخل واحد، على ثلاث حالات مختلفة للحيّ الواقعة فيه، فتقوم بملامسة تلك الحالات، وأحياناً تنخرط فيها.

قسم البناية الأوّل، حيث المدخل والمحال في الطبقات الأرضيّة، يَفتَتِح "حياة الليل" التي توغل بعض أضوائها الحمراء في قلب ناحية من حيّنا لا تزال مهجورة ومهملة بالكامل منذ أن أخلاها المهجّرون قبل أعوام.

"لو برنس" (Le Prince)، النادي الليلي القديم المُفتتح لأوّل مرّة في مطلع الستينات، والذي يشغل أحد محال البناية الممتدّة إلى تحت الأرض، كان أوّل الأندية الليليّة المستعادة بعد الحرب. إلى جانب النادي المذكور وبمحاذاته، ثمّة ناد آخر ما زال مهجوراً، لكنّه حاضر وقويّ الوقع بحضوره أيضاً. فهناك، عند الواجهة البيضاء الستينيّة لـ "بلوك" البناية المتصدّر، ينبض إيقاع حياة يوميّة غير رتيب، يضم في طبقات إيقاعاته، إلى جانب المأهول والنابض بالحركة، كلّ ما هو مهجور وساكن.

الباب الخشبي المغلق للنادي الذي لم يُعد افتتاحه منذ سنوات حرب السبعينات، بَهُت وصار بلا لون وبلا حركة. لكنّ الأمر لم يبدّد حضوره أو يلغيه، بل ألحقه بغيره ممّا زال مُقفلاً أو مهجوراً في أرضيّة البناية، كي يكمل ذلك الجانب الباطني للشارع كلّه، الجانب المؤتلف ممّا هو متروك ومنزو ٍ وخافت الصوت.

والحال أنّ "لو برنس" ومغسل السيّارات، عند تلك الواجهة المتصدّرة وفي مساحة سفليّة كبيرة منها، يصلان ليل البناية بنهارها. إنّهما يحيلان الحركة أمام البناية، منها وإليها، إلى حركة يوم كامل تتفاوت إيقاعاتها وتتبدّّل.

ساعات صباحيّة قليلة، مسترخيّة وغير محسوبة، تفصل إقفال النادي الليلي عن موعد فتح مغسل السيارات الكبير صباحاً. إنّها ساعات قليلة ساكنة تفصل بين أصوات لا تكفّ عن الهدير في بنايتنا. صوت الموسيقى الناشطة الإيقاع المنبعثة من النادي الليلي تحت الأرض، والمخترقة الجدران طوال الليل. ثمّ صوت هدير الماء ورشّاشات غسيل السيّارات المتسلّل عبر مَنْوَر البناء طوال النهار. وثمّة على الدوام، وكخلفيّة لكل الأصوات الأخرى، صوت الخلاء المقيم ووشوشات الفراغ المنبعثة من الشقق والمحال الخاليّة والمتروكة.

فجراً عندما يقفل "لو برنس"، لا تنفضّ الحركة بسرعة من أمامه. روّاد الليل الخارجون لتوّهم من جوفه تحت الأرض باتوا يميلون قبل انصرافهم إلى استقبال الفجر هناك أمامه حيث تظهر الشمس رويداً من خلف جبل صنّين الأزلي، البادي من جهة الشمال الشرقي وغير المحجوب بالأبنية بعد. أنّها عادتهم المستجدّة، المتزامنة مع افتتاح محل القهوة المحاذي الذي لا تتوقّف خدماته أيضاً على مدى الليل والنهار.

تبدو البناية كمثل مكعّب بأقسام ثلاثة راح كلّ منها يزداد ويتناقص من طرفه بحسب مقدار السكن فيه أو هجره، أو بحسب نمط تماسه مع الحيّ المحيط. إذ أن ما يحيط بالأقسام المذكورة، على ما اقترح الحيّ الخارج من الحرب منذ مطلع التسعينات، نواحٍ رخوة لم تحصّنها مظاهر الجِدّة الكاملة لحقبة ما بعد الحرب، تلك الجِدّة المبتغاة في العديد من مناطق بيروت والتي بدت جِدّة مرتابة من كل مسحة قِدم ٍ أو من كل جدار باق ٍ منخور بالعتق والرصاص. ذاك الأمر جعل علاقة التفاعل بين بنايتنا المتفرّعة الأقسام وبين الجوار حولها تجري سهلة في محيط رخو لا سدود فيه ولا مظاهر تعقيم عمراني. فمن ناحية الغرب حيث الكتلة شبه الكاملة من بنايات الستينات التي لم ترمّم أو تُهدم إثر إخلائها من المهجّرين بعد الحرب، مدّ نزلاء البانسيون الرخيص في بنايتنا قضبان حديد وعوارض خشبيّة نحو سطح واحدة من تلك البنايات الخالية وراحوا يعبرون إليه للتمتّع بحمّامات الشمس الصباحيّة وبالسهر المرصّع بالنجوم وندى البحر في الأمسيات. من الجنوب حيث الفندق المفصول عن بنايتنا بموقف فسيح للسيّارات، بنى نزلاء الطوابق السفليّة من بنايتنا المحاذية للموقف الفسيح ذاك تلاً من الركام والأشياء والأمتعة المهملة وجعلوا لذلك التلّ درجاً يوصلهم من الموقف مباشرة إلى طابقهم أو العكس.

أمّا من الشرق، حيث الطريق الفاصل بين بنايتنا وبين الشارع الفرعي الصغير المفضي إلى فندق النجوم الخمس المُستعاد، وهو ربّما الأكثر فخامة في بيروت، فثمّة كتلة عمرانيّة كثيفة الحضور من المباني المهجورة غير المرمّمة التي يتوّجها مبنى هائل لفندق نجوم خمس سابق ما زال مهجوراً ومنخوراً بالكامل. حضور هذا الأخير بالضخامة الموصوف بها جعل للهجران ذروة تعادِل الجِدّة الماحقة المتسلّلة مع الفندق المرمم والمستعاد، فبات ما يتمّ تجديده في حيّنا لا يدهس ما يجاوره من خلاء، بل يكمّله ويتداخل معه، ويمتدّ من ذروته تلك ليتّصل بعالم الهجران الباطنيّ في قلب بنايتنا. بهذا، ومن كلّ قسم من أقسامها الثلاثة التي تلامس جوارها المحيط، غدت بنايتنا منشأ معماريّاً طيّعاً اتّصل بما يحيط به على نحو عضويّ.

النادي الليلي بآرمته النيون الحمراء وتجمّع سيّارات الروّاد اللامعة أمامه، كما الفندق المقابل الذي ينشر إضاءته الزرقاء في الأرجاء، راحا يلوّنان مكعّب بنايتنا المتشعّب الأبيض الآخذ بإصدار الأضواء والظلال مع حلول المساء. قسم البناية الوسطي المتصدّر، وعلى الرغم من خلاء العديد من شققه ومحلاته، يغدو مع حلول الليل، مُزيّحاً بالأضواء وعلى شيء من الصخب الضوئي الظاهر، والصوتي الباطني.

نحن السكّان إذ ننظر من شرفات "البلوك" الجنوبي المتراجع، نرى الخلاء البادي أمامنا في الشقق التي نطلّ على شرفاتها ونوافذها وقد غدا عنصراً من عناصر عيشنا العادي، ذات البعدين الظاهري والباطني، الهادرة بأصوات الموسيقى ليلاً وبوشوشات الماء نهاراً.

***

منذ حلولي في البناية للمرة الأولى بين 2002 و2004، لم يعد يتسنّى لي سماع الموسيقى الهادرة ليلاً، الصاعدة في الجدران، ولا صوت رشّاشات الماء الهادرة نهاراً والصاعدة على النحو ذاته من مغسل السيّارات تحت الأرض، دون التفكير بفضاءات الشقق الخالية والإحساس بأصدائها. ذاك أنني، ومنذ ذلك الوقت، بدأت أكوّن قناعة مفادها أن موسيقى علبة الليل السفليّة، كما وشوشات الماء، التي يشكّل مزيجها بالنسبة لي خلفيّة دائمة ليومياتي، لم تكن لتتسلّل هكذا عبر الجدران والأرضيات والنوافذ، من طبقة إلى أخرى، لولا الخلاء المقيم في شقق البناء.

أذكر تماماً كم تطلّب تكوّن تلك القناعة في ذهني من حالات إنصات مثابرة في الليل والنهار خلال إقامتي في البناية بين العامين المذكورين. أذكر كم قضيت من الليالي ساهراً ومنصتاً فَحَسْب إلى الأصوات التي تحملها الجدران والأرضيات، وكم كنت أبقى صامتاً منصتاً في الصباح، قبيل خروجي من البيت، كي ألحظ تبدّل إيحاءات الصوت الممزوجة بالخلاء حين يتوقّف النبض الصاعد من علبة الليل وتنبعث وشوشات ماء المغسل. خلاء الشقق من الأغراض، من المقاعد والبسط والسجّاد والمفروشات الخشبيّة والتجهيزات والثياب وغيرها من أشياء وساكنين، رحت أحسب، هو خلاء لا بدّ حرّر الفراغات الداخليّة ممّا يكبح الأصوات ويخنقها.

تلك الأصوات بالدرجة الأولى، الأصوات المعطوفة على الأضواء والظلال والروائح وعلى فراغات البيوت والمحال وعلى امتلاء بعضها، كانت أكثر ما يشغلني وأكثر ما يكوّن إحساسي بالمكان المديني الذي حللت فيه. وقد غدا الأمر بالنسبة لي هاجساً فرض نفسه على نحو غير متعمّد في ما رحت أكتبه عن أشياء لا أفهم تماماً منطق صيرورتها، مسمّياً ذاك الذي أكتبه عنها شعراً. فكتبت إذ ّ ذاك عن "الطابق فوقي، الساكن تماماً" والذي "ثمّة ملاك يعيش فيه على الأرجح"، وعن"بابي وباب جاري المعدنيّين الصامتين (...)"، وعن "شرائط الموسيقى القديمة" التي "يخرج منها بيت خاو ٍ تتدلّى من نوافذه رزم بصل مجففّ".

***

في 2009 عندما عدت بعد سفري لأكثر من عامين متواصلين، وبعد سكني في مناطق أخرى عديدة من بيروت، رَجِعت إلى شارعنا إيّاه وإلى البناية ذاتها.

سوى أصوات أبواق السيّارات المتصاعدة من الشارع الرئيسي الواصل بين غربي بيروت وشرقها، المتعامد مع شارعنا والذي تطلّ شرفة شقّتي الجديدة عليه، لم يطرأ أيّ تغيير على الأصوات هنا. والواقع أنّ بنايتنا التي تقع عند زاويةِ تَعَامُدِ شارعنا مع الشارع الآخر المذكور تبدو كمثل حدود فاصلة بين أصوات هذا وذاك، حدوداً فاصلة بين حالة امتزاج المنبوذ بالمأهول حتّى التماهي، كما هو الحال في شارعنا وبنايتنا، وبين الصخب والعنف الخالصين في الخارج اللذين توحي بهما حركة السيّارات وأبواقها الهادرة على نحو مسعور في الشارع الآخر.

حركة السيّارات وأبواقها هذه، كثيراً ما توصف في بيروت على أنّها "حرب أهليّة" كامنة ويوميّة. الوصف المذكور كما الصخب الخالص للأبواق يزيد من إصراري على اعتبار شرفتي، هنا في البلوك الشمالي للبناية، أرضاً محايدة كتلك التي تقوم عند حدود بلدين مختلفين، وذلك بعد أن كانت شرفتي في البلوك الجنوبي للبناية ذاتها، الذي سكنته بين 2002 و2004، جزءاً من حياة شارعنا ومن الإيحاءات الخاصّة به. وهناك في تلك الأرض المحايدة رحت، أنا الفرد الخارج من الحضن الأهلي على نحو مثابر، والعائش منذ نحو ثمانية أعوام بمفردي أو مع حبيبتي حين لا تكون مسافرة في بلد آخر، أفكر بتحصين الشرفة الحدوديّة الفاصلة بين أصوات شارعنا النابضة التي لم تتبدّل منذ أعوام، وبين صخب "الحرب الأهليّة" اليوميّة المتصاعد يوماً إثر يوم من الشارع الرئيسي القريب. وقد كان لا بدّ لي أن أفكّر، للمرّة الأولى ربّما، بالستار البلاستيكي البيروتي السميك، الذي طالما كرهته، كي يركّب في أعلى الشرفة بغرض التحصين ذاك فيَصدّ شيئاً من حدّة الأبواق العصبيّة وهدير المحرّكات المسعورة ويبقينا أقرب إلى نسيج أصوات شارعنا الثابتة في مخابئها.

وعلى ذكر الثبات هنا، فإنّي أقف حائراً أمامه كونه يبدو مُعجزاً في موقعه في كنف هذه المدينة غير الثابتة والساعية على الدوام لأمر ليس فيها.

لم يتغيّر شيء في شارعنا نفسه وفي نسيجه الداخلي. الشارع ما زال محتفظاً ببنيته العمرانيّة التي أعرفها، مبقياً على ابتعاده عن جموح بيروت نحو الشيء الذي لم تصره بعد.

البيت القديم الكبير المترهّل عند الطرف الجنوبي ما زال هناك، مُحتلاً من قبل عناصر الميليشيا ذاتها، وقد كبّرت تلك العناصر الحزبيّة صورة قائدها المعلّقة على واجهة البيت كدليل على تجدّد سلطانها وانبعاثه. بيت مريم المهجور ما زال هناك ورسالتها على جداره – الورقة، قرب باب المدخل، ما زالت ظاهرة بوضوح. المحال المفتوحة هي هي، وكذا المهجورة والمقفلة. البارات وعلب الليل على حالها، وكذلك أملاك العائلات المستعادة التي ما زالت توائم بين علامات عودة سلطان أصحابها وبين علامات الترهّل الموحية بها أحوال نواطيرها شبه العاطلين عن العمل ووقائع الشقق والبيوت والمتاجر المستمرّة في المراوحة بين السكن والهجران.

بنايتنا التي يسمّيها جاري "حيّاً كاملاً"، والتي عدت وسكنت فيها طيلة الشتاء الماضي، تصلح للتأكّد من ذلك الثبات.

البانسيون ما زال فيها وروّاده لم يتغيّروا. مصعداها ما زالا يصدران الرائحة العفنة ذاتها المنبعثة من خشب جدرانهما الرطب، وما زال صوتهما إذ يتحرّكان يشبهان صوت قارب مخلخل في الماء . هذا ولم يتبدّل ناطور البناية، الشبح الوفي لقيّمها العائلي، ولم يتغيّر سوى القليل من سكّان شققها، وهي ما زالت حافلة بالشقق المهجورة التي يمكن لي معاينة دواخلها الفارغة من شرفتي. أمّا ليل البناية ونهارها فإنهما ما زالا متّصلان عبر موسيقى "لو برنس" الصاعدة ليلاً عبر الجدران وهدير رشّاشات مغسل السيارات نهاراً، كما ما زال سكون الشقق والمحال المهجورة يتيح انتقال الأصوات بين طبقاتها وجدرانها.

هل من سرّ لهذا الثبات المعجز في شارعنا؟ هل الأصوات هي السرّ؟ الأصوات التي تمتد كأعصاب باطنيّة في عروقه ودواخله فتبقيه محميّاً؟

هل هو الترهّل؟ الترهّل بتنويعاته المختلفة، من انكسار ورومانسيّة ورقّة وضعف، وقد أقام حول نفسه جدراناً غير مرئيّة تقيه من الانكشافأو الانفضاح؟.

هل هو التعادل بين قوّتي الهجران والسكن، وقد شدّت الأولى في اتجاه، وشدّت الثانية في الاتجاه المعاكس، فبقي شارعنا ثابتاً حيث هو؟.

شخصيّاً، حين ابتعدت عن الشارع، كانت هذه الأشياء بعينها أكثر ما فكرت فيه مستعيداً من خلالها ذكرى سكني فيه. والذكرى تلك، هي التيأعادتني إليه.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬