بشير هلال

لم أعد أتعرَّف في كفروة على القرية التي جاء منها أهلي وشاطرتني بعض طفولتي والكثير من أحلامي. القرية تلك كنا نصل اليها بعد ان نقهر الحصى والالتواءات والحفر عبر طريق متفرع من الخط العام بين الزهراني والنبطية، وكان احد ملتزمي تنفيذ ذاك الخط أنيس حاوي، صديق والدي ووالد الرفيق جورج الذي سأتعرف اليه لاحقا. ليس لأنها تغيرّت واجتاحتها حداثة البناء والباطون وحسب. ولا لأن طابعها الزراعي والفلاَّحي صار ذكرى دارسة كما يجري في أرياف كثيرة، بل لأنه ساد فيها أيضاً، وهي القرية الصغيرة التي لا بلدية خاصة لها، نصاب الامر الواقع بحيث سيطرت القوة وتجلياتها في أحوال اقتصادها ومعاملاتها ونظرة أهاليها والجوار.

هجرتان…

كما كنت ولا أزال أجهل كم بقي من لبنان في حياتي المهجرية رغم انصرافي اليها بدون تحفظ ثقافي او معاشي. فمنذ بدء إقامتي المديدة في فرنسا عام 1986 والتي سبقتها إقامات سياحية وثقافية قصيرة وقراءات جمة، كنت أعتبر نفسي في هجرتين:

اولى من لبنان جسداً ومعاشاً. وثانية من القضايا التي كنت كشيوعي لا أزال حتى وقت قريب أعاملها كقضايا كبرى. كانت الثقة تنكسر كل يوم أكثر: بمشروع الاشتراكية التي دعوناها علمية وببلدها القائد كما بمشروعنا اللبناني الذي سميناه وطنياً ديموقراطيا لنراه بعد انطلاقه بأعوام خليلاً لحرب طويلة استحضرت ووسّعت وزادت الانقسامات الاهلية وكادت أن تمحو كل ما عرفناه من أنماط حياة زعمنا الرغبة بتحسينها وليس محوها، وكل ما نحس به من حريات نادراً ما توفر مثلها في بلد عربي. وهذا رغم نقدنا لما كنا ننسبه اليها من صفة بورجوازية ومحدودية نطاق وهشاشة مؤسسات. كما كادت الحرب أن تمحو البلد نفسه الذي كنت أراه يترنَح بين سيطرات خارجية لم أعهد نفسي قابلاً بها. كانت هذه مع الاقتتالات الداخلية المتنوعة قد انتهت بي الى اليأس.

وعلى ذلك لم أسعَ عندما قدمت الى باريس للانضمام الى منظمة الحزب الشيوعي اللبناني في فرنسا التي كانت لا تزال على شيء من القوة آنذاك. كما لم أسعَ للانتساب الى الحزب الشيوعي الفرنسي على غرار ما فعله شيوعيون كثيرون رغم علاقات صداقة كانت تربطني بشيوعيين فرنسيين عديدين. كنت اتساءل عما إذا ما كنت مُهاجراً أم مُهَجَّراً أم شيئا بين الشيئين او حالة تتجاوزهما.

ولقد أبقيت ولا أزال على مجرى هجرتي للقضايا الكبرى، وربمَّا زِدتها حيوية بما سمحت لنفسي به من قراءات جديدة. قراءة أخرى للماركسية أقل تأثراً بالتأويل اللينيني الستاليني. قراءة لمن تعارف الشيوعيون الرسميون في العالم طويلا على كراهية افكارهم او مواقفهم وإنتاجهم: عدت فقرأت نيتشه وسيلين وآرون وغيرهم. ولا زلت أقرأ.

أما هجرتي لبنان فقد انكسرت بعد اعوام من مقامي الباريسي من حيث لا أنتظر. عدت للانجذاب اليه قبل وقت قصير من استهلال عام 2005 عندما بدا أن موضوع الانسحاب السوري قد غدا مطروحاً من اللبنانيين قبل غيرهم. واكتملت عودتي مع القوة الاستثنائية لردة الفعل على جريمة اغتيال الرئيس الحريري ابن صيدا، مسقطي الفعلي. كان 14 آذار. وهو انجذاب يتملكني حتى اليوم بحيث لم أعد استطيع أن أكون غير مُبالٍ أو محايداً او متعالياً على الحماسة له والغضب لكل ما أعتقد أنه يمسه.

غني عن القول إني لم أكن هكذا دائماً. فقبل عقود كنت اعتبر ما يخص لبنان لا يخصني. كان يمكن ان اعتبر ذلك مبدأ صالحاً للتطبيق على كل أقطار الدنيا باستثناء بلد الاشتراكية الاول وكوكبة الدول التي حملتنا مخيلتنا الثورية على اعتبار أنها تحذو حذوه طوعاً. كنت اعتبره ملكا مشاعا لقضية الاشتراكية ثم لسائر القضايا التي كانت تتغذى من مجد محاولة الوصول اليها.

من الكهنوت الى الحزب

ولدت في بيت ميسور. والدي كان يعمل في التجارة والاراضي ويحتفظ بشبكة واسعة من العلاقات في الجنوب. كان بين اصدقائه الرئيس عادل عسيران والبطريرك المعوشي. وكان صاحب ميل شمعوني في سياسة الخمسينات. تعلمت اولاً لدى الاخوة المريميين في صيدا. في مدرستهم بدأت تعلم اللغات الفرنسية والعربية والانكليزية. من هذه الفترة احتفظ من الذكريات بثلاث لا زالت في خاطري ترجع رجع الصدى. أولاها مأسوية تتصل ببدء تدفق اللاجئين الفلسطينيين. كان يومها عمري ثمانية اعوام وكنت من على شرفة منزلنا التي تطل على الشاطئ الرملي المسمى شاطئ القملة، أرى المراكب الصغيرة تأتي محملة بالنساء والاطفال والشيوخ وتتركهم تائهين على الرمل لتعود بحمولات متتالية. تالياً نقلوهم إلى الملعب الذي كان يستخدمه الاخوة المريميون لممارسة كرة القدم ويأخذوننا اليه للعب أحياناً. بعد مضي بعض الوقت رأينا الخيام تنصَب في أرضه التي لن نعود اليها كأطفال يلهون. كانت هذه بداية مخيم عين الحلوة.

وفي سياق هذه المأساة أيضاً ثمة صورة لا تفارقني وهي الملصقات الكبيرة التي انتشرت على الجدران وتمثل عملاقا عربيا بالكوفية والعقال، وهو على قمة جبل يدحرج صخرة ضخمة وامام الصخرة يركض هارباً، مخافة الانسحاق، يهوديٌ ضئيل الحجم كاريكاتوري المظهر بأنفه المعوج الكبير. استذكر ذلك اليوم وأفكِّر بالذين وضعوا الملصقات. ربمَّا فكَّروا أنها بداية الانتصارات العربية.

امَّا كفروة مسقط أهلي فهي محل الذكرى الثالثة التي لا زلت أسترجعها غالباً من طفولتي، إذ عوّدنا والدي أن نمضي غالب الصيف فيها. نقضيه في بيت عمي أحراراً من رقابته المباشرة تفرغاً للعب والشقاوة واكتشاف طبيعتها الثرية بالنهر الذي يمر قربها وبالزراعة وتربية الدواجن التي كان يعتاش منها أهاليها.

بعد ذلك حدثت مشاكل مالية لوالدي وأخويَّ الكبيرين، الأمر الذي دفعني الى التفكير في إكمال تعليمي في مدرسة كهنوتية تجعلني أتابع دروسي العادية وتحضِّرني في الوقت نفسه لأكون كاهناً. يومها في سن الثانية عشرة كنت أحمل احتراماً خاصاً لمثال القداسة الذي يمثله المسيح. أرى فيه تجردا وارتقاء سماويين وغيرية خلاصية جوهرها المساواة. وكنت اعتدت الصلاة صبحا ومساء.

كانت مهمة "مدرسة اكليريكية مار مارون" في غزير تخريج كهنة رعية متعلمين مُزودين بثقافة واسعة. وقد تولى ادارتها "الآباء اليسوعيون". وكانت تعِد طلابها حتى صف الفلسفة وبعد ذلك يفتح باب التخصص باللاهوت في لبنان نفسه او في روما او فرنسا في السان سولبيس. . . ورغم كل قدحٍ معتاد في اليسوعيين وطرائقهم، كانت لديهم برامج تعليمية وثقافية مرموقة في ميادين مثل البلاغة والانسانيات والادب الفرنسي وتاريخ اوروبا قديمه وحديثه واللغات العربية والسريانية واللاتينية والموسيقى الكلاسيكية التي عودونا على سماعها. كانت اول مقطوعة سمعتها الفصول الاربعة لفيفالدي وكرّت السبحة الى معظم اعمال الموسيقيين الكبار يُقدمونها لنا مع شروح مستفيضة. وفي الادب الكلاسيكي الفرنسي تعرفنا على شعراء كانت الكنيسة تعتبرهم تقليدياً مغضوبا عليهم مثل بودلير وفيرلين ورامبو. كما أنِسنا في دراستنا على يد المدرس المعروف جالابير إلى تاريخ اثينا في عصر بيريكليس عموماً والمدارس الفلسفية وافلاطون وارسطو خصوصاً.

اثناء سنوات غزير جرت حرب السويس وغزو المجر. ترك الحدثان نوعا من الاهتمام المعتدل في مدرستنا، إذ لم يكن الآباء يتكلمون مباشرة في السياسة لا المحلية ولا الدولية. فقط يومها علقت في ذهني من غزو المجر صورة سوداء محاها زمن الايمان اللاحق، عن شيوعيين يقتلون كهنة وأفراداً عاديين في الشوارع ولا يهتمون لمصير الانسان والفرد. والى الثقافة غذّت مدرسة الكهنوت فيَّ ما يمكن أن أسميه نزوعاً تعليمياً صار مهنة لي وشغفاً ربما انتقل معي بأشكال مختلفة الى تجربتي في الحزب الشيوعي. فقد بدأت امارس التعليم المسيحي للاولاد في القرى المجاورة: ادما وطبرجا وكفرياسين والكفور. هذه الفترة عزّزت أيضاً نزوعي الى الاستقلال عن أهلي. كانت صلتي بالبيت قد اصبحت متقطعة كما انقطعت عن كفروة.

شرارة مغادرة الوهم الديني الخلاصي انطلقت من المحل الذي يمكن لشاب مثلي أن يعيشه. فمرحلة التعلُم وتكريس نفسي للكهنوت تلاشت تدريجياً عندما اكتشفت أني لا استطيع أن أكون لامبالياً ازاء الجنس الآخر. لم يكن هنالك فتيات في مدرستنا لكنْ قريباً منها كانت هنالك مدرسة راهبات عادية تضم قسماً داخلياً ولا تُعِد تلميذاتها لمسار ديني تراتبي خاص. كُنَّ يأتين الى كنيسة مدرستنا للقداس، ولا أزال أذكر تلك التي بنظراتها الحيية فتحت لي باب النظر إلى نفسي. في الشهور التالية وكنت قد بلغت السابعة عشرة أبلغت أهلي أني لا أراني قادراً على تكريس نفسي للكهنوت وأنه لا بد أن اترك المدرسة الاكليريكية. وفوجئ مدير المدرسة الاب عبد الله داغر بقراري ونصحني بأن أكمل السنة لكن، صعُب عليَّ دفن قراري الى حين وقبول الازدواج انتهازاً لفرصة مماثلة. وهكذا عدت الى مسقطي صيدا لأكمل سنتي قريباً منها في مدرسة مشموشة، ثم لأنتسب في العام التالي الى ثانويتها الرسمية، وبعدها إلى المقاصد، حيث أمضيت سنوات دراستي البكالوريا بقسميها الاول والثاني، وهي تلك التي شهدت دخولي الى العمل السياسي المنظم في الحزب الشيوعي. لقد مهّدت لذلك علاقة صداقة وثيقة ربطتني منذ مدرسة الفرير بنقولا زيدان الشيوعي واخوته، والذي استعدت علاقة الصداقة به مع عودتي الى صيدا واكتشافي ميله الى الموسيقى الكلاسيكية.

صورة لينين و… هالتها

مع الطلاب أنطوان زكنون والياس رحيِّم ونهاد حشيشو وسهيل ابو ظهر ونقولا زيدان، بدأت العلاقة بالحزب تأخذ منحى مختلفاً. انتسبنا وانضممنا الى فرقة المدينة التي كان سبقنا اليها خير الدين سنجر وسميح لطفي ومحيي الدين حشيشو وسليم وجوزيف وعبد الله عبود وفهد الكردي وعمر مجذوب سائق الشاحنة وخالد الخطيب وعادل ابوهواش عامِلا المطابع الفلسطينيا الأصل. لم أرَ آنذاك في انتقالي من المسيحية الى الشيوعية تناقضاً أو قفزة في المجهول. كان مروراً هادئاً من مساواتية سماوية الى مساواتية أرضية. الجنة هنا وليست في مكان آخر. لم تكن الصورة التي كونتها عن المسيح تتعارض مع تلك التي شرعت بتكوينها عن لينين: المثقف الثوري الذي عاش وفق الرواية المعتمدة حياة بسيطة كرّسها كلياً للدفاع عن مصالح العمال والفلاحين واستمر بالنضال رغم محاولة اغتياله ليتابع قيادة الثورة التي حملت الى العالم وعداً بإنسان جديد. وبعد أشهر قليلة من انضمامي الى الحزب وخلال نقاشي مع رفيق قرَّر تركه، لم أجد ما أقوله له بعد استنفاد وسائل الاقناع الأخرى سوى:"يا رفيق، تريد ترك الحزب فهمنا. ولكن كيف لك أن تترك لينين؟".

كانت تلك الصورة أيضاً نتاجاً لعدم بدئنا بقراءات مستقلة بأنفسنا واعتمادنا على ما نتلقاه من تثقيف تولاَّہ يومها الرفيق محمد دكروب الذي كان يركِّز محاضراته وفق توجيهات الحزب على الشيوعية كأفق للنظام الاشتراكي وعلى الصداقة مع الاتحاد السوفياتي وشخصية لينين وعلى المادية التاريخية. والاخيرة كانت تؤكد ان المجتمعات البشرية تنتقل وفق الحتمية التاريخية على مراحل من المشاعية الى العبودية فالاقطاعية فالرأسمالية وصولا الى الاشتراكية. ولم يكن هنالك نقاش جدي لخطنا في لبنان إذ كان قصارى قولنا وبرنامجنا أننا سنغير النظام الذي نعتبره اقطاعياً ورأسمالياً الى نظام اشتراكي ينشئ صناعات جديدة ويشجع الزراعة التعاونية ويؤمم. لمَ لا وسمة العصر، كما كان يقول الرفيق محمد، هي الانتقال الى الاشتراكية؟.

مهجوسين كنا بالاتحاد السوفياتي وتجربته والصورة الزاهية في ذهننا عن نجاحاته وعن كل ما ينتجه. وهي صورة اعتبرنا ان من الضروري تعميمها بكل الطرق حتى لو لم تكن حقيقية تماماً. فهذا هو منطق التنافس بين النظامين الذي وضعناه حدوداً لنفوسنا، حتى أننا اعتبرنا، ذات مرة، ان الواجب الحزبي يقضي بحشد الرفاق والاصدقاء في صالة صيداوية عرضت فيلماً سوفياتياً اكتشفنا أنه يروي اساطير سلافية. مللنا ولم نفهم الكثير، ورغم ذلك قررنا أن نواصل القول انه فيلم عظيم. وعلى مستوى آخر، مثلما ان العروبة لم تكن هاجسي في الانتساب الى الحزب فإنها لم تكن هاجس الحزب. ورغم أنه كان لا يزال رسميا جزءاً من الحزب الشيوعي السوري اللبناني فقد كان موقفه الرسمي أن على العرب قبول قرار التقسيم الذي تجري العودة اليه الآن بأشكال أخرى وفي ظروف أسوأ.

ولم يكن من شأن "الثورة"ضد حكم الرئيس كميل شمعون التي اندلعت عام 1958 أن تغيِّر في قناعاتي. وحتى عندما نقلنا والدي الى كفروة خوفاً علينا من رصاص العراضات والاشتباكات المحدودة في صيدا، وربما ايضاً احترازاً من فرضية ردود فعل طائفية لم تحدث في المدينة حقيقة، فقد أصررت من ناحيتي على تدبر السبل للتواجد فيها خفية عن أهلي. كنت أقصد مركز "المقاومة الشعبية" في المدينة والتي شارك فيها بعض شيوعيي صيدا بشكل مسلح وجرح خلالها فهد الكردي وأصيب بعرج دائم، وهي الحادثة التي أعطته موقعاً مرموقاً في صيدا انطلق منه ليطور علاقاته بشخصيات المدينة.

وهم تحولوا بعد انطفاء الأحداث الى التعاطف النسبي مع الرئيس فؤاد شهاب الذي كان يمثل لهم باسم النظام اللبناني حماية نسبية، بعد تفاقم الاشتباك الشيوعي السوري-الناصري في أعقاب الوحدة السورية المصرية، ثم الاشتباك الشيوعي-القاسمي العراقي مع الرئيس عبد الناصر ايضاً. وكان هذان الاشتباكان قد أثرَّا على تعاطف الشارع مع دعاوتنا وكذلك على تحركنا في مدرسة المقاصد التي كانت تعتبر مركزاً لنشاطات المجموعات القومية العربية. وفي التظاهرات المنظمة لنصرة تحرير الجزائر، وكنا نواظب على حضورها، بدأنا نسمع هتافات من نوع "بدنا نحكي عالمكشوف شيوعي ما بدنا نشوف". وكنا نواجه هذه العداوة الطارئة بتحديها استناداً الى تقليد التسامح الصيداوي الذي كان لا زال قوياً آنذاك. وكنا نحرص في هذا السياق على التردد الى المقاهي الشعبية مثل "الشاكرية" على مدخل صيدا القديمة و"مقهى رجال الأربعين" في قلبها مصطحبين معنا وبشكل بارز جريدتي "الاخبار" و"النداء".

من مرحلة "الثورة" لا تزال في بالي صورة كاريكاتورية للخيال الجماهيري المنفلت من العقلنة أحياناً. صورة الناس في المرفأ العتيق تصفق لـ "السيكو"، وهو احد قبضايات المدينة، مزمجراً ومُهدِّداً بخنجر يحمله بمهاجمة حاملة الطائرات الاميركية "فورستال" التي رابطت ضمن إنزال الاسطول السادس قبالة قلعة صيدا. كما لفتتني مشاركة بعض فلسطينيي عين الحلوة في حمل السلاح.

الطلاب يحرِّكون البحيرة الراكدة

عندما انتسبت الى كلية الآداب في الجامعة اللبنانية - فرع الفلسفة، بدا الأفق اكثر اتساعاً. غادرت محلية الدور والموقع في صيدا دون أن أتخلى عنه تماماً. فإلى الاصدقاء الصيداويين الذين تسجلوا بمعظمهم في الفروع المختلفة للكلية، تعرفت هناك الى مجموعة من شيوعيي الشمال كإقبال سابا ونقولا فارس وشيوعيين آخرين كالياس شاكر وحياة محمود وسهيل الطويلة. أمام سؤال ماذا يمكن أن نفعل، شكَّلنا فرقة واتصلنا بالحزب الذي أوكل المسؤولية عن حياتنا الحزبية الى الرفاق جورج حاوي وخليل الدبس ورهيف فياض. وكنا قد استأجرنا شقة في مار الياس غالباً ما تردد الرفيق جورج اليها. ونُظمت حياتنا الحزبية على اساس عقد اجتماعات دورية يجري خلالها "إنزال" تقارير سياسية من القيادة الينا تتدرج من الوضع العالمي، وكانت أولويته آنئذ الانشقاق الصيني عن القيادة السوفياتية، الى الاقليمي فالمحلي الذي نتطرق فيه خاصة الى دورنا في تنظيم ودفع مطالب واضرابات الحركة الطلابية، لتوسيع الجامعة اللبنانية وسعي طلبتها لانشاء اتحاد عام يضم طلاب كافة الجامعات.

في العام التالي قرَّرنا برنامجاً تثقيفياً يعتمد على مطالعاتنا لكتب لينين وبخاصة كتابه "ما العمل؟". وفي نهايته (ليلة رأس السنة 1961-1962) جرى انقلاب الحزب القومي السوري الفاشل. وإلى قلقنا من هذا الحزب الذي حالف شمعون وكان يعتمد مظاهر القوة وعلامات قريبة من الفاشية، سعينا كشيوعيين الى الافادة من استنكار انقلابه وما اثير حول ارتباطه مع جهات خارجية لتمتين الصلة بالرئيس شهاب الذي اختار رشيد كرامي لرئاسة الوزراء، وهو رجل حظي آنذاك بتقدير قيادتنا "باعتباره من البورجوازية الوطنية" التي كان التحليل السوفياتي قد بدأ يُفرِد لها في مقاربته للعالم الثالث مكاناً خاصاً لمواكبة سياسة تجميع القوى ضد واشنطن. وبدورنا، وكطلاب، قمنا بزيارة تضامنية الى القصر الجمهوري واستقبلنا يومها مدير مكتبه الياس سركيس الذي انتخب بدوره رئيساً عام 1976. وفي هذه الفترة تعرفت الى الرفيق صوايا صوايا الذي كان مسؤولاً قيادياً في الحزب وسيلعب دوراً بارزاً في تفجير أزمته عام 1967 ثم في تشكيل كتلة انشقت عنه ونُسِبَ إليها التنسيق مع خالد بكداش. وهو الذي أرشدني الى وظيفة مترجم من الفرنسية الى العربية في وكالة أنباء "تاس" التي استمريت بالعمل فيها حتى تخرجي من الجامعة عام 1965. وعلى سبيل الاستطراد لا أنسى من مرحلة عملي في "تاس" يوم أقيل خروتشوف، إذ تأخر نشر الخبر لدينا 48 ساعة فيما كانت قد أذاعته "رويتر" و"أسوشيتيد برس"، وكنا نرد على الصحافيين اللبنانيين بأن شيئاً رسمياً لم يصدر بعد. والغريب أن الوكالة التي توزع افلاماً وثائقية سوفياتية وزعت لاحقاً في بيروت فيلماً عن الاستقبال التاريخي لرائد الفضاء غاغارين بعدما أعادت تركيب الكليشيهات بحيث اختفت صور خروتشوف الذي كان آنئذ أميناً عاماً وعلى رأس المستقبلين. أمَّا الأنكى فكان جواب المدير السوفياتي للوكالة في بيروت حين لفتت نظره الى ذلك مستنكراً: "هذا ليس مشكلتنا".

في هذا العام أيضاً توثقت علاقات الزمالة والصداقة بأحمد بيضون ونصير مروة وحسن قبيسي وموسى وهبي، واستأجرنا مرة معاً في برج أبو حيدر. كان ذلك بداية نشوء هامش بين الشخصي والحزبي بعدما كاد الأخير يصبح محل الصلة الاجتماعية الحصري. لم يبدِ أحمد اهتماماً في أي مرحلة بالانضمام الى الحزب رغم تركيزنا عليه. وهو ربما بجدّيته في الدراسة وطرافته وسخريته، سبقنا الى الحدس بما سنصل اليه. أمَّا نصير فكان متشككاً. وكان قد ترجم مع حسن قبيسي كتاب هنري كوربان عن تاريخ الفلسفة الاسلامية.

المجموعة الاخرى التي انفتحنا عليها كانت تضم طلاباً بعثيين من كلية الحقوق القريبة ولم تكن قد انتقلت بعد الى الصنائع. من اعضائها كامل شاهين وسمير مراد اللذان انتسبا لاحقاً الى الحزب، وفؤاد شبقلو الذي بقي صديقاً. وفي نفس الفترة تعرفنا الى مجموعة من الطالبات بينهن ميمي خرياطي التي صارت زوجتي، وهي صيداوية مثلي ومسقط أهلها جون الشوفية ووالدتها انجليك مديرة مدرسة معروفة، وكانت طالبة في قسم الادب الفرنسي في معهد المعلمين العالي الذي تحول لاحقا الى كلية التربية. وقد ساهمت لاحقاً بنشاط حزبي كثيف ومحورت نشاطها على حقوق المرأة. وكان مما يساعدنا بصورة غير مباشرة تأثر الطلاب بالمثقفين الفرنسيين الذين كان معظمهم لا يزال مع الحزب الشيوعي الفرنسي في بداية الستينات. وكانت أسماء بوليتزر وغارودي وبول ايلوار واراغون تثير اهتماماً واسعاً. وكان عددٌ منا يقرأ مجلة "لو ليتر فرانسيز" المدعومة من الحزب الشيوعي الفرنسي وكان رئيس تحريرها لويس اراغون. وبالمقابل قاطعنا الكتَّاب الفرنسيين الذين اعتبرناهم رجعيين مثل سيلين وريمون آرون، وفي لبنان كتَّاباً مثل شارل مالك وكمال يوسف الحاج ورينيه حبشي، بحيث بدا ان معيارنا الحقيقي كان الموقف من الاتحاد السوفياتي والشيوعية.

صعود حاوي ومقدمات"الحزب الجماهيري"

سمحت نشاطيتنا وتحركنا بتوسيع دائرة النفوذ الطلابي للشيوعيين مما خلق تمايزاً مع باقي قطاعات وفروع الحزب الراكدة. كما خلقت تمايزاً مع الصورة العامة للحزب نفسه كقوة محدودة على هامش الحياة السياسية يكتفى منها بالاحترام الذي تحظى به بعض الوجوه الشيوعية كالمهندس المعروف انطون ثابت والامين العام نقولا الشاوي وأنشطة بعض شخصيات حركة أنصار السلم كالدكتور جورج حنا وعبد الله عدره وبعض العاملين في المهن الحرة والنقابيين التاريخيين مثل مصطفى العريس والياس البواري وسعدالدين مومنة. كما سمحت ببروز أرجحية قيادية لجورج حاوي الذي عرفته متقطع القراءة أقرب الى التسييس من التنظير بالمقارنة مع رهيف فياض وجورج بطل وخليل الدبس وشقيقه زاهي الاكثر انصرافاً الى القراءة والعمل التنظيمي.

واتسم صعود جورج حاوي بتزامنه مع عدد من الاحداث التي زاد تأويلها في رصيده الحزبي. إذ ذاع شأنه إثر لقائه ومحادثته فيديل كاسترو وتشي غيفارا وصوره معهما في كوبا عام 1961 بعد معركة"خليج الخنازير" ضمن زيارة دامت ثلاثة أشهر لوفد من اتحاد الشباب الديموقراطي العالمي التابع للحركة الشيوعية. وفي 1963 وأثناء تظاهرة احتجاجية أعدَّ الحزب لها "سراً" ضد عمليات قتل الشيوعيين التي باشرتها سلطة البعث العراقي، بعد إسقاط حكم اللواء عبدالكريم قاسم، وحاولت قوى الأمن منعها، ابتلع جورج لدى اعتقاله لائحة فيها تعليمات سرية وأسماء رفاق، مما اعتبره الجميع عملاً شجاعاً ومسؤولاً فطارت شهرته في حزب ساد عقليتَه تعظيمُ نموذج الشيوعي المستعد لتحمل التعذيب وحتى الاستشهاد للحؤول دون سقوط "أسرار الحزب" في يد "الأعداء الطبقيين وأجهزتهم". وكان بعض الاحزاب الشيوعية يفخر بأنه "مصنع للشهداء". وهذا علماً بأني من خلال تجربتي الشخصية في الحزب لم أتعرَّض يوماً لاضطهاد جهاز أمني في الدولة اللبنانية، كما لم أشعر بحاجة للعمل السري الذي أعتقد أنه بولغ بالحديث عنه حزبياً بهدف توليد التماسك والضبط. فقد اقتصر الامر عموماً على مضايقات محدودة كصعوبة حصول بعض الشيوعيين المعروفين على جوازات السفر. وبعد انفصال الحزبين اللبناني والسوري اشترك جورج في مظاهرة لعمال الريجي وسُجِن 14 يوماً عام 1964 وترشح للانتخابات عن دائرة المتن الشمالي ونال عدداً محدوداً من الاصوات، وقد اشتركت مع عشرات الرفاق في حملته وأقمنا أياماً في بتغرين. و ترشّحه وحملته عزَّزا في الحزب دوره الشخصي ودور مجموعة "الشباب" من جهة، ووفرا من جهة ثانية مادة جديدة لنقاش كان لا يزال محدوداً حول مسألة الانخراط الفعلي في السياسة وبشروط ممارستها المحلية والوطنية بديلاً لسياسة البقاء في موقع الاستنكاف الطوعي والانتظاري و"السري". وانتخب اواخر العام نفسه عضواً في اللجنة المركزية للحزب ليكون اصغر اعضائها سناً (26 سنة). ولم يلبث ان أصبح عضواً في المكتب السياسي وفي السكريتاريا عام 1966.

عندما أنهيت الجامعة عام 1965 بإجازة في الفلسفة وعدت الى صيدا، بدأت التعليم في فرعها لدار المعلمين، كما في ثانوية بنت جبيل الرسمية التي درَّست فيها الادب الفرنسي وليس الفلسفة، لأنها لم تكن تحتوي بعد صفوفاً لنهاية الدروس الثانوية، ولأن تعييني في الملاك لم يتم إلاَّ بعد تسلم الدكتور نجيب أبو حيدر وزارة التربية في بداية السبعينات. إذ كنت أنجح في المباريات ويجري استبعادي بذريعة الحفاظ على النسب الطائفية. كما عدت الى فرقة صيدا الحزبية التي اعيد تنظيمها وغدا محيي الدين حشيشو سكرتيراً لها وجورج حاوي أبرز زوارها ومحاضريها في اجتماعات طويلة تنعقد في بيت عادل ابو هواش في صيدا القديمة. ومن موقعي كأستاذ مكشوف بشيوعيته، عملت مع الآخرين على توسيع الحزب في المدينة والجوار.

كان حضور شخصية عبد الناصر لا زال طاغياً في صيدا. عندما يخطب تتوقف الأعمال ويحتل صوته شوارعها. وبلغ تعظيمه حد انتشار شائعات تتحدَّث عن ظهور وجهه على صفحة القمر. أمَّا بالنسبة الينا فكانت المواجهة مع التيار الناصري قد انتهت بتقليص انتقاداتنا له وتسييد مفهوم حركة التحرر الوطني وأنظمة الحكم والجيوش الوطنية الذي استحدثه أيديولوجيو المركز السوفياتي تبريراً لاجتذاب دول وقوى عالمثالثية وبشروطها الى الاصطفاف الذي يقوده في سياق الحرب الباردة. واستناداً الى هذا المخرج التنظيري انتقلنا من الصدام الى البحث عن التحالف مع قوى وأطياف وشخصيات قومية، ناصرية وبعثية وحركية وسواها. وهو ما هيّأ للاصطدام اللاحق بنمطية تنظيمية متصلبة شديدة الانجذاب الى المركزية البكداشية بالمعنيين الفردي والحزبي، والى تحليلات زمن سابق، رغم أن الانفصال الرسمي بين الحزبين تم في 1963. وبمعنى ما انهينا الصلة العضوية بالحزب السوري وبنفوذ امينه العام الذي كان يُعتبَرعلاقة ثابتة بالسوفيات مقابل تقاطع أكبر مع الأخيرين في تعديل مقاربة القضايا وخريطة التحالفات. وعنى ذلك على صعيد صيدا تبني معروف سعد الناصري الشهابي والذي اعتبرناه ممثلاً للفئات الاكثر شعبية. وكنت قد عرفته سابقاً وأقمت معه علاقة ودودة، في عدادها الوقوف ضد الدكتور نزيه البزري الذي كان مضطراً لاعلان ناصرية معتدلة، وكنا نعتبره ممثلاً لأغنياء وأعيان المدينة.

كما وسّعنا تحالفاتنا على الصعيد اللبناني مع الاحزاب التي تجمعَّت منذ 1965 بقيادة كمال جنبلاط تحت اسم جبهة الاحزاب الوطنية والتقدمية، في مرحلة بداية انكفاء المشروع الشهابي. وبدأنا بالمزيد من التحركات النقابية والمطلبية كما بإشهار أعمال تضامنية مع أنظمة "عربية وطنية" مثل التضامن مع الحكم البعثي السوري المُتيَسْرِن عام 1966 في خلافه مع شركات النفط. وتولت "مجموعة الشباب" تفعيل هذا الخط مستفيدة من تعاطف الأمين العام نقولا الشاوي، الذي كان متمكناً من العربية وفي الوقت نفسه فرنكوفونياً واسع الثقافة سبق أن عانى من المركزية البكداشية.

المؤتمر الثاني: "نقد ذاتي" وتيارات قومية

في هذه المرحلة عادت الى الواجهة مسألة تنظيم مؤتمر ثانٍ للحزب الذي انعقد مؤتمرُہ الاول عام 1943. وكانت هذه المسألة متقطعة الحضور قبل ذلك. وأذكر اننا اتخذنا كمنظمة طلابية حزبية قرار المطالبة بعقده منذ بدء الستينات ثم طويناه بعدما رُدَّ علينا بأن انعقاده يشكل خطراً على الحزب "في الظروف الراهنة". ووسط تعقد واحتدام الظروف نتيجة حرب 1967 وفي الأيام التي تلتها، فوجئت بأحد شيوعيي قرية شقرا من آل الامين يوقفني في ساحة بنت جبيل حيث أدرِّس ليسألني رأيي في أزمة الحزب التي لم أكن قد عرفت عنها شيئاً قبل ذلك، رغم صلتي بالحزب وصداقتي لمعظم قيادييه. والأزمة نجمت عن فصل الرفيق جورج حاوي بعد تلقي قيادة الحزب من مصادر"لا يرقى اليها الشك" (إشارة الى ورودها من مصدر سوفياتي) بأن "جورج حاوي عميل للأمبريالية الأميركية". وإذ هرعت مستعلماً في اليوم التالي الى مقر جريدة "النداء" في الصيفي، قريباً من بيت الكتائب المركزي، وجدت صوايا صوايا وآخرين طالبوني بعقد اجتماع في اليوم نفسه لمنظمة الحزب في صيدا تتضامن مع قرار الفصل وحيثياته. وهكذا كان. إلاَّ اني في زيارة ثانية التقيت بخليل الدبس وجورج البطل اللذين شرحا لي بأن اتهام جورج استحدثه وفبركه خالد بكداش والمجموعة الوثيقة الصلة به في الحزب، وأنه لا بد من اتخاذ موقف مناقض لإخراج الحزب من أزمته وجموده وصولاً الى عقد مؤتمر ثانٍ يضع برنامجاً ونظاماً داخلياً جديدين. فعقدنا اجتماعاً ثانياً بحضور خليل الدبس ورهيف فياض لفرقة صيدا التي كانت قد أصبحت فرعية تابعة لمنطقية النبطية. وفي هذا الاجتماع ألغينا قرارنا الأول وصوتنا لقرار جديد يتضامن كلياً مع الرفيق جورج وقضيته. وعندما حسمت اللجنة المركزية الأمر كان التحضير للمؤتمر الثاني قد اتخذ طريقه الى التنفيذ. وفي هذه المرحلة تعرفت الى الرفيق كريم مروة عضو المكتب السياسي الذي التقيته فيما بعد في مقهى لاروندا في ساحة البرج، وكان عائداً لتوه من موسكو بعد تأخيره قصداً لمنعه من التحرك لمصلحة مجموعة الشباب والذي أبلغني أن الأمين العام يتعرَّض لضغوط.

وأخيرا انعقد المؤتمر واجرى نقداً ذاتياً لم ينهِ "أممية" الحزب اي علاقته بالمركز السوفياتي وبمستقبل كتلته المنسوبة الى الاشتراكية، بل أضاف اليها حركة التحرر الوطني العربية ومركزية القضية الفلسطينية و"الإقرار" بخطأ موقف الحزب في تأييد قرار التقسيم والإعتراف بالمقاومة المسلحة والتحالف العملي معها منذ نهاية عام 1968. وترسخ هذا التحالف في العام التالي بتظاهرة 23 نيسان 1969 ومن ثم بتأييدنا اتفاق القاهرة وبدء تدريباتنا العسكرية في لبنان وسوريا وانشاء جهاز عسكري سري في الحزب وارسال بعثات تخصصية عسكرية الى الاتحاد السوفياتي، والإعلان لاحقاً عن تأسيس الحرس الشعبي "للدفاع عن الجنوب". وفي مواصلة لنهج التركيز على محورية التحالف مع المقاومة، عمل الحزب على اسقاط المرشح الشهابي الياس سركيس الذي كان متهماً بالعلاقة مع اجهزة الدولة الامنية وأقطاب المكتب الثاني. ولا أنسى في هذا المضمار نشاط الحزب لإقناع معروف سعد بتأييد سليمان فرنجية بعدما كان الرفيق جورج قد قال إثر لقاء المرشح فرنجية إنه "نجح في الامتحان". وكان سعد صديق الحزب وصديقي وجاري القريب في صيدا وفي مصيف الصبّاح غير بعيد عن جزين، وكنا نظمنا حملته الانتخابية الناجحة عام 1968. يومها اتى كريم مروة ونديم عبد الصمد وحسن حمدان (مهدي عامل) للالتقاء به عشية الانتخابات الرئاسية وامضينا سهرة في بيتي الصيفي في الصبّاح حتى الرابعة صباحا لإقناعه دون طائل. شرحنا له الظروف الاقليمية ووضع المقاومة "التي تتعرض لمؤامرة"، ولكنه لم يقتنع وكان يسألنا تكراراً ماذا عنده سليمان فرنجية لننتخبه بينما الياس سركيس نزيه ومتعلم واداري جيد ووطني؟. وأعتقد أن كمال جنبلاط بقي يحمل من انتخاب معروف سعد للياس سركيس مرارة ربمَّا عبّر عن بعضها في انتخابات 1972 التي شهدت فوز الدكتور نزيه البزري المدعوم من الرئيس سليمان فرنجية.

في سنة 1970 المفصلية مات جمال عبد الناصر فيما كانت أحداث "ايلول الاسود" ترخي بثقلها على المشهدين العربي واللبناني. من صيدا المفجوعة ذهبت برفقة معروف سعد والرفيق محيي الدين حشيشو الى مصر لتقديم العزاء. استقبلنا الرئيس أنور السادات في منزله ولفتتني واقعتان: الاولى امتلاء جدران قاعة الاستقبال جميعها بصور الرئيس عبد الناصر، وثانيتها ما قاله لنا السادات لدى سؤالنا عن مصائر مبادرة روجرز: "اسمعوا، لا مبادرة ولا حاجة... أنا اللي حأحرَّر القنال".

تجميع الأوراق"الرابحة"

بعد انعقاد المؤتمر الثاني واتفاق القاهرة والترخيص الرسمي للحزب عام 1970- اثناء تولي كمال جنبلاط وزارة الداخلية- وخسارة الياس سركيس وبدء محاكمة ضباط المكتب الثاني، بدا لنا ان قيادة الحزب أتقنت العمل في رمال السياسة اللبنانية المتحركة، كما بدت نجومية جورج الى جانب جنبلاط فاحصاً الياس سركيس وسليمان فرنجية في تناقض مع انكفاء وخفر القيادة السابقة ومحدودية أحلامها وأثرها الإعلامي. فكما لو أنه كان بوسع جورج و"مجموعة الشباب" التي صار رأسها الاول وغير المُنازَع النظر الى الدور الاحتمالي للحزب بما يتجاوز إسناد فريق داخلي ما أو مجرَّد السير في سياق تنتجه وترسمه المركزية السوفياتية للبنان والمنطقة في صراعها العام مع واشنطن وحلفائها. كان له أن يشرع في الاعتقاد بأن الوصول الى "حكم وطني ديموقراطي" يلعب فيه الحزب دوراً محورياً أمر ممكن. وكان ذلك يفترض امتلاك عدة اوراق في وقت واحد: الحركة المطلبية المُنهِكة لـ"نظام الطغمة المالية" والدامجة بين الفئات الشعبية من مختلف الطوائف، الجماهير اللبنانية "العروبية"، المقاومة الفلسطينية المسلحة ودعم "الأنظمة العربية الوطنية " و"حركة التحرر الوطني" والمركز السوفياتي وكتلته. وكنا نعتقد أننا نتميَّز عن اليسار المتطرف بأن الاخير يقصر عمله السياسي على العنف المسلَّح بينما نحن نستفيد من "كل أشكال النضال". وكان لجمع الأوراق ان يبدو مهارة لا تُضاهى لولا تناقضها الداخلي القاتل. كانت النجاحات المتحققة تمنعنا من استشراف الثغرات الممكنة او حتى مجرد التفكير والحدس بها فيما كان التحليل السياسي القيادي يندفع بشكل متصاعد الى تخويفنا من خطر "المؤامرة" على الحريات والمقاومة. فلم نسعَ الى طرح الاسئلة عن معنى وسيرورة كل من هذه المعادلات، إذ كان على الحزب وفق التعبيرات القيادية أن يصبح خلية نحل مستعدة للعمل كما للتضحية. وهو ما اندفعنا الى تصديقه وتطبيقه على قاعدة أن ما خلا ذلك ثرثرة، متناسين ان لبنان كان الفسحة الوحيدة في المشرق العربي التي يوجد فيها قدر واسع من الحريات العامة والفردية. ومن جهتي اندفعت في النشاط كمسؤول تثقيفي في اللجنة المنطقية، وهوعمل كان يأخذ أكثر فأكثر طابعاً تبشيرياً. وبهذه الصفة زرت مراراً قواعد الحرس الشعبي في قبريخا كما كنت أحاضر عادة في ما كنا ندعوه "حلقات الاصدقاء" المنتشرة في أرجاء الجنوب. ومن طرائفها أنه خلال واحدة منها في الزهراني، ركَّزت على تقديم الحزب كحزب للطبقة العاملة والفقراء فسمعت همهمة قوية وشخصاً في الصف الخلفي يقول "الله يلعن حظي... أحور وأدور ولا يوقعني إلاَّ في الفقراء".

واستمريت على هذا المنوال بينما كانت ميمي تنشط على الجبهة النسوية من خلال لجنة حقوق المرأة في بيروت وفي الجنوب. كنا نسعد بتحويل منزلنا الى فسحة لقاء. أحياناً يمر معروف سعد ونحتسي كأساً ويشرح لي همه بالحفاظ على موقف مستقل فيما المدينة تتغير بفعل امتداد العمل الفلسطيني المسلح الى خارج عين الحلوة وافتتاح مكاتب لمختلف المنظمات في صيدا القديمة نفسها. وقد تفاقمت الأمور خاصة بعد سقوطه في الانتخابات النيابية التالية الى حد اعتقاله واهانته من منظمة الصاعقة وسط غض نظر من فتح والمنظمات الاخرى. كما كنت ألتقي أكثر قياديي الحزب الذين تحولوا الى اصدقاء شخصيين وبعض زوارهم كمحمود درويش لدى خروجه من فلسطين. وفي المرحلة الصيداوية هذه توثقت علاقتنا، ميمي وأنا، بحسن حمدان وزوجته ايفلين. ولم يطل الوقت حتى انتقلنا الى بيروت (سن الفيل) بنهاية 1972 وكنت قد غدوت استاذاً في الملاك أعمل مُدرِّساً لمادة الفلسفة في ثانويات بيروت ومحيطها. واستأجرنا في سن الفيل ولم يلبث حسن أن اشترى شقة في حرج ثابت غير بعيد عنا. ولم تمنع صداقتنا عدم تطابق مواقفنا في بعض المواضيع. فقد كانت الاحزاب الشيوعية تستخدم تاريخ الفلسفة ومذاهب الفلاسفة بصورة انتقائية لدعم دعاوتها"العلمية".

في بيروت دُعيت بصورة غير رسمية الى لجنة التثقيف المركزي بيد أني لم اُضَم الى أي فرقة أو لجنة حزبية وفق التراتبية الهرمية (فرقة، فرعية، منطقية) وصرت اشترك في مخيمات تثقيفية بدأ الحزب بإقامتها صيفاً في الشوف ومناطق اخرى.

لم يطل الوقت حتى وقع اشتباك كبير بين الجيش والمقاومة الفلسطينية المسلحة (ربيع 1973) لكنه لم يُغير تقديراتنا ولا دفعنا الى الاختيار بين "الأوراق الرابحة" التي لم نكن نرى ما تحتويه من عناصر تفجر داخلي. بقينا على شكنا العميق بالجيش اللبناني ورفضنا لأي دور يوكَل اليه باعتباره جيشاً مُخترَقاً من الاميركيين ويُهيمِن عليه الانعزاليون. ومرة اخرى لم يدفعنا الحدث الخطير الى التساؤل حول نقاطنا البرنامجية وخطنا السياسي كما لم نكن نرى انزلاقنا الى حافة الانخراط في الانقسامات الاهلية التي كان الحزب حريصاً على تجاهل وجودها او اعتبارها مجرَّد لعبة بورجوازية او استعمارية او الاثنين معاً لحرف أنظار وتقسيم الطبقة العاملة و"قوى شعبنا الحية". فقط بعض المثقفين كان يسمح لنفسه وفي حلقات حميمة بسخرية موضعية وجزئية بلا تتمات، كزاهي الدبس الذي كان يُمازحني عندما يرى اكتظاظ شارع الحمرا وحيويته "أنظر يا رفيق كم هي عميقة ومخيفة أزمة نظام الطغمة المالية"، أو فؤاد زحيل الذي كان غالباً ما يُردِّد أمامي"الثورة الاشتراكية انتهت عام 1922 أمَّا الاتحاد السوفياتي فكارثة عليها أين منها الكوارث الطبيعية".

الجحيم... جائزة

لم يعتبر المعلقون مقتل صديقي معروف سعد في 6 آذار 1975 بداية رسمية مُعلنَة للحرب، وفضَّلوا للتأريخ اعتماد مقتلة بوسطة عين الرمانة في 13 من الشهر التالي. وربمَّا أن هذا التقدير كان تعبيراً مبكراً عن واقع أن حدثاً داخلياً بين أطراف داخليين لا يكفي بذاته لتوليد ما سيوصف لاحقاً بالحرب الأهلية. كان التاريخ الرسمي بأي حال إيذاناً ببدء الحرب بالنسبة لي. ولم يتصل الأمر بمحاولة تجنب أماكن الاحتراب التي كانت لا تزال متفرقة وطرية العود ولم تصبح ما اصطلح على تسميته لاحقاً بخطوط التماس. بل صودف انها لامستني باكراً من المكان الذي لم أكن أعتقد انها ستصل منه: قريتي كفروة. كان إميل مبارك الذي تأثر بتعبيد بيار الجميل -وزير الاشغال في احدى الحكومات الشهابية- لطريق الضيعة الداخلي قد أسس فيها فرعاً لحزب الكتائب انتظم داخله قليل من شبابها القليلين أصلاً. بعد البوسطة مباشرة خطفت قوة مسلحة "غير منضبطة" إميل في اعتراض ربما على وجود يخرق الاجماع المفروض. هتف لي أقاربي وهم يعرفون دفاعي عن "الثورة الفلسطينية" وعلاقة الحزب بها: كانوا يظنون ربما أن الثورة سترجع الى اصدقائها قبل أن تتخذ قراراً. كان يمكن لي أيضاً أن املك الاعتقاد نفسه. اتصلت فوراً بالرفيق خليل عضو المكتب السياسي ورجل السر في الحزب وطلبت منه ان يفعل شيئاً لإنقاذ الرجل فاتصل بعد ساعات ليبلغني أنهم قتلوه. ثم بعد ذلك بيومين اتصلوا بي ثانية من الحزب ليبلغوني بأني قد أصير مُستهدَفاً في سن الفيل بسبب شيوعيتي المعروفة كما فعلوا الأمر نفسه مع حسن حمدان. كان علي أن أترك شقتي الواسعة التي تطل على حرج ثابت الجميل وأن أخرج في اليوم نفسه مع زوجتي ووالدتها وابنتي الصغيرة سهى بلا شيء سوى بعض الاسطوانات والكتب والملابس الخفيفة. كذلك فعل حسن وإيفلين. وكنت في معرض نقاش هذا الانتقال قد رفضت دعوة شقيقتي مي الى السكن لديها في طبرجا لسبب سياسي. ذهبنا يومها الى جون حيث بيت اهل زوجتي. أمَّا حسن فاختار الانتقال الى قرية الصبّاح التي عرفها كمصيف قبل ذلك.

في جون عملت لتوسيع فرقتها ونقلت إلى أعضائها بضعة عشر رشاشاً حصلت عليها من أبو موسى، وعدت الى اللجنة الحزبية لمنطقة النبطية في موقعي السابق كمسؤول تثقيفي. وصار حسن وميمي -التي كنَّوها مريم- وأنا بدرجة أقل، نذرع الجنوب للدعوة الى تأييد سياسة الحزب في "مقاومة الانعزالية والدفاع عن المقاومة وعروبة لبنان ووحدته". وتألق حسن كـ"مهدي عامل" خلال ندوات كان يحضرها عدد كبير من اهالي القرى الجنوبية بدعوة من منظمات الحزب والجمعيات والاندية. أمَّا انا فقد اقتصرت على المحاضرة في عسكريي الحزب ومنظماته. وفي حمأة العمل الدعاوي لم تهتز قناعاتي رغم بروز علامات مقلقة كانتشار فكرة أن الحرب هي بين اليسار والمسلمين والفلسطينيين من جهة والمسيحيين من جهة أخرى، وبدء تلمسي آثار ذلك في المنطقة حيث عاينت ازدياد خوف المسيحيين في قرى جزين وبدء هجرة قسم منهم كما في روم، وقلق رئيس دير المخلص أندريه حدَّاد وهو اليوم مطران زحلة للروم الكاثوليك من هجوم "عناصر غير منضبطة"على الدير واتصاله بي علِّي أستطيع شيئاً، فجمعته الى ابو موسى الذي طمأنه. كذلك كان هناك الفساد في التموين بالمحروقات وهو قطاع سيطرت عليه المنظمات. كنت لا أزال أعتقد أن هذه العلامات ليست سوى هناتٍ تفصيلية تسهل معالجتها ضمن مشروع الحركة الوطنية وتحالفاتها. وربمّا أن الخوف من الآخر"الانعزالي" واقتناعي آنذاك دونما تمحيص بأنه هو الذي بدأ الحرب كانا يخففان من وطأة قلقي المعنوي لما صارته حرب "التغيير" هذه. وإذا كان التدخل السوري اللاحق ضد الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية قد وضع حداً لحلمي التغييري فإنه ربمّا استأخر في الوقت نفسه جزءاً من تساؤلاتي حول شرعية مسالك الحزب والحركة الوطنية.

الدخول السوري وما بعده

عندما بدأ التدخل العسكري السوري في حزيران 1976 والذي تحوَّل هجوماً حربياً في الاشهر التالية، كنت أعتقد أننا لن نوقف يوماً مقاومته. كان الرفيق خليل الدبس يكتب يومياً افتتاحية "النداء" باتجاه تحميل النظام السوري مسؤولية محاولة ضرب المقاومة و"التغيير الديموقراطي" داعياً الى التصدي له بكل الوسائل. وزادت قناعتي بذلك بعدما رأيت الاستعدادات جنوباً. لكن وقت الحقيقة لم يتأخر بالظهور: دخلت القوات السورية الى الجبل على مرحلتين ثم اتجهت جنوباً وقاومت صيدا لبعض الوقت وبقي برج ملاّلة سورية معلقاً على شرفة منزل صيداويٍ سنوات عديدة. لكن كل ذلك لم يُجدِ رغم أن الرفيق جورج كان قد كتب عشية الهجوم السوري الكبير على الجبل سلسلة مقالات جوهرها أن الهجوم لن ينجح وأن تدمير بضع دبابات سيكون كافياً لإفشاله ولتسريع التغيير في دمشق الوطنية. كما لم يكن مجدياً انتظارنا ضغطاً سوفياتياً مناسباً يوقف الهجمة.

انتهت كل مقاومة للقوات السورية مع "الإخراج العربي" الذي غطاّها وحوّلها رسمياً، مع كتائب ديكورية المفعول من بلدان عربية اخرى، الى قوات ردع. وبعد إتمام سيطرة القوات السورية على صيدا صدرت التعليمات لي وللرفيق مهدي عامل بالنزوح جنوباً فاخترنا وعائلتينا كفروة مكاناً للسكن و"لمواصلة النضال". وكانت القوات السورية ممنوعة من التوغل في الجنوب لوجود خطوط حمر وضعتها اسرائيل ضمن تفاهم ثلاثي مع واشنطن. وفي الجنوب تابعنا عملنا الدعائي الى أن أتت التعليمات بإيقاف حملتنا الاعلامية على "السوريين" بذريعة أننا لا نملك الوسائل للاستمرار في مقاومتهم، وأن علينا تغيير لهجتنا تجاههم. وتبعتها تعليمات أخرى بالعودة الى بيروت. فاستأجرت شقة في كركول الدروز بقيت فيها حتى مغادرتي لبنان.

وبعد التراجع عن الموقف من النظام السوري ثم اغتيال كمال جنبلاط، بدأت تنتابني شكوك لم أعبِّر عنها بوضوح لكنها سكنتني وتصاعدت منذ ذلك الحين. وفيما تابعت ميمي النشاط الحزبي والاهلي في المجال النسوي كانت علاقتي بالحزب قد بدأت تقتصر على موجبات الصداقة والعلاقات الاجتماعية رغم دعوتي الى اجتماعات لجنة التثقيف المركزي وبصورة غير رسمية مرة اخرى. وانكببت على التعليم مُبطِناً شعوراً بعبثية مسالكنا. وجاء الاجتياح الاسرائيلي الوحشي عام 1982 وما رافقه وتلاه ليشكِّل امتحاناً جديداً. ذات مرَّة استمر القصف 48 ساعة دون توقف ونحن في طابق سفلي لا يمكن اعتباره ملجأ آمناً فيما كانت القوات الاسرائيلية تطارد ابو عمار الذي كان يُغيِّر مكان منامته كل يوم، وقد نام ذات مرة في بنايتنا. وأيامأ عديدة لم نستطع الحصول على أكثر من بضع حبات من البطاطا لطعام العائلة فضلاً عن انقطاع المياه والكهرباء وتعطل قسم من البنية الاستشفائية... كما كانت مجزرة صبرا وشاتيلا إنذاراً بربرياً للمدنيين في بيروت في قسمها الذي كان يُكنّى بالغربية. أذكر من تلك المرحلة الخوف ملكاً. وهو خوف لم يزُل تماماً بعد المقاومة التي أرغمت الاسرائيليين على الخروج من بيروت وإن كان وجود القوات المتعددة الجنسيات وانتشارها قد خفف منه. وهذا فيما كانت حرب الجبل ثم "انتفاضة" بيروت في 6 شباط 1984 تؤذنان بمرحلة جديدة على الصعيد الطوائفي وباستئناف الحروب المتنقلة بين مختلف الميليشيات التي شاركت فيها بما يُحضِّر لعودة دمشق بصورة أقسى وأكثر تصميماً، بعدما كان الاجتياح قد أدى الى انسحاب القوات السورية من بيروت والجبل وحدود الجنوب وبعض البقاع الغربي، وببدء حملة إخضاع الشيوعيين تماماً وليس جزئياً كما كان حاصلاً. وهو الجو الذي مهَّد للاغتيالات التي طالت في ما بعد القيادات الثقافية والإعلامية للحزب بدءاً من شتاء 1986 وذهب ضحيتها سهيل الطويلة (24 شباط 1984) وحسين مروة (17 شباط 1987) ثم صديقي حسن حمدان (18 أيار 1987) وخليل نعوس وسواهم، والتي تلاها إجبار الحزب على ترك المقاومة في الجنوب لصالح الطرف الذي تأمن إليه أكثر في سياساتها ومصالحها الاستراتيجية وتركيبة نظامها: أي حزب الله.

طوال هذه الفترة كان ينضج تدريجاً مسار مغادرتي الحزب دون إنكار لماضيّ ومسؤوليتي فيه ولا تصفية حسابات. كنت قد بدأت أرى أن الشعارات التي ناضلنا من أجلها كانت مبنية على خطأ سياسي اساسي هو الاهتمام المُبالِغ بالأممية والعروبة والتخلي عن الوطنية اللبنانية. وإلاّ فكيف للحزب أن يقبل دون تردد ولا تمحيص شعار تحرير فلسطين من مجموعات عملت من خارج الدولة اللبنانية وبالرغم عنها وخارج اتفاق الهدنة الذي حفظ، رغم كل شيء، أمناً نسبياً؟ لعَّل هذا الخطأ ينطلق من خطأ آخر قوامه الاستناد الى نظرية جرى تشويهها تاريخياً وجرى ضخها بمقولات تدعي العلمية، وهي المناقضة لأي علم. فقد أثبت انهيار "الاشتراكية" في بلدها الأول دون أن يدافع عنها أحد أنها نظرية فشلت ولا يمكنها إلا أن تفشل. ففي النهاية لم يكن الاتحاد السوفياتي سوى تكرار لأمبراطورية سبقتها أضاف اليها الحزب الشيوعي شرعنة لتوسعية جديدة باسم الاشتراكية وقمعاً نوعياً أضيف الى تاريخ قمع قيصري قديم. والمؤسف أن الحزب لم يُعِد النظر بأي من مُستنداته النظرية وشعاراته رغم كل المآسي التي حملتها. ولعل ذروة المأساة أن لا يكون قادراً بعد سلسلة الاغتيالات التي طالته على تعيين القاتل كحد أدنى، لا مغمغة هويته والتحالف معه من موقع الضعف والإلتحاق كما حصل.

بعد عشر سنوات على مغادرتي الى فرنسا وإثر حضوري مأتم القائد النقابي حسيب عبد الجواد في صيدا عام 1996، التقيت جورج حاوي في منزل صهر شقيقتي محمد نحولي. كان جورج مُحبَطاً وكان مما قاله لي "قرارك مغادرة لبنان صحيح. فالوضع ميؤوس منه أو يكاد". كان ذلك قبل سنوات على 14 شباط و14 آذار 2005 واغتيال جورج بعد أشهر قليلة من هذين التاريخين.

يومها ردّدت في نفسي مع الشاعر ابراهيم ناجي والسيدة أم كلثوم: "كان صرحاً من خيال فهوى".




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬