لو ديبا:[1] نودّ لو ترسم لنا لوحة تتيح فهماً لما نعاينه في الشرق الأوسط[2] من تشابك في الاتجاهين ما بين الكوارث والأغلاط، وهذه أغلاط في الحساب ونتائج مغلوطة أيضاً. مؤخراً، عبّرت عن منظورك العريض والبعيد لهذه المسألة في مداخلة لافتة في "أيام سوفارين" التي انعقدت في معهد التاريخ الاجتماعي يوم 19 حزيران 2007 وقد نشرت المداخلة في مجلة التاريخ والحرية[3].

هنري لورنس: يتناول هذا النص تصوّر "سياسة الخطأ" أو الغلط في الحساب وهذه ترجمة مفقرة للعبارة الإنكليزية politic of miscalculation وهو يمثل، إلى حدّ ما، نقطة وصول بمعنى أنه يحيل إلى تأمّل أكثر شمولا في التصوّرات وفي الطرائق التي يمكن أن نواجه بها مشكلات الشرق الأوسط العويصة.

الفكرة الأولى هي أنه إذا كان الشرق معقّداً فالغرب معقّد كذلك وعلينا أن نجيل النظر في مقامنا من الأرض. وما أراه بادئ بدء هو أنه بخلاف ما يقال في أميركا اللاتينية من أنها بعيدة جداً عن الله وقريبة جداً من الولايات المتحدة، فإن الشرق قريب جداً من الله وقريب من الغرب أيضاً، وهذا منشأ مأساته. في حسبان المدّة التاريخية الطويلة، أي ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر، تشكّل في هذه المنطقة من العالم نظام علاقات سياسية فاسد كلياً. أعرّف هذا النظام بأمرين هما التدخل والتوريط، مع العلم أنني أجد الأمر الثاني أكثر أهمية من الأول في نهاية المطاف. وذاك أن كل قضية سياسية إقليمية تورّط فاعليات غريبة وهذا بطلب من اللاعبين الإقليميين أنفسهم، وهو ما يبيح لي أن أعتبر الإمبريالية مسألة فيها نظر جزئيا.

وذاك أن التاريخ يبيّن، في الواقع، أن الإمبريالية تتقدم بفعل التوريط أكثر مما تتقدم بفعل التدخل. مثلا: جاءت الولايات المتحدة إلى أوروبا لأن الأوروبيين طلبوا إليها المجيء ثلاث مرات: في سنة 1917 وفي الحرب العالمية الثانية وعند إنشاء حلف شمال الأطلسي. هكذا جرى توريط الأميركيين في المسائل الأوروبية أكثر مما تدخلوا فيها بمبادرة من جانبهم.

فإذا نحن عاينّا نزاعات الشرق الأوسط في المدة الطويلة لاحظنا أنها كانت تدار دائما من جانب مجتمع الدول الكبيرة. ومن قبيل التبسيط نقول إن الأزمات الإقليمية في القرن التاسع عشر أسفرت عن معاهدات أوروبية كبرى أو عن مؤتمرات أوروبية كبرى. وإذا نحن استثنينا مؤتمرات الحلف المقدس، نرى أن معاهدة لندن في 1840 ومعاهدة باريس في 1856 ومعاهدة برلين في 1878 إنما هي محاولات تسوية لنزاعات من جانب مجتمع الدول. بعد ذلك نصل إلى ما يدعى باللحظة البريطانية الفرنسية في ما بين الحربين. ولما كان اللاعبون الإقليميون الآخرون قد أطيحوا في أعقاب الحرب العالمية الأولى فإن نظام الانتداب جاء، في الواقع، بمثابة شركة ذات رأسين: بريطاني وفرنسي. ولكننا نلاحظ أيضاً أن هذا النظام قد بقي عمله متصلاً، إذ لجأ القوميون العرب، في خلال الحرب الأولى، إلى توريط الفرنسيين والإنكليز في مواجهة العثمانيين. وفي الحرب العالمية الثانية، حاول القوميون العرب توريط ألمانيا النازية أولاً ثم الولايات المتحدة. هذا النظام لا يزال صامداً في أيامنا. يكفي أن نتصفح الجرائد حتى نقع على هذا المنطق الدائم، منطق التدخل والتوريط، من مؤتمر أنابوليس إلى الانتخاب الرئاسي في لبنان.

نحن إذن حيال نظام فاسد كلياً إذ الحاصل، في الوقت نفسه، أن الطيف السياسي في الشرق الأوسط يقوم كله، بأيدلوجياته كافة، على معاداة الإمبريالية. اللاعبون المحليون الذي يورطون اللاعبين الأجانب يبنون هم أنفسهم ثقافتهم السياسية على معاداة الإمبريالية. وإذا نحن نظرنا إلى طيف الأيدلوجيات السياسية، جملة، في الشرق الأوسط: من الإسلاميين إلى اليسار المتطرف (مستثنين إسرائيل بطبيعة الحال)، وقعنا على القيمة التأسيسية نفسها وهي معاداة الإمبريالية. وقد اقترحت أطروحة حديثة العهد في العلوم السياسية عبارة "النشازات المعرفية" وصفاً لهذه المشكلة. فبين النواة الأيدلوجية والممارسة السياسية لا يطابق الواقع نفسه أبداً.

لو ديبا: ما النتائج التي تخلص إليها من ديناميات التدخل والتوريط هذه التي شددت عليها والتي هي ذات أثر تاريخي قوي في المنطقة؟

هنري لورنس: منذ الثورة الفرنسية، أمسى الشرق الأوسط جزءاً من المجال السياسي الذي رسمت حدوده أوروبا أولاً ثم الغرب بعد ذلك. هذه الفكرة ماثلة في أعمالي مثولاً متصلاً إذ حاولت أن أوضح في العمل الذي تناولت فيه الحملة على مصر أن النتيجة الرئيسة لهذه الحملة هي أنها قذفت مجال التوازن الأوروبي من المتوسط إلى الأندوس، وهو ما أطلق عليه كيبلنغ وآخرون اسم "اللعبة الكبرى". هذا المجال استولت عليه الحرب الباردة لاحقاً وهذه حرب أخفقت في هذه المنطقة من العالم باعتبار أنه لم يمكن تكوين مجتمع للدول ولم يمكن بالتالي عقد ما يشبه مؤتمر برلين. ذاك يفترض أن حركة الاندماج في مجال الشرق الأوسط إنما هي تصور سياسي قائم بذاته في تلك المنطقة وليست تصوراً جغرافياً. ذاك يفترض أيضاً أنه إذا كانت الدول تسقط نزاعاتها على هذه المنطقة من العالم فإن المنطقة المشار إليها تسقط نزاعاتها في مجال تلك الدول أيضاً.

هذا ومسألة فلسطين تلقي ضوءا على هذا الواقع. فلسطين موقع لنزاع إقليمي بطبيعة الحال فيها أراض محتلة وفيها أعمال عنف، إلخ. ولكن لهذه المسألة مسرحاً لا يقل عن ذاك نشاطا ولا أهمية هو ذاك المتشكل من حركات الرأي العام الغربية. من ذاك اللوبي الذي يوصف بـ"الولاء لإسرائيل" في الولايات المتحدة والتناشز ما بين أوروبا والولايات المتحدة: فإن النزاع في داخل الرأي العام هنا أو هناك لا يجري المجرى نفسه على ضفتي الأطلسي، وهو ما يبرز إشكاليات أخرى إذ الرؤية الأميركية أكثر استلهاما للدين فيما الأوروبية أميل إلى "التجرد من الغيب". ههنا نلامس مشكل العالمية. بادرت أوروبا إلى عولمة العالم ولكنها، في مساق التعولم هذا، قد عولمت نفسها بفعل أوالة ارتجاع الفعل المعلومة جيداً. من هنا أننا نعيد تمثيل النزاع الفلسطيني في ضواحي مدننا، إعادة خيالية على الأقل. ذاك أثر منطقي من آثار إدراج المجال السياسي الذي هو الشرق الأوسط في مجالنا نحن.

أمامنا أيضاً كل المشكلات المتصلة بإعادة تحديد المسمى الديني الفاعل في التشكيل الحديث للنزاعات. الإسلاموية أداة لعلمنة الفكر السياسي للإسلام مهما يبدُ في هذا الكلام من مفارقة. إن شئنا اختزال الأمور قلنا إن الإسلام الكلاسيكي يبني الكائن البشري على الاقتداء بمحمد وذاك مشابه للاقتداء بيسوع المسيح في الدائرة المقابلة. فأساس الشريعة والفكر الإسلامي يتمثل في القول بأن النبي هو مثال الإنسان وأن كل فرد، إذا هو شاء أن يسلك أفضل السبل نحو الله، فإن عليه أن يتخذ النبي قدوة له في الحياة بما في ذلك العناصر المادية جداً من سلوك النبي. لكن النبي يعدّ، في الوقت نفسه، إنساناً وسطاً، ولا يحتسب ذراعاً مفتولة لله كما هي حال يسوع في الفكر المسيحي. لهذا اعتبر الإسلام على الدوام تمجيدا للإنسان الوسط وليس للحالات الطرفية. في الصدام مع الغرب، تغير المسمى الإسلامي لأن الإسلام لم يعد فريداً. حتى القرن الثامن عشر كان يسع المسلمين الشعور بأنهم في عالم مسلم في جملته. كان لهذا العالم خارج ولكن لم يكن عليهم أن يشغلوا أنفسهم بهذا الأمر.

ابتداء من مطلع القرن التاسع عشر، أدى تقدّم الإمبريالية الأوروبية والغربية وما نجم عنه من صدمة ثقافية وكذلك التشكلات الاجتماعية الجديدة وظهور الحداثة إلى إلزام الإسلام ببناء نفسه على الدوام في مساق مواجهة دائمة مع مسمى الآخر وهو، في هذه الحالة، المسمى الغربي. من هنا أن الفكر الإسلامي أخذ ينزاح عن قاعدته الأصلية، وهي قاعدة الاقتداء بالنبي، لينتج المجتمع الإسلامي بما هو يوتوبيا. وقد لاحظ مكسيم رودنسون، مستعيرا عبارة للمستشرق البروتستانتي و. كانتويل سميث أن "المسلمين اليوم أصبحوا لا يعبدون الله بل مجتمعهم الخاص". غير أن هذا المجتمع، أي مشروع المجتمع الإسلامي اليوتوبي، ليس إلا مشروعا مضادا جرى إنشاؤه بمواجهة الغرب. فالغرب غامر الحضور. هو داخل في الحياة المادية وفي الحياة الفكرية وفي الحياة السياسية. بهذا المعنى، نعتبر الإسلاموية، وخصوصا السنية، مشروعا مضادا وإن لم يصرح بصفته هذه. هذا البعد الأول للمرجع الديني هو إذن، على ما في الأمر من مفارقة، فكر علمنة للمجتمع إذ إن المشروع، في صلبه، مشروع اجتماعي ولا يتعلق، من بعد، بنظام للقيم الروحية كما كانت عليه الحال في الإسلام الكلاسيكي.

البعد الثاني يتعلق بمعالجات المقدس. في المسألة الفلسطينية، هذا بديهي حين ننظر في فكرة "الأرض المقدسة". فسواء من الجهة اليهودية الإسرائيلية أم من الجهة العربية الإسلامية، نشهد هاهنا ترويجاً للمقدس يندمج فيه المقدس الديني بالمقدس القومي. عندنا نحن الفرنسيين، مقدس قومي يمثله الحادي عشر من تشرين الثاني وقوس النصر والعلم. ليس هذا ممكنا هناك. المقدس القومي عند الإسرائيليين هو جبل الهيكل وهو المسجد الأقصى عند الفلسطينيين. لقد تم دمج المرجع الديني والمرجع القومي وهو ما يجعل حل المشكلات غاية في الصعوبة.

من جهة أخرى، تشدد دراسات حديثة على صعود "رؤى نهاية العالم"، سواء أكان ذلك عند اليهود أم عند المسلمين وعند المسيحيين. ولا آتيكم بجديد إذ أقول إنه كلما حضرت رؤى نهاية العالم في التاريخ، كان علينا أن نسأل ما هو الموضوع الواقعي الذي نواجهه. ما يسعنا قوله هو أن رؤى نهاية العالم يمكن أن تحدث ظواهر اعتصاب مذهبي من قبيل الأناباتيست [حركة تجديد العماد] في المونستر أثناء القرن السادس عشر. وقد برزت هذه الحالة في الماضي القريب مرتين على الأقل: مرة في 1980 في واقعة الحرم المكي ومرة في السنة الماضية في العراق إذ سحقت سحقاً دموياً حركة شيعية جاءت معلنة نهاية الزمان. من المرجح أن فكر اللاعبين مشرب بهذا العامل وإن كان لا يدخل مباشرة في القرار المتخذ. يجد الأوروبيون عسراً شديداً في متابعة هذا النوع من الظواهر لأنها أصبحت خارج تقاليدهم. مع ذلك لاحظت وأنا أقلب مذكرات ريغان التي صدرت حديثاً أنه حين يتحدث عن الشرق الأوسط في 1980-1982 يستذكر أمرجدون[4]. تلك إشارة إلى أن أوساطاً أميركية كثيرة تبدو متشربة، بأوسع معاني الكلمة، الرؤيا البروتستانتية لنهاية العالم، وهي رؤيا موجودة أيضاً في داخل الصهيونية المسيحية.

نقع أيضاً على نوع كامن من الخلاصية الإسرائيلية يتمثل عند المتطرفين في مشروع إسرائيل بما هو إنشاء لدولة إلهية تتجه نحو نهاية الزمان حيث يكون الشعب اليهودي هو الشعب القدوة لتحرير البشرية. وقد عادت مضامين من هذا القبيل إلى الظهور في الإسلام مع كلام في نهاية العالم يستعير، في دورة من دورات الزمان العجيبة، كتلاً بحالها من الرؤيا البروتستانتية لنهاية العالم ويدرجها في الرؤيا الإسلامية المعاصرة لتلك النهاية. حين وقع الحادي عشر من أيلول، قالت أوساط مسلمة إنها عقوبة من الله. وهي قد استدلت على ذلك بكون المبشرين البروتستانت بنهاية العالم قالوا، هم أنفسهم، هذا القول. فالواعظ الإنجيلي التلفزيوني بات روبرتسون كان قد قال في الواقع إنه إن كان الحادي عشر من أيلول قد حصل في الولايات المتحدة فذلك لمعاقبة الأميركيين على المثلية الجنسية وعلى أشياء أخرى أيضاً، وهذا كلام نسج على منواله بعض المسلمين.

ولقد شهدنا أيضاً مناقشة توشك أن تكون مسلية. فبحسب الرؤيا المسيحية لنهاية العالم، تقع المعركة الأخيرة ضد المسيح الدجال في أمرجدون. وأما بحسب الرؤيا الإسلامية (التي يظهر فيها المسيح الدجال أيضاً) فتقع المعركة في اللد، في إسرائيل، أي على بعد حوالي مائتي كيلومتر من هناك. من الصعب تقدير الأهمية الفعلية لهذه المعطيات. أخمن أنها تتسبب في تشربات أكثر مما تدخل في قرارات تتخذ. وإذا كنت أشدد على هذه الجوانب فلأننا نشهد تنشيطا لرؤيا نهاية العالم حالما يغدو النووي موضوعاً للحديث. والحال أنه منذ سنة 1956 والإنذارات السوفياتية التي ورد في نصها استعمال الأسلحة النووية، أصبح للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني بعد نووي لا يمكن نكرانه وبتنا نقع بانتظام على أناس يدلون بكلام في صدد الصراع النهائي الذي ستستخدم فيه الأسلحة النووية في نواحي أمرجدون. وما يدور من كلام دعاوي حول إيران النووية يعيد تنشيط الرؤيا النووية لنهاية العالم مضافة إلى سائر الرؤى الأخرى التي ترقى بمصادرها إلى النصوص المقدّسة.

لو ديبا: لنعد إلى تصورات أكثر التصاقا بالأرض: ما هي مفاتيح القراءة الجيوسياسية الأخرى التي تستمدها من تاريخ العلاقات بين الشرق الأوسط والغرب؟

هنري لورنس: بعد الحرب العالمية الثانية، شهدنا تصديرا لثقافة الحرب الأوروبية نحو العالم الثالث وعلى الأخص، نحو الشرق الأوسط. وبمقدار ما أفضت الحرب الباردة إلى تجميد العنف في أوروبا (بفعل جدار برلين وتوازن الردع، إلخ.) كانت، في الواقع، نزاعا في العالم الثالث موضوعه العالم الثالث. تظهر اليوم كثرة من الأعمال الأميركية تعيد تأويل الحرب الباردة لترى فيها نزاعا على العالم الثالث، بمعنى أنها أفضت إلى تحييد المدار الأوروبي للنزاع ولو أنه بقي مركزيا ونقلت المعركة إلى الخارج. فقد أدت إزالة الاستعمار إلى إدراج هذا الخارج في مساق تنازعي. يمكن القول إذن، بمعنى ما، إن أوروبا تصدّر ثقافة الحرب وبمعنى آخر إنها تجنح بالتدريج نحو ثقافة السلام لأنها قد حيّدت: تلك نتيجة مفارقة من نتائج الحرب الباردة.

يوجد تصور آخر يصلح مفتاحاً وهو أيضاً تصور مؤرخ ويصح على المنطقة بأسرها. ذاك مصطلح التنكيل. فإن جملة النزاعات التي حصلت بعد 1945 أسفرت عن تنكيل مهول بالأهالي ومثاله الأقصى ما يحصل اليوم في العراق ولكنه موجود على مستويات عدّة في مجتمعات الشرق الأوسط الأخرى بما فيها إسرائيل. حين يزور المرء إسرائيل يتهيأ له أنه حيال أناس "طبيعيين". ولكن ما إن ينظر بمزيد من الانتباه حتى تتكشف له العسكرة والتسلح والتوتر حيال العمليات المحتملة، فيفهم إذ ذاك أنه ليس في أوروبا. في البداية لا يشعر الزائر بذلك. ينبغي فك رموز المنظر حتى ينجلي الأمر. ذاك ينمّ عن الصعوبة الكبيرة التي تواجهها النظرة الأوروبية إلى هذه المجتمعات. هي مجتمعات تحيلنا، بمعنى من المعاني، إلى ماضينا بما نحن أوروبيون، إلى ثقافة الحرب عندنا. غير أنه عاد لا يسعنا قبول هذه الحال لأننا أصبحنا في موقع دينونتها.

تصور آخر يمكن استخدامه هو تصور التنافس بين الضحايا. أحدث تقديس المحرقة اليهودية [الـ"شوا" أو الـ"هولوكوست"] تسارعاً في التنافس بين الضحايا في هذه المنطقة من العالم كما في غيرها. حين نحلل الكلام، ندرك الحضور الغامر للنزاع في فلسطين والحضور الغامر في ما يتعداه للولايات المتحدة. تحدث دومينيك شوفالييه في أطروحته التي كرسها لمجتمع جبل لبنان في أواسط القرن التاسع عشر أي في عهد الثورة الصناعية، عن "الغرب الذي لا مفرّ منه". ما أراه هو أن الولايات المتحدة غامرة الحضور اليوم في الفكر كما في الكلام الذي يصدر عن جملة آهلي الشرق الأوسط. والعلاقات هي نفسها التي شهدها عهد الاستعمار أي علاقة الحب-البغض وهو يصل إلى حد المقت المطلق: "الموت لأميركا".

يمكن اللجوء أيضاً إلى تصور آخر من تصورات المؤرخين وهو تنافر الأزمنة. المجتمعات الأوروبية التي كان لها مستعمرات في ما مضى قلبت الصفحة. أصبح الاستعمار أمراً من الماضي وهذا عبور كان مؤلماً شيئاً ما ولعله بمثابة جرح نرجسي. حين يعرض الاستعمار في الإنتاج الفني أو الفكري أو السينمائي، وحتى التاريخي، يجري الحديث عنه على أنه حالة غريبة أشبه بمكان من "أمكنة الذاكرة". هو ماض "مضى"، إلا في عين الجماعة الصغيرة التي نسميها "السكان الأصليين" المخيمين في الجمهورية. في الساعة الراهنة، يسعنا القول إن الإمبريالية والاستعمار في أوروبا باتا من الماضي بمعنى "الماضي الذي مضى". بخلاف ذلك لم يمض الاستعمار في تلك المناطق من العالم التي لا يزال فيها العداء للاستعمار قيمة مركزية ينتظم حولها الكلام السياسي كله ويتولى النزاع في فلسطين تنشيط المسمىالاستعماري باستمرار.

نحن إذن حيال ديناميات ومجار للزمن ليست هي نفسها على الإطلاق في البلدان المستعمرة القديمة وفي البلدان المستعمرة (بكسر الميم ثم بفتحها). يصحّ ذلك، على نحو خاص، في الشرق الأوسط ولكنه ينطبق، على نحو أو آخر، على العالم الثالث كله. حين تكون في منطقة النزاع هذه تكون الإمبريالية حاضرة. يكفي أن ننظر إلى العراق حيث يوجد الجيش الأميركي وحيث يحصل تدخل مستمر من جانب الولايات المتحدة في اللعبة السياسية وهكذا دواليك. الصيغة التي يتخذها الشعور بالماضي ههنا هي صيغة الحنق، والثقافات السياسية، والإسلاموية على الخصوص، هي ثقافات حنق أيضاً. في جنوب شرقي آسيا – أي عند النمور الجدد وفي الصين وفي كوريا، إلخ. – يتخذ هذا الشعور بالماضي صيغة أخرى هو صيغة الثأر. حين تشتري مؤسسة ميتّال مؤسسة آرسلور فهذا ثأر للهند من الإمبراطورية البريطانية. ولكن الحنق والثأر يحيلان إلى مجرى للزمن لم تؤل الظاهرة الاستعمارية فيه إلى نهاية. لا يوجد ههنا شيء اسمه "ما بعد الاستعمار": لا يوجد إلا المقلب الآخر من الاستعمار. وهذا ما لا نفهمه، بطبيعة الحال، إذ يعاد إلينا، على هذا النحو، ماض عدنا لا نرى فيه حاضرنا. في العمل الذي كرّسته للحملة على مصر، لاحظت ردّ الفعل هذا نفسه عند المصريين المعاصرين. فعندهم أن الحملة تعود إلى الواجهة بما هي رمز لعدوان أوروبا الاستعماري والثقافي وبما هي إرهاص بإسرائيل وبالإمبريالية الأميركية. هذا فيما يرى الفرنسيون في الحملة عالمين غرائبيين: مصر والملحمة النابليونية. نابليون ليس معاصرا لنا وأما بونابرت فهو معاصر لجميع المصريين. تلك حالة تلقي ضوءا قويا على تنافر الأزمنة.

لو ديبا: تبدو الحملات الصليبية موجهة أيضاً في الاتجاه الذي تشير إليه. فالحديث يجري عنها في الشرق الأوسط كما لو انها حصلت أمس.

هنري لورنس: هذا مثال مذهل حقاً. في الواقع، لا وجود للحملات الصليبية في المخيلة السياسية للإسلام الكلاسيكي. وكتبة الحوليات الإسلامية المتعلقة بالحملات الصليبية لا يتحدثون عن حملات صليبية. هم يتحدثون عن حروب تدور على تخوم الإسلام وتهدد في بعض الأحيان مناطق حساسة من العالم الإسلامي ولكنهم لا يبدون شعوراً بحركة تاريخية ولا يحملون نظرية للحملة الصليبية. يصبح الأمر أكثر تعقيداً، نوعاً ما، ابتداءً من المماليك أي من نهاية القرن الثالث عشر إذ يبدأ الحديث عن "حرب على الصليبيين". ولكن الحرب على الصليبيين عبارة عن مجموع إجراءات دفاعية هدفها منع الفرنج من العودة إلى فلسطين بما يحتمل أن يصحب هذه العودة من أبنية دينية و أيدلوجية. وحتى في العهد العثماني الذي نشهد فيه حروباً حدودية انتقلت إلى المجال البلقاني أو حروباً استمرت في المتوسط الشرقي حتى عهد متأخر جداً، بقي المسلمون لا يعلمون ما هم الصليبيون. هم لن يكتشفوهم إلا في القرن التاسع عشر حين أخذوا يقرأون المؤرخين الغربيين. فتصور الحملة الصليبية عندهم مستورد مباشرة من التاريخ الأوروبي المدوّن ولا ينتمي إلى مصدر داخلي في الثقافة الإسلامية. وفي عهد الإصلاح الإسلامي في أواخر القرن التاسع عشر، وصل الأمر إلى حدّ القول، على ما في القول من مفارقة، إن الحملات الصليبية كانت إيجابية باعتبار أن الأوروبيين أخذوا صيغاً من الإسلام إلى ديارهم ومالوا بالمسيحية نحو الإسلام وهو ما تولدتمنه البروتستانتية!

لم تصبح الحملة الصليبية موضع هجاء صريح إلا في القرن العشرين أي في الكلام القومي العربي وهي على الخصوص في المرحلة الناصرية، لا تعدو أن تكون ظهوراً تاريخياً للاستعمار الغربي. فإذ يذكر عبد الناصر الحملات الصليبية تكراراً في خطبه يقول: "لا تصدّقوا إنها كانت ظاهرة دينية وإنما هو الاستعمار". وفي فيلم يوسف شاهين صلاح الدين (1963)، على سبيل المثال، يظهر بوضوح أن الحرب ليست حربا دينية: وإنما يُطرد المستعمر.

وأما الانقلاب المعاصر فهو يتمثل في تحويل الإمبريالية إلى حرب دينية. بدأ ذلك بأيدي مجموعات إسلاموية ضيقة جداً، وخصوصا حزب التحرير وهو جماعة إسلامية صغيرة نشأت في فلسطين ولكنها باتت اليوم ذات انتشار عالمي وتنحو منشوراتها في الخمسينات والستينات إلى تقديم الحملة الصليبية على أنها حرب دينية. أصبح هذا الكلام مسيطراً في التسعينات وفي العقد التالي في أوساط القاعدة، وأفضّل من جهتي أن أسميها "الجهاد الدولي". في آخر المطاف، نقع على معادلات لهذه الحالة في الغرب تنطوي على الطراز نفسه من الأبنية الأيدلوجية، ومثال ذلك تصور "التقليد اليهودي المسيحي" وهو تصور يستشعر فيه المسلمون محاولة لإقصائهم. هذا فيما يشعر المسلمون أنهم مشمولون حين يقال إن الثقافة العالمية مؤسسة على التركة الإغريقية. وذلك أنه يوجد تقليد هلليني في الثقافة الإسلامية وإحالات متواترة إلى أرسطو الذي يعدّ المعلم الأول في الفلسفة الإسلامية. ألم يخصص آية الله الخميني نفسه رسالته الأولى للأعمال المنحولة على أرسطو؟ يوجد فعلاً في الفكر الإسلامي الكلاسيكي متابعة للإغريق ولروما عبر السريانية. فإذا أنشأنا سلسلة نسب تمرّ بالإغريق شملنا العالم الإسلامي، وأما سلسلة النسب اليهودية المسيحية فهي تقصيه. وهذا هو ما يستشعره المعنيون حيث هم. وتحصل إعادات التنشيط لسلاسل النسب وللتواريخ من الجهتين.

لو ديبا: ونحن نصغي إليك، ندرك عمق هوّة اللاإدراك التي يرتع فيها اللاعبون الأوروبيون والأميركيون الذين ينشطون في بلاد يزعمون أنهم يقومون بدور فيها ولكن من غير فهم مناسب لما يفعلون وللصورة التي يشعر بها اللاعبون المحليون بهذا الذي يفعلونه. نحن هنا في ظلال سوء الفهم الدائم.

هنري لورنس: ذاك أيضاً ما أسميه التغرير المزدوج. يجهد الغربيون، على الدوام، في التلاعب بالشرق أوسطيين والعكس صحيح. نحن هنا في أنظمة كلامية ترقى إلى القرن التاسع عشر، في الأقل، حين عمد الموارنة، في 1840، إلى التنويه بالمعونة التي قدّمها لهم القديس لويس ليثبتوا أن صلاتهم بأوروبا ترقى إلى القرن الثالث عشر. الدروز، من جهتهم، عرضوا للبلاط الفرنسي في القرن السابع عشر أنهم أحفاد شخص كان يدعى الكونت دو درو، ضاع في الجبل اللبناني في عهد الحملات الصليبية. اللعب بنصوص متبادلة من هذا القبيل أمر لا يتوقف.

ولكن لنعد إلى المسائل الأساسية. إذا نظرنا في مشروع الشرق الأوسط الكبير الديموقراطي وجدنا أن الكلام الذي يتناوله فيه غائب دائم هو القومية، إذ هذه لا تحضر بما هي مرجع إلا في الصيغة السلبية التي هي الإرهاب. من المستحسن طبعاً، بل من الضروري أن تتوصل مجتمعات الشرق الأوسط إلى الديموقراطية. ولكن هذا لن يكون ممكناً ما لم يدخل البعد القومي في الحساب أي البعد المعادي للإمبريالية وهو النواة المركزية لجملة الكلام السياسي في المنطقة. فإذا لم يحصل هذا الدخول كان الإفضاء إلى الفشل محتماً. بهذه المثابة، تبدو السياسة الأميركية في طريق مسدود. من جهة أولى، يقيم صانعو القرار الأميركيون في منطق تدخّل وتوريط إذ يوجد كثير من الناس يطلبون إليهم باستمرار أن يتدخلوا في الساحة مباشرة ومن الجهة الأخرى، توجد منظومات للسلطة وللسلطة المضادة في داخل المجتمع الأميركي تجعل نوعية الخبرة المتاحة تنخفض كلما ارتفعنا في الهرم السياسي. تلك هي الأوالة التي عايناها في مناسبة التدخل في العراق. يوجد جامعيون أميركيون ممتازون ويحصل إنتاج ممتاز لكتب من جانب باحثين أميركيين في شؤون الشرق الأوسط المعاصر، وهؤلاء يقولون كلاماً معادلاً تقريبا لما أقوله ولو ان تباينات تظهر تبعاً للهوى الفكري الذي يوجّه هذا أو ذاك من بيننا. ولكن يسعنا القول إننا نتحدث باللغة نفسها أنا وزملائي في الجامعات الأميركية. ويسع تلامذة هؤلاء أن يجدوا لأنفسهم مواقع في المراتب الدنيا من الإدارة، في وزارة الخارجية أو في مواقع أخرى لاتخاذ القرار. ولكن حالما نأخذ في الصعود تأخذ الخبرة في الانخفاض ونعود لا نقع إلا على قدر متزايد من الأيدلوجية، وهو ما تدل عليه حالة المحافظين الجدد: فهؤلاء يجسدون انتفاء كل معرفة واقعية بمجتمعات المنطقة. تلك أوالة من أوالات الخطأ في الحساب.

في المقابل، يجوز اتهام الأوروبيين بالرخاوة، ولكن أوروبا تفيد من ثمار الخبرة الاستعمارية العتيقة، وفي أقطار من قبيل فرنسا مثلاً، وأيضاً في إيطاليا وإسبانيا، أي، على الجملة، في أوروبا المتوسطية، تبدو خبرة الجامعيين مستوعبة استيعاباً جيداً في عمل أصحاب القرار. أقدّر أن الجيش الأميركي يعزز حالياً نوعية ما في حوزته من خبرة. فإن كل جيش استعماري ينتج خبرته الخاصة بعد أن يقيم مدة من الزمن على الأرض. على هذا النحو كان إنشاء "المكاتب العربية" في الجزائر. وإذا شئنا اختزال الصورة أمكن القول إن الجنرال بتريوس يعيد، في العراق، إنشاء المكاتب العربية التي أنشأها بوجو في أيام غزو الجزائر، وذلك ليتمكن من العمل على الأرض مستخدماً معرفة اجتماعية حسية بالأوضاع المحلية.

لو ديبا: رسمت لنا لوحة إجمالية للعوامل التي تجعل الوضع صفيقاً إلى هذا الحدّ وتسمح بفهمه في آن. فلعلنا نستطيع الآن أن ندخل إلى مدى أبعد في تفصيل الأوضاع وفي تسلسل الحوادث التي وصفتها محاولين، على الرغم من هذه اللوحة القاتمة، أن نستكشف آفاقاً للتطور.

هنري لورنس: يجب التأمل أولاً في مجارٍ أخرى للزمن. نلاحظ أن الشرق الأوسط كله قد انقلب إلى الطور الثاني من الانتقال الديموغرافي. هذه المجتمعات صائرة بالتالي إلى شيخوخة سريعة جداً طوال القرن الحادي والعشرين. معدل الولادة في فرنسا أصبح اليوم أعلى من معدل الولادة في لبنان. ذاك أقل صحة بالتأكيد في حالة مصر أو في حالة اليمن وإلى حدّ ما، في حالة السعودية. ولكن يبقى أن الواقعة الكبرى في ربع القرن الأخير هي هذا الانقلاب الديموغرافي. الشرق الأوسط يدخل في طراز من زيادة السكان قريب من الطراز السائد في البلدان الصناعية أو في تلك الصناعية سابقاً أو في تلك الموصوفة بما بعد الصناعية. هذا له نتائج كثيرة. نحن اليوم في أسوإ وضع ممكن على الصعيد السياسي (وإن يكن هو نفسه الوضع الأفضل في عين النظرية الاقتصادية)، إذ إننا حيال تكوينات سكانية شابة إلى أقصى حدّ، مع تركيز مفرط في الفئات العمرية الواقعة بين الخامسة عشرة والخمسين، بما يسفر عنه ذلك من مشكلات تكيف في الاقتصاد ومن مشكلات استخدام لقوة العمل. وأما الفئات العمرية التي تسبق سن الخامسة عشرة فهي أدنى عددا من تلك الموصوفة بالراشدة. في المقابل لا يزال الذين تجاوزوا الستين قليلي العدد نسبيا (2 إلى 3%ٌ). فما علينا إلا أن نجرّ آليا فئات الأعمار هذه عبر القرن الحادي والعشرين حتى ندرك أن شيخوخة لا رادّ لها سوف تصيب الجسم السكاني وستنتهي إلى "انفجار شيخوخة"، ربما بعد ثلاثين سنة، كذاك الذي تشهده إسبانيا أو إيطاليا حاليّاً.

الواقعة الثانية هي أنه، أية كانت أمراض الأنظمة السياسية في المنطقة، فهي قد فعلت، على وجه التقريب، ما يجب فعله. هي قد محت أمّية القسم الأكبر من السكان بما في ذلك الفئات الشابة كلها تقريباً. لا يزال ثمة بعض التأخير في مصر وحصل تراجع فظيع في العراق حيث شهدت البلاد قفزة هائلة للأمية، ابتداء من التسعينات، وذلك بفعل الحصار. من جهته، يعتدّ الأردن، مثلا، بأنه أزال الأمية كليا بين سن الخامسة وسن العشرين. وعلى سبيل المقارنة، كانت الناصرية تقوّم بمعدلات لمحو الأمية تراوح بين 40 و50 في المئة. المعدل اليوم 80 إلى 90 في المئة، في ما يتعلق، على الأقل، بالأصغر سنّاً. هذا العمل قامت به الأنظمة العربية التي هي ما هي! حين بدأت التردد على هذه المنطقة في أواخر السبعينات، كانت تشاهد عناقيد من الأطفال في كل موضع من شوارع دمشق. عدت لا ترى ذلك اليوم. الأطفال موجودون ولكنهم ليسوا عناقيد شأنهم في ما مضى.

على الإجمال، نلاحظ أن الإحصاءات الاجتماعية الثقافية من قبيل إحصاءات التنمية البشرية التي ينشرها برنامج الأمم المتحدة للتنمية، تجعل الشرق الأوسط في موقع متوسط: فلا هو بين الخمسين الأوائل ولا هو بين الخمسين الأواخر. ذاك يفسر كون الشرق الأوسط مصدّراً ومستورداً في آن على صعيد الهجرات. هو يصدّر نخبه بكثافة ولاعتبارات شتى نحو أوروبا وأميركا الشمالية وهو يستورد بكثافة عاملين من سري لانكا ومن أندونيسيا ومن الفيليبين ومن كوريا، إلخ. منطق الهجرة الداخلة والخارجة هذا هو، بحد ذاته، مميز لتوزيع العمل ولمستوى المعيشة في هذه المجتمعات. ولا مراء في أن الريع النفطي يغذي هذه المجتمعات وهذا أمر له آثاره الإيجابية والسلبية القصوى إن لم يكن لشيء فبسبب الوتائر المتكسرة لهذا الريع. والظاهر أن دورة الريع الجديدة التي أقلعت منذ مطلع القرن الحادي والعشرين مختلفة اختلافا واضحا عن السابقات. تقليديا، يفترض في نظرية الريع أن الريع يعزز الأنظمة السلطوية باعتبار أن الدولة تسيطر على 80 إلى 90 في المئة من المداخيل البترولية وهذا بغضّ النظر عن كون النظام اشتراكياً أو رأسمالياً. لسنا هنا في المنطق القائل أن "لا ضريبة إن لم يوجد تمثيل" وهذا لأن الدولة هي التي تدفع للمجتمع وليس المجتمع هو الذي يدفع للدولة. يتم شراء الأهالي بالشيكات، وهذا ما يسمى المحسوبية. هذا في ما يتعلق بالنظرية التقليدية للريع التي كانت سارية على نحو ممتاز من السبعينات إلى الثمانينات.

الوضع مختلف في الوقت الحاضر. في ثلاثين سنة من الريع النفطي المرتفع (وإن يكن شهد ترجّحات شديدة) تكونت بورجوازية مقاولة وهي تملك أموالا. في بلاد الخليج تكونت فئة واسعة جداً من أصحاب الملايين بالدولار. لا ريب أنها لا تزال تابعة للدولة جزئيا، لجهة مداخيلها، ولكنها اكتسبت قدرا من الاستقلال عن الدولة أيضاً إن لم يكن لشيء فلكونها صدّرت قسما من رساميلها إلى الغرب. ولا يفهم الجهاد الدولي إلا في ضوء استواء الريع قطاعاً خاصاً أو بالأحرى في ضوء تراكم رأس المال المتحصل من الريع. فإن المجتمع المدني هو من موّل الجهاد في صورة أعطيات ذات صفة دينية قدّمها الأثرياء السعوديون. قبل ثلاثين سنة، كان ينبغي أن توجد دولة تموّلك إذا شئت أن تتعاطى الإرهاب. وأما جنوح الجهاد إلى الاستقلال بنفسه فهو صادر مباشرة من التوزيع الاجتماعي الاقتصادي الجديد. الأعطيات ذات الطابع الديني، معززة ببعض الشبكات، تتيح لبن لادن أن يحصل على المال ليفعل ما يشاء. هذا بينما كان أبو نضال مجرد مرتزق.

أتاح استقلال الريع عن الدولة أيضاً أن يبرز إلى الساحة رجال سياسة من أصحاب المليارات وكان مثالهم رفيق الحريري في لبنان. ويتزايد عدد هؤلاء في هذه المنطقة من العالم ومنهم الأمير الوليد بن طلال الذي يملك نصف أوروديزني. هذا الاستقلال أوطد بكثير في دورة الريع الحالية مما كان عليه في الدورات السابقة. ما يزال المال في يد الدولة ولكن هذه عادت لا تحتكره. نشهد أيضاً في أقطار الخليج تبارياً هائلاً في إنشاء الأنصاب الثقافية ما يزال يصعب احتساب نتائجه، ويمثله اللوفر في أبو ظبي وتمثله السوربون أيضاً ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ومعهد باستور وقد اشتريت بطريقة المفتاح باليد. لا نعلم ما الذي سيخرج من هذا كله. يبدو زملائي في جامعة باريس الرابعة راضين إجمالاً بقطع النظر عن الدخل المالي الذي يتيحه لهم ذلك. هذه الأشياء الجديدة كلها متصلة بدورة الريع وبالرغبة في تحويل الريع إلى ثقافة. يسع المرء أن يعارض هذا كله: أن يقول إن هذه الغراس لن تمتد لها جذور وإن التربة الثقافية اللازمة غير متوفرة. مع ذلك فإن زائر دبي أو أبو ظبي أو أيضاً زائر قطر يقع على دينامية تجارية لا شبه بينها وبين كآبة المنظر في ليبيا حيث يخرج المرء بانطباع مؤداه أن المال لم يستخدم في شيء إلا في مزيد من تفكيك مجتمع مفكك. من عدة سنوات، دخلت دبي في مرحلة ما بعد النفط. ولكن جاذبيتها التجارية تصل إلى القوقاز وإلى أوكرانيا وإلى أندونيسيا. الناس في دبي يدور تفكيرهم على الشبكات وعلى الاقتصاد وعلى الأسواق. من الواضح أن شيئاً ما يحصل في الخليج يمكن اختصاره بشبكة تجارية ومشروع ثقافي يجري تكوينهما. ولكنني عاجز عن التنبؤ بما سينتهي إليه ذلك بعد خمس سنوات أو عشر أو خمس عشرة.

لو ديبا: كيف تنظر جماعات الأهالي المسلمين إلى حالات النمو المتورّم هذه؟

هنري لورنس: ينظر إلى دبي في المنطقة على أنها أرض الذهب. اللبناني، مثلا، يرى المستقبل هناك. معلوم، في المنطقة، أن دبي تحررت من الريع النفطي. قبل عشر سنوات، حضرت في دبي اجتماعاً أوروبياً-عربياً. كان محاورونا هناك أمراء تجاراً رفيعي المستوى. وكان الواحد منا يشعر أنه أمام أعيان من أرستقراطيي البندقية في القرن الرابع عشر يهتمون بالاستحواذ على الصفقات وبإدارة الأعمال. كانوا مستعدين لحشد رساميل يعاد بها بناء العراق أو فلسطين إذا تقدمت العملية السلمية. دبي اليوم، هي المرجع، في الشرق الأوسط، في باب النجاح وإن يكن هناك أعراض مقاومة وحالات توتر وكثير من التكوينات غير الناجزة.

لو ديبا: هناك إذن حالات تطور في العمق، وهو تطور في النموذج: في النموذج الثقافي على الخصوص. ولكن هل ترى على المقلب الآخر، أي في جهة الأوتوقراطيات الشرق أوسطية، آفاقاً لتحوّل من القبيل نفسه؟

هنري لورنس: يردّنا سؤالكم إلى مسألة الديموقراطية. كثيراً ما تفهم الديموقراطية في المنطقة على أنها خطر على السلم الأهلي. فإن الهاجس المستولي على دول المنطقة هو الانفجار في صورة الحرب الأهلية بين الطوائف أو بين الجماعات القومية. ويؤكَّد أن ثمة مشروعاً أميركياً أو صهيونياً من هذا القبيل، وليس هذا خطأً، بمعنى ما، ما دام أن خطباً لساسة أو لصحافيين أميركيين أو إسرائيليين اتخذت لها موضوعاً إنشاء دولة مارونية أو درزية أو شيعية أو علوية. ما يتعين فهمه جيداً هو أن الشرق أوسطيين يقرأون الصحافة العالمية ويحيطون جيداً بما يقال في البلاد البعيدة. غير أنهم، ببساطة، يؤوّلون هذا الذي يقال وفقا لترسيمة المؤامرة. شهدت سوريا حرباً أهلية في 1981-1982 سقط فيها أزيد من عشرين ألفاً من القتلى. وشهد الأردن حربا أهلية في 1970-1971 أطلق عليها اسم أيلول الأسود وكانت في الواقع أطول من ذلك سقط فيها ما بين ثلاثين ألفاً وأربعين ألفاً من القتلى. ودارت في لبنان حرب أهلية من 1975 إلى 1990 ويقدر عدد ضحاياها حالياً بمائة وثلاثين ألفاً إلى مائة وخمسين ألفاً من القتلى. وآخر الشواهد على هذا ما يجري في العراق. وخلاصة القول في هذا الصدد إن هذه الأنظمة باقية على قيد الحياة بفضل الخوف الذي تبثه أجهزة القمع في نفوس الأهلين وبفضل الخوف الذي يوحي به إلى هؤلاء الأهلين أنفسهم إمكان انهيارها. فهي تقدّم نفسها على أنها الضامنة لحال مستقرة فيما ينذر قدوم الديمقراطية بجلب عدم الاستقرار على غرار لبنان والعراق. ولا يعدّ الوضع القائم اليوم في لبنان حافزاً يعتدّ به إلى نشر المثال الديمقراطي.

في مصر التي يصعب دائماً إيجاز حالها بكلمات، استمر نظام مبارك الشخصي من 1981 إلى اليوم ويخشى أن ينتهي إلى توريث ينشئ سلالة رئاسية، وهو ما ينظر إليه الأهلون باستياء شديد. على أن البيرقراطية تذكّر بوجود دولة في البلاد وإن لم تكن لهذه الدولة علاقات طيبة بالأهالي. عامة المصريين يشعرون بالحذر من الدولة من خمسة آلاف سنة أو ستة آلاف ولا ينشئون معها قطعياً علاقة تشبه علاقة الفرنسي بالدولة الحامية. المصري أميل عادة إلى السؤال: ما الذي تريده الدولة منه؟ وفي العلاقة بالغربيين، تلعب مصر على الدوام لعبة "أنا أو الفوضى". بعبارة أخرى: "إن أنتم جئتموني بالديموقراطية، حصلتم على الإخوان المسلمين". بعد ردح معين من الزمن، كفّ الغربيون عن الضغط إذ حصل فعلاً قبل سنتين أو ثلاث جهد حقيقي لاعتماد الديموقراطية مثلته حركة "كفاية"، وهذه كلمة عربية معناها "طفح كيلنا"، والحركة يقودها مثقفون، وظهرت ملامح لانتخابات برلمانية كسبها الإخوان المسلمون. ذاك استعمال حاذق للإسلاميين ينتهي إلى استبقاء التسلط بموافقة الغربيين أو – بعبارة أدقّ – بموافقة الأميركيين!

من زاوية أشمل، يتعين الخروج من الخلط بين الحركات الإسلامية القومية والجهاد العالمي. الحركات الإسلامية القومية هي، على التقريب، حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين والإخوان المسلمون في مصر. لم يقاتل حزب الله أبداً في خارج أرضه أو أرض فلسطين المحتلة. ولم يعلن مسؤوليته قطّ عن عمل إرهابي، وإن يكن صغيراً، في خارج الشرق الأوسط. وهو قد اعتمد كل ما خرجت به طهران تباعاً من مدارات الكلام بما في ذلك حوار الثقافات أو الحضارات. نظّمتُ ذات يوم ندوة مع أعضاء في حزب الله كان موضوعها حوار الثقافات ولم يكن الأمر عديم الفائدة أبداً. توصلنا إلى إنتاج عمل موضوعه الخوف من الآخر. هذه الحركات لها مقرات على قارعة الطريق، بمعنى أن أي صحافي غربي يسعه أن يجري مقابلة مع مسؤول من حزب الله أو من حماس أو من الإخوان المسلمين. وحتى لو كان الكلام محضرا سلفا فإن إمكان المناقشة قائم. والحال أن سفارة فرنسا في بيروت لها صلات دائمة بحزب الله الذي تعتبره محاورا. وتجري محاولات يائسة لمنع إدراجه نهائيا في الخانة الإرهابية. هذه الحركات تقبِل على تعاطي اللعبة الانتخابية ويسعها، في بعض الظروف، أن تربح في الانتخابات على غرار ما حصل في فلسطين. والحوار معها ممكن وإن يكن صعباً وإن تكن المحاورة لا تعني التسليم. وإذا كان المراد أن يوجد مرسى حقيقي للديموقراطية في هذه المنطقة من العالم، فلا بد من القبول باشتراك هذه الجماعات في ممارسة السلطة، وفق المصطلح القديم لحزبنا الاشتراكي. بخلاف ذلك، لا يوجد مجال لأي حوار مع الجهاد العالمي الذي انبثق من المسألة الأفغانية والذي هو حركة عدمية كلياً.

وجدت تسلية في ممارسة الاستفزاز المتمثل في تظهير العلاقة ما بين هذه الحركات ومجموعات اليسار الأقصى والتطرف التي كانت قائمة في أواخر الستينات. القاعدة هي بكل بساطة الـ"فوكو" أي "بؤرة حرب العصابات" التي قال بها تشي غيفارا. فاستراتيجية بن لادن ليست غير تطبيق للنظرية الغيفارية ولكن المطبِّق هنا من أهل الجِدّ وهو حاصل على الوسائل. وحزب الله برهان جلي لصلاح نظرية الحرب الثورية التي أنشأها أصحاب اليسار الأقصى من الأوروبيين والشرق أوسطيين وكانوا عاجزين عن تطبيقها في الستينات، وهي تقضي بالاندراج التام في وسط الأهالي حتى لتصبح الحركة غير مرئية. تقول الأسطورة إن الأب، في قرية من جنوب لبنان، لا يعلم أن ابنه قائد قوة الحزب في المنطقة إذ إن الفواصل بين تشكيلات التنظيم محترمة كليا. وأستطيع أن أضمن لمن يزور جنوب لبنان أنه لن يرى شيئاً من حزب الله الذي هو حاضر، مع ذلك، في كل مكان من المنطقة. فإن مناضلي الحزب هم حقا "كالسمك في الماء". ويصيب أوليفييه روا[5] الذي أكن له تقديرا كبيرا حين يربط هذه الحركات الإسلامية بالعالم ثالثية التي عرفناها في نهاية الستينات وأوائل السبعينات مضافاً إليها ثلاثون سنة من ثقافة الحرب وحمل للنظريات التي جرت صياغتها في تلك الآونة على محمل الجد.

لو ديبا: ما دمت تتحدث عن القومية بالمعنى الأيدلوجي والمتحزب للكلمة، فلنغامر بطرح سؤال ساذج كلياً. نشعر بأن عملية تجذر الأمم ما زالت مستمرة في مساقات التطور العميقة في الشرق الأوسط وأنها، بمعنى ما، عقبة في وجه الإسلاموية اليوتوبية أي تصور الأمة على أنها إعادة تكوين للإسلام الموحد. ما رأيك؟

هنري لورنس: هذه المشكلات المتعلقة بالـ"أقلمة" وبالـ"لاأقلمة" تولى جان بيار فيليو وأوليفييه روا وآخرون تحليلها على نحو ممتاز. الحركات الإسلامية القومية حركات محدودة في أقاليم. حزب الله يعبر عن نفسه في المجال السياسي اللبناني أي في داخل الإقليم اللبناني. حتى أنه عاد لا يقول بإنشاء جمهورية إسلامية وأصبح يطرح نفسه على أنه لاعب أو ربما لاعب مركزي في النظام السياسي اللبناني. هو إذن مؤقلم كليا. وأما حماس فهي تمثل استعادة الإسلاميين لمنظمة التحرير الفلسطينية كما كانت في صيغتها الأولى أي في الستينات. وليس برنامجها إلا الذي انطوى عليه الميثاقان الأولان لمنظمة التحرير وقد جرى تغليفه بالمصطلح الإسلاموي. إذا أجزنا المبالغة في التقريب قليلا أمكن النظر إلى الإخوان المسلمين، من وجوه عدة، على أنهم معادل الأمميات الديموقراطية المسيحية. فإن كل حركة للإخوان المسلمين تحيلنا، بكل تأكيد، إلى المنظمة الأم التي وجدت في مصر ولكن الحركة تندرج في إقليمها وإن تكن تستبقي علائق سياسية وفكرية مع الحركات المعادلة في الأقطار الأخرى. هذه الحركات مؤقلمة جيداً إذن، وهو ما يمنع أن ينسب إليها إرهاب في خارج إقليمها. في المقابل أثبت أوليفييه روا، على نحو عبقري، أن الجهاد الإسلامي حركة لاإقليمية بامتياز تندرج اندراجاً صريحاً في نفي الإقليمية وذلك عبر العولمة. والحال أن "اللاإقليميين" يتعذر عليهم أن يبقوا لاعبين سياسيين أو هم يصبحون غير قابلين للاندراج في منظور ديموقراطي. هم في أفق آخر.

لو ديبا: بقي موضوع لم نتطرق إليه: وهو مسألة يتعذر تجنبها: مسألة النساء في العالم الإسلامي المعاصر.

هنري لورنس: مسألة الوضع المهني للمرأة غير مطروحة على الحركات الإسلاموية في الشرق الأدنى. عمل النساء لا يستغنى عنه هناك، إن لم يكن لشيء فبسبب الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية التي تسود المنطقة. يسع المرأة أن تكون أمينة سر أو أمينة مكتبة، أن تعمل في مؤسسة أو أن تكون مدرّسة: هذا لا يطرح أية مشكلة. بل هو أقرب إلى أن يكون موضوعاً للاعتزاز. اليوم في جنوب لبنان، يطلع النساء على اللاهوت الإسلامي، أو على ما كان منه شيعياً في الأقل، ويتلقّين تعليماً دينياً موازياً لذاك الذي يتلقاه الرجال. الإسلامويون في الحركات التي من قبيل حزب الله وحماس أو في حركات الإخوان المسلمين لا اعتراض عندهم على عمل النساء. بل إن هؤلاء جميعا باتوا اليوم يقبلون أن للنساء الحق في التصويت وأنه إذا وجدت بنية ديموقراطية فعلية فسيكون للنساء أن يقلن كلمتهن بالاقتراع. أما ميدان العراك فهو في موضع آخر: مداره جسد المرأة والصيغ العتيقة لمنطق الطهارة والنجاسة وللرغبة وحظرها.

لو ديبا: هل معنى هذا أن مسألة الحجاب مطروحة بصيغة بيتية لا بصيغة عمومية ما دام أن مسألة جسد المرأة مدارها العلاقات الحميمة؟

هنري لورنس: مسألة العلاقة بجسد المرأة واقعة فعليا في المجال العمومي. إذا كانت امرأة أو صبية تعيش في عالم إسلاموي لم يكن لها الحق في أن يمس جسدها جسد رجل. حين قمت بزيارة لمركز الأبحاث التابع لحزب الله في بيروت، كان هناك نساء عاملات في المكتبة ولكن لم يكن في إمكاني أن أصافحهن. وقد جرى مشهد هزلي للغاية، قبل سنتين، حين كنت أزور جامعة بير زيت في فلسطين، وفيها تستخدم كتب لي مترجمة إلى العربية في تدريس الطلاب. كان ثمة صبيتان لطيفتان محجبتان أرادتا تهنئتي على عملي. ولكن لما لم يكن جائزا أن أصافحهما فقد دخلنا في لعبة انحناءات على الطريقة اليابانية. في الشرق الأدنى، تشكل مسألة العلاقة الإسلاموية – ولا أقول الإسلامية – بجسد المرأة ميدان عراك يتواجه فيه العلمانيون والدينيون. وقد نقلنا هذا العراك بأبهة إلى فرنسا عبر مسألة "الحجاب في المدرسة". وليس خافياً عليكم أن الفتيات كنّ، في مناسبة هذه القضايا، يطلبن مواصلة دراستهن. ويؤدي الخلط بين وضع النساء المهني وجسد المرأة إلى نتائج مفارقة. فالخطاب النسوي-الإسلاموي يتمثل في القول: "نرفض كل تماسّ لأنكم تنظرون إلى المرأة على أنها موضوع شهوة". وأما النتائج فهي عكس المطلوب إذ تحصل الجنسنة بفعل المنع. وبشيء من الاختزال، يمكن القول إن المجتمع الغربي يجنسن جميع العلاقات بالاستكثار من أجساد الإناث العارية في النظام الإعلاني ويقابله مجتمع شرقي يتوصل إلى النتيجة نفسها بحجب تلك الأجساد. الجنسنة جارية في كلي الجهتين إذن على قدم المساواة.

لو ديبا: كشفت لنا عن البنى العميقة وعن التوجهات المتوسطة الأمد والطويلة الأمد في هذه المنطقة من العالم. تحدثت أيضاً عن وجود تنافر بين الأزمنة في قلب هذه المنطقة. وبين حالات التنافر هذه ثمة واحدة تستدعي وقفة خاصة هي حدة النزاع بين فلسطين وإسرائيل. في هذه العلاقات الزمنية بين تطور طويل الأمد يفسح في المجال، رغم كل شيء، لبعض التفاؤل وبين دوامة عنف يكاد لا يوجد مهرب منها وهي تمثل مركز التبلّر الذي يشد إليه سائر المجتمعات العربية الإسلامية، كيف ترى انعقاد حالات التنافر التي ذكرتها؟ بعبارة أخرى، ألا تنذر حدة النزاع بتغيير عميق في المعطيات التي أشرت إليها؟

هنري لورنس: في أقصى الحالات، يظهر النزاع على أنه العنصر المشكّل (بكسر اللام) والعنصر المشكّل (بفتحها) في آن معا. حالما تنزع عن هذا النزاع سائر الأسماء التي يتزيى بها ترى أن موضوعه الأرض المقدسة في جملتها بقدسيتها العميقة التي تحيل إلى الأديان الثلاثة. من هنا تكاثر المشاعر الزمنية أو ما يمكن أن أسميه تنشيطاً متكرراً لمشاعر زمنية قديمة. البعض يلجأ إلى التوراة والبعض يلجأ إلى القرآن، إلخ. وتضاف إلى ذلك اختلافات في التأويل الثقافي. فعند الكاثوليك، كان سكان الأرض المقدسة، تقليديا، من العرب. وهذا هو السبب الذي جعل الكنيسة الكاثوليكية تتخذ على الدوام موقفاً مؤيداً نسبياً للقضية الفلسطينية. مثلا عندما وصل الآباء الدومينيكان سنة 1890 لإنشاء المدرسة الفرنسية للتوراة والآثار في القدس، قاموا بمسح أنثروبولوجي للمنطقة ليحسنوا فهم التوراة. وأما في نظر البروتستانت الذين لا يعرفون غير النص التوراتي، أو في نظر قسم منهم، فالعرب يعتبرون غرباء. من هنا اختلاف المدركات والصعوبة المعرفية التي يلقاها أهل التقليد البروتستانتي في التسليم بوجود أناس من غير اليهود على هذه الأرض. وأما الذين ينظرون إلى الأمور نظرة علمانية فنراهم موغلين في سباق مجنون للعثور على سلاسل أنساب ضاربة في القدم. فالفلسطينيون يرون أنفسهم نسل الكنعانيين ويقولون: "يزعم اليهود أنهم كانوا هنا قبلنا، والحقيقة أننا كنا هنا أولاً. فنحن أحفاد الذين أبادهم اليهود." هذه المقاربة تتراجع اليومولكنها كانت موجودة.

ثمة، بعد ذلك، تقديس الهولوكوست، وقد أشرت إليه، وهو يلقي بظل يتزايد ثقله على هذه القضية. فإن كلاً من الشعبين يستخدم المرجعيات التاريخية الخاصة به أي التجارب التاريخية التي عاناها. لا يمكن للدولة اليهودية أن تبنى إلا بالإحالة إلى الهولوكوست. على أن ذلك من شأنه أن يجعل أعداء تلك الدولة، بطبيعة حالهم، لازمنيين. إما باستدعاء النازية على أنها دائمة الوجود وهذا وسواس ملازم للكلام الإسرائيلي منذ محاكمة أيخمان في أقل تقدير، وإما باستدعاء التجسيد الزمني للعدو الأزلي، وهو عدو مثله العمالقة، في بادئ الأمر، وتواصل وجوده بالنازيين وأصبح اليوم الفلسطينيين أو المسلمين عموما أو إيران. فحتى لو أرادت إسرائيل نفسها دولة عاديّة فإن تاريخها يجعلها تحت الوطأة الدائمة لخطر الإبادة، وذلك لأن الإبادة واقعة عرفها هذا الشعب.

من الجهة العربية والإسلامية، نقع على صفة التقديس الملازمة للقدس وللأرض المقدسة. وما لا يجب نسيانه هو أن الإسلام أقرب بكثير إلى اليهودية منه إلى المسيحية. منذ العصور الوسطى، أدرج الإسلام في مرجعياته الثقافية ما يطلق عليه بالعربية اسم الإسرائيليات، وهي كتلة ذات شأن من التقاليد اليهودية. ويقدس المسلمون في فلسطين، مثلا، موسى وإبراهيم. وقد تكونت القومية الفلسطينية حول التعلق بالنبي موسى الذي هو نفسه نبي اليهود، وهذا يطرح مشكلات بالغة التعقيد على الصعيد الأنثروبولوجي. يسعنا القول إن عمارة الإسرائيليات هذه قد رفعت عبر التحول من اليهودية إلى المسيحية ثم من المسيحية إلى الإسلام. وقد قدّس الإسلام أورشليم إلى حدّ أنها ضيعت اسمها في الإسلام وأصبح اسمها القدس أي المدينة المقدسة. كذلك أصبحت هذه الأرض هي الأرض المقدسة وهو ما أفضى إلى اختفاء الاسم التاريخي الذي هو فلسطين. هكذا لم يرجع لفظ فلسطين إلى التداول إلا في القرن التاسع عشر عبر الغربيين.

في ما يتعدّى ذلك، نقع على إضفاء صفة القداسة على التاريخ. من الجهة الغربية، حصل تقديس ميثولوجي للحرب العالمية الثانية وللمراحل التي أفضت إليها. ويصبح هذا التقديس أشد وطأة كلما ابتعدنا عن اللاعبين الفعليين. فالذين يلازمهم هاجس الوقوع في ميونيخ جديدة هم أميركيو الولايات المتحدة الذين لم يكونوا حاضرين في ميونيخ. والذين يلازمهم هاجس الهولوكوست هم أيضاً أميركيو الولايات المتحدة الذين لم يفعلوا شيئاً في أثناء الحرب العالمية الثانية لإنقاذ يهود أوروبا. من جراء هذه المباينات، نقع عند المحافظين الجدد وفي أوساط لاحقة بهم على منطق يعيد إنتاج كلام المرحلة السابقة. هكذا اجترح تصور "الإسلامي-الفاشي" الذي يسمح ببعث الحركة المعادية للفاشية. ولا يخلو من طرافة أن نلاحظ أن فرنسوا فوريه أراد أن يستبعد معاداة الفاشية من التقليد الديموقراطي فيما يصار اليوم إلى بعثها في مواجهة الإسلام. وإذا نحن شئنا العودة إلى ما سميناه تنافر الأزمنة أمكننا القول إن الأميركيين وسائر الدوائر المحافظة الجديدة بالمعنى الواسع يبدون وكأنهم يعيدون تمثيل الحرب العالمية الثانية مقبلين على اجترارها من غير توقف.

ليس للمسلمين معرفة حسنة بالفاشية. بل هم كانوا أقرب إلى الحفاوة بها في أيام حصولها. بعد ذلك جرى حقنهم بمعاداة الفاشية وبمعاداة النازية بجرعات عالية بواسطة اللغة الخشبية السوفياتية وحين وصلوا إلى الستينات أو إلى نواحيها، وجدوا أنفسهم على المستوى المطلوب، تقريبا، لهذه الجهة. وما كان منهم عند ذاك إلا أن ردّوا على الإسرائيليين الذين كانوا لا يكفّون عن اتهامهم بالنازية بالقول: "بل أنتم النازيون". ثم إنهم جنحوا إلى معاداة الإمبريالية ولكن لم يكن عليهم هذه المرّة أن يتعلموا ذلك من الغربيين. فالإمبريالية كانت مقيمة في ديارهم. وفي عين العالم العربي والإسلامي بل في عين ما يتعداهما من العالم الثالث أيضاً، تمثل فلسطين آخر بقية باقية من الإمبريالية. هي آخر حالة من حالات الاستعمار الاستيطاني لا تزال ناشطة. وبقدر ما يسعى الإسرائيليون إلى إثبات انتمائهم إلى الغرب يؤكدون، في نظر الجهة المقابلة، أنهم البقية الباقية من الإمبريالية. فإذا شئنا العودة إلى موضوع تنازع الأزمنة الذي يثيره سؤالكم ظهر، في ضوء ما سبق، أن الأطراف جميعا معنيون ما دام أن المشكلة هي ما تبقى من الاستعمار. نحن هنا أمام التقديس الآخر للتاريخ. الغربيون، او بعضهم في الأقل، يعيدون تمثيل العداء للفاشية فيما يعيد الآخرون تمثيل العداء للإمبريالية وكأنما استولت علينا حمّى تكرار تردّنا خمسين سنة إلى الوراء.

لو ديبا: يبدو هذا الاحتباس في لعبة التمثلات وكأنه بلا منفذ. ألا يؤدي إلى طبع النزاعات بطابع الجذرية؟

هنري لورنس: في الوقت عينه، هذا ما يطلق عليه علماء السياسة اسم "النزاعات ذات التوتر المنخفض". وأما النزاع ذو التوتر العالي فنقع عليه إذا قصدنا العراق.

لو ديبا: ولكن ألا يسع النزاع الإسرائيلي الفلسطيني على وجه التحديد أن ينقلب إلى فئة "التوتر العالي" ما دامت جميع هذه العوامل التي عددتها داخلة فيه؟

هنري لورنس: بين أيدينا أربع فرضيات ممكنة. الفرضية الأولى، وهي يوتوبية، هي احترام الحق. وذاك أن الحق قد جرى تثبيته. توجد مطالعة من محكمة العدل الدولية تفيد أين توجد إسرائيل وأين توجد فلسطين. ويوجد المبدأ المثبت في ميثاق الأمم المتحدة وقد جرى التذكير به في خمسة وعشرين قراراً لمجلس الأمن وهو عدم جواز ضم الأراضي بالقوة. ويوجد خمسة وعشرون قراراً للأمم المتحدة تطلب احترام اتفاقات جنيف. ولكن يستحسن استبعاد هذه الفرضية لأن احترام الحق ضعيف الاحتمال. الفرضية الثانية، وهي متفائلة، تقول بالعودة إلى ما يسمى معايير كلينتون أي اتفاق جنيف. وهو ما ينتهي، باستثناء فروق ضئيلة، إلى انسحاب حتى حدود الرابع من حزيران 1967. هذا الحل يمثل إطاراً لجميع المساقات السياسية، أي، مثلا، لمساق أنابوليس، إذ تحصل إحالة مباشرة أو غير مباشرة إلى ما يطلق عليه اسم "المبادرة العربية" التي أطلقت في قمة بيروت: السلام الشامل مقابلاً للانسحاب الشامل. للأسف نعلم أنه لن يحصل انسحاب شامل بل ستحصل ترتيبات تتعلق بالأرض ليس إلا.

الفرضية الثالثة هي أن يتواصل حتى الغثيان وعلى مدى قرون، إذا لزم الأمر، النزاع ذو التوتر المنخفض. النزاع الإيرلندي بدأ في القرن الثالث عشر، ولعله وصل اليوم إلى نهاية تقريبية. في حالات الاستعمار الاستيطاني، نقع على مسارات قد تقاس بالقرون وعلى ترجّح بين التوتر العالي والتوتر المنخفض ولكن مع رجحان للمنخفض. الفرضية الرابعة هي فرضية نهاية العالم، طالما أن عددا من الناس ليسوا لحسن الحظ في عداد اللاعبين السياسيين من أصحاب القرار، يحلمون أو يقدّرون أو يأملون أن تحصل أمرجدون بالأسلحة النووية في هذه المنطقة.

لو ديبا: هذا يعود بنا إلى بدء حديثنا.

هنري لورنس: في نصوص رفيعة السمت، ميز ريمون أرون ما بين "السياسات العقلانية" و"السياسات المعقولة". السياسة المعقولة قد تمثلها الفرضية الثانية. فهل ستوفر لها وسائل النفاذ؟

لو ديبا: لا بأس في ذكر ريمون أرون ختاماً: "الأسوأ ليس مؤكّد الحصول دائماً".

هنري لورنس: نعم. أو قوله: "حرب مستحيلة، سلام غير مرجّح". قرأت مجدداً مقالات مشوقة له في "الفيغارو" وقد جمعت في كتاب. يكاد لا يستعمل كلمة "إرهاب" أبداً. هذا لافت حين يقارن بالكلام المعاصر. عوض ذلك يقول: "متحزب". وهو ما يدل، من جهته، على رغبة في استبقاء مصطلح محايد. اليوم لا نجد أي معلّق يثبت التزامه هذه المسافة العقلية في ما ينشره من تعليقاتيوماً بعد يوم.

نقله إلى العربية أحمد بيضون

[1] هنري لورنس أستاذ التاريخ المعاصر للعالم العربي في الكوليج دو فرانس. من بين ما نشر له، نشير خصوصا إلى Paix et Guerre au Moyen-Orient: l’Orient arabe et le monde de 1945 à nos jours, (2e éd., Paris, Armand Colin, 2005)(الحرب والسلم في الشرق الأوسط: الشرق العربي والعالم من سنة 1945 إلى اليوم).La Question de Palestine, (Paris, Fayard, 3 vol., 1999, 2002 et 2007).(مسألة فلسطين، صدر منه 3 أجزاء). [وقد نشر هذا الحديث في مجلة "لو ديبا" Le Débat (المناقشة) الباريسية، وهي مجلة تصدر كل شهرين عن دار غاليمار ويرئس تحريرها بيار نورا ومارسيل غوشيه].

[2] الشرق الأدنى والشرق الأوسط تصوران جغرافيان-سياسيان يختلف امتدادهما باختلاف الأغراض. وأما المصطلح الجغرافي البحت فهو ذاك الذي تستخدمه الأمم المتحدة: آسيا الغربية، إذ هو لا يحيل إلى أية مسألة سياسية.

[3]Histoire et Liberté. Les Cahiers d’histoire sociale, no 31, été-automne 2007, Bibliothèque d’histoire sociale, Fondation Souvarine.وقد نشر النص الكامل للكلمة المشار إليها على الإنترنت، موقع“La République des idées” (www.repid.com)

[4] ينسب أصل هذا الاسم: "أمرجدون" أو "أرمجدون" إلى مدينة مجدو أو إلى "هار مجدو" (جبل مجدو بالعبرية) وهو يقع على مبعدة تسعين كيلومترا إلى الشمال من أورشليم وهناك تقع المعركة بحسب رؤيا يوحنا.

[5]Olivier Roy, L’Islam mondialisé, Paris, Ed. Du Seuil, 2002.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬