طوني شكر

1-11-Tony Chakar

حسن داوود روائي رائع، في رصيده الكثير من الروايات والقصص التي حصّلت له شهرة وموقعاً لا بأس بهما في الأدب المعاصر، العربي عامة واللبناني خاصة. من رواياته التي أحبها بشكل خاص اثنتان: "بناية ماتيلد" و"غناء البطريق". الرواية الأولى هي تفصيل لحياة وموت بناية من بنايات بيروت، التي لم نعد نرى مثلها اليوم، لا في الشكل ولا في منظومة العلاقات التي تنسجها مع ساكنيها. [1]

أما "غناء البطريق" فهي سرد لقطعة من حياة واحد من ساكني إحدى ضواحي بيروت العديدة (وهو يشبه البطريق على قول الراوي، ومن هنا اسم الرواية) في اللحظة المفصلية التي يقرر فيها ترك عيشه الذي يؤمن له ما يشبه الهناء في ضاحية مطمئنة إلى حد الضجر والذهاب إلى المدينة من أجل البحث عن العمل والاستقلالية.

قد يكون مفيداً الولوج إلى موضوع شائك، مثل علاقة هندسة العمار والتعليم الهندسي بالمدينة، من خلال روايتين كتبهما شخص لا علاقة له لا بالممارسة ولا بالتعليم الهندسيين ــ فهكذا نضمن على الأقل أن نظرته للأمور لم يطلها التشوه المهني، إذا جاز التعبير، الناتج عن التصاق القارئ بموضوعه، وأقصد هنا طبعاً المعماريين والعمارة. ففي كلا الروايتين تنسج الشخصيات مع المدينة أو العمارة (ماتيلد مع بنايتها البيروتية والبطريق مع بيت أهله في الضاحية) علاقات لا تجد طريقها عادة لا إلى الرسومات الهندسية ولا إلى مكاتب المعماريين. ففي الرواية الأولى لا تكتفي البناية بكونها الصورة التي تجري على خلفيتها أحداث ما، بل تتحول شيئاً فشيئاً إلى الشخصية الرئيسية في القصة، أو عمودها الفقري إذا صح التعبير. فلولا العلاقات التي ينسجها كل من الساكنين مع فضائه الخاص أولاً، ثم مع فضاءات المبنى العامة، ومن خلال هذه مع بقية الساكنين في الشقق الأخرى، لم تكن لتستوي رواية أصلاً. والأهم من ذلك أن هذه العلاقات ينسجها الساكنون من خلال حركة أجسادهم ونظرهم الشارد الذي يتحرك في الفضاءات بعشوائية محكمة. تحمل حركة الأجساد والنظرات هنا كل ما تحتويه المدن وما يتجاهله المعماريون، ولكي لا نظلم ربما وجب القول أغلبهم: تجربة المتشظي، المحتمل، العارض، الطارئ، غير الثابت، الهارب، المتردد، السرّي، اللاعقلاني، احتمالات الرغبة وخيباتها، أكانت رغبة جنسية أو رغبة في السلطة. فمثلاً، هناك في الرواية مشهد بديع في دقّته وسريّته: عمة الراوي جالسة في الدار، ولأول مرة بعد سنين من السكن في الشقة، ولسبب يظل خفياً على القارئ، تنظر فترى باباً يؤدي إلى شرفة تطل على باحة البناية الداخلية. نفهم أن الباب يظل مغلقاً، وهو بقي على هذه الحال لسنوات. تفتح الباب وتخطو خطوة إلى الخارج. تنظر حولها وتتفاجأ بابن جيرانهم الجدد، الشاب، يقف على الشرفة المقابلة لشقتها. الشاب يحيي بتهذيب شديد ويخفض نظره إلى الأسفل. إلى الآن تبدو كل الأمور منتظمة وفي مكانها، لكن القارئ يفاجأ بردة فعل العمة، التي لا تكتفي بعدم رد التحية، لكنها تدخل غاضبة وتقرر أن تغلق باب الشرفة نهائياً. نفهم لاحقاً من التمتمات المبهمة والمتقطعة للعمة أسباب غضبها: فالباحة الداخلية التي تطل عليها الشرفة هي من الفضاءات النسوية، ولا شأن للجار الشاب أن يكون هناك أصلاً، بغض النظر عن تهذيبه الذي تجلى بطأطأة رأسه حين لمح العمة. فمجرد وجوده في هذا الفضاء هو اعتداء عليها بعنف النظر، مع ما يحمله هذا العنف من إرادة السيطرة ومن إيحاءات جنسية. ثم، فجأة، يتحول فضاء الباحة ليس فقط إلى مكان يجري اختراقه والتقاتل عليه، بل إلى مكان تتكثف فيه اللحظة المعاشة ويصبح بينها وبين اللحظة الحاضرة "قرون من الزمن" على حد قول والتر بنيامين في كلامه عن تجربة بودلير المدينية. فالشاب هو من الجيران الجدد، وهو بهذا، ربما، لا يمكن لومه على فعل لم يكن أحد سكان البناية "الأصليين" ليقوم به، معتدياً على أعراف واتفاقات ضمنية يستوي عليها عيش سكان الشقق المختلفة. يحضر هنا الماضي في وجدان العمة، وتتضخم وطأته وهي تقارن بينه وبين الحاضر: قيمه التي لا تنفك تتشظى تحت ثقل الحاضر المستمر، اللحظة الراهنة التي تبدو كاغتراب عن تقاليد ماضٍ تعرفه جيداً، فينتهي المشهد بإغلاق الباب وبانصراف العمة إلى نوستالجيا عميقة. "وجه المدن يتغير بسرعة تفوق سرعة خفقان قلوب الهالكين" على حد قول بودلير، الذي كان في قلب التغيرات العميقة والعنيفة التي أحدثها البارون هوسمان في مدينة باريس. وفي سياق المنطق نفسه، لا يمكن فهم "موت" بناية ماتيلد من خلال تفجرها في بداية الحروب اللبنانية إلا بشكل رمزي: هذه الحروب وعنفها شكلت نهاية عالم ونشوء آخر، ربما كان في قلبه وربما لم يكن.

مثلان آخران سوف أسوقهما لكي لا يصير الكلام أقرب إلى التحليل الروائي منه إلى محاضرة في الهندسة:

المثل الأول هو مقتل ماتيلد نفسها؛ كل الظروف المحيطة بمقتلها مبهمة، غامضة ومفتوحة على شتى الاحتمالات. الأرجح أن يكون الشاب الذي أجّرته غرفة في شقتها هو القاتل، والأرجح أن السبب هو رغبة جنسية لم تُشبَع، لكننا نبقى في مجال الترجيح، ولا نصل إلى اليقين. فماتيلد هي سرية مثل شقتها، مثل كل الشقق في كل المدن، هي مستودع للأسرار بمواجهة أمكنة عامة هي أمكنة الإعلان والإفصاح بامتياز. وبهذا، فإن الحقيقة، حقيقة الأشياء، تتملص دائماً، وتراوغ، وتمتنع عن التعريف. هي تشبه الرجل الغامض في رواية إدغار ألان بو، الذي يثير انتباه بطل القصة، فيقرر ملاحقته في شوارع المدينة من أجل معرفته والوصول إلى حقيقته، لكن الرجل ينعطف، يدخل في زاروب، ويختفي كلياً. المعرفة في المدن دائماً مجتزأة، متشظية وظرفية.

المثل الثاني هو من رواية "غناء البطريق". يقرر الرجل الذي يشبه البطريق القيام برحلة من منزله في الضاحية إلى المدينة من أجل البحث عن عمل. يذهب وحده، وتكون هذه رحلته الأولى. عند وصوله إلى المدينة، يقول:

"لم أبطئ في مشيي، ولم أنظر إلى محل واحد أو إلى الرجل في المحل الواحد عند اقترابي منه. ينبغي لي ألا أنظر إلا من بُعد، من مسافة ثلاثة محلات أو أربعة […]، بذلك لا تلتقي عيناي عيون من أصادفهم حيث أكون أشاهدهم في غير الوقت الذي يشاهدونني فيه".

النظر هنا هو اللاعب الرئيسي، إلى درجة أن الشخصية نفسها اختُزلت إلى عينين متحركتين. لكن النظر هنا هو نظر مديني، في حركة دائمة تبحث عن التواصل، مع أن التواصل مستحيل. تبحث عن إرادة السيطرة، مع أن السيطرة دائماً مجتزأة وظرفية، وتبحث عن الرغبة، مع أن الرغبة لا تكون إلا من طرف العين. هاتان العينان المولعتان بالرحلات تختبئان وراء مشية ثابتة ("لم أبطئ في مشيي")، ولا تفصحان.

أسئلة كثيرة تطرح نفسها بعد هذا العرض، وسوف أكتفي بتناول اثنين منها فقط، وهما مترابطان على ما أعتقد. السؤال الأول هو التالي: لماذا وجدت المدينة الحديثة، بل وتجربة الحداثة، طريقها إلى الأدب العربي، ولم تجد طريقها إلى هندسة العمار العربية بعد؟ قد يبدو السؤال فجاً، ولكنه ليس كذلك؛ وللتوضيح، عندما أتكلم عن تجربة الحداثة من خلال الهندسة، لا أقصد أسلوباً معيناً في تصميم الواجهات، أو تياراً معيناً، أو حتى شكل الأبنية وواجههاتها. فالشكل، بالمطلق، ليس مهماً، وهو معرّض أصلاً لنفس النظرة المتشظية التي لا ترى سوى الجزئي، والتي جرى الكلام عنها أعلاه. ما يعنيني هو تجربة مدينية، يكوّن الجزئي نواتها الصلبة، مع ما يحمل من مدلولات وإيحاءات، كالرغبة، والشك، والتردد، وإشارات إلى أمكنة أخرى وأزمان مضت. الاعتراض الأول على ما سبق قد يأتي من خلال مقولة شائعة جداً في البلدان العربية عامة، وعند المثقفين العرب بشكل خاص، فيُقال لنا، مثلاً، إن المدن العربية لم تعرف الحداثة بعد، وإن هذا الذي يشبه الحداثة فيها ليس منها، بل من خارجها، وجل ما يفعله هو تشويه طابعها وقتل روحها. إذا كان هذا صحيحاً، فماذا نفعل بكل الروايات التي كُتبت والتي تحمل في صلبها تجربة العيش المديني؟ كيف نقرأ حسن داوود والياس خوري ورشيد الضعيف وهدى بركات، وحتى نجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف؟ إن كان هذا صحيحاً، فما سبيلنا إلى قصائد سامر أبو هواش وفادي طفيلي وبلال خبيز وشارل شهوان؟ يبقى السؤال إذاً عصياً على الإجابة: لماذا تم القبول بتجربة العيش المديني في الأدب، بل وحتى الاحتفال به، وتم رفضه في الهندسة، ممارسة وتنظيراً؟ كم يبدو هذا الأمر بعيداً عما نشرته مجلة "حديقة الأخبار" البيروتية، في عددها الصادر في تموز 1864:

"تكاثرت الأبنية الجديدة التي زينت مدينة بيروت خلال السنوات الماضية وأصبحت معروفة من الجميع؛ هذه الأبنية جميلة ومنتظمة، وأنيقة ببساطتها [...]، ومنذ الخمسينات ارتفعت طوابقها وامتدت إلى خارج المدينة من جهاتها الثلاث [...]، والآن يستطيع المرء أن يجد في النواحي الخارجية بيوتاً كبيرة وقصوراً ضخمة تلفت النظر بسبب أمكنتها المنتقاة بعناية وهندستها [...]، فهي أفضل الآن بسبب إضافة القرميد إليها ولأن حجارتها منظمة حسب الذوق الجديد".

أود الإشارة أولاً إلى النبرة الاحتفالية لهذا المقال المثبت في كتاب ماي دايفي، "بيروت: قرن ونصف من التخطيط المديني"، والتي قلما نلقاها اليوم في الكتابات عن المدن العربية. ثانياً، يزخر المقال بإشارات إلى شخصية مفترضة، تتمشى وتنظر حواليها، وتُسرّ بما تراه. النظر أساسي في المقال، ومجاله هو الفضاءات العامة الجديدة، أي الطرقات والساحات التي نشأت بفعل الحداثة، والتي لولاها لما أمكن للنظر أن يجول ويقدر جمال الواجهات الجديدة وأناقتها ــ والتي أصبحنا اليوم في بيروت نعتبرها تراثنا الهندسي، أي البيوت المبنية حول دار مركزية تطل على المكان العام من خلال قناطر ثلاث. لكن الأهم من كل ذلك هو الإشارة إلى ما يسميه المقال "الذوق الجديد". المفهوم نفسه يطرح تساؤلات عديدة: ذوق جديد نسبة إلى ماذا؟ إلى ذوق قديم يسبقه؟ ما هي ملامح هذا الذوق القديم؟ أهو تراكم لنوم دام قروناً تحت سيطرة العثمانيين أم هو ما يشكل تراثنا وذوقنا وروحنا؟ وماذا عن هذا الذوق الجديد الذي يشكل التنظيم، الأناقة والبساطة أبرز ملامحه؟ أهو ذوق نشأ بفعل ديناميكية حداثية عرفتها المنطقة العربية، وبيروت والقاهرة بشكل خاص، منذ بداية القرن التاسع عشر، أم هو مجرد تقليد غبي لعادات السيد الأوروبي الذي حل محل الوالي العثماني؟ الجواب عن هذه الأسئلة ليس سهلاً، وتتعقد المسألة أكثر حين يُنظر إلى التفاصيل بدل الاكتفاء بالنظر الى الصورة العامة. لكننا نستطيع القول، وبراحة ضمير، أن تقليد الأساليب الأوروبية في العمارة هو موجود، وأحياناً كثيرة يكون تقليداً أعمى، يشبه الموضة التي تلي الموضة، والتي تنشأ هناك وتنتهي هنا. ولكن أليس هذا تماماً تشخيص المفكر الأوروبي جان بودريار للحداثة الأوروبية، حين يقول إنها تفقد قيمتها الفعلية، وأيديولوجية التقدم الأخلاقية والفلسفية التي غذتها طويلاً، وتصبح بذلك أكثر ما تشبه الموضة، معلنة بهذا موتها؟ وصحيح أيضاً أن هندسة العمار نشأت في منطقتنا بعيداً عن الظروف الاجتماعية، التاريخية والاقتصادية التي أنتجت المشروع الهندسي للطليعة الأوروبية، أي ما يسمى "بالهندسة الحديثة"، وأقصد هنا هندسة لوكوربوزييه مثلاً، أو هندسة العشرينات من القرن المنصرم في ألمانيا، والتي تمحورت حول أفكار مدرسة الباوهاوس. انطلاقاً من هذا التحليل، لا يمكن تبرير التشابه في أسلوب تصميم الواجهات في بيروت مثلاً، أو تونس أو بغداد، مع واجهات العمارة الأوروبية، إلا بالقول بأن ما لدينا هنا هو مجرد تقليد للأصلي الموجود هناك، وتصبح أغلب نتاجات هندسة العمار العربية مجرد قشور تحبس روحاً تتوق للانفلات، لنهضة جديدة. والحق أن لا ضرر في هذا الأمر، لكن المربك أن ثنائيات السطحي والعميق، الأصيل والمقلَّد، القشرة واللب، وإلى ما هنالك من تنويعات على الموضوع، هي في صلب منظومة أفكار الطليعة الأوروبية، الهندسية والفنية، من وليام راسكن مروراً بالباوهاوس ووصولاً إلى التيارات الراديكالية التي نشأت في أواخر الخمسينات والستينات من القرن الماضي. فإذا كانت الحداثة قد تُرجمت في المنطقة العربية بتقليد أعمى لحداثة غربية أكثر أصالة وتأصلاً في مجتمعاتها، فهل تتم مواجهتها بأفكار من إنتاجها؟ الأمر حقاً مثير للإرباك، ويطرح معضلة يبدو من المستحيل تخطيها- وهو حتماً لا يشكل إجابة عن السؤال الأول الذي طُرِح، أي لماذا وجدت تجربة العيش المديني الحديثة مكاناً لها في الأدب ولم تجد هذا المكان في هندسة العمار.

ربما نجد الجواب عن هذه المسألة، وعن المسألة الثانية التي وعدت بطرحها، وهي مسألة اللغة الهندسية، وهما كما قلت مترابطتان، في قلب الطاولة إذا جاز التعبير، وبالنظر إلى موضوعنا من موقع آخر. المشكلة الأساسية في هندسة العمار أنها أضحت غير قادرة على إنتاج فضاءات للمشاركة، فضاءات تسمح بوجود الأفراد وتتيح لهم التواصل مع سواهم؛ فضاءات تسمح للبشر بأن يمارسوا ما يميزهم حقاً عن البهائم، وهو الكلام، بل التكلم بالعدل ــ فالصوت هو للبهيمة والتكلم بالعدل هو للبشر؛ المشكلة بالهندسة هي أنها تخلت عن قدراتها الرمزية والكنائية، التي تسمح بالمشاركة والتواصل بين البشر وبينهم وبين نظام كوني أكبر منهم، من أجل سعي محموم وراء فعالية وظائفية Functional Efficiency عاجلاً ما استوعبها النظام الرأسمالي واستعملها لصالحه. مشكلة الهندسة هي لغتها، ولغتها لا تشير إلا إلى نفسها، فأصبحت مثل تلك السفينة المعدنية المتطورة والهائلة الحجم، التي يظن قبطانها، أي مهندس العمار، أنه يقودها إلى الأمام، لكن معدنها الكثيف يجبر إبرة البوصلة بألا تشير إلا إليه، إلى ذلك المعدن، فتدور السفينة على نفسها بحلقات وتدور، وقبطانها يعيش في وهم أنه يسيطر عليها ويقودها إلى حيث يريد.

مشكلة الهندسة هي لغتها إذاً، والحق أنها مشكلة كونية، لا عربية فقط. أما لجهة اللغة، فلا أقصد أسلوباً معيناً في تصميم الأشكال، إنما لغة الهندسة نفسها، اللغة التي يستعملها المهندسون لكي يجسدوا أفكارهم ويجعلوها أبنية، والتي لا بد أن تمر برسم على الورق: مقطع أفقي، مقطع عمودي، واجهة، منظور، إلى ما هنالك. قد يبدو هذا الكلام غريباً بعض الشيء، فالهندسة المعمارية لا تعرف إلى التجسد سبيلاً إلا عبر هذه اللغة، وذلك منذ خمسمائة عام تقريباً. تماماً: منذ خمسة قرون- ولكن يصح القول أيضاً منذ خمسة قرون فقط، فالعمار وهندسته أقدم من هذا التاريخ بكثير، وجذر الكلمة في اللغات الأوروبية هو يوناني، مركب من كلمتين، "آرخي" وهي تعني الأول أو الرأس، و"تكني" التي تعني تقنية، فتكون هندسة العمار هي التقنية الأولى أو رأس التقنيات. أما بالعربية، ومن دون استفاضة، فإيحاءات الجذر "عَمَرَ"، والتي اشتقت منه كلمة العِمارة، بمعنى البنيان والسكن والسكون، وكلمة العَمارة، وهي كل شيء على الرأس، هي جميلة وغنية جداً. الهندسة إذاً، والعمار والبنيان، وحاجة الناس إلى المشاركة في محيطهم الطبيعي والاجتماعي هي أمور تعلمنا إياها اللغة، وهي أمور أقدم بكثير من اللغة الهندسية الحديثة التي نشأت في عصر النهضة الأوروبي وتعممت على الأرض كلها. فهذه اللغة الهندسية تتحدد أزمتها الداخلية بأنها لا تفسح المجال إلا لتصوير العلاقات بين أشكال مجردة وهندسية، فتصبح إشكاليتها الأساسية هي الجمالية Aesthetics، أو التوازن أو التشكيل، إلى ما هنالك، فتضحي تصويراتها مجرد تصويرات وسيلية أو ذرائعية Instrumental Representation، تأخذ مكان كل تصوير رمزي أو كنائي Symbolic or Allegorical Representation. بالإضافة إلى أن هذه اللغة لا تفسح مجالاً للوقت الاجتماعي، وقت مستعملي العمارة، بل تكتفي بتجميد للوقت هو نفي له في نهاية المطاف، لصالح علاقات بين أجزائها تدعي أنها كاملة ولا يمكن الإضافة عليها أو تغييرها. أما أزمتها الخارجية، فتتجلى في علاقتها الوثيقة بمشروع هندسة العالم Geometrization of the world وعقلنته، الذي انطلق في عصر النهضة ووصل إلى ذروته في عصر الأنوار الفرنسي، والذي يمر الآن في أزمة شديدة جراء فقدان الثقة بكونية طروحاته التي كانت تعطيه المشروعية. فيكون بديهياً، بهذا المعنى، أن لا تجد الحياة المدينية، اللاعقلانية بامتياز، ولكن المنطقية بامتياز أيضاً، طريقها إلى هندسة عمار تعتمد لغة تدفع بكل ما هو لاعقلاني إلى خارجها، بينما تبقى اللغة المكتوبة، لغة الرواية، أكثر مطواعية، لأنها، بالأصل، لغة التكلم بالعدل الذي هو حتماً مختلف عن العقلانية الوسيلية التي لا يعرف معظم المهندسون سواها.

ختاماً، يسأل هايدغر في إحدى مقالاته "هل يسكن الإنسان بشاعرية؟". الشعر بالنسبة له هو أداة للقياس، لقياس الما-بين الذي يفصل الأرض عن السماء، وعالم الهالكين عن عالم الآلهة.

فعل القياس هذا لا علاقة له بأي نشاط علمي، بل هو قياس بالمعنى الصارم للكلمة، والهدف منه قياس عمق الوجود البشري. لا مجال طبعاً للتوسع في هذا الموضوع، لكنني أود الختام بدعوة إلى تأمل أحد العناصر الأساسية المكونة لوعينا جميعاً، وهو خط الأفق، الذي من خلاله نحدد مفاهيم مثل "فوق" و"تحت"، "الأمام" و"الوراء"، وهو الذي يُعلِمنا بما يُرى وما لا يُرى، أي بحدود بصرنا وما يمكننا وما لا يمكننا الوصول إليه. هي دعوة إذاً لأن تكون الهندسة أداة القياس هذه بين عالمنا، نحن الهالكين، والعالم الآخر الذي نسينا كيف نصل إليه.

ألقيت هذه المحاضرة ضمن الندوة التي نظمتها هيئة المعماريين العرب حول تعليم العمارة في الوطن العربي.

[1]حول غرفتي هو اسم برنامج تلفزيوني اشتهر في سبعينات القرن المنصرم، حول قصة حب بين فتاة مقعدة وشاب لا تعرفه إلا من خلال الهاتف.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬