فاطمة المحسن

كانت صديقتي تأخذ بيدي ونحن نشق الصفوف بين جمهرة الرجال في السوق الشعبي الطويل. ولم تكن هناك امرأة غيرنا دون غطاء رأس وعباءة. شعرت هي بالخطر، وكنت أشد رعبا منها، فكان المسير أقرب الى سباق ماراثون بدا في تلك اللحظة وكأنه دون نهاية. هي تسرع وأنا أتبعها. من هو المبادر كي تنطلق الصرخات؟ كنت أرى في الوجوه ما يعزز هذا الرعب، ونحن نكاد نلامس أجساد الرجال في ممر ضيق لا يسع عبوراً مريحاً. تخيلت سلاحاً سيتوجه الى رأسي، لينقلني إلى حارة قريبة، ربما لأن شكلي يوحي بغنيمة من قدم من الخارج، فيزداد وجيب قلبي وارتجاف يدي وتعرقها.

عندما ظهر شارع الرشيد المقفل من الجانبين، نسينا الشمس الحارقة والغبار، وكأن الخطر بدا أقل مما تخيلنا، في حين كان الشارع نفسه المهجور بالأزبال والكونكريت والمستنقعات والبنايات الآيلة الى السقوط، أشبه بمشهد من فيلم رعب عن نهاية العالم.

انشغلت بمرأى البنايات البغدادية القديمة، في حديث عن جمالها الذي يمكن أن يستعاد بمبالغ لا تساوي الكثير. كنت أحاول طرد الخوف بالذكريات. هذا مكاني، وذلك العمود المرقّش بالرطوبة والرصاص خاصتي التي حاولت مرة ان أمد يدي إليه في الحلم، فندهتني يقظة النهار.

تلك الشرفة الصغيرة وهذه الأفاريز والمقرنصات. الشبابيك الشرقية، والغبار الذي يخفي جمالها، ولكنه لا يقوى على محوه. هل حقا لي ذكريات هنا تحت الظلال المتساقطة، وذاك التعلل بالأوهام؟ حاولت التنفس على إيقاع تلك اللحظة المسرنمة في حياة هذا الشارع، أن اوقفها مثل فيلم عن السهاد حين يتحول الصمت همهمات تطرق الرأس. حاولت الاهتداء إلى إيقاع حياة مغادرة أو قادمة، أن أمسك نفسي المنشطرة على نفسها، بين أن تكون هنا أو هناك.

الغفلة عن فكرة مغادرة المكان تمنعنا من النظر إليه كما لو انه قابل للمعاينة. أنت في مكانك تنظر ولا ترى، كأنك كنت تحتاج إلى حرب أو زلزال أو هجرة، لتزن في ميزان عقلك ما تغافلت عنه وما أسقطته عادات الحياة وسهوها. علمتنا الإقامة في الخارج الانتباه إلى المطارح الأخرى والتمعن فيها. نحن نؤدي ضريبة إهمالنا، ضريبة غفلتنا عما تركناه خلفنا، تناسينا أن نودع ما كنا نجهل في الأصل عمّا تعنيه الإقامة في الأوطان.

الشرطة التي حرفتنا عن مسيرتنا عبر شارع النهر، بعد أن أقامت سرادق، ربما لم يخطر ببالها مشكلة عبور سافرتين في سوق شعبي، ولكنها غدت مفارقة أرشدتني إلى ما لم يخطر ببالي وأنا أستعيد سباق الماراثون ذاك. شعرت بخجل من توتري، من سوء الظن الذي تصورت فيه الرجال على غير ما هم عليه. نسيت انني شاهدت طفلة بضفيرة شقراء تحمل قفص عصفور، وعجوزا أدرد يبيع الأسماك في قوارير ملونة، وكيف كان بعض من لاقيتهم يحاولون أن يفسحوا الطريق ويكونوا أقل فضولا مما تخيلت. ورغم ضيق المكان وتوقع الانفجارات في كل لحظة، فالناس لم تكف عن أن تكون هنا كما كانت تمارس يومها حتى ولو غدا شاقاً ومستحيلاً.

عليّ أن افهم ما يكون عليه الكائن الذي يعاند الموت، ويرمي نرد الحياة على موائد العالم، دون أن يخاف الخسارة. فقد حفل تاريخ العراق بالخسارات، ولكن صبر العراقيين لم ينضب بعد. ولأقل إن جمال تلك الكلمات المغموسة بالسلوان تجده على كل فم.

اليأس يخلق ما يشبه التعود على حياة شحيحة، يعز فيها كل شيء: الماء، الكهرباء، التنقل بحرية، الحصول على عمل او لقمة عيش، بل بقاء المرء حياً دون أن يتناثر جسده وروحه في ثانية واحدة.

بيارق الحسين وصور الأئمة في كل الأماكن، وهي تشير إلى هوية سياسية أكثر منها دينية. انها رسائل لها لغتها الخاصة: نحن هنا خلف هذا الساتر ووراء تلك البناية، نراقب ونرى ونمسك ما يثوي من الأحاسيس، ودون كل تدبّر أو تصور عن معنى الانحراف عن مصير خُطّ في الغيب. يمكن أن نتخيل ببساطة من كان يرفع صور صدام ويفرضها على كل المباني، يفعل الآن الشيء ذاته مع شعارات عاشوراء وبيارق الشيعة وزعاماتهم في الماضي والحاضر. لم نصل بعد إلى رفع صور الخميني وخامنئي كما الحال في لبنان، فهي جرعة مرة على ريق العراقيين.

الدخول إلى بوابة الوطن

لأول مرة أرى طائرة الميدل ايست تغالب الوقت كي تهبط على الأرض. لم أكلم الشابين الجالسين جنبي إلا بعد أن عجزت عن رؤية المدينة، ومؤشر المسافة يقول اننا على مقربة منها: أين بغداد ولماذا لم نستبنْ معالمها إلى الآن؟ أجابني القريب: ألم تحزري السر، إنه الغبار الذي جعل الطائرة تترنح بين صعود وهبوط.

هكذا إذن، وصديقتي حدثتني البارحة عن جمال الطقس. شعرت بما يشبه الاكتئاب، فبغداد تُدبر عني وتظهر وجهها العابس. سهرت البارحة كل الليل في انتظارها، وترنمت الفجر بموسيقى أغنية لمطربة بغدادية عتيقة، كنت أخاتل فرحاً خفياً تملّكني في صمت فأزاح النوم عني.

بضربة واحدة لفحني هواؤها، فرسم قوساً حول جسدي. أرى أحواض الورود التي تغالب العطش والغبار، ومسافات تمتد من الكونكريت العازل، تلك العظمة الكاذبة وذلك القحط في الألوان. النخيل الذي أينع على الجانبين كان هو التعويض عن الحرائق التي شهدتها في طريق المطار خلال الزيارة الأولى. المعارك الشرسة بين القوات الأميركية وحرس صدام طالت رؤوس النخيل وتركتها تحترق لأيام متتالية. لم أعرف ما تعني النخلة في تراث العراقيين، إلا عندما شهق زوجي وهو يرى رؤوس النخيل المقطوعة. كان صوته أقرب الى النحيب: ماذا فعلوا بالعراق؟ صَمتَ دون أن يجيب، لأننا لم ندرك في ذلك الوقت غير خاتمة تليق بما حلمنا به في عودة مبتورة، عودة شعرنا فيها باليتم والفقدان، أن لا تبقي الذكريات خفقان تلك الأجنحة المرفرفة بين سعف النخيل.

صدح بلبل في الصباح الأول الذي خرجت فيه للتريّض في حديقة مضيفتي، وسمعت صوت ديكة، فتذكرت فاضل عباس هادي، الذي أفنى عمره في شتاء لندن، ثم غادر إلى تونس بعد أن باعني أشرطته السينمائية، ولغيري باع كاميراته الثمينة التي لم يسدد كل اقساطها. وزع كل ما يملك كي يحصل على نقود المكوث هناك. قلت: لماذا؟ قال: كي أرى الشمس وأسمع في الصباح صياح الديك وصخب الباعة وعبد الحليم حافظ. ضحكت وأنا أتذكر عودته مفلسا حتى من صياح الديكة. أعرف أنه لم يستمع ولا يريد الاستماع إلى أغنية عربية، ولكنه يبحث دائما عن كل ما هو مفتقد، وفي كل مدينة يذهب إليها يجد فيها نقصاً فيظل في حومة البحث عن غيرها. ربما هو قلق مَن أضاع المكان الأول، وربما هو التعويض عن رفض فكرة التأقلم، مع أن فاضل أكثر الناس تصالحا مع الانكليزية وأفضل من يقرأ أدبها، واللغة مصدر الغربة الأول.

الصباح المترف بعد أن غسل المطر الأسطح والنباتات، يحتشد بالفخاخ، بالنداءات السرية لحياة مغادرة تنده ذاكرتي. يلحّ البلبل متنقلا بين نخيل وأشجار عالية دون أن يقترب من تلك الشجيرات التي أمر بها في غدوي ورواحي. ثمة مناورة بيننا، فعندما أرفع رأسي يصمت، ثم يستدير إلى جهة أبعد، ولكنه لا يتوقف.

ينتظرني نهار يحتاج أن أرى فيه بغداد، لا كما شاهدتها البارحة في ظلام الليل، حيث لم أجد سوى شبح مدينة اطفأت مصابيحها، وتركت جزراً مضيئة من خلل غبار يحول الخرائب والتماثيل نصباً في معابد مهجورة. كنت على رغبة في محو كل توقع رسمته عن صورة بغداد، مشاهد التلفزيون ومرأى الحرائق التي تجدها على شبكة النت، وأشكال الناس التي تغذ السير إلى العمل، أو تركض فزعة من انفجار.

في طريقي إلى اتحاد الأدباء، أولى المحطات التي ألتقي فيها الأصدقاء، أخبرت سائق التاكسي أنني اقصد أحد المستشفيات، فهو دليلي إلى المكان الذي يجهله أصحاب الكار. كانت كل البنايات كما شاهدتها في عودتي الأولى، لا تغادر لونها البني المدبوغ. فحضارة الطابوق التي عرف بها العراق تستمر على هيئة مدينة تخاف الألوان المضيئة. شعرت بأنني في مواجهة القوى التي تحارب الموت بالكتمان، كتمان الإعلان عن مباهج النظر، ثقل الحياة الرابضة على صمت وهول. لا يقين من مستقبل يغسل الإنسان فيه ماضيه بماء الحاضر. هو الوجه الجانبي لمدينة تخشى المواجهة، فترتد أصواتها إلى الداخل. لا أعرف من قال تلك الكلمات التي حفظتها مطلع شبابي، ربما آنا اخماتوفا: أرغب أن أغطي وجهي بالبحر كي لا يرى الغرباء دموعي.

بغداد تغطي وجهها بالغبار كي لا يرى الغرباء دموعها.

تنزلق السيارة على عجل لتقطع تأملي بأقواس بناية جميلة حاولت تخيلها وهي مجلوة بمطر يضيء شبابيكها ويشرّعها للشمس. الإشارات تأتيني مثل وميض طبق طائر، أعيد ترتيب الصور بالتأملات التي تشطح في رأسي، وتمر الخرائب أمام عيني في الشوارع التي عبرتها لتستوي حكاية محلومة عن مدينة عارية أمام الله تتحدى موتها.

المكان الثقافي: اتحاد الادباء

هنا ساجد بقايا معركة الانتخابات التي لم تمض عليها سوى أسابيع قليلة. استقبلني رئيس الاتحاد فاضل ثامر الناقد والمترجم المعروف، بترحاب شديد، فقد ربطتني به صداقات زمن منصرم. ربحت قائمته أصوات الناخبين، رغم كل المطالب التي طمحت إلى تشكيل هيئة من الأدباء الجدد. الشيوعيون خسروا الانتخابات البرلمانية، ولكنهم لم يخسروا في عالم الأدب. ولكن المفارقة ان الحصان الرابح هنا يبدو على تعب، وفرسانه لا يقبلون باستراحة تجنبهم مقولة التشبث بالمناصب والاستحواذ على المكان الثقافي.

كل ما في الاتحاد يشي بهزة أرضية تعرّض لها المبنى: الأثاث القديم وبقايا غبار علق في كل مكان، الصور والبوسترات الحائلة الألوان والمكتبة التي لا تغري بتصفح كتبها، كلها توحي بالاختناق. كل شيء هنا عتيق، عتيق، كأن يد الزمن أطاحت به وأصحابه غافلون. صور الشعراء :الجواهري والسياب والبياتي وحسين مردان وسواهم وضعت على جدران لم يمر عليها الطلاء منذ عقود. ربما يصبح المكان الثقافي ترميزاً لما خلف جدرانه من همسات وهمهمات. فقد شهد هذا الاتحاد أزمنة متبدلة، أزمنة الحروب والصراعات وأدباء المسدسات والشعراء المداحين، وروائيي الرئيس، ولكنه لم يعرف يوماً كيف يكون مكاناً ثقافياً. كانت المقاهي مراكز تجمع الأدباء وفسحة نقاشاتهم وبياناتهم الأدبية، واندفاعات المدارس والتيارات الحداثية، ولم تكن تلك المقاهي الشحيحة، بل القبيحة بمظهرها والتي تمنع المرأة من الاقتراب من أبوابها، سوى امتداد لهذا المكان. جلست بقربي روائية وقاصة رقيقة اسمها ايناس البديري. كنت أقول لها كيف يقبلن كنساء المكوث في هذا المبنى، وكيف لا يطالبن بقدح شاي أنيق وشرشف بسيط يغلف طاولة فقيرة ولكنها نظيفة. ضحكت وتقبلت نقدي برحابة من يتفهم الغرباء القادمين من الخارج.

العراقيون الذين أنتجوا أجمل اللوحات والمنحوتات عادوا إلى ثقافة مطلع القرن العشرين المتقشفة التي لم تعرف إلا قلة من الأدباء المترفين. وعندما دخل أبناء الذوات إلى بهو الثقافة في الأربعينات والخمسينات، بدأت الأماكن الثقافية تكتسب ملامح أهلها. مقهى البرازيلية الكولونيالي الجميل الذي ترتاده النساء، أذكره مثل حلم في السبعينات عندما التقيت أول مرة فؤاد التكرلي.

أين ذهبت الغاليريات الأنيقة التي تدير الكثير منها نساء، ومحترفات الرسامين والنحاتين التي كانت ملتقى الأدباء إلى عهد قريب، حيث يطل بعضها على دجلة او تحتمي بظلال الحدائق والبساتين. أين ذهبت بيوت الأدباء والمعماريين الذين تفننوا في ريازتها وترفها؟ أخاف السؤال وأنا اتذكر الخزّافة نهى الراضي التي أفاضت في الشرح عن بيتها ومحترفها الذي بنته وسط بستان، وكانت تعيش وحدها وتتريض كل يوم على دراجتها. هربت نهى من ثقافة عُدي واشعاعات قنابل الأميركان كما تقول. لم يكن سقف مطالبها عالياً، فهي لم تعارض النظام، ولكنها لم تكف في اللقاء الذي وفّرته لنا ميسون الباجه جي، عن أن تفيض بشرح صورة الثقافة التي تتجه إلى حتفها. كان ذلك قبل وفاتها بعقد من الزمن.

عندما هجر أدباء الستينات مقهى البرازيلية إلى حسن عجمي بأرائكه الخشبية المهترئة، وكؤوس شايه القذرة، وطلته الكالحة، كانوا يسجلون زمنا عبثيا ينذر بالكارثة. لا يمكن أن نفصل المكان عن مضمون ثقافة تخشى الجمال والأناقة. فالعراق الذي علت فيه هتافات الحروب والقمع، يتستر على نفسه بالخراب. يخاف الأديب أو الفنان التبختر ببدلة أنيقة وشال ملون أو قميص هفهاف، فكم من أديب وفنان جز شعره الطويل او هُدد بقطع رأسه لمجرد اعلانه عن فرادة في المظهر تشي بما لا يقبله الحاكم البدوي أو السيد القادم من أرياف مقحلة.

مظهر اتحاد الأدباء الحالي له حكايات أخرى، شهدتها في نقاشات غرفة الفريد سمعان. وبعد حديث خاطف عن الفلسفة، نط الموضوع السياسي، ليشجر الجدل بين شيوعيين من الحاضرين، أحدهما شاب جلب معه الملحق الثقافي لجريدة "طريق الشعب"، والآخر من القدامى. كان الشاب عصبياً رغم ان بعض من ساهم في الحديث ساند رأيه: لن يمر البعثيون إلا على جثثنا. والبعثيون هنا قائمة علاوي الفائزة، التي رأى فيها رفيقه تحولاً لصالح العلمانية، ذكّر الحضور بخطورة المد الديني وما تفعله القوائم الإسلامية. وبصرف النظر عن قيمة النقاش السياسي، غير ان الاختلاف بين شخصين من حزب واحد يشير إلى حراك ما، ربما يتجه طائفياً (وأنا أجهل مذهب الاثنين)، أو يقود إلى خروج من مركزية عاش على صرامتها قادة الحزب.

كان الشاب يريد إسكات صاحبه، فصرخ في وجهه: أنتم القادمون من الخارج، لم تعانوا آلامنا.

جُرح القادمين من الخارج يبدو عميقاً في وجدان ناس العراق، فهناك إحساس بالهجران، بالتخلي عن الألم، بالنجاة من المحرقة لا يمكن أن يغفره من شرب الكأس حتى الثمالة. لا يحتاج عراقي اليوم مبرراً كي يمايز نفسه عن الآخرين، ولا يحتاج سوى محفزات قليلة كي يحول هؤلاء إلى مساهمين في عذابه. هرب الهاربون وتركوهم بين أشداق الذئاب. ورغم الهجرات التي طوّحت بملايين العراقيين، فالنقمة على أهل الخارج تنوعت وغدت مراتب ومعارج، وما إن يعود المهاجر إلى بلده حتى يبدأ هو نفسه يتحدث عن أهل الداخل والخارج، كي يتبرأ من لوثة ماضيه. ثقافة صدام تطل برأسها في كل مكان، ولعلها بين أعدائه أشد مضاءً من أنصاره. المهاجر الذي يعيش على فتات الأجنبي، هذا الشعار الذي كان يردده البعثيون، يرفعه الآن الإسلاميون الممسكون بزمام العراق، مع أن الكثيرين منهم عمرّوا بيوتا من فتات الأجنبي هذا الذي أوصلهم إلى السلطة في غفلة من الزمن.

كنت أقول لنفسي: ربما قسا أدباء الخارج على أهل الداخل بذاكرة رصدوا فيها الأديب وهو يغوص في مستنقع الثقافة الصدامية بإرادته او بدونها، وأغلبهم يريد أن ينسى نصوصاً دبّجها في مديح الحرب او الطاغية. فهؤلاء الذين انسلخوا عن تلك الثقافة أو انسلخت عنهم، لا يرغبون في مواجهة شراك المرايا التي يمثلها الناجون من تلك الفخاخ. الثقافة العراقية تحتاج أن تراجع نفسها، وليس بمنجاة من هذا الأمر حتى معارضي الديكتاتورية. فمن قال ان الأدباء الشيوعيين الذين ركلتهم السلطة خارج العراق لم يساهموا في صناعة الاستبداد. فصدام لم يكن مثله الأعلى سوى ستالين، ومطبوعات الشيوعيين لم تكن تطرح بدائل سوى تلك التي تشبه هذه التجربة او تحاذيها.

أحضر فاضل ثامر ورقة وقلماً وطلب مني تسجيل حديثه عن أهل الخارج. كان مهتما باقناعي بتمايز رأيه عن سواه. فهم، في نظره، لم يهجروا بلدههم لنزهة أو تسلية، فقد واجهوا السجون والقمع.

بدأت الكتابة مجاملة، فلم يكن يهمني في الموضوع الذي جئت أبحث عنه في تلك اللحظة، ما يسمى حق المواطنة الأدبية، قدر ما تشغلني فكرة أن أعرف نوع العلاقة الجدلية بين أدب متشظٍّ في المكان ومتداخل في لحظته المرتبكة، وتكاد تشغله المواضيع ذاتها.

تركت أوراقي وكتبي في الاتحاد بعد أن حضر حسام السراي، الشاعر الشاب الذي يمثل بيت الشعر، وهو تكوين جديد يبدو على تضاد مع اتحاد الأدباء الذي أفرد زاوية للشعر، لها روادها وغرفتها الخاصة. ذهبنا الى مقهى في شارع 61، من بين مقاهٍ حديثة شيّدت على غير الطرز القديمة. صعدنا السلم إلى مكان العوائل، وتذكرت مقهى في الأعظمية كنا نرتاده مع الأصدقاء على شاطىء دجلة، ونشرب البيرة دون خشية من تهمة أو تجديف.

كان أمامي أربعة من طلبة الجامعة كما تشي ملابسهم وكتبهم. احدى الفتيات تدخن الشيشة والثانية يستغرقها حديث هامس. اقتربت الفتاة من صديقها في لحظة غزل وتشابكت ايديهما وتلامس وجهاهما. تلفت كي أعرف انطباع الجالسين والنادل، فلم أجد سواي من يهمه الأمر.

التي تضع الحجاب اكثر جرأة من السافرة التي ترتدي ملابس بسيطة، ولكنها مثل كل فتيات الجامعة في العالم وليس في بلد مثل العراق. فأكثر المحجبات يحاولن التحايل على الحجاب، ببهرجة مضحكة: مناديل مزركشة وأربطة ملونة يضعنها على الرأس، وتنانير وقمصان طويلة تحفل بالمخرمات والمقرنصات.

في المساء وقفت أتبادل النظرات مع فتيات وفتيان تناثروا على دكات حجرية في فسحة حديقة يتناولون المرطبات. كان الحجاب هنا أقل وطأة، لا بوجود السافرات فقط، بل بمظهر المحجبات البسيط. الحب ممنوع في العراق في كل الأزمنة، ولكن ثمنه اليوم فادح. قال حسام إن ضابط السيطرة أنزله من السيارة بعد أن أوقف خط السير، وسأله: كم صادقت من فتيات بغداد؟ كان الضابط يحمل غيظاً من فتى يخاله مهيأً للحب. استغرب حسام هذا السؤال وطلب منه أن يعتقه كي يسمح لطابور السيارات المنتظر عبثاً، ولكن الضابط الجديد أدرك سلطته في لحظة شبق محبطة، فرأى فتيات بغداد جديرات بالانتقام، عبر من يمارس الحب معهن.

كثيرة هي مضحكات السلطة ومبكياتها، ولكن سلطة المليشيات التي تحولت إلى حكومة هي الأشد على العراقيين.

الشكوى والسخرية من السلطة وأحزابها اليوم "ببلاش"، وكانت تكلف صاحبها قطع الرأس. امتلك العراقي حرية الكلام، ولكن مسدس الروليت خلف صدغه في كل الأوقات. هناك توتر في الشارع وبين الناس، نقاشات حادة تتصاعد في العائلة الواحدة عن الطرق التي تسلكها السيارة في دروب العمل والنزهة. فدرجة الأمان بين شارع وآخر تكاد اليوم تكون مفقودة، وأخبار الانفجارات بوصلة لا تخلو من التشوش، فما أن ترى شارعا مقطوعا وتسمع زعيقاً حتى تعرف انك نجوت بحكم الصدفة فقط. كل عراقي يتحدث لك عن فخاخ الموت التي أفلت منها، ويروي لك عن قيامة شهدها وتعاوده في الكوابيس.

لم أستقل سيارة أجرة إلا وتخيلت صاحبها مشروع خاطف. كنت أنتقي السيارات من خلال وجوه سائقيها، وفي مرة اخترت سائقا عجوزاً ولكنه يرتدي عقالا وغترة بيضاء. بادرته كي أداري فزعي: أنت من الأنبار، قال لا أنا من الجنوب. ولم أصدق جوابه، ولكن الحديث البسيط الذي سرى بيننا عن عمله أزال مخاوفي، فكل لباس هنا له اشارة معينة، ومعظم سائقي التاكسي من الشباب الذين لا يرتدون الغترات.

العراق يبقى لغزا، تعرفه ولا تعرفه، لا أعتقد ان هناك بلداً في العالم يحفل بمفاجآت مثلما هو العراق. تستطيع أن تقيس سوريا بلبنان ومصر بالمغرب والسعودية بالكويت، ولكن مزاج العراق السياسي والاجتماعي لا يقاس بغيره. انه بلد المفاجآت، تبغتك الأحاديث التي لا تراها بين العرب، فقد مر العراقيون بتجارب ربما لا تشبه التجارب التي مر بها غيرهم. حتى اسلوب معيشتهم فيه من المتناقضات ما يمحو الصورة الجاهزة التي تشكلها في رأسك. بين الرثاثة والرفعة مسافات طويلة تقطعها في هذا البلد كي تبلغ مرادك. ثقافة الكيتش (kitsch) الرثة التي تشاهدها في أماكن مختلفة، تقابلها ثقافة أخرى راقية مطمورة تحت التراب. دعاني أصدقاء إلى مطعم قديم، ربما من زمن الستينات، فكانت اللقى التي تزحمه واللوحات والصور الفوتوغرافية هي المفاجأة. صور بغداد في القرن التاسع عشر تكاد تكون حائلة الألوان لقدمها، وفي زاوية قصية صور مثقفي وشعراء السوريالية، وكتابات ورسائل بالفرنسية والانكليزية وتشريح وتخطيطات عن الأدوات الموسيقية. منحوتات وبقايا سفن تجاور بعضها. وفي تلك الزاوية أيضا صورة نادرة لجوزيف برودسكي شاعر بطرسبرغ العظيم. من أين أتت كل تلك الصور، سألت صاحب المطعم، فقال انها هنا منذ القدم. كل شيء يتجاور في العراق، الورود البلاستيكية والرموز الثقافية. تخيلت ما مر على هذا المطعم من عهود، وهو هنا في هذه الزاوية يحافظ على وجودها الساكن، بل يقاوم أزمنة الاقتلاع كي يروي تواريخها.

لن تمر في بناية او شارع في الاحياء التي كانت تُحسب راقية، إلا وتسمع همسا وشكوى من القادمين الجدد: الفقراء الذين اشتروا البيوت أو عمروها من مصادر ثروات أتت على غير توقع. الطبقة المتعلمة والثرية غادرت العراق ليحل بدلها المهاجرون من الداخل بهيئاتهم الجديدة وأسلوب حياتهم. ولفرط ما تُركت الشوارع دون رعاية ومنذ عقود، ولفرط ما مرت عليها الرتل العسكرية، من النادر أن ترى شارعا فرعيا دون حفر وأتربة.

المنطقة الخضراء أقرب إلى معسكر نازي كما تخيّلته الأفلام السينمائية، والكلاب السائبة تتجول بين شوارعه المهجورة وسواقيه الآسنة. وعدا الحرس والحمايات، لن ترى سوى سيارات تتخاطف ومصفحات تسير على مهل. حي الوزراء الذي بناه صدام لرجاله في الجادرية وحده يعيد إليك رائحة بغداد الثرية، بزروعه المترعة ونخيله المغسول وأسوار بيوته العالية. هو اليوم مركز سكن السلطة الجديدة، وبمقدور المعاين إدراك سر التقاتل على المناصب في العراق الجديد عند رؤية حدائق بيوته الغنّاء ومسابحه الفارهة.

تحاور نفسك وتناورها وأنت تجابه تيه الأماكن. فبغداد شاسعة ولا تملك هوية محددة. ربما لم تكن الحروب وحدها ولا عصور الخراب، ما أضاع هوية بغداد. فهي مدينة ليس لها طبع أو طابع معين، فتاريخها تاريخ إمحاء وهجرات وثورات واحتلالات، ما إن تستقر حتى تأتيها الهزات من حيث لا تعلم. لم ألتق بمعمم في الشارع، وأكثر الرجال غادروا اللباس العربي الذي احتل شوارعها قبل الاحتلال وبعده.

لم يعد المثقف يعاني البطالة مثلما كان في السابق. فالصحافة والقنوات التلفزيونية المتناسلة تشكو من نقص في عدد الصحافيين والكتاب، ومن نقص أكبر في نوعياتهم. فمعظمهم قريب عهد بوسائل الصحافة والاعلام الحديثة. من يمتلك لغة اخرى، الانكليزية او الفرنسية، تفتح له مسارب الرزق الوفير. فالصحافي العراقي مطلوب في الوكالات العربية والعراقية والغربية، مثلما هو هدف للموت: سجل العراق نسبة في مقتل الصحافيين والاعلاميين فاقت كل ما تمخضت عنه الحروب العالمية من خسائر.

الصحافة مرآة الحرية التي تلوح في سماء العراق برعودها وبروقها، وشأنها شأن الكثير من المنجزات، يمكن ان تتحول إلى مهرجان للرثاثة أو تنبثق منها وعود بكتاب متميزين يتدربون على تقاليد حديثة في القول.

اعتذر وزير الكهرباء، قبل أيام، عن قوات حمايته التي ضربت الصحافيين والاعلاميين وأبعدتهم عن المكان. وهي ليست الحادثة الأولى التي ينقّض فيها مسلحو المسؤولين على الصحافيين. والتعلل بالعصبية والانفعال أفضل من التخطيط لإسكاتهم بكواتم الصوت، تلك التي طويت فيها صفحة صحافيين وكتاب على يد المسؤولين وخصومهم معا.

شارع المتنبي

بين شارعي الرشيد والمتنبي مسافة قصيرة، والشارعان يفصلهما الرصافي بتمثاله الذي يبدو وكأنه ترّجل عن قاعدته، فلامس أرضاً مغبرّة. اقتلع التفجير شارع المتنبي، أكبر سوق للكتاب وملتقى الجمعة الأدبي، فكانت ريازته الجديدة وبناياته التي أبقت على الطرز القديمة في العمارة، أجمل ما تجده ببغداد في هذه الأيام العسيرة. تمعنت في الوجوه عبر الشارع وفي مقهى الشابندر، علّي أتعرف على أصدقاء محا الزمن ملامحهم القديمة. في عتمة المقهى، ومراوحه التي تزفر الهواء ودخان الآراكيل، لم أجد إلا القليل من الشباب. العتمة تمنعني من سبر الوجوه، ولكن الذي أثار انتباهي بداهة أن تدخل المرأة هذا المكان. فوجودنا، انا وصديقتي، لم يثر اهتماماً أو فضولاً، فقد سارع العامل الى تقديم الشاي العراقي، ومضى إلى سبيله. لأول مرة تعود بي الرائحة إلى زمن قديم في العراق، إلى بيوت ترتفع جدرانها وأرائك يحتلها الأجداد في ضحى العراق القائظ. المراوح تدور مع اللغط ولا اغنية او موسيقى تنبعث في المكان. غابت ام كلثوم عن صوت المقهى العراقي، وكانت تملأ فضاء المقاهي العراقية التي تمر بها النساء مسرعات، خوفا من تعليقات الجالسين.

الشارع قريب من القشلة مركز السلطة العثمانية، وهي ما تبقى من بغداد الراحلة الى ازمنة غريبة ومن ثقافتها التي انقلبت على نفسها مرات ومرات، ولكنها بقيت تشد نفسها الى خيوط واهية مثل هواء مقهاها المشبع برائحة الأجداد.

الجهل

في تعريف مفهوم العودة إلى الوطن، يستخدم ميلان كونديرا القواميس الغربية كي يقترب من كلمة نوستالجيا "الحنين الى الوطن"، وفي كل لغة يجد صيغة مختلفة على نحو ما. وعندما يرجع الأصل الأسباني إلى اللاتينية، يكتشف أن الحنين يعني ألم الجهل: "أنت بعيد ولا أعرف عنك شيئا. بلدي بعيد ولا أعرف ما يجري فيه". على هذا يسمي روايته عن العودة إلى الوطن "الجهل".

بطلته إيرنا تعود إلى وطنها بعد أن أنهت عشرين سنة في باريس لتكتشف رعب أن تلبس الثوب الذي يشبه أثوابها عندما كانت في براغ. قناع كونديرا هذا تراوح بين الحكاية والواقعة والبحث والتاريخ، وهو مثل رواياته عن القمع في بلده تشيكوسلوفاكيا، كان ينقل الخطو في ذاكرة كل المهاجرين قسراً.

تعترض إيرنا على الأخوة الليليلة بين جميع المنفيين، حيث يحلمون الحلم نفسه، أو الكابوس المؤرق. فهم يذهبون هناك ليجدوا أنفسهم محاصرين من أعداء يوقعونهم في فخ العودة، فيستيقظون فزعاً. لا بد أن تكون للأحلام خصوصية حميمية، وإلا ما معنى أن يكون الحلم مشتركاً بين أناس لا يعرفون بعضهم.

أزحتُ هذه الرواية عن ذاكرتي وأنا أعود إلى بغداد، ولكنها بقيت تطرق رأسي كي تفسد فرحة أن يكون المرء متصالحاً مع ماضيه، فخصومة الماضي تورث قلقاً مستديماً، ومشاعر مبتورة وضياع الروح وتشتتها.

بغداد تيسّر المهمة على أمثالي، فهي مدينة مهاجرة في المكان والزمان، بل تكاد تسأل القادم إليها عن سر بقائها في المنفى كل هذا الوقت. هي مدينة مقتلعة تستيقظ كل يوم على حلم أن تعود إلى نفسها. كنت قد مررت بتمثال الرصافي الذي بحثت في مواقع الانترنت عنه طويلا وأنا أعد كتابي عن عصر النهضة. كان جرم الرجل كبيراً كما صوره رفائيل بطي في ذكرياته، فنقل النحات هيئة الشاعر الى الحجر الصوان، بحيث تحول عملاقاً يسخر من الناس بإطلالته. ولكنه في هذه الساعة من ظهيرة بغداد الشاحبة، بدا متضائلا تحيط به الأتربة والأزبال وعربات النقل المكركبة. ثمة نقص في التماثيل والجداريات التي بقيت لبغداد، نقص في الأماكن وخطأ في تقدير الحجوم والمساحات التي تربض فيها. لم أتمعن في نُصب الحرية، وأشحت عنه وانا أرى نفق العبور الكونكريتي قد التهمه، بل قزّم طلته، وتمثال كهرمانة الذي أطفئت الأنوار حوله وتوقف جريان مائه. لعلها حكاية مبتورة عن الفراغ المباغت في تقدير سر اغتراب الأماكن عن نفسها.

هل تحلم بغداد الحلم ذاته، فتستيقظ فزعة؟ فكرت لثوانٍ ونحن نمر ليلاً في الباب الشرقي. فقد اختصمت العائلة التي تستضيفني حول خطورة المكان. فالزوجة تقول إنه خطير حتى في الصباح، والزوج كان يحدثني عن غبطته في ما يشعر به وهو يمر في الساحة.

أنت لا تملك عندما تعود إلى بغداد سوى أن تواسيها وتمسح بيدك على وجهها المتعب، فهي في غيبوبة الرحيل تحمل على رأسها عفشها المتقشف وتمضي مثل درويش من متصوفتها القدامى. هي مثل كل المنفيين في العالم يمكن ان تكون "الخائن الكبير"، او "المعذَّب الكبير" حسب ما يقول كونديرا، فعطب الذاكرة يقابله شوق كبير إلى الماضي. بغداد التي رميت في زريبة ريفية بعد أن قيدت يداها منذ عقود، كان بشرها العائدون معها، يستغفرون الربة العاشقة كي تطلق سراحها لتعود إلى نفسها، تعود إلى تبغددها. مسكين أبو العقلين، وهي كنية الأحمق يستعملها العراقيون إلى اليوم، وكان قد استعملها التوحيدي في "الرسالة البغدادية". فمن الذي يحلم ببغداد بعد كل تلك المواجع؟ خطفتها الحرية الجديدة من عزلتها، فانهمرت عليها بركات العالم وأضحت تعيش وسط الضجيج بعد صمت طويل، ضجيج انفجارات تبرق في ساحاتها وأسواقها. الصمت مخيف في الشوارع هذه الأيام، فهو ترقّب لما سيأتي، وهو توقيت يسبق العاصفة، فقد غدا الصمت حكايا وهمهمات تنذر بالموت، هو قلق يكاد يمحو القدرة على التفكير بالمستقبل. إنه نظرة المدن التي راهنت على حريتهافسقطت في الرهان.

ما يسحر القادم إلى بغداد، تلك العقلانية التي اكتسبها الناس من التجارب. فالبسطاء يبدون أكثر وعيا من ساستهم، وفي فسحة الحرية التي أطلقت سراح الاعلام والصحافة، لا يمر الغش بسهولة على الناس. لن يكون حديثي هنا عن المثقفين، فلهم سجالات أخرى، ولكن بمقدور المعاين أن يجد الانفتاح والقدرة على التحليل الموضوعي بين سائقي التاكسي والباعة والنساء شبه المتعلمات. خَفّت التعصبات السابقة، وبدت الثقافة المحلية المغلقة على نحو ما، وكأنها تخضع للتفكك. هذا التصور يقع خارج المرتبطين بمصالح أحزاب الطوائف. بارت سلع بازار الإسلام السياسي، وبدا اللعب على طاولات مكشوفة سمة المنتسبين إليه. ولكن ثمة براغماتية تحرك مصالح الناس وتملك وجهاً ايجابياً وآخر كلبياً. فالعراق شهد سقوط الأيدلوجيات كما لم تشهدها أية بقعة في الشرق الأوسط، وفي سباق المسافات الطويلة الذي عبرته الأيدلوجيات بما فيها الدينية، كانت تحرق مراحلها على نحو مدهش. وفي وضع العراق العصيب هذا يبدو المنجز وكأنه ينادي ثقافة مقبلة من رحم المستقبل، ثقافة تعرف الناس فيها مصالحها، لا شعارات يطلقها أوصياء الدفاع عن الكرامة والوطن. ولكن في زمن الفوضى المقيمة و الخوف من الغيب والمجهول، يبدو التضرع إلى معجزة تمطرها السماء، هو الأقرب إلى حل يهدئ قروحاً استفحلت على مرضاها. لهاث المسافات المنهكة بين حرب وأخرى خلق عند الكثير من الشباب طبع المغامرة، بل المقامرة، التي تتطلب ارتداء الأزياء المتضاربة في مسرح واحد. المقاومة بالحيلة التي تثقف عليها الشباب في عهد صدام، غدت سلوكاً وطبعاً ولن تتحول الى خبرة حياة وعيش مستقر إلا بانتهاء الاقتصاد الطفيلي الذي أشبع بطون الحاكمينوأفقر الناس.

أخاف أن اطمع ببغداد أنا الأخرى، أخاف أن أتخيل بيتاً جميلاً حلمت به يوماً. وعندما سألني أحدهم عمّا لي من مستحقات سجن وفصل من العمل، عبرت بي الخواطر إلى جهة أخرى، وخلت المخاطب يختبر عاطفتي. فأنا لا أطلب من بغداد وهي سجينة حكامها أن تسترد مواطَنة أبنائها، فهي غريبة مثلهم، تخاطب الغائبين من وراء الأسوار.

العراقيون ومصادفة العيش

يبتكر العراقيون الكثير من الأسباب لتعليل موتهم المجاني، فتجد في لحظة كل تفجير يودي بالبشر والحجر، من يقف على مبعدة ليفلسف الموت. كانوا في السابق يسألون أنفسهم: ماذا فعلنا كي نخوض كل تلك الحروب، فيجدون الجواب جاهزاً في استهانة ديكتاتور بمصير شعبه. وعندما ضرب الإرهاب بغداد والمدن العراقية، بعد الاحتلال، تحول الجواب إلى انتقام يأتيهم من خارج الحدود. والحق ان ما قتل من جنود الاحتلال لا يوازي مقتلة عشر معشار العراقيين أنفسهم، فعرفوا أن تصفية الحسابات معهم وفي كل الأوقات تخضع إلى كراهية تتنوع أشكالها. ولفرط ما شهدوا من مسببات موتهم، بدت المناسبات وسيلة للتقويم. اليوم عيد ميلاد صدام، وغدا مقتل الزعيم الفلاني للقاعدة، وبعد غد ما ترتب على فشل مباحثات حول تشكيل الحكومة بين هذا الفصيل وذاك، او توتر العلاقة بين حكومتهم وجيرانهم. ولكن الذي بقي راسباً في ذاكرتهم تلك العبثية التي تلف مصائرهم. فهم قد ادركوا في وقت مبكر أن حصادهم من الحياة محض صدفة يمنحها القدر، فتشكلت حياتهم على إيقاع تلك المصادفة، يسيرون في الشوارع على عجل او يذرعون أرصفة التيه كأنهم على موعد مؤجل إلى ما لا نهاية.

كنت أقول لنفسي وأنا ألتقي الأصدقاء والأقارب، كيف لا يفكرون بالهرب من هذا الجحيم. لم أسال هذا السؤال الذي سبق أن تلقيت إجابته: هذا مكاننا وقد تعودنا حتى طرق الموت فيه.

عندما خرجنا في المساء الأول ببغداد، رأينا وميضاً في السماء أعقبه صوت انفجار بدا على مقربة، فعدنا أدراجنا إلى البيت. صاروخان مرا على سماء المنطقة، كانا كفيلين بنقلي إلى قلب الحدث الذي كنت أشهده على الشاشة كل يوم من مكاني البعيد. بعد ربع ساعة من صمت الصاروخين، بدأت العائلة بالمغادرة، تصنّعت الشجاعة وأنا أتبعهم في ليل بغداد، فالرجل عاد الى تقويمه ليكتشف مناسبة الصاروخين، ومضينا معه كأن شيئاً لم يكن.

ليس بإمكان أحد في النهاية أن يفسر الأشياء خارج التجربة، فكل من يفسر الحالة العراقية يفهمها حسب تصوره الشخصي، ولنضع بعيدا مصالح الموقع الذي ينطلق منه. أما من يريد أن لا يفهمها، فهو ينكر على العراقيين مجرد الدخول في معادلة تضع إنسانيتهم بالحسبان. تلك هي القضية المركزية التي راهن ويراهن عليها الإرهابيون، وهو اعتقاد لا يمكن ان يفقهه العراقي دون ملاحظة العزلة التي يستشعرها، عزلة الروح في مواجهة الموت المجاني الذي يأتيه من كل صوب.

كان العراقيون يطالبون بالخبز، وهم اليوم يطالبون بالأمان. فمن يتوقع كراهية تفوق تلك الكراهية التي يذهب فيها المنتحر إلى عمال فقراء يقفون على الرصيف بانتظار رب عمل مستطرق يوفر لقمة يوم واحد لأطفالهم. إنه أمر يتخطى فعل الشيطان كأسطورة تضع الحدود بين الخير والشر. فما يحتاجه الانتحاري اليوم ليس غياب الوعي، بل صحوته على ما يمكن ان نسميه جدل اللذة والألم، السعادة المتوحشة والقدرة على إبطال الحياة ومحوها. إنها هرطقة تتعدى الحدود المرسومة لعقاب السماء. ففي لافتة خُطت في كورنيش المزرعة ببيروت، هناك من يضع بيتا يقول فيه الشاعر:

"ولست أبالي حين أُقتل مسلماً / على أي جنب كان في الله مصرعي"

تلك اللافتة الغامضة لا اعرف لماذا فسرتُ فحواها وكأنها رسالة موجهة إلي كعراقية، فهي مرفوعة أمام الجامع منذ أكثر من شهرين دون أن يدرك خطورتها لبناني واحد ليطالب بإزالتها. ربما هو لا يستشعر حساسية قادتني إليهاالمواجع العراقية.

لا نعرف ثقافة تبيح هذا القتل مثلما يفهمها العراقي المكتوي بنارها. فالأردني الذي شهد تفجيرات الفنادق في عمان قبل سنوات، لم يكف عن إقامة الفواتح للزرقاوي وصحبه، فهو بطل في ما يفعله بالعراقيين، ولكن أتباعه متآمرون على بلده عندما يفجرون فندقاً. سوء تفاهم انتقل الى العراقيين أنفسهم، فأمير بغداد شاب عراقي لا يتخطى عمر الثلاثين، يخبر مراسل السي أن أن انه لا يشاهد التلفزيون، ولهذا لا يحصي عدد ضحاياه، ولا يتذكر كل العمليات التي تمت على يديه. فهو قد ارتقى الى منصبه الوهمي أميرا على الورق لمدينة تغري بالامتلاك. وفي ساعة صحو وغيبوبة، وبين الخوف من الموت والشجاعة ينشف ريقه ليسأل معتقليه: أين تمضون بي، إلى قبري؟

تبدلت القاعدة على أرض الرافدين، كما يطيب لقادتها من تسميات، فهي تتفاصح بحبها عندما تكتري مفردة من نوع خاص، تتغزل فيها بأرض دجلة والفرات وتمحضها ولاء الموت وحده. فقبل أيام قليلة ذبحت شيخ قبيلة في الأنبار أمام زوجته وأطفاله وعلّقت رأسه على شجرة الدار. لم تكن في افغانستان تقتل الغربيين بالسيوف وتعرضهم على شبكة النت او توزع صورة القتل على أشرطة خاصة مثل تلك التي كان يوزع فيها رجال الأمن العراقي صور تعذيب معارضيهم وقتلهم. فالقاعدة الآن عراقية الهوى مثل كل الرثاثات التي وصلت إلى الموت بعد أن اجتازت أطر الحياة والأغاني والذائقة التي خلّفتها سنوات الحصار والقصور الرئاسية التي تحفل بجداريات تحلق فيها نسور حجرية.

ينتقل الأميركيون ببساطيلهم في تلك القصور، فهي وحدها توفر مراحيض على الطريقة الغربية، وأحواض سباحة يبتردون فيها من حر العراق وغباره. عرض محافظ تكريت على الناس فكرة تحويل تلك القصور إلى مراكز ترفيه شعبية، يدخلها الناس بأجور معلومة، وعرض محافظ الحلة فكرة تأجير غرف قصور مدينته الرئاسية كفنادق للعرسان، ولكن من يجرؤ على النوم في وكر السلطة من عرسان العراق البائسين. طوت الصحافة أمر تلك العروض، مثل نكتة بائخة، وبقي الموت محلقاً في سماء العراق مثل نسور تلك القصور.

يقول شاعر مثلما تقول صديقتي: لو جمعنا كل أطباء النفس في العالم لن يكونوا قادرين على شفاء العراقي من أمراضه النفسية. كل الحروب انتهت بسنوات معلومة إلا حروب العراق، فهي مفتوحة على اللاتوقع، فالناس تمشي وعلى خطاها تسير الكوابيس ليل نهار.

رؤوسنا مطلوبة، وحان قطافها على امتداد تاريخ من المرارات تركت آثارها على الوجوه الكالحة والوجنات المتوترة والعيون الغائرة. كان سائق التاكسي يعدد لي مسيرة حياته، مذ فتح عينيه الى اليوم، وهو بعمر ابنتي، ولكنه يسرع إلى شيخوخة تسير على إيقاعها دواليب سيارته. لا أعرف لماذا فكر انني طبيبة ربما تساعده على الشفاء من مرضه. كنت أبتلع غصة وأنا أرى يديه المتشنجتين على حديد سيارته، وهو لا يملك غيرها كي يعيش. فالاحتلال حرره من الجندية التي كانت تضعه في مواجهة الموت على الجبهات، ولكنه يعرف أن مهنته الجديدة، وهو يدور ببغداد، لا تختلف كثيرا عن مهنته السابقة. فبغداد أضحت جبهات مفتوحة للموت.

سأكون على خطأ لو قلت إن العراقي الذي التقيته يخاف الموت، فهناك أخوية الكوارث التي توحد الناس على مصير التعود. وفي مساء الكرادة يزدحم الناس في مسيرات تحاذي الأبنية المهدمة التي شهدها انفجار بسطات باعتها ودراجات الاطفال وصخب النساء ولغط مفاصلة البائعين. كان الزحام شديداً، وأنا أتخيل ساعة الصمت تلك التي تركتها الحرائق على البناية التي على يميني. أنا هنا أسير مع الموت والحياة في خط واحد، سكون وظلام البنايات المهدمة الفاغرة أفواهها، وصخب الحياة وألوان مصابيحها وسهر فتياتها وفتيانها. شاهدت باعة الصلبان وصور المسيح ومريم، النساء المحجبات والفتيات السافرات، وعندما تهادت أمامي امرأة مسيحية بشعرها الأشيب، عادت بي الأيام إلى بغداد الضائعة التي كنت أبحث عنها من خلل طيف مر كحلم ليلة صيف راحلة.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬