علي جازو

حلقي جاف، عيني ضعيفة مريضة بحديد سور الحديقة، بالنبات الفاتر الضئيل. لم ألمس امرأة كما يحب رجل أن يلمس امرأة. تسرّبَ اصفرارُ ورقة دلب مدعوسة إلى وجهي عندما مررتُ بسور البرلمان الخفيض. أصابع الشرطي شدت طرف سترته المطرية السوداء. قميصه بلون الزيت، أخضر ضيق. أمطار ما بعد الظهيرة تلمع مثل الدهن على مربعات حجرية. رفعتُ ياقة معطفي الثخينة، لم أرفع رأسي. تلطخ حذائي من بقعة ماء قذرة، ترشح جوربي. عندما أنزعه أرى مقاطع مسودة على أصابعي. كنت خائفاً من البرد. ربما برودة جسمي هي ما جعلتني أشعر بأصابع الشرطي. بسبب الجوع كرهتُ كل ما مررت به. كدتُ أتقيأ أسفل جامع يلبغا، أسفل حجارة عالية دمرها الإهمال. الباص تأخر، تأخر. فشلتُ في اقتناص مقعد فارغ مرتين. سهوتُ، كاد رأسي الدائخ يبلغ رأس مجاوري المنتظر، عيناه في عيني. أمس استمنيتُ ولم أغتسل. كم أنا مهمل نفسي، مُعذبها! ضيعتُ سرافيس عديدة سريعة. فتاة جميلة محجبة من الكرسي الخلفي استغربتْ نظري إليها. كادت تمنحني بعض المال عندما بدلت مكاني، جلست جنبها في كرسي مفلوش الغطاء.

أأبدو مثل متسول؟ أم إن ملامح حزني تدفع من يراني إلى الإشفاق. استغربت الفتاة ضعفَ سمعي. ناداني السائق أكثر من مرة، لم أنتبه. أتراني شختُ، مثل عجوز خرفتُ مثل عجوز. مرَضُ والديَّ يذكرني بهما. لا أتذكر متى شربت ماء آخر مرة. كل مساء ألوث معدتي بالعرق الفحل، بالنبيذ المر، بالقهوة السوداء الرديئة، بالسجائر أحرق حنجرتي. لم أتصل بهم. لا شك أن القلق يأخذهم عليَّ. ليكن. أخجل من عدم تفكيري بأهلي، يؤلمني لا اشتياقي لهم، أحاول تخيلهم، تخيل صور جمودهم المخيفة كما لو أنها تظهر عبر مرايا جليدية، غير انني سرعان ما أضجر من التخيل نفسه. حلقي جاف، أسكر كل يوم. أمثالي لا يصلحون لأي شيء. كيف يمكن لسكير أن يجد عملاً؟!.

أمس أنهيت كل وحدات الموبايل. تباً لي. لا أشبع ثرثرة، لا أنجو من فشل. أعرف طبيبة ذكية لا تحدثني عن شيء غير فشلها، شعورها المحبط من سلوك الأطباء، فوات فرص تعلم لغة أجنبية، كانت تجعلها معاصرة منافسة مرغوبة أكثر. يتحفنا الأجانب بكلام لا نحبه ولا نفهمه ولا نتمنى غير اتقانه. محام (صديق) لا يكذبُ، يرشو الموظفين، الشرطة، القضاة، يضحك. ضحكته تشبه الصراخ بسبب ضيق منخريه. ألا يمكن للسكر أن يكون دليل عافية؟ لم لا يكون فشلي المستمر طريق حياتي الوحيدة اللائقة؟؟.

داخل قفص خشبي كان شرطي الحارس البرلماني. عيناه في ورق شجيرة البرتقال القريبة من المدخل. كرات البرتقال مغطاة بحبات المطر، بنقاط صغيرة كالزجاج صغيرة لامعة. لونها شهي لأنها مبللة. بللها ينعش لونها، لونها يبهج عيني. موظف ناطق باسم الهيومان رايتس ووتج، يتحدث عن سجن صيدنايا، عبر الفضاء يتحدث، كنزته حمراء جميلة وشعره أسود مسرح باعتناء. يقول: "محكومون عدة في السجن، مجهولة مصائرهم ". الناطق الناعم الوجه يتكلم عربية فصيحة بلا أخطاء، لغته واضحة كالشمس مفهومة. يضحكني الموظف الأنيق، تضحكني التلفزيونات كلها. علي الاهتمام بحال حذائي الآن. لا يصلح للشتاء. جلده من وبر، أو قماش له ملمس وبر يمتص الماء، يكوم الغبار، يأتي بكل ما يزعج أي حذاء. مللت تنقيع الجوارب في الماء كل يوم، بلا صابون، أغسلها. أحياناً أزيل بفردة جوربي كحلي ممزق بقعاً بيضاء متكلسة عن حذائي. لي قندرة قديمة، جيدة للمنزل، لكن بوزها الرفيع الطويل يضحك العالم علي. بوزها بلون، وجهها بلون آخر. حلقي جاف. أشرب كاس ماء كبيرة. أشرب أخرى، أشرب ثالثة. طلبتُ من الصديقة الحكيمة الذكية مرافقتها إلى المنزل. هي وحيدة. حسنٌ مرافقة شخص وحيد إلى منزله. "لم يتعود الجيران دخولي برفقة غرباء"، قالت، "يعرفون أخوتي. لا يعرفونك". قلت: "الجيران هم سبب الغربة، هم صانعو الخوف". "آتيك في الليل، في آخره آتيك". لم ترد. ضربتُ قلبي كالعادة بسؤال غبي. ما كان ينبغي مرافقتها بالأساس. لا أختار غير المرضى والمتذمرين المطفَئين. كل مرة أقول إنني سأرافق بنات كريمات، لكنني لا أجد منهن غير الصد. يحسبنني ملاكاً لأن صوتي خفيض، مشيتي هادئة مرتخية بسبب جسدي الواهن.

أنظر إلى وجه صديقتي. نظراتها مطفأة، للتو جف بريق نظرتها، يغريني يباسُ فمها. تنحني، تجلس قربي على مقعد خشبي أخضر. أتخيل صدرها صغيراً عارياً. ماء البحرة التي تتوسط الحديقة مخضر. أنسى الأسماء، أكتب رسالة إلى حسين، فأخاطبه باسم عمر. وجه الماء راكدٌ يشبه نظرة عينها. أتذكر كلمات أمي: "متى تتزوج؟ لقد كبرت. لا تنفع للعمل، لا تعرف كيف تكسب المال حتى تتزوج...". كلما جلستُ إلى امرأة أتخيلها زوجة: أيهن تصلح بالفعل، المطلًّقة، جليسة ليلة أمس، سيدة رقيقة، نهداها صغيران. كان ذلك واضحاً من فتحة كنزتها عند الرقبة. لون بشرتها أبيض مريح هادئ. جلد أصابعها رخو. مرح يشرق في لمعان عينها. ماذا إذا كانت رقيقة إلى حد الهشاشة، حد الخوف؟! كيف يمكنني العيش مع واحدة رخوة هشة؟ أحتاج لواحدة قوية، إلى جسد متين ملبّ.

ما يخالفني في الجسد والمزاج هو ما يناسب تصوري عن الزوجة المفترضة. واحدة صغيرة الحجم، نشطة، غير مريضة، مثبّتة، أي لها راتب ثابت ومعاش تقاعدي مضمون، هي المناسبة دون شك. راتب المطلقة ممتاز لشخص مثلي لم يعش يوماً واحداً من تعب يده. تطلب سيجارة، تأخذها مني، تدخن، تنظر في دخانها. تضيء شمس الظهيرة وجهها، ركبتيها، حذاءها الأسود ذا الكعب القصير. تضع يدها على ركبتها اليمنى، فم سيجارتها المشتعلة إلى الأسفل، تنفض رمادها القليل. تقول: "أكره الآباء. أكره الأطباء، الطبيبات، الأمهات. لو شهدت آلام أطفال المشفى، لو رأيت أجسادهم الضعيفة، وسوء التعامل معهم، لبصقت في وجه أصحاب المهن الشريفة أولئك الذين يسرعون دوماً لجني المال. إنهم لا يستحقون قرشاً واحداً. أفكر بالأزواج الجدد، بالأطفال القادمين. تصمت، ترفع السيجارة التي كادت تنطفئ، ترميها أمام حذائها. "بعد ساعتين سأجوع من جديد". أقول في نفسي. أمد يدي إلى جيب بنطالي متظاهراً بالبرد، أقلد حركة مرتعشة، أعرف أنني أفشل في التقليد. أتمطط، ألين رقبتي بتدويرها، أرفع عيني إلى ورقة فوق رأسي، أملأ صدري بالهواء، أنفخه كبالونة ليرتفع أو ينفجر في وجهي. أتلمس النقود. أخمن مقدار ما بقي لدي. جيب بنطالي من قماش أبيض عكر خشن، النقود المعدنية أكثر من الورقية. هذا يعني أن نقودي قليلة.

إذا أخذتُ المكروباص من جسر الثورة، سأدفع خمس ليرات فقط، مثل التسعيرة القديمة قبل طيران سعر المازوت. تنظر إلي من طرف عينها، كارهة الآباء، اليائسة من سلوك الأطباء زملائها في العمل المرموق. تقف، تشير إلى أنها ذاهبة إلى مدخل الحديقة، إلى الكشك المسقوف بواق مطري أحمر، هناك يمكنها الاتصال مع المشفى الخاص، مشفى أطفال بالمزة، نظيف جداً: " بدي أحكي معون، في شغل هنيك، كل ساعة بستين ليرة، على كل طفل نسبة، كل ما كترو الأطفال تعلى نسبتي، ماراح طول..". تدير لي ظهرها. بنطالها جديد، أخذته من سوق البالة من باب الجابي، هناك ألبسة منيحة بسعر وسط. تدير لي ظهرها، لا تلتفت أثناء سيرها، أرفع مبسم سيجارتي إلى شفتي، ترتعش يدي اليسرى، ينقبض محيط عيني، بسبب تحديقي المستمر. عندما أحدق أنسى عيني، حتى إذا كنت أنظر في حذائي. تأخذني التحديقة الطويلة، لذلك ربما تكثر التجاعيد حول عيني. قريباً سأحتاج إلى نظارة أيضاً. ينبغي علي العثور على عمل، أي عمل. الجينز لا يناسب صديقتي. المخمل أفضل بكثير. يستر المخمل الأسود ضآلة جسدها، يمنحها بعض الامتلاء المرغوب، في الورك، في الفخذين. ساقها أقصر من فخذها بكثير. أهذا من طبيعة كل جسد. مؤخرتها جيدة. أنا فقير جداً بهكذا نوع من المعرفة. المشفى الخاص نظيف، يقدم للأطباء وجبة إفطار متكاملة. بيض،مربى، ،عصير فريش، حليب، جبنة فرنجية، مرتديلا، لبنة. المشفى الخاص لا يدخله غير أطفال الأغنياء المرضى. ينبغي علي العثور على عمل. أخجل لكنني أفكر بأن أطلب منها وضع بعض من فطور المشفى المتكامل في حقيبتها، تخبئه لي إذا زاد عن جوعها. إنني أتلف نفسي بالطواف الساهي الغبي، بالصحبة الجاهلة الهائمة. أتلف نفسي في الوقت الذي لا أرفض فيه طلباً لأحد، حتى بأشياء أعجز عن تلبيتها.

يمر بائع "شَعر البنات" من أمامي. حذاؤه مفلوش، إحدى فردتيه مفكوكة الرباط. بالكاد يرفع قدمه عن الأرض. شعر البنات بلون لسان القطط. ضوء الشمس يحرق بشرتي. يتقشر الجلد عنها، يترك بقعاً بيضاء منفرة. أتحمل حرارة الشمس حتى إذا تقشر جلدي كله. شتاء آخر جاف لعين. تخلصت من وزني الزائد، من شحم بطني. خوفي من البرد يجعلني أتحمل حرارة الشمس. أكره مؤخرتي، إنها ثقيلة، يضطرب مشيي بسببها. رأسي إلى الأمام، إلى الأسفل، مؤخرتي تجافي حركة رأسي أثناء المشي، كأنها ليست مني. وصل بائع شعر البنات إلى الجهة الظليلة من الحديقة. لا تضربه الشمس التي لم تكن يوماً سوى احتراق أعمى. المطلقة ذات الراتب الممتاز أفضل من الطبيبة شبه العاطلة عن العمل. كلتاهما صاحبة بيت. بيت المطلقة أنيق، ناعم كلون بشرة صدرها. للطبيبة بيت صغير نظيف. للمطلقة ابن يعيش معها. لا شك سيكرهني إذا عشت مع أمه كزوج بلا عمل. علي التفكير بذكاء، بحرص شديد، ينبغي عرض الأمر على أصدقاء خبراء مقربين مخلصين، من الصنف الذي لا أخجل من تقيؤ دناءاتي كلها في وجوههم. أرمي بسيجارتي المنطفئة إلى أبعد نقطة، أبعد مسافة جديرة برام محترف. كم وودت حينها لو أجعل سيجارتي تطوح في الهواء دوخانة سريعة، كم رغبت سماع صوت ارتطامها بحجر سور المياه الراكدة.

لم أخبرها أن الحديقة قذرة. هي تراها قذرة، فلم أخبرها بما تراه لوحدها. إنني أرتاح في جلوسي الطويل على مقاعدها المشمسة، لأنها قذرة، لا تستطيع إخفاء حقيقتها كمكان للقذراة، للتائهين، للمرضى، الغرباء، لوحيدين يبحثون عن نساء وحيدات، نساء ليوم واحد يكفي قذف كل جوع، حرمان أخرس، يكفي نزع كل صدأ، سرعان ما يعود في اليوم التالي أثقل أكثر حدة. مع ذلك علي أن أختبئ بطريقة ما. أن اختفي بين أوراق الأشجار. لكنها الحاجة إلى العمل، إلى صحبة النساء المملة، تدفعك إلى الكلام كملاكم لا ينبغي أن يتعب أو يمل أو يخسر أو يندم. الحاجة إلى الظهور الدائم، كمتكلم لا يتعثر بشيء، تقرفني من الكلمات. الكلمات التي لا تتوقف، كلمات لم توهب قدرة أن تضحك قليلاً من مآلها المخزي، تخرج من بين الأسنان كفتات وسخ، كجثث دودية ضئيلة، كلمات لا تمزق غير نفْسها، لا تتألم ولا تكتفي ببقائها ملتصقة مثل ضماد بظلام الفم.

يخجلني نسياني. تشردي يلائمُ كَسَلي. يفعل النسيان ما تفعله الخطيئة التي ليست سوى ضعف في العقل. كلا النسيان والخطيئة يجلبُ الندمَ، الندم الذي لا ينفع لشيء. ماذا لو عرف مدير العمل - حيث يفترض أن أعمل يوماً - بأمر ذاكرتي الممزقة! ماذا أفعل إذا أخبره أحدٌ ما أنني كنت مريضاً، بقيتُ خمسة أعوام أنام تحت عناية أدوية شلّتْ لساني، ضاعفتْ وزني ثلاث مرات! حلقي يجف عندما أتذكر بلادة تلك الأيام، هواؤها لم يزل مغلقاً في صدري. ذاكرتي ضعيفة، خفيفة كالرذاذ يسقط، لا يترك أثراً، لكنني أتذكر أنني بكيتُ، وحدي بكيت كثيراً. تنفعل ذاكرتي، لا تحفظ من انفعالها غير صور مختلطة تتناسخ ولا تتنقى، لا تتذكر الأسماء. ليس لها مكان تضع فيه التواريخ الدقيقة. لا شيء فيها سوى ازدحام صور مشوشة.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬