منال خضر

المطبّات الجوية

لم يبق إلا ساعة على انتهاء هذه الرحلة المزرية المتجهة من بيروت إلى مراكش. مطبّات هوائية متواصلة وضجيج بلا توقف وشجار بين إحدى المضيفات ومواطن صالح قرر أن يدخن سيجارته في حمام الطائرة. فهو أجلس بمحاذاته مباشرة فكاد أن يغمى عليّ من الرائحة الكريهة التي تسربت منه طوال الرحلة.

بالمطلق أنا شخص يخاف ركوب الطائرة، وأخجل من نفسي في كل مرة أقيم الدنيا ولا أقعدها عندما تتعرض الرحلة إلى مطبات جوية. في خضم تلك المطبات أخذت أفكر في رحلتي المقبلة التي سأقوم بها مع عائلتي بعد أسبوع لزيارة الأهل في رام الله. هذا ما يحصل معي عادة عندما أكون على متن رحلة "مزعجة". أبدأ باستعراض جدول سفراتي المقبلة وأفكر في إمكانية إلغاء كل ما هو غير ضروري منها. ولحسن الحظ أنسى الموضوع بعد خروجي من الطائرة. حاولت تهدئة نفسي بالقول إن بإمكاننا القيام بالرحلة من بيروت إلى فلسطين براً. وافقني زوجي كريم، الذي كان يجلس إلى جانبي، مجبرا. أنا أعرف أنه لا يحب السفر براً. فكرت، بشيء من الخبث، بأن هذا هو الوقت المناسب لأنتزع منه تعهداً بالموافقة على السفر بالتاكسي إلى عمان. فهو يتجنب مجادلتي عندما أكون متوترة. لقد لاحظ توتري عندما بدأت أخلع بعضا من طبقات ملابسي الكثيرة، فأنا، في العادة، أبرد في الطائرة، وتحسبا لذلك أُكثر من الملابس المدفّئة. لكنْ عندما تصيبني نوبات الخوف أشعر بالحر وأبدأ بخلع بعض منها ليعاودني، بعد استقرار الطائرة، الشعور بالبرد فألبسها من جديد. كان كريم يراقبني وأنا أحاول إبعاد قبة قميصي الصوفي العالية عن رقبتي بيد وأهوّي باليد الأخرى باتجاهها متذمّرةً من الحر. قال لي بهدوء: "معك حق، الجو حار".

هذه ستكون أول زيارة يقوم بها كريم إلى فلسطين، هذا إذا سُمح له بالعبور، إذ منعه الاسرائيليون من ذلك قبل عام. أُعلنت إشارة ربط الأحزمة استعداداً لهبوط الطائرة. مستوى توتري ارتفع مع دخول الطائرة في غيوم سوداء بدت لي من دون نهاية. كريم سألني، محاولا إلهائي، عن برنامجنا في رام الله. فهو قلق من زيارة عائلتي والتعرف اليها لعلمه بأنه غير متمرس في عالم المجاملات الاجتماعية. سؤال ليس في وقته. أردت أن أقص عليه حكاية "الباربكيو في الحديقة"، ولكني على الأرجح تأتأت ببعض الجمل غير المفهومة على وقع تخبط الطائرة بالغيوم.

القصة معقدة، وأنا لست متأكدة من أنني أستطيع أن أرويها الآن وأنا في كامل وعيي. لكن لا بأس بالمحاولة.

قبل نحو سنتين كنا أنا وابنتي علياء في زيارة للأهل في رام الله. كان يوم جمعة. والدي لا يعمل أيام الجمعة وكذلك أخي وأختي. والدتي لا تعمل أصلاً. هو كان منعها عن العمل بعد الزواج لأنه، كما تقول، كان يغار عليها بسبب جمالها وتحديدا جمال ساقيها. هي، معلمة الرياضيات، لم يراودها مرّةً أن ساقيها سيقفان عائقا أمام مزاولتها مهنتها في تعليم الحساب للصفوف الابتدائية. كان الطقس ربيعياً، فطلبت علياء من جدها فؤاد أن تخرج في نزهة مع كافة افراد العائلة. وافق فؤاد الذي لا يقوى على رفض طلب لحفيدته المفضلة، أو التي كانت مفضلته حتى ولادة فؤاد الصغير، ابن شقيقي.

سأعرّفكم أولاً بأفراد عائلتي. والدي فؤاد، والدتي عايدة، أخي طارق وزوجته سمر وابنتهما منى وابنهما فؤاد (طبعا). عذرا على الإطالة، لكن القصة ستزيد تعقيدا لاحقا، وعليكم معرفة مَن يكون مَن. وهناك أيضا شقيقتي شادن وزوجها عمر وابنهما الوحيد زيد، الذي يكره الازعاج ويعشق تكسير كل ما حوله. هكذا قال لي عندما كان في الثالثة من عمره، بينما كان يقلّب بهدوء قوارير "الزرّيعة" على البلكون فيما يسمع زمامير السيارات في الشارع: "إزعاج خالتو صحّ؟!".

إذاً، قهوة صباحية على بلكون الوالدة المطل على جبل زيتون، أو على الأقل كان كذلك قبل فورة الإعمار في رام الله. موضوع الحديث محاولة تحديد برنامج اليوم. علياء اقترحت القدس وسرعان ما حُسم الأمر لأن غالبية أفراد العائلة لا تملك التصاريح اللازمة من السلطات الاسرائيلية للعبور إلى هذه المدينة المتاخمة لرام الله، علما أنها مسقط رأس معظم أفراد العائلة. لكنْ بما أننا عائلة غير معروفة بالرومانسية، تخطينا الموضوع من دون إفراط في ندب حظنا وانتقلنا على الفور الى التفكير في مكان آخر. لم أعد أذكر من اقترح أريحا. الجميع رحب بالموضوع، فهذه المدينة لا تبعد سوى 30 كيلومترا عن رام الله، وطقسها في الربيع بديع، ولنا أصدقاء هناك بارعون في إعداد طبق المسخّن.

علياء تحب أكلة المسخّن، الطبق الفلسطيني بامتياز الذي تم تحديثه في الاردن ولبنان حيث فقد كيانه وطعمه وأصبح يؤكل بالشوكة والسكين. هذا الطبق علامة امتيازه، كما يقول الفلسطينيون، "الزيت الذي يشرشر من الاكواع". فهو مصنوع من كثير من البصل وزيت الزيتون على خبز الطابون بالاضافة إلى نصف دجاجة فوق كل طبق.

لكنْ هنا اندلع السجال الذي خلته هذياناً حول من يمكن له عبور أيّ من الحواجز، وأيّ الطرق، للوصول إلى المطعم. فقبل الانتفاضة الثانية، أي قبل العام ألفين، كان طريق رام الله - أريحا يمر عبر مناطق تابعة للقدس، لكنْ بعد إغلاق القدس إغلاقا تاما بالجدار، أمام فلسطينيي الضفة الغربية وطبعا قطاع غزة، تم شق طريق التفافي يربط المدينتين من دون العبور في مناطق القدس. ثمّ، هناك حواجز إسرائيلية على مداخل كل مدينة في الضفة، وهي تتطلب تصاريح تختلف في حيثياتها تبعاً للأهواء الاسرائيلية.

عمر (زوج أختي) وسمر زوجة أخي، كلاهما من مواليد سكان القدس ويحملان الهوية المقدسية الزرقاء التي تصدرها إسرائيل، وبالتالي يُسمح لهما بالتجول في كافة المناطق التي يُسمح للاسرائيليين بالتجول فيها، أي أن وصولهما إلى المطعم ممكن وإنما عبر حواجز مخصصة للاسرائيليين ولحاملي الهوية المقدسية. باقي أفراد عائلتهما، أي شادن شقيقتي ووسيم شقيقي والاطفال الثلاثة، لا يملكون تصاريح، وبالتالي يمكنهم فقط عبور مدينة أريحا من المدخل الجنوبي على أن يغادروها من المدخل الشمالي. والدي بصفته عضوا في نقابة التجار، تتكرم عليه السلطات الاسرائيلية، بين حين وآخر، بتصريح مرور بين المناطق (أ) و(ب) و(ج) في الضفة الغربية. يومها كان في حوزة والدي تصريح يخوله مغادرة رام الله وعبور أريحا ومغادرتها من مدخلها الجنوبي. والدتي لا تملك تصريحا وانما بسبب تقدم سنها قد يُسمح لها بمرافقة والدي. أنا وعلياء ابنتي، ولدواعٍ بقيت غامضة لي، كان علينا سلوك الطريق الشمالية لرام الله للتوجه إلى أريحا. إنّه طريق متعرج وصعب قد يستغرق وصولنا إلى مدينة المسخّن عبره ساعتين، هذا في حال سمح لنا بدخول أريحا.

نصف ساعة من الجدل العقيم على الطريقة العربية بعدما افترشت طاولة القهوة أعداد هائلة من التصاريح وبطاقات الهوية. علياء حاولت أخذ ورقة وقلم لتدوين لوائح تشمل من سيستقل هذه الطريق ومن سيستقل تلك. النتيجة أن العائلة لا تملك العدد الكافي من السيارات لكل هذه المسالك. في غضون ذلك تضمّن ضجيجنا عشرات الاقتراحات منها محاولات استبدال المشروع أو المدينة كلّها، وهذا ما وضع والدي حدّاً له بقرار حاسم لا يقبل الأخذ والرد: "باربكيو" في حديقة المنزل!

المطبات الأرضية

رحلتي مع كريم وعلياء من بيروت إلى رام الله بدأت عصرا. استقللنا سيارة تاكسي لتوصلنا إلى عمان، حيث سنمضي الليلة، لنتوجه صباح اليوم التالي إلى جسر المللك حسين ومنه نعبر إلى الضفة الغربية. الطريق من بيروت إلى عمان طويلة تستغرق خمس ساعات على الاقل، تتخللها عدة وقفات عند الحدود اللبنانية ومن ثم السورية وأخيرا الاردنية. علياء وكريم غرقا في النوم سريعا، بينما قاومت أنا شعوري بالنعاس مجبرةً، وذلك لتسلية السائق الذي بدا التعب على وجهه. لكنْ كلما اقتربنا من الحدود زاد ضعفي في مقاومة النوم. غريب هذا الشعور بالنعاس الذي ينتابني في كل مرة أعبر الحواجز والحدود. فأنا لطالما اعتقدت أن النعاس مرتبط بالطمأنينة، وأتذكّر دوماً ما قالته لي صديقة لبنانية من أنها تتثاءب لا شعوريا كلما اقتربت من حاجز للجيش أو للشرطة. قالت لي إن ذلك يعود، على الارجح، إلى أيام طفولتها عندما كان والدها يطلب منها ومن اخوتها أن يتظاهروا بالنوم لتسهيل عبورهم عند وصول سيارة العائلة إلى حاجز للجيش أو للميليشيات.

السائق بدا في وضع جيد. وصلنا إلى منطقة ضهر البيدر الجبلية. لست أدري ما إذا كانت الجغرافيا هي السبب، إذ أخذت أتخيل مشهد الملا عمر عندما نجح، مستعيناً بعين واحدة، في الهروب في جبال تورا بورا الوعرة على دراجته النارية الصغيرة، أو "الطزطيزة" كما نسميها، بينما طائرات ال بي 42 الاميركية تلاحقه من دون جدوى.

اقتربنا من نقطة الحدود اللبنانية. أيقظت علياء من نومها لأذكرها بدرس الحدود كما تسميه: ما عليها أن تقوله وما عليها ألا تتفوه به. "لا تنسي يا علياء عند الحدود اللبنانية والسورية: لا تلفظي كلمة رام الله. إذا سألونا عن وجهتنا قولي عمان". نحن نحمل جواز السفر اللبناني. وفي ظل قوانين وطننا الجديد يُحظر علينا السفر إلى فلسطين لأننا بفعلنا هذا نكون قد قطعنا حدوداً تسيطر عليها إسرائيل، وبالتالي نُصبح في نظر السلطات اللبنانية، وطبعا السورية، من المتعاونين مع العدو. أخرجت جوازات السفر الفلسطينية من حقيبتي تمهيداً لإخفائها في حال أُخضعنا للتفتيش. علياء اقترحت أن تضعها في الجيب الخلفي لبنطالها: "ماما، لن يفتشوا بنطلوني". فكرة جيدة، أعطيتها الجوازات. لم يسألنا أحد عن وجهتنا في نقطة حدود المصنع اللبنانية. الحدود السورية كانت خالية من المسافرين، سلمنا جوازات سفرنا إلى الضابط على الشباك المخصص للبنانيين، وبينما همّ بختم الجوازات، سأل عن المرافقين وقال بلطف "أين هي الست علياء الجميلة؟"، فيما هو ينظر إلى صورتها على الجواز. وما إن أشرت بيدي إليها حتى وجدتها ترتجف. لم ينتبه الضابط. ابتسم لها وطبع الاختام وتمنى لنا رحلة طيبة. عدنا إلى السيارة وطلبت مني علياء أن أخبّئ الجوازات بنفسي في المرة القادمة.

أمامنا ساعتان من الوقت داخل الاراضي السورية قبل أن يحين موعد درس الحدود الرقم 2. علياء وكريم استغرقا مجددا في النوم. وقرر السائق، وهو أردني من أصل فلسطيني، أن يسلّيني ويموّہ عني وحدتي: هل أخبرتكِ أنني كنت في غزة بعد الحرب الاخيرة عليها لأطمئنّ عمّن تبقى من عائلتي هناك؟.

– وكيف وصلت إلى غزة؟، سألته.

– عبر أحد الأنفاق من مدينة رفح المصرية.

– وكيف هي الانفاق؟

– شاقة بعض الشيء لأني، وبسبب ارتفاع رسوم عبورها، أضطر إلى سلوك النفق العادي، لا ذلك المخصص للـ "في آي بي". خمسمئة دولار لقاء العبور عبر النفق العادي، أي أحد تلك الانفاق الضيقة التي يقطعها العابر منحنيا بسبب انخفاض سقفها. قطعت مسافة سبعمائة متر وأنا منحنٍ أحمل على ظهري أنبوبة الاوكسجين وضوءاً. أما نفق الـ "في آي بي" فيمكن للمرء عبوره واقفا وهو مضاء، لكن رسومه تتعدى الألف دولار.

ابتسم ثم قال لي:

– هل تعلمين أن سلطة حماس في غزة تعدّ لافتتاح حديقة حيوانات؟ لقد نقلوا الكثير من الحيوانات من مصر عبر الانفاق، حتى أن أسداً كان في عدادها، وهذا بعدما خدّروه طبعاً. لكن حتى الآن لم يتمكنوا من نقل الفيل إذ لا يوجد نفق يتسع لفيل.

– وكيف هي العائلة؟،

– بخير والمعنويات مرتفعة.

ليلتنا في عمان كانت قصيرة إذ توجهنا باكرا إلى جسر المللك حسين (جسر أللنبي). اليوم كان يوم جمعة، وفي أيام الجمعة يغلق الاسرائيليون المعبر باكرا استعدادا لعطلة نهاية الاسبوع اليهودية (الشاباط). الحدود الاردنية كانت شبه خالية، فأنجزنا معاملات الدخول بسرعة.

قبل التوجه إلى الطرف الآخر من المعبر الذي تسيطر عليه إسرائيل، اتفقنا أنا وكريم على خطة موحدة. أولاً علينا إخفاء جوازات سفرنا اللبنانية. كريم يستخدم جواز سفره الفرنسي، وأنا وعلياء الفلسطيني. اتفقنا أن يقول كريم إنه يعيش في فرنسا وإنه متوجه إلى القدس لزيارة الاماكن المقدسة. أكدت عليه ألاّ يقول إنه متزوج من فلسطينية وإنه لن يذهب إلى الضفة الغربية ولا يعرف أي فلسطيني. افترقنا عند المعبر. توجه كريم من ممر الاجانب، وأنا وعلياء من ممر الفلسطينيين، على أن نلتقي عند أول نقطة بعد الحدود. تاكسي ومن بعده باص وباص آخر حتى وصلنا أخيراً إلى نقطة التفتيش الاسرائيلية. وبينما نحن ننتظر في الصف أمام شباك تدقيق الجوازات، قالت لي علياء إنها ستصبح مليونيرة، مشيرة بيدها إلى يافطة كبيرة معلقة على الحائط: جائزة بقيمة عشرة ملايين دولار تقدمها دولة إسرائيل لمن يقدم أي معلومة قيمة عن جنديين اسرائيليين اختفيا عام 1982 في جنوب لبنان مع صورة لهما. سأبحث عنهما عندما نعود إلى لبنان. أوبس...!. لكنّ علياء سريعاً ما انتبهت إلى خطئها: لقد نسيتْ أنه يجب ألاّ تُذكر كلمة لبنان هنا.

وصلنا إلى المكان المفترض أن نلاقي فيه كريم. انتظرنا أربع ساعات. لم يأت. هاتفني بعد عودته إلى الحدود الاردنية. لم يسمح له الاسرائيليون بالعبور: بعد التدقيق في جواز سفره الفرنسي المدون عليه أنه من مواليد بيروت، طلبوا منه الجلوس على حدة، وبعد ثلاث ساعات أعادوا إليه جواز السفر طالبين منه العودة من حيث أتى، إذ ليس لديهم الوقت الكافي للتدقيق في ملفه الأمني. ملف كريم الأمني! كلمة وقعُها كبير. ذاك أن أخطر ما يمكن أن يجدوه مجموعة من وصفات الطبخ الايرانية التي يجهد، هو المولع بالمآكل العابرة لكلّ حدود، لإتقانها.

باص ومن ثم تاكسي وتاكسي ثانٍ أوصلنا أخيرا إلى منطقة قلنديا، عند مدخل رام الله، حيث يوجد أيضا معبر قلنديا الذي يفصل مدينتنا عن القدس. المعبر الذي استُحدث قبل أعوام، يمنع عبور الفلسطينيين إلى تلك المدينة إلا بتصريح من الاسرائيليين، وهو عبارة عن فتحة في الجدار الاسمنتي الذي يبلغ ارتفاعه تسعة أمتار.

انها ليست المواجهة الاولى لي مع الجدار. انتابني شعور أبله بالتحدي لدى وقوفي أمامه، لست أدري تحدي من أو تحدي ماذا، لكنّه شعور سرعان ما تبخر، ربما بفعل الفارق بين حجمي وحجمه. حاولت التلصص من فتحته على ما آل إليه العالم الذي يقع خلفه. تذكرت صنع الله ابراهيم عندما قال تعقييبا على روايته "التلصص"، إنه قصد بعنوانه هذا التلصص على الماضي. كيف يمكن لشخص أن يتلصص على ماضيه؟، كيف لي أن أتلصص على طريق رام الله - القدس التي كنت أجتازها يوميا وبقيت أجدها، طوال تلك السنوات، قبيحة. علمت بأن الاسرائيليين مدوا سكة حديد على طول هذه الطريق لتسهيل وصول المستوطنين إلى مستعمراتهم في الضفة الغربية.

بينما انتظرنا التاكسي الذي سيقلّنا إلى البيت سألت مجموعة فتيان كانوا يتسكّعون في المنطقة وهم يتفقدون الرسومات الجديدة على الجدار، والتي ترسم على الأرجح خلسة، إذا كانوا هم من رسمها. نفوا وقالوا إنها رسومات رديئة وإن الإسرائيليين، في المقابل، يرسمون مشاهد طبيعيّة على امتداد الجدار من جانبه الاسرائيلي: غابات وتلال خضراء، وكأن ما وراء هذا السور من هذه الجهة أرض عذراء خالية من البشر وربما مليئة بالحيونات البرية، أو ما يشبه المحمية طبيعية. كنت قرأت مؤخراً أن المستوطنات الاسرائيلية التي تبنى على رؤوس تلال الضفة الغربية مبنية بطريقة تجعل المستوطن، إذا ما نظر من نافذة غرفته أو حمّامه، لا يرى إلا المستوطنات على التلال الاخرى. ذاك أن معظم القرى والمدن الفلسطينية مبني في الوديان.

أخيرا وصلنا. الاهل كانوا في الانتظار. ولكن أين سمر والاولاد (زوجة أخي وطفلاهما)؟، سألت علياء. يمكننا تناول الغداء، لن ننتظرهم، قالت أمي. هم في القدس، ولا نعرف موعد رجوعهم. حسب "التساهيل". التساهيل كلمة ليست في محلها هنا.

هل لا تزال سمر تذهب إلى القدس كل يوم؟. نعم، أجابت أمي، ففؤاد ومنى لم يحصلا على أوراقهما الثبوتية بعد.

هذا هو كابوس فلسطينيي القدس كافة. هم يحملون الهوية المقدسية الزرقاء التي تصدرها إسرائيل، وهم مهددون بفقدانها في حال أثبتت السلطات الاسرائيلية أنهم لا يسكنون داخل حدود القدس. وهنا المعضلة: سمر لا تستطيع أن تسكن في رام الله مع زوجها خشية فقدان هويتها. أخي طارق لا يستطيع أن يسكن مع سمر في القدس لأن السلطات الاسرائيلية لن تمنحه التصريح بذلك. الحل هو بيت في رام الله وبيت في القدس، ومشاوير يومية إلى القدس تُضطر سمر الى القيام بها مع الطفلين لتثبت للسلطات الاسرائيلية، التي ترسل مندوبين إلى منازل الفلسطينيين على شكل "كبسات" لا تسبقها مواعيد ولا إخطارات، بأنها تسكن فعلا في القدس. زياراتها اليومية تتضمن تعبئة الثلاجة بالمأكولات والحليب، ووضع حفّاضات الاطفال المستعملة في سلة النفيات، ونثر الالعاب في البيت، وكل ما يتطلبه الأمر كي تثبت للمندوب أنها تقيم فعلا في هذا البيت مع الطفلين. نعم، خاصة مع الطفلين، إذ أن منى وفؤاد سيبقيان من دون أوراق ثبوتية ريثما تتأكد السلطات لاسرائيلية من بصماتهما منطبعة على كل كرسي وطاولة وصحن في بيتهم المقدسي.

عند البطون تضيع العقول. مثل ينطبق على عائلتي. لم ننتظر سمر والاطفال وانهمكنا، أنا وعلياء، مع أفراد العائلة الموجودين بأكل الملوخيّة التي تعدها الوالدة على الطريقة الفلسطينية، أي مع كثير من الحامض والفلفل الاخضر الحرّاق.

القهوة كانت مثل العادة على فارندة الوالدة المجهزة بحاسوب وعدّة النرجيلة. فساعات بعد الظهر تخصصها والدتي للعب الورق "أون لين"، بينما تدخن نرجيلتها بهدوء ريثما يعود الاطفال من القدس ويعود الضجيج الى البيت. هي ساعة الاستراحة الوحيدة التي أحظى بها في اليوم، قالت أمي. الموضوع استفز والدي على ما يبدو إذ رد بعصبية موجّهاً الحديث إلي: "لا تصدقيها، ثلاث ساعات على الاقل كل يوم تتحول خلالها والدتك الى صنم. لا ترسل ولا تستقبل. تتجاهلني خلالها تماما. تقوم الدنيا وتقعد وهي ليست هنا. حتى اذا رن جهاز الهاتف الملتصق بحاسوبها، ردّت بعد عشر رنات، ترفع السماعة، تقول "آلو" وتصمت حتى يعتقد المتصل أن مكروها ما حصل لها". عبست والدتي، وتبسّمت أنا إذ فهمت سبب فتورها عندما كنت أهاتفها من بيروت في ساعات بعد الظهر.

في المساء اقترحت شقيقتي أن يكون العشاء في مطعم "إنسَ غرامك راح" في منطقة بيرزيت القريبة من رام الله. وهكذا كان.

أخيراً أنا في سريري أو ما افترضت أنه كذلك. والدتي لا تترك شيئاً على حاله: يا له من عالم افتراضي: الإسرائيلي، أكان في تل أبيب أو في مستوطنة ما في الضفة الغربية، يفترضني غير موجودة. وهنا، على كل حال، يبدو الزمان والمكان وأشياء أخرى كثيرة حالات افتراضية. أن تعطي موعدا لشخص لا يعني أنك ستلتقيه في الموعد أو في المكان المحدد. وأن تقرر القيام برياضة الركض اليومية إذا كنت من محبيها، وهذا ما أفعله في بيروت، فهذا أمر إشكاليّ. ففي الركض هناك ليس العقل ما يقرّر الوجهة، ولا الرجلان ما يحدّد عدد السعرات الحرارية المبذولة.

إذاً، سأفترض اليومين اللذين قضيتهما على الطريق مع علياء يومين افتراضيّين فحسب.

لن أخوض في تفاصيل الأيام الستة التالية من العطلة العائلية. لقد عجّت بكثير من الحمص والبامية والمقلوبة والمسخّن والباربكيو، وبمشاعر مشوبة بالتواطؤ مع الملا عمر اختلطت أحيانا ببعض من حسد وغيرة. نعم، مشاعر غيرة من الملا عمر!




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬