حسن داوود

قلت للجالسين معي إنّ أحدا يجب أن يذهب إليه ليعيده إلى الطاولة معنا. أنا وهو لم نعد أصدقاء كما كنا، لذلك رأيت أن يقوم إليه أحد ممن أبقوا على معرفتهم القديمة به. في كلّ خطوة خطاها إلى هناك، ليصير واقفا على الصخرة الأخيرة بين الصخور التي جعلوها حاجزا لصدّ الموج، كان يتمايل، بل يترنّح، مؤرجحا معه قصبة الصيد المرتفعة عاليا فوق رأسه. حول الطاولة الواسعة كنا جميعا مديرين رؤوسنا إليه، مردّدين، واحدا بعد واحد، أنه سيقع... أكيد سيقع. ليس فقط بسبب وقوفه على الصخرة الأخيرة تلك، التي أبداه سطحها المنتفخ من إحدى جهتيه كأنّ إحدى رجليه أقصر من الأخرى، بل بسبب الكؤوس الكثيرة التي شربها، كما بسبب هبّات الريح أيضا، تلك التي كانت تنفض طرفي بنطلونه وتخبطهما متسرّبة إليهما من فتحتيهما الواسعتين في الأسفل.

ليس إلا وليم، قال شوقي الذي لم يكن تمايل يوسف هناك قد أنهى بعد طريقة كلامه الممازحة. ”ليش أنا، روح أنت“، أجابه وليم الذي، وإن ظلّ متوجّسا من إحتمال سقوط يوسف عن الصخرة وتدحرجه بعد ذلك ليسقط في الماء، تكلّم بطريقة ممازحة هو أيضا. ثمّ أضاف، لكن لينفي هذه المرّة أنّه الأقرب إلى يوسف من بيننا، ”شو؟ ياللا روح شيلو...“. لم يكن الخوف من الانزلاق عن الصخور الكبيرة هو ما أبقانا قاعدين في كراسينا، ممازحين بعضنا بعضا حول من سيذهب إليه. ما كان خطِرا وغير آمن هو الوصول إليه هناك، وإقناعه بالعودة إلى الطاولة. كنا نعرف أنّه لن يرجع، وخصوصا إن شعر أنّ أحدا أتى ليساعده على ذلك. ”قولوا للصياد يجيبو، قولولو إذا سقط الزلمي بالمي رح تروح عليك القصبة“، قال شوقي معلنا عن ضجره من إشغالنا يوسف بنفسه.

”هيدا رح يروّح حاله“ أضاف شوقي حين أخذ يوسف ينقّل يديه بين جيوبه ليخرج علبة السجائر. كانت الصنارة قد صارت في الماء وقصبتها محمولة بين إبط يوسف وزنده. وهو أخرج سيجارة من العلبة وراح يكرّر محاولة إشعالها على رغم دفعات الريح المتتالية. ثم التفت إلينا من حيث هو هناك وقال إنها مش عم تولع. ”تعا ولّعها هون“، قال شوقي، لكن بصوت حرص على ألا يبتعد كثيرا عنّا، نحن الجالسين حول الطاولة.

خطر لي أن أقوم أنا من بينهم وأكلّمه من حيث سأقف عند الحافة التي لا تفصلها إلا خطوة واحدة عن أوّل الصخرات، أن أقول له إنّه سكران وإنّه سيسقط إن بقي واقفا هناك، مستعيدا بذلك دالّتي القديمة عليه، تلك التي لا أعرف كيف سيتلقّاها الآن. ”رايح أنا إحكيه“، قلت لشوقي الجالس بقربي فيما أنا أقوم عن مقعدي. لم أعد أعرفه مثلما يعرفونه. لم أعد شريكا في السهرات التي يكونون فيها معه، عنده غالبا، في بيته. ”إيه، يمكن أحسن تقوم إنت“ ردّ زهير، الذي بدا وقد بدأ يملّ هو أيضا مما قدّرت أنه يسمّيه واحدة من مسرحيات يوسف.

من معرفتي القديمة به أستطيع أنّ أردّ قيامه إلى هناك، وأخذه القصبة من بين يدي الصيّاد من دون أن يستأذنه، إلى ما كان يفعله في زمننا ذاك. تلك الخطوة الإضافية، الخطوة غير المنتظرة، كانت برهانه الدائم على ذهابه إلى أبعد مما يذهب إليه من يكونون حوله. الخطوة المجازفة التي منها مثلا أن يجلس وراء مقود سيارة ليبدأ بالسير بها من دون أن يكون قد تعلّم قيادة السيارات، أو يدخل، في يوم ما ذهبنا لصيد العصافير، متجاوزا تلك اللافتة التي كُتب عليها أنّها أملاك خاصّة وأنّ الدخول ممنوع قطعا. كما أنّه، في السهرات التي نكون فيها كثيرين، كان يهزأ من أولئك الذين يقولون إنّهم شربوا كفاية، أو أكلوا كفاية، أو سهروا أكثر مما يجب، مذكّرا هكذا باستعجاله الذهاب إلى ما بعد الحدّ الذي يخافونه.

– أنا مش رح قرّب لعندك... بخاف أوقع أنا ويّاك، قلت من حيث وقفت على أوّل الصخرات التي خطوت إليها عن الحافة الإسمنتية.

إلتفت إليّ. كانت السيجارة التي عجّلت الريح بحرقها ما تزال بين شفتيه، مطفأة وبلا دخان. وهو قال لي بعد أن بصقها أن أقترب لأشاهد السمكات الكثيرة في الماء.

– تعا شوف، قال، ثم ارتبكت وقفته فيما هو يزيح نفسه إلى طرف الصخرة مفسحا المجال لي.

– أنا مش رح إجي، قلتلّك بخاف.

يعجبه ذلك. ”أنا أخاف“ تعني إقرارا بأن في الذهاب إلى هناك مجازفة. لكنني مع ذلك، قلتها بلهجة واثقة، كأنني أهدّد بشيء.

– ولك ليه بتخافو هيك، قال مخاطبا إيّاي بصيغة الجمع، ليس ليصيب الآخرين فقط، أولئك الناظرين إلينا من حول الطاولة، بل راجعا بنا إلى مواقف سابقة لم يتردّد هو إزاءها ولم يخف. لكنّه، وقد قدّر وقع ما قاله، عليّ أوّلا، قال لي إنّه راجع... راجع، بادئا برفع القصبة إلى الأعلى، ومستديرا إلى ناحية ما أقف ليروح يمشي بخطى قصيرة محاذرة، وناظرا إلى الصخور حوله ليرى كيف ستكون طريق عودته.

آنذاك، ونحن بعد في الكلّية، كنت أقول إنه يتبع أفكارا عن الحياة قرأها في الكتب أو شاهدها في الأفلام التي حضرها هنا في بيروت. على كلّ حال كلّنا كنا مثله نتبع أفكارا ونتشبّه بما يقوم به أبطال الروايات والأفلام. لكن ما كان يختلف فيه هو، ما كان يسبق فيه، هو ذهابه في تغيير نفسه إلى ما يتعدّى تلبّس شخصيات الأبطال وأمزجتهم. ليس في وقت ما كنّا في الكلية فقط، بل في السنوات الكثيرة التي تلت، تلك التي لم أكن حاضرا فيها معه، وإن كنت أسمع عنها من الكثيرين الذين لا يعرفونه والذين لا يعرفونني.

***

لقد تغيّر كثيرا عما كانه في أيّام الكلّية، بل إنّه الوحيد من بين الطلّاب جميعهم الذي تغيّر ونحن بعد هناك، وفي وقت مبكّر ربما كان في تلك السنة الأولى أو في السنة الثانية. قبل ذلك كان يبدو مثل واحد من أولئك الكثيرين الذين قدموا من قراهم، يقضي أكثر الوقت وحده مطيلا الجلوس، أو الوقوف، في المكان الذي يكون فيه، ودائما لا يعرف أين يذهب بيديه اللتين كأنّما يربكه حملهما.

كان يرخيهما ممدودتين إلى جانبيه، طويلتين وقليلتي المراس، كأنّهما لم تتدرّبا كفاية لتكونا رشيقتين في القيام بوظائف اليدين وحركاتهما. كانتا تتأخّران لحظات عن الإمساك بالشيء الذي يقدّم لهما، حتى أنّ بائع الأدوات الكهربائية اضطرّ إلى أن يقول له، فيما هو يسلّمه البيك أب: خذه مني، تفضّل احمله. وهو مدّ يديه إثر ذلك، مبسوطتين ومتأخّرتين في أن تتلقّيا الأمر التالي من رأسه، وهو أن تقبضا، كل يد من ناحيتها، على الصندوق الذي أعيدت آلة البيك أب إلى داخله. كان قد خطّط لشرائه من قبل أن ينزل إلى بيروت، بادئا بالأسطوانات التي ساعده رخص أسعارها على اقتنائها. وهي أسطوانات قليلة على أيّ حال ظلّ محتفظا بها مغلّفة في أوراقها وأغلفتها. كانت قراءة الكتب قد أوصلته إلى أن يعرف أسماء موسيقيّيها التي لم يختلف وقعها كثيرا عن أسماء مؤلّفي الكتب التي قرأها. في قاعة الصفّ، ونحن في تلك السنة الأولى، سألتُه:

– بتعرفو؟

– مين؟

– القدّيس أغسطين، اللي عميحكي عنو الدكتور.

يعرفه. وكان يعرف الكثير من الأسماء التي يتبارى في تردادها الطلاب الآخرون. هناك في البيت الذي قدم منه ليلتحق بالجامعة لم يكن متاحا له إلا أن يقرأ. لا أخا له ليسلّيه، ولا تلفزيون ليتفرّج عليه، ولا بندقيّة في خزانة أبيه ليخرج بها لتصيّد العصافير. لا شيء مما لا يلزم، بل لا شيء حتى مما يلزم. حتى أنّني، في تلك الزيارة الأولى إلى بيتهم كدت أسأله لماذا يتركون داخل البرّاد مُضاءً طالما أنهم لا يضعون شيئا في داخله. غير أنّي لم أفعل. لم أجد طريقة ممازحة لقول ذلك. ذاك أننا، أنا وهو، كنا بعد في أيام تعارفنا الأولى، وهو ليس مثل غيره من الطلاب على كلّ حال، أولئك الذين كنا نبدأ بمصادقتهم من باب المزاح والضحك.

لم يكن له في بيته هناك إلا تلك الأسطوانات التي اشتراها متأخّرا، وكذلك الكتب التي كان بينها ما كان يستعيره من مكتبة الدير. كان الخوري يحمّسه على الإسراع في القراءة فيما هو يعطيه الكتاب الجديد: هذا في ثمانية أيّام، يقول له الخوري، مقصّرا المدّة يوما عن المرّة السابقة. ودائما، حين يهمّ بالخروج، حاملا الكتاب المغلّف بجلد سميك، يعيد عليه الخوري ما كان قد قاله في المرّات التي سبقت: هذه الكتب ستقرأها كلّها غداً... ستقرأها هنا في الدير.

في تلك السنة الأولى، أقصد في تلك الأيام من سنتنا الأولى في الكلّية، كان سهلا عليّ أن أتخيّله مرتديا ثوب الرهبان الأسود، مغطّيا جسمه من رقبته حتى قدميه. راهب من رهبان القرى طالما أنّ تلك السمرة الناشفة التي تتركها الشمس على الوجوه كانت ما تزال صابغة وجهه، وطالما أنّ ذلك العضل الزائد في رقبته، على رغم نحول جسمه، لا نجده في رقاب من يعيشون هنا في المدينة.

***

سويّاً كنا نجلس مستمعَين لريمسكي كورساكوف وتشايكوفسكي وبيتهوفن تطلع موسيقاهم من الأسطوانات التي تفيض مساحتها عن حدود البيك أب الصغير. كنا كما لو أننا نتعلّم كيف ينبغي لهذا الاستماع أن يكون، وإن غير مزوّديْن بدليل يفسّر ذلك أو يسهّله. شيء يشبه القصاص الذي يزيده وطأة ادعاؤنا بأنّنا نستمتع بما نسمع، وإن كنّا موفّرين على أنفسنا تلك الحركات التي يقوم بها المنتشون بهذه الموسيقى. شيء يشبه أن نستمرّ في قراءة كتاب لم يرق لنا ولم نتمكّن من فهمه. ربما كانت هذه حال يوسف مع الكتب أيضا إذ أنّه، ذاهبا في عناده، كان لا يعيد الكتاب إلى الدير إلا بعد أن يكون قد انتهى من قراءته كلّه. هكذا كان يقلب الإسطوانة العريضة عن وجهها الأوّل، لنقعد مكمّلين وجهها الثاني حتى آخره. وبعد ذلك يروح يسألني إن كنت أحب أن نسمع الآن أسطوانة ريمسكي كورساكوف الذي، باستثناء الدقائق الخمس الأولى منها، كان مثله مثل سابقه تشايكوفسكي. وأنا أوافقه على أن نستمر في السماع على الرغم من علمنا معا أنّنا كلانا لا نتثّقف ولا نتسلّى.

لكنّه، وهو الأكثر عنادا منّي، لم يملّ من تبديل الأسطوانات وتقليبها حتى بعد أن أغادر من عنده. كان يرى أنّ إصراره لا بدّ أن يوصله إلى شيء، كأن يصير مدركا لشيء ما في الموسيقى يمكّنه من فكّ ألغازها، أو أن يصل، بعد طول الاستماع إليها، إلى أن يكون انسجامه بها حقيقيا. قم بنا نخرج، أقول له، فيجيبني بأنّه يريد أن يبقى هنا. وأنا أعرف أنّه سيعاود سماع الأسطوانات ساعتين إضافيّتين، لكن مقطّعا إيّاها إلى أجزاء صغيرة، كمثل ما يفعل في قراءته الكتب الصعبة مجهدا نفسه في تفكيكه إياها، جملة بعد جملة.

***

ذلك الذي يسمّونه الماضي الجميل لم تطل مدّته أكثر من عشرين سنة: من منتصف الخمسينات حتى منتصف السبعينات. لكن غالبا ما تضيف الآراء الكثيرة كلمة ”تقريبا“ عند اتّفاقها على تلك المدّة. ذاك لأنّ نهاية الماضي الجميل لم تكن في سنة 1975 بحسبهم، بل في 1973 حين قامت حرب أولى، وإن قصيرة، بين الجيش والمقاومين الفلسطينيين. بل إنّ هناك من يرجع أربع سنوات أخرى إلى الوراء فيقول إن البلد بدأ انهياره في 1969 حين اندلعت التظاهرات في يوم 23 نيسان من ذلك العام هاتفة لمجيء المقاومة الفلسطينية بسلاحها إلى لبنان. هؤلاء الأخيرون سيكون عليهم أن يقلّلوا من سنوات الماضي الجميل لتصبح دون العشرين، لكنّهم، من أجل أن يظلّوا في حدود ما جرى الاتّفاق حوله، عمدوا إلى تقديم تاريخ البداية فقالوا مثلا إنّ الازدهار بدأ في مطلع الخمسينات وليس في منتصفها.

هي عشرون سنة إذن، وإن على وجه التقريب. لكن هل كانت تلك السنوات العشرون سنوات ذروة كلّها، أي أنّ الزمن الذي سبقها هيّأ لها فكانت كلّها ماضيا جميلا لا فرق فيه بين سنة وأخرى، أو أنّها كانت حقبة تدرّجت خطوة بعد خطوة نحو الوصول إلى آخر ما بلغه الزمن الجميل. ذلك ما يرجّحه محمد صافي إذ كان يرى أنّ لبنان بدأ ازدهاره في أوّل تلك السنوات العشرين وظلّ يزداد جمالا سنة بعد سنة، راسما خطّا بيانيا متصاعدا كانت قمّته، تلك التي بدأ انهياره من بعدها، في الساعة العاشرة والنصف من يوم 11 شباط 1968. فعند ذلك التوقيت، اقترب صالح الشميساني من كاتيا التي كانت قد انتسبت إلى الكلّية مؤقّتا، إذ كانت تنتظر اكتمال أوراقها في الجامعة السويسرية التي ستنتقل إليها فعلا في السنة الدراسية التي تلت. قال لها صالح إنّه سمعها تغنّي في الكافيتيريا منذ يومين وقد أحبّ صوتها كثيرا. وهو، مستمرّا في التصرّف بحسب التشجيع، بل التحريض، الذي أمّده به محمد صافي ، قال لكاتيا إنّه ليس صوتها فقط ما أحبّه بل إنّه أحبّها هي أيضا. لم تستغرب كاتيا، ولم تتفاجأ. ظلّت تنظر إليه من تحت كفّها الذي جعلته واقيا لعينيها من وهج الشمس، وانفرجت شفتاها عن ابتسامة، ثم قالت له، بصوتها ذاته الذي سمعه مغنّيا قبل يومين: طيّب هلّق أنا شو لازم أعمُل؟

من على المقعد الآخر، هناك في الساحة المشمسة ذاتها، أمدّته إيماءة من محمد صافي بجرعة تشجيع أخرى، فأكمل صالح:

– بدّي ياكي تغنّي... وإلي لحالي.

ما كانت ستفعله بنتٌ أقلّ جمالا بكثير من كاتيا هو أن تضحك، وبصوت عال كان سيفضح صالح. لكنّ كاتيا، ألتي ظلّت تنظر إليه من تحت كفّها المبسوط مثل رفرف قبّعة، أجابته:

– Tu veux que je chante ici?

– لم يفعل محمد صافي أكثر من رفع إصبعه قليلا، ليفهم صالح أنّه يشير إلى قاعات الصفوف، هناك في الأعلى.

– بدِّك فوق...؟

قامت كاتيا عن المقعد، وإذ بدأت مشيها باتجاه الفسحة المظلّلة الموصلة إلى الدرج، التفت صالح ليرى إن كان محمد صافي سيزوّده بنصيحة أخيرة. أما ما تلقّاه فلم يكن أكثر من حركة اليد تلك، التي لا تعني أكثر من: ”الحقها... روح“.

هناك، في قاعة الصفّ الخالية، لم يعرف صالح ماذا يحبّ أن يسمع، وإن كانت واتته شجاعة أن يطبق الباب من فور دخولهما، مهيّئا نفسه لاحتمال ما قد يحصل.

– متل ما بدّك، أجابها.

– بتحبّ بعلبك؟ سألتْه.

وإذ أومأ برأسه ليقول نعم إنّه يحبّها، غنّت له، بصوت أحلى من صوت فيروز كما قال لمحمد صافي بعد نزوله. كان في صوتها بحّة ”متل ما لَو إنها كانت سهرانة مبارح وفايقة من نومها هلّق“. لكن ما لم يكن سامي العبد الله ينتظره هو ما قاله صالح بعد ذلك، هامسا مقرّبا رأسه من أذنه: ”بستها“.

– وين؟ سأله محمد صافي رافعا رأسه إليه.

– فوق، بالصفّ.

– قصدي وين بستها، بأيّ مطرح فيها؟

– بتمّها، بستها بتمّها.

– عمتكذّب...

– ورحمة إمّي.

– عم تحلف بإمّك، نبّهه محمد صافي.

– ورحمة إمّي بستها... وبتمّها كمان.

هناك، في الأعلى، لم يكن في حاجة إلى شجاعة زائدة ليطلب منها ذلك. لا أكثر من أنّه سألها، بما يشبه أن يكون سؤالا عاديّا، إن كانت تسمح له. قبلتْ. أغلقت عينيها واتخذ وجهها الوضع الذي يجب أن تكون عليه مَن تنتظر قبلة. لم تكن طويلة على أيّ حال. على الفم، لكنّها جرت بالسرعة التي تقع فيها القبلة على الخدّ.

– وبعدين؟

– سألِتْني شو إسمي.

– وبعدين؟

– بعدين ما شي، قامت بدها تروح. بسّ لما فتحتْ الباب قالتْ لي إنت لزيز يا صالح.

كان ذلك كلّ ما حصل بين صالح الشميساني وكاتيا. لم يلتقيا منفردين مرّة ثانية. كان صالح، هناك في تلك الساحة، أو في الكافيتيريا، يسلّم عليها من ضمن حدود السلام العابر العادي، لكنه يظلّ ناظرا إلى وجهها ليتبيّن إن كانت ستأتي منها دعوة ما. أهلا صالح، تقول، فقط ”أهلا صالح“. محمد صافي قال له إنها هكذا هي، وإنّها ”مش متلنا بتعلق من البوسة... إجا على بالها تعمل هالشغلة، عملِتها وخلص“. لكن، مع وصفه ما جرى بأنّه حادثة عابرة، وأنها حلوة لأنّها هكذا عابرة، راح محمد صافي يحمّلها أكثر بكثير مما تحتمل. من يستمعون إليه في الكليّة كانوا يقولون له: ”تخّنتها، معقول هالبوسة تكون أحلى شي صار بلبنان؟“ وهو، على عادته، يستطيع أن يستدرجهم إلى أن يقتنعوا، أو على الأقلّ، أن يستدرجهم إلى أن يتشوّشوا بين إعجابهم بحججه وبقائهم، رغم ذلك، غير مصدّقين لما تسعى الحجج إلى برهنته. أما الكلمة التي يجدونها معبّرة عن تشوّشهم، والتي تريحهم في الوقت نفسه من التفكير ووجع الرأس، فهي ”المبالغة“، وهي كلمة، كما يبدو، اتفقوا عليها جميعا. محمد صافي ”يبالغ“، يقولون، ليس في ما قاله عما جرى بين صالح وكاتيا، بل يبالغ في كلّ شيء.

لكنه حظي بثلاثة أو أربعة، كلّهم من طلاب الأدب العربي، ممن لا يحتاجون إلى براهين ليقتنعوا. هؤلاء كانوا غير مكترثين إن كان ما قاله محمد صافي صحيحا أو غير صحيح. بل ربما يرون أنّ الفكرة، لتلقى إعجابهم، يجب ألّا تلقى موافقة من أكثر سامعيها. يريدونها غير صحيحة إذن، لكنْ جديدة، ومفاجئة، كأنّهم، حين يسمعونها، يروحون يقولون، كلّ واحد منهم بينه وبين نفسه: لا أحد يخطر له هذا، لا أحد يقول إنّ ما جرى مع صالح في تلك القاعة بالطابق الثاني هو القمّة التي بلغها لبنان.

معهم، هم الثلاثة أو أربعة، والذين صاروا خمسة أو ستة أو حتى سبعة في تلك السنة الأولى ذاتها من سنوات الكليّة، لا يحتاج محمد صافي إلى أن يخترع كلاما يحوّل البدعة التي قالها إلى شيء منطقي ومفهوم. معهم لا يجد أن عليه أن يجهد نفسه في اختراع الأدلّة والبراهين من ذلك النوع الذي يحبّه طلاب الرياضيات والفيزياء. تكفيهم، هم مؤيّدوه، تلك الجملة وحدها، تلك الفكرة وحدها، كما هي، ومن دون الحاجة إلى أن يُزاد عليها شيء. وسيكون عليهم، من ثمّ، أن يؤلّفوا منها أفكارا اهتدوا إليها من دون أن يبذلوا لها جهودا تتعبهم، ناشطين هكذا في تحويل ذلك اللقاء بين صالح وكاتيا إلى عشر دقائق لا تنسى... في تاريخهم هم على الأقلّ.

***

من النافذة المفتوحة كان يخرج الصوت إلى البنايات المجاورة ضعيفا مرّة قويّا مرّة. كان يوسف يختبر كيف تقع الموسيقى في آذان جيرانه فيقف عند النافذة متطلّعا في ما قد يظهر من نوافذ الشقق حوله. بذلك كان يتبيّن إن كان يؤدّي ارتفاع الصوت إلى تذمّر أحد. ولم يتأخّر انتظاره لشيء يأتيه من تلك النوافذ التي يظلّ أكثرها مشرعا. ظنّ في البداية أنّ تلك المرأة التي وقفت هناك إنما ترسل إشاراتها إلى شخص آخر، ربما في بنايته نفسها. لكنّه، ما أن يحيد مبتعدا عن النافذة حتى تروح تصوّب يدها نحوه، لتبقيه واقفا حيث هو: أنت... بلى أنت، تقول يدها الممدودة المصوّبة إليه.

ظنّ أن الأمور تحدث هكذا في بيروت، لكنّه، رغم ذلك، بقي وقتا يتلقّى الإشارات من دون أن يبادر إلى الاستجابة لها. ”تعال... تعال...“، صارت تومئ له قبل أن تستدير عن النافذة ليفهم بأنّها تتهيّأ لمجيئه إلى بيتها. ليست رغبته فقط هي التي دفعته إلى أن يستجيب لها، بل شعوره بأنّ بقاءه حيث هو، واقفا عند النافذة أو مرتدّا عنها، لا يدلّ إلا على جبنه وخوفه.

كان عليه أن يسير مسافة ليصل إلى حيث هي، ملتفّا حول البنايات المصطفة على يسار الشارع الذي هو فيه. وفي أثناء ما كان يتقدّم عابرا تحت النوافذ والشرفات كان يبحث عن شيء يكون عذرا له ليرجع إلى غرفته. لكنّه واصل التقدّم. عند المنعطف الموصل إلى بنايتها فوجئ بزحمة الناس وارتفاع أصواتهم. كاد يقف ويقفل عائدا لو لم يوقفه عن ذلك ظنّه بأنّ استدارته ليرجع من حيث أتى، مجرّد استدارته، ستقلب على الفور أنظار من في الشارع لتصير كلّها متّجهة نحوه. لا يجب أن يقوم بأي حركة تنبّههم إليه. عليه فقط أن يتقدّم في الخطوات الباقية مبقيا نظره مركّزا على ما تحطّ عليه قدماه الماشيتان. لم تعد أمامه إلا خطوات قليلة، وها هو يقطعها إلى حيث سيستدير بجسمه، كأنّما بانعطافة اعتادها، إلى مدخل البناية الذي أكمل سيره فيه، صاعدا منه إلى الدرجات التي ستوصله إلى شقّتها، هناك في الطابق الرابع. الدرج وليس المصعد. لن ينتظر نزول حجرة المصعد من حيث قد تكون، في واحد من الطوابق. إن فعل، إن بقي هكذا منتظرا، ربما يأتي رجل لن يعرف من هو، ليقف بقربه منتظرا مثله، وربما سيسأله إلى أين هو صاعد. أو يقول له، كأنْ من أجل أن يعرف من هو، إن كان ساكنا جديدا في البناية. الأفضل أن يصعد الدرجات، مسرعا، بل بأكثر من سرعة مشيه في الطريق. لكن عليه أن يبطئ حين يصل إلى الطابق الثالث، لكي لا يصل إليها لاهثا مختنقا بأنفاسه.

واحدة واحدة صعد الدرجات الباقية الأخيرة. ومتمهّلا ضغط على الجرس الذي لم يُكتب اسم على لوحته الصغيرة. مرّة واحدة فقط. مرّة واحدة انتظر من بعدها أربع ثوان أو خمسا، وكان خلالها مستعدّا ليبدأ رجوعه من حيث أتى، مهرولا على الدرجات.

– نعم؟

أفزعه الصوت. بدا له كما لو أن الرجل صاحب الصوت كان ينتظر مجيئه، إذ لم يكن منتظرا حتى أن يسمع ردّا من يوسف الذي لم يكن بوسعه أن يلفظ كلمة واحدة.

– إنت اللي عمتوقف هونيك على الشبّاك؟ سأله الرجل مفلتا درفة بابه ومندفعا نحوه.

لم تصل إليه تلك اليد الغليظة ولم تجار سرعتَه سرعةُ الرجل الذي لم يكمل نزوله فبقي واقفا في وسط الدرجات. غير أنّه تبع يوسف بصوته الزاعق الضخم قائلا له إنّه يعرف أين هو بيته وهو سيلحق به إلى هناك.

***

لم أعرف أين قضى بقيّة يومه وأين قضى ليلته تلك. في كافتيريا الكلية التي بكّر في المجيء إليها كان جالسا مواربا بابيْ الدخول المتجاورين. قال لي، من فور ما جلستُ على الكرسي الخالية بجانبه، إنّه لن يعود إلى هناك. كان مرهقا وخائفا، ومرتبكا من خوفه ومن خجله أيضا. لم يقل كلاما كثيرا على أيّ حال. فقط ما يكفي ليفهمني بأنّه لا يعرف إن كان ما جرى مكيدة أوقعته فيها المرأة ومعها الرجل الذي ربما كان زوجها. ثم قال لي مرّة ثانية إنّه لن يعود إلى هناك، ليس خوفا من ذاك الرجل وحده بل من أهل الحيّ جميعهم.

– وأغراضك... بتترك أغراضك هونيك؟

– مش كتار، وعتاق كمان.

– والبيك أبّ؟

– ما بعرف، قال، ثم رفع عينيه إليّ كأنما لأقترح عليه شيئا.

– قصدك روح أنا جيبو؟

– ما بعرف، قال مرّة أخرى قبل أن يسألني، فيما هو يقوم عن كرسيّه، إن كنت أريد شايا.

***

”عالم جميل... نساء وفواكه وآراء“.

كان ينبغي أن يكون قائل هذه الجملة رجلا كبيرا، في عمر رجال الروايات الذين امتدحوا العالم بعد أن خبروه. زوربا واحد من هؤلاء، بل أنطوني كوين الذي هو الممثّل المناسب لأن يقول ذلك، في كثير من أفلامه وليس في فيلم زوربا فقط. كما أنّ عُمْر أنطوني كوين، الذي بلغ حدّا من النضج الرجولي، وهو عمر الخمسين مثلا، هو المناسب لقول حكمة مثل هذه. هي حكمة لاهية، كأن يكون قائلها مقيما على شاطئ في احد البلدان الغريبة، رادّا طرفي بنطلونه إلى الأعلى وكاشفا قميصه عن أكثر صدره، وفي يده قنينة خمر نقص منها نصفها.

كان محمد صافي كأنّه عاش حياة أخرى سابقة قبل مجيئه طالبا إلى الكلّية. هناك، حيث كان أو حيث عاش، لم تكن متاحة تلك النعم الثلاث، وها هي اجتمعت هنا في هذا ”العالم الجميل“. من المفهوم أن يُحتفل بالنساء في سنوات الستينات تلك، إذ أتاحت الكلّية العيش بين خمسمئة منهنّ، مختلفة إحداهنّ عن الأخرى، ومع ذلك يمكن توقّع مفاجأة مع كلّ واحدة منهن. لكن أن يضيف محمد صافي إليهنّ الفواكه، فذلك ينبّه رفاقه الذين تعلّقوا به إلى أنّ الفواكه هذه ليست تلك التي تأتي بها أمّهاتهم إلى البيوت. إنّها فواكه النعمة، أو فواكه الشِّعر، تُمجَّد جنبا إلى جنب مع النساء اللواتي، قبل المجيء إلى الكلّية، أي في السنة الأخيرة من الدراسة الثانوية، كان اسمهنّ ”البنات“. أي أنّ ما كان يمكن أن يجري معهنّ، أو مع واحدتهنّ، هو تلك المطاردات التي تكفيها قبلة ليكون قد تحقّق الفوز. أما هنا فهنّ نساء، ليس بمعنى الكثرة، أي بمعنى أنهنّ نساء بالجملة، بل بالمعنى الشبيه بذلك الذي للفواكه، كأن يكون وجودهنّ أوسع مما يفكّر الواحد من رفاق محمد صافي عن رغبته بواحدة منهنّ. إنّهنّ نساء الرجال، في كلّ واحدة نصيب من تلك الصفة (النساء) التي تجمعهنّ. أي أنّ الواحدة منهنّ هي نفسها (كاتيا مثلا) وهي النساء جميعهنّ أيضا.

أما الآراء فهي قطعا ليست ما جئنا نتعلّمه في الكلّية. إنّها ما سنصوغه مما قرأنا في الكتب وما حفظناه من كلام متفرّق جاء على لسان مَن نعرفهم ومن لا نعرفهم. في أحيان تختلط الأمور فلا نعيّن إن كانت تلك الفكرة من اختراع قائلها، الذي هو واحد منا، أم أنّه أخذها من كتاب أو من شخص أكبر منه سناً عرفه قبل مجيئه إلى الكلّية. الدكاترة في الصفوف حذرون تجاه هذا الخلط، إذ ينبغي بحسبهم أن يُنسب الكلام دائما إلى صاحبه أو إلى مؤلّفه. أما مَن صاروا يسمّون فيما بعد ”شلّة الشعرا“ فكانوا غير مكترثين بأن يقولوا إنّ هذه الفكرة هي لهم أو إنّهم جاؤوا بها من غيرهم. لم يكن محمد صافي ليجيب إن كان هو الذي سمّى أشياء العالم الجميل، الثلاثة، تلك، أم أنّها لواحد من الشعراء. لا يهمّ، كان سيقول، هاشّاً بيده، تاركا سائله يظنّ أنّه يتهرّب هكذا من الجواب، بينما في الواقع قد يكون هو مَن قالها فعلا.

”عالم جميل... نساء وفواكه وآراء“.

لكنّ زهير، وهو واحد من أفراد ”شلّة الشعرا“ الأربعة أو الخمسة والذين ربما صاروا سبعة أو ثمانية، لم يتمكّن من توزيع الأشياء الثلاثة توزيعا مناسبا فراح يضع الآراء حيث يجب أن يضع شيئا آخر. بذلك ضيّع على نفسه فرصة أن تكون له جلسة ثانية مع نجاة التي في الأدب الإنكليزي. الجلسة الأولى كان قد دبّرها له وليد الذي لم يكن يجد صعوبة في ممازحة الطالبات. وهو، هناك في الكافتيريا، جلس على طاولة وحده يراقب ما سيجري بين الإثنين. كان زهير يتكلّم وهي تنظر إليه، ضاحكة أولا، ثم مبتسمة، ثمّ ساهية، ثمّ مرسلة نظرها إلى حيث يجلس وليد هناك على طاولته. تلك كانت فرصة ضيّعها زهير إذ أنه لم يترك مجالا لكلمة واحدة تقولها نجاة في ربع الساعة تلك. ومن لحظة ما قام عن كرسيّه غير عارف شيئا عن الانطباع الذي تركه، أسرع وليد إلى نجاة التي ما زالت جالسة حيث هي:

– شو؟ سألها وليد.

– ما فهمت شي.

قال أشياء كثيرة هي آراء كلّها. حتى أنّها، هي نجاة، لم تعرف أن تضع كلمة قرب أخرى مما سمعت منه. لا أكثر من كلمات متفرّقة مثل تاريخ... معاناة... أبو نواس... جمعتها هي بتلك الحركة من يديها اللتين بدتا كأنّهما تخلطان أشياء مع بعضها البعض.

– وما قلّك شي إِلِك.

– متل شو؟

– ما قلّك إنّك حلوة مثلا؟

هذه فهمتها نجاة. بل وهي فهمت أنّ وليد قالها نيابة عن نفسه، محوّلا الفرصة الثانية إليه هو طالما أن لا أمل لزهير.

– إنت شفت كلساتو كيف هنّي تحت البنطلون، معرّقين، ”فلوري“، قالتها بالفرنسية فيما هي تضحك ثم تقفل فمها بقفا راحتها كأنها تعتذر عن ضحكها.

هذه المرّة كان هو، وليد، الذي فهم أنّها انحرفت قصدا عن العرض الذي قدّمه لها، وأنّ فرصته طاشت هو الآخر. لكن ذلك لا يهمّ، فهنا في الكلّية يمكن أن تطلق الدعوات من دون تهيئة، ولا داعي إذن أن يشعر بالخيبة من رُفضت دعوته.

في الأعلى، هناك في الساحة المشمسة:

– شو... مشي الحال؟ سأل وليد زهير.

– إنت شو بتقول؟ هيّ شو قالت؟

– هيّ ما قالت شي. بس إنت شو حكيتها؟

– يمكن زدتا عليها، الحقّ عليّ...

– على كلّ حال هنّي جماعة الأدب الإنكليزي متلن متل جماعة العلوم، بتحسّهن بعد ما طلعو من بيت أهلن. بعدين شايف شو مرتّبي، كإنها رايحة على الكازينو.

– يعني شو، بنساها؟

– ما بعرف... جرّب.

***

– إنت بتقول ابراهيم علواني حلو؟

– شو يعني حلو؟

– يعني حلو... شبّ حلو...

– ما بعرف... بدّك تسألو إلو، أجاب شوقي الذي كان قصده أن يتمسخر على سؤال وليد، لكنّه مع ذلك أصاب ما كان يتساءل حوله الكثيرون، وهو: ما رأي ابراهيم علواني بنفسه، هل يرى أنّه حلو أو يرى أنّه شيء غير ذلك.

في مرّات، حين يشاهدونه واقفا بطوله، حاملا بيده السلسلة التي في آخرها مفاتيح سيارته الفوكسهول، يظنّون أنّه الآن يفكّر، بينه وبين نفسه، أنّه لا بأس به، بل يفكّر أنّه جميل. وهو، على كلّ حال، حتى إن كان لا يفعل شيئا، كأن يكون واقفا منتظرا عند البوابة، يمكنه أن يفكّر أنّه من أجمل شباب الكليّة. فهو طويل (وكان سيكون أطول مما هو لولا انحناءة ظهره في الأعلى، هناك عند تقوّس الكتفين)، وعيناه زرقاوان، وشعره أشقر تقريبا. أي أنّ فيه صفات كثيرة تجعله جميلا. لكنّ ساره التي في الأدب الإنكليزي مع نجاة تقول إنّ هذه الصفات كافية لأن تجعل صاحبها جميلا لكن، في حالة ابراهيم علواني، لكلّ قاعدة استثناؤها.

ولا يعني ذلك أنّ ابراهيم هو استثناء فعلا عمّن له صفاتهم. يمكن لنا أن نقول إنّ أمره محيّر بهذا الخصوص طالما أنّ الجميع يتساءلون لماذا لم يستطع أن يصاحب ولا واحدة من بنات الكلّية الخمسمئة. كانت البنات ينصرفن عنه ويذهبن إلى غيره. شيء يشبه أن يمدّ شابّ يديه الاثنتين مستقبلا بنتا تتقدّم في الاتّجاه الذي هو فيه، ليفاجأ بعد لحظة أنّها ذاهبة إلى شابّ آخر واقف خلفه، هناك على مسافة خطوتين منه. وفي أحيان كان هذا يجري من دون علم ابراهيم، مثلما حصل في يوم ما قال له وليد خذنا بالسيّارة إلى شتورة. وإذ استهجن ابراهيم هذا الطلب قائلا ”ليش شو فيه بشتورة؟“، عاجله وليد بقوله إنها صبحيّة تحب أن تأكل هناك لبنة بلدية. في الطريق إلى شتورة كانت صبحية جالسة في المقعد الأمامي، بجانب ابراهيم علواني الذي كان يسوق فقط، لكن عارفا في الوقت نفسه أنّ يد وليد اليمنى تتنقّل بين ذلك القسم من جسم صبحيّة ويدها المستسلمة المرخيّة إلى الوراء. أين هو الخطأ؟ هل هو في وجه ابراهيم علواني؟ في نظرة عينيه مثلا؟ هل هو في أسنانه؟ أو هل الخطأ في طريقة تحريكه ليديه اللتين تبدوان، في أثناء ما يكون يتكلّم، كأنهما تنقّلان أشياء ثقيلة أمامه، تارةّ تقرّبانها إلى هنا وتارة تعيدانها من جديد إلى حيث كانت هناك.

أو ربما كان الخطأ في سوء اختيار ابراهيم لمن يكون في صحبتهم. فبدلا من أن يذهب إلى حيث يجب أن يكون، مع رفاقه في صفّ الأدب الإنكليزي مثلا، وجد نفسه بين ”شلّة الشعرا“، أولئك الخمسة أو الستة، أو السبعة، الذين لهم طريقتهم الخاصّة في تصنيف الناس. هناك، بين طلّاب الإنكليزي، كانت نجاة ستفضّل واحدا مثله على زهير الذي، بعد أن ظلّ يتفلسف أمامها غير عارف بما يقول، قام منصرفا بكلساته وقصر بنطلونه اللذين يبديانه مثل بجعة. لقد ذهب ابراهيم إلى المكان الخطأ، أو أنّه وجد نفسه هناك بسبب فوضى السنة الأولى التي لا يعرف الطلّاب فيها أيّ رفقة هي التي تناسبهم. لكنّه، بدل أن يبدّل مَن وجد نفسه بينهم، مثلما فعل كثيرون بعد ثلاثة أشهر أو أربعة من بدء السنة، ظلّ هناك، في المكان الخطأ، باقيا حيث هو، من دون أن يفاجئ الذين هو بينهم بفكرة واحدة يستسيغونها.

***

كاد إبراهيم علواني ينجو بنفسه لو ظلّ لوحده منفصلا عن أصحابه الذين يقولون إنه لا يعرف كيف يدبّر حاله مع البنات. ذاك أنّ وجوده بينهم، وهو يحبّ دائما أن يكون بينهم، يعطّله عن أن يبدأ شيئا معهنّ. لكن الابتعاد عن أصحابه تحقّق له غصبا في ذلك اليوم حين تلفّت حوله، ثمّ أمامه ووراءه، ولم يجد أحدا منهم. ربما كانوا قد خرجوا من المظاهرة، متّفقين مسبقا على ذلك. أو ربما لم يسيروا فيها خطوة واحدة، مكتفين بأن احتشدوا مع المحتشدين في ساحة 23 نيسان، ثمّ انسلوا منها من لحظة ما رأوا أنها بدأت تتحرّك. حين لم يجدهم ابراهيم علواني قرّر أن يخرج من المظاهرة مثلهم، ويعود إلى الكلّية ما دام أنّ الوقت ما زال في أوّل العصر. لكنّه لم يشأ أن يخرج زائحا عن الصفّ الذي هو فيه، لا باتّجاه اليمين ولا باتّجاه اليسار. آثر أن يتراجع بدلا من ذلك، خطوة إلى الوراء ثم خطوة أخرى إلى الوراء، تاركا المظاهرة تتقدّم وهو يتخلّف عنها، تتقدّم وهو يتخلّف عنها، وذلك حتى يصير في آخرها، فيقف للحظة في مكانه، وبذلك يكون قد خرج من دون أن ينتبه لخروجه أحد.

لكن حدث شيء أوقفه عن تراجعه. كان قد بلغ الصفوف الأخيرة حيث يتضعضع المتظاهرون ولا يعودون متراصّين مرافقين بعضهم بعضا. لم يكن عليه، حين رأى تلك الفتاة الطويلة القصيرة الشعر، أن يخترع خططا لكي يصير ماشيا إلى جانبها. ليس عليه إلّا أن ينسّق خطواته، مرّة بعد مرّة، سائرا هذه المرّة إلى الأمام، منحرفا في المرّة التالية إلى اليسار، ثم خطوة مائلة إلى الأمام مرّة أخرى، ليجد نفسه بعد دقائق ماشيا معها.

وهو، حين بات هناك بقربها، لم يكن محتاجا إلى أن يقول شيئا. عليه أن يمشي فقط، محافظا على تلك المسافة القليلة بينه وبينها. وهو، مصيبا هذه المرّة، فكّر أن الأمور في المظاهرات تحدث من تلقائها. لم يتأخّر ذلك على كلّ حال. فأوّلا لم تزح هي من مكانها مثلما كان يمكن أن تفعل لتبقي على مسافة الخطوتين أو الثلاث التي تفصل بينهما. ولم تبطّئ مشيها أو تسرّعه لكي يصير أمامها أو لكي يتراجع عنها. بل إنّ إبراهيم، بعد أن زادت سرعة المظاهرة قبل أن تصل إلى حيث تجمّع رجال الدرك، هناك في أعلى الطلعة، شعر بأنّها راغبة في البقاء بجانبه. كانت تسير بسرعته ذاتها، وهو راح يختبر ذلك بأن يوسع خطواته قليلا ليرى إن كانت ستلحق به. وكانت تفعل. وحين سدّ الدرك الطريق هناك في الأعلى، مانعين المظاهرة من التقدّم، صارت الصفوف تزداد قربا من بعضها البعض إذ كان يتقدّم أولئك الذين في الخلف فيما أولئك الذين في الصفوف الأولى محجوزون في مكانهم.

كانت الأصوات قد ارتفعت بالهتاف القوي مع إيقاف المظاهرة عن التقدّم. وتوتّرت الصفوف بسبب ذلك فبدأ الناس يخلون مطارحهم لينضمّوا إلى صفوف أخرى، أو ليكتفوا بأن يقطعوا مسافة إلى الأمام ثم يعودون بعدها، مبقين على توتّرهم، إلى حيث كانوا في مطارحهم السابقة.

– منيح اللي إنتَ معي، قالت وهي تنظر إلى وجه إبراهيم لأوّل مرّة.

لم يتفاجأ. بل إنّه التقط المبادرة وأكمل بها، بأن أعلى ذراعه ملامسا كتفيها، ليشعرها بالحماية، ثم أخفض يده إلى حيث يدها الطريّة الطويلة الأصابع.

– ياللا عالفوكسهول، قال له زهير مستبقا ما ينبغي أن يحصل، ومقاطعا الحكاية التي بدأت تصير مشوّقة.

وقد وافقه إبراهيم على ما ينبغي فعله، مجيبا إياه بأنّ الفوكسهول لم تكن بعيدة على كلّ حال.

ثم استأنف ابراهيم حكايته عائدا إلى حيث كان بعدُ في المظاهرة.

– خايفة يصير شي؟، سألها.

– شويّ، قالت.

– بتحبّي نطلع؟

– إزا بتحبّ...

إنسحبا من المظاهرة معا، ولم يترك إبراهيم يدها إلا بعدما صارا بعيديْن مسافة عن المتظاهرين.

توّاً إلى الجبل. لم يجب حين سأله نقولا إلى أيّ منطقة في الجبل أخذها. لكنّه قال إنّه كان ممسكا بيدها طول الطريق ومقلّبا إياها في يده. وحين وصلا راحا يتحادثان وهما في السيّارة التي ركنها ابراهيم تحت الشجرات. لم يكن ينوي أن يبدأ معها من فوره، قال، فهي ليست من البنات اللواتي يُمكن إنهاء الأمر معهنّ من المرّة الواحدة. لكنّ ذلك حصل على كلّ حال...

– شو هوّي اللي حصل، سأله محمد صافي.

– تبويس، أجابه ابراهيم.

– تبويس كيف؟

– تبويس... بتعرف...، قال ردّا على السؤال جاعلا يديه الكبيرتين ترسمان شكل كرة بما يعني أنّ التبويس كان كثيرا.

– وهيّ كيف كانت؟

– كانت منيحة... منسجمة...

– كيف يعني منسجمة؟ صارت هيّ تقرّب عليك مثلا وتبوّسك؟

– لأ، أجاب ابراهيم مدركا أنها لو كانت كذلك لبدت واحدة من البنات اللواتي يَقبلن مع كلّ من يعرض عليهنّ. ثم أضاف، ممثّلا على ذلك بضمّ أصابعه، إنّها لا تصحّ لأيّ كان. ”بتعجبك“، قال لمحمد صافي.

– طيّب خليّنا نشوفها، قال محمد صافي.

– مرّقلنا ياها، قال نقولا مستخدما صيغة أخرى.

وقد غضّ ابراهيم عن تلك البذاءة، العابرة على كلّ حال. ثم قال، ملتفتا إلى محمد صافي، إنّه سيدعوها إلى الكافتيريا.

– أيمتى؟ سأله محمد صافي.

– بكرا... بدك بكرا؟

وفيما كان محمد صافي يفكّر إن كان بكرا يناسبه، إنتبه ابراهيم فجأة أنّه أوقع نفسه في الدور الذي يبديه مقبلا على تسليمها لمحمد صافي.

– إيه، بكرا منيح، أجاب محمد صافي.

– أوكي، على كلّ حال خلّيني فكّر كيف بدنا نظبّطا، قال ابراهيم بما يشبه أن يكون يضع خاتمة للحديث. لكّن زهير أعاده بعد دقيقة السكوت إلى حيث كانوا:

– شو، بدّك تجيبها؟

وهو قال ذلك بنبرة بدا فيها مستعدّا للتشكيك بكلّ ما رواه ابراهيم عن البنت.

– أوكي، بكرا، هون بالكافتيريا.

***

قال لي يوسف إنّهم لو أقاموا باباً بدل النافذة لكان يمكن لهذه الغرفة التي استأجرها أن تكون دكّانا. هنا لن يكون مضطرّا لأن يتلفّت ناظرا إلى البنايات حوله ليرى إن كان أحد يحتجّ على ارتفاع صوت الموسيقى، ولن تستدرجه امرأة لتوقع به. ما تواجهه النافذة هذه ليس إلا ذلك الحائط الشاهق المسدود المرتفع تسعة طوابق. أما الطريق الضيّقة التي بينه وبين ذلك الحائط فهي لعبور السيّارات الداخلة إلى المرآب، والتي يسرع سائقوها إلى الخروج، مشيا على أرجلهم، من فور رَكْنها. أما داخل الغرفة فخالٍ إلا من ذلك الفراش الذي يُطوى، وكرسيين، وخزانة قديمة من درفة واحدة.

لكنّها، بخلاف بيته السابق، كانت قريبة من الكلّية إذ في عشر دقائق كنّا نصل إليها لنجلس ونسمع الموسيقى ثمّ نعود إلى الكليّة. كان يوسف قد أضاف إلى ما عنده أربع أسطوانات، صغيرة على كل وجه من وجوهها أغنية أو أغنيتان لمغنٍّ فرنسي. هنا أقلّه نستطيع أن نسمع كلاما، أقول له، بعد أن أسمعه يرافق المغني، مستحيا مبعدا وجهه كأنْ من أجل أن لا اراه.

لكننا لن نظلّ هكذا وحدنا في الأوقات التي نكون فيها معا. في الكليّة كانت السنة الأولى هي سنة تجريب الطلّاب لبعضهم البعض حتى يصير كل واحد منهم مشتركا في مجموعات عدّة هي قيد التشكّل كلّها. ودائما كان خروجهم معا من الكلية بمثابة قيامهم برحلة قصيرة. في عشر دقائق لا أكثر نصل إلى هناك، رحت أقول لمن أكون بينهم داعيا إياهم إلى مرافقتنا إلى بيته. كان يوسف يسير معنا، متأخّرا عنا قليلا في مشيته، تاركا لي أن أتصرّف بدعوتهم كأنني أرافقهم إلى بيتي وليس إلى بيته. على الطريق أظلّ أتلفت حولي لأرى إن كانوا ما يزالون مرافقيننا جميعهم. عشر دقائق لا أكثر، أقول لهم مذكّرا في آخر الطريق، مشيرا إلى مدخل السيّارات الضيّق: ”هنا... وصلنا“، ثم أنظر إلى يوسف ليتقدّم عنا ويفتح لنا الباب.

ومن فور ما نصير في الداخل، كنت أبدأ بإنزال الإبرة على الأسطوانة التي تكون ما زالت في مكانها على صفحة البيك أبّ. في الغرفة الجديدة هذه لم يدم طويلا سماع الموسيقى الكلاسيكية القديمة. ربما أدرك يوسف أنّ قضاءه الساعات في تقليب أسطواناتها لم يزده معرفة بها. لذلك أرجعها إلى مغلّفاتها مكتفيا بما بقي من ألحانها متردّدا في رأسه.

لكنّ ثماني أغنيات لا تكفي على أيّ حال. كان يقول إنّه سيشتري أسطوانات أخرى كلّ شهر، أما بانتظار ذلك فلن يكون عليه إلا أن يملأ الوقت بالوقوف متراجعا قليلا عن زائريه، تاركا لهم الكرسيين والفراش المطويّ المسنود إلى الحائط.

لكنّ هؤلاء، على رغم بقائه صامتا، لم يغفلوا عن وجوده بينهم. كانوا يعرفون أنه يصغي إلى ما يدور بينهم وأنّه في صمته وحياد نظرته يكون يوافق ما يسمعه أو يعارضه، بل ربما يكون يسخر مما يسمع وإن من دون أن يظهر شيء على صفحة وجهه. لذلك كان واحدهم، في أثناء ما يعلي صوته برأيه، يرسل إلى يوسف تلك النظرة المتسائلة أو المنتظرة تأييدا. أنا بدوري كنت أتوقّع شيئا ينبئ به ذلك الوجه الذي يبقي ملامحه مقفلة عما يدور حوله. شيء ما كان سيتغيّر لا بدّ، وإن لم تكن قد ظهرت بعد أيّ من علاماته.

***

الكثيرون، أي من تزيد نسبتهم بين الطلاب عن ثمانين بالمئة أو تسعين. أولئك الذين جاؤوا إلى الكليّة لكي ينجحوا هم بلا معنى. والذين يحضرون الصفوف وفي أيديهم أقلام يسجّلون بها ما يقوله الدكتور ليعيدوا كتابته في المسابقات هم بلا معنى. وكذلك هم بلا معنى أولئك الذي يسألون الدكتور سؤالا في آخر الحصّة على أساس أنهم يستغلون وجوده حتى آخر لحظة. وبلا معنى أيضا أولئك الذين يبدون مسرورين، بل ضاحكين، فيما هم يوضّبون أغراضهم عند انتهاء الحصّة. وكذلك أولئك الذين يعرفون كيف يمرّرون بالابتسام الكلام المحرج الغريب الذي يسمعونه. ومثلهم بلا معنى أولئك الذين يتجنبّون النزول إلى الكافتيريا، وكذلك الذين لا يدخّنون. ومثلهم الذين يضاحكون البنات لتعجب بهم البنات، هؤلاء بلا معنى، والبنات اللواتي يعجبن بهم هنّ أيضا بلا معنى. وكذلك الذين لا توحي هيئاتهم بشيء، والذين يظلّون على الهيئة ذاتها لا يغيّرونها. وكذلك بلا معنى هم أولئك الذين بلا عُقد، والذين لا يخفون شيئا، والذين لا تمرّ عليهم أوقات يكونون فيها مستغرقين بما يفكّرون حتى إذا كلّمت أحدهم، ولو بصوت عال، لا يسمعك. والذين لا يفاجئونك بشيء يقولونه هم بلا معنى. والذين يستحون أمام البنات هم بلا معنى، وكذلك الذين لا يستحون أمام البنات. وبلا معنى أولئك الذين يقول عنهم محمد صافي إنهم بلا معنى. وكذلك الذين يقول عنهم زهير، لكن بعد أن يوافقه محمد صافي على أنّهم بلا معنى.

***

لم يوضح محمد صافي باسم من تحديدا يتكلّم في الاجتماع الذي عقدته الأحزاب للاتّفاق على انتخابات السنة الأولى. حين سأله طالب من الحزب الشيوعي ما هو برنامج هؤلاء المستقلّين الذين جاء يزعم تمثيلهم، أجابه محمد صافي بأنّ المستقلّين تعني مَن هم في طور التشكّل، وهذه ميزتهم، وهم يتوقّفون عن أن يكونوا مستقلّين حين يصبح لديهم برنامج عمل متكامل. كان هذا من نوع الكلام الغريب الذي يداريه سامعه بالابتسام قبل إدارة ظهره له. لكن الطالب الشيوعي فهم أن ما سمعه ليس إلّا لعبا على الكلام، وهو سيكون عليه أن يجادل فيه إن أراد أن يُقصي محمد صافي عن مجموعة القوى الممثّلة للطلاب. كما أنّه لم يستطع أن يقول إنّ الاجتماع هذا مخصّص للقوى الطالبية، إذ هو أدرك أنّ الجواب الذي سيسمعه سيكون على طريقة سابقِهِ، موجعا للرأس.

لكن محمد صافي أكمل معلنا رفضه لأن تُدار شؤون الطلاب من المكاتب الحزبية. كان يجلس على كرسيّ قديمة أبدته مرتفعا قليلا عن المجتمعين الآخرين. وهو، شاعرا بذلك الارتفاع، وكذلك بإدراكه كيف هو وقع جسمه الضخم القويّ عليهم، سألهم كيف قرّرت الأحزاب أن تكون هي المتكلّمة باسم الطلاب. ما ينبغي فعله، بحسب ما قال، هو أن يُجرى استفتاء لهؤلاء الطلّاب ليُعرف إن كانوا موافقين على أن تتكلّم الأحزاب باسمهم. ثمّ أضاف، كأنّ فكرة جديدة خطرت له لتوّها، أنّه يجب أوّلا إجراء إحصاء لنعرف نسبة الحزبيين من بين طلاب الجامعة.

– أنا أقترح تعليق الاجتماع، قال ممثّل الحزب الشيوعي،

لكن شابا من ممثّلي اليسار الجديد قال له إنّ الزميل (قاصدا محمد صافي) لديه وجهة نظر ينبغي أن نسمعها.

– يمكن يكونوا أكتر من المستقلين، ويمكن يكونوا اتنين بالميّة بسّ، لكن على كلّ حال لازم نعرف، مش لازم نعرف؟ قال محمد صافي.

– وليش بدّك تعرف، علّق اليساري الجديد، لكن من قبيل تشجيع محمد صافي على أن يستمر في ما يقوله.

– لأنو هاي الديمقراطية... يعني اللي هني كتار مش لازم يحكوا باسمهن القلال.

– صحيح... هيدا صحيح، بس على كلّ حال بدنا نعرف باسم مين عميحكي زميلنا... بدنا نعرف مين هني المستقلّين تبعولو؟

بدا لمحمد صافي أن الذي قال ذلك أكبر عمرا من أن يكون ما زال طالبا في الكلّية، أو ربما كان في السنوات التالية للسنة الأولى، الرابعة أو الخامسة على الأرجح. وهو جاء مكلّفا من الحزب ليراقب، من حيث يجلس خلف حلقة المجتمعين، رفاق حزبه الجدد كيف يتصرّفون في الاجتماع.

– الرفيق ضيف مين بالاجتماع... طالب عنّا حضرتو، سأل محمد صافي.

– مش طالب عندك، طالب هون بالكلّية.

لم يكن فقط أكبر عمرا مما ينبغي لطالب في السنة الأولى، بل بدا متهيّئا لمواصلة هجومه على محمد صافي. الجسم الضخم القويّ المرتفع على تلك الكرسي العالية لم يُخفه، ولم يُربكه الكلام عن المستقلّين والديمقراطية. محمد صافي لم يتأخّر في أن يعرف، أو يحسّ، أنّ ما سمعه هو من نوع كلام القرارات التي تتّخذها الأحزاب من أجل أن تُكمله وتستمرّ فيه. وهو، على كلّ حال، يستطيع ألّا يشعر بأنّه أهين إن سكت ولم يجب، فما قاله عنه ذلك الحزبي يعادل ما قاله هو له (”مش طالب عندك“ بمقابل ”طالب عنّا حضرتو“). لكنه مع ذلك ألهى المنتظرين جوابه بسحب سيجارة من علبة المارلبورو التي أمامه وراح يحدّق فيها على مهله مقرّبا إياها من عينيه، ثمّ مبطئا أشعل عود الكبريت لينفخ على ناره نفخة قوية بعد أن توهجّ مقدّم السيجارة.

ما سمعه كان مساويا لما قاله، وهو أضاف على حصّته تلك حركاته البطيئة بإشعال السيجارة التي يُمكن أن تكون استفزازا يصعب الردّ عليه. لكنّ صوتا ارتفع من وراء ما يجلس المتكلّم باسم اليسار الجديد ليقول إنّ أحدا هنا لا يستطيع إسكات أحد، وإنّ الزميل يستطيع أن يقول ما يشاء.

كان هذا المتكلّم صنو ذاك الجالس، هو أيضا، في الصفّ الخلفي، فكّر محمد صافي. كلاهما حضرا ليكونا بمثابة الجبهة الخلفية لرفيقيهما. وهو أدرك أنّ ما سمعه أخرجه من الموقف المحيّر الذي كان فيه. يستطيع الآن أن يبقى ساكتا، وسيكون لسكوته معنى آخر مختلف. كما أنّه، منذ الآن، يستطيع أن يهيّئ نفسه ليبدأ من جديد، لكن عليه أن ينتظر قليلا ليرى. وهو لم يلبث أن باشر ذلك حين قال، قاطعا لحظات الصمت التي كادت تطول، إنّ هناك زملاء آخرين لم يتكلّموا بعد. لكن الطالب الشيوعي لم يعجبه ذلك التعليق الذي يُبدي محمد صافي متنطّحا لتنظيم الاجتماع، وهو لذلك قال، مستعيدا المبادرة: ”خلّينا نرجع لموضوعنا“.

***

كان يوسف يفكّر ماذا عليه أن يكون، وفي أيّ اتّجاه عليه أن يتغيّر، وذلك بصرف النظر عما يجري بين الطلّاب الذين يأتون إلى بيته. حتى في الوقت الذي يبدو فيه مصغيا إلى ما يقولونه، ومقلّبا نظره بينهم، كان رأسه يشتغل بما لا علاقة له بما يرى أو يسمع. أعرف ذلك من المرّات التي كان يهمس لي، حين يصادف وقوفي بقربه، بما يدلّ على انصرافه عن كلّ ما هو حوله. حين كانوا مسترسلين مثلا في إطلاق الأوصاف على بنت الفيزياء التي تعبر في الساحة المشمسة رافعة صدرها إلى الأعلى وتتصرّف كأنها لم تسمع الكلمات التي يقولونها عنها، كان هو يقول لي إنّه يحبّ أن يشتري بارودة صيد. لكنه، بعد يومين أو ثلاثة، وفيما كنت أنتظره قرب باب بيته المقفل، جاء حاملا غيتاراً بدا لي أّنه اشتراه لتوّہ. رفعه أمامي وهو يقول لي إنّه مستعمَل، وأنا أدركت أنّ بائعه كان متساهلا في سعره إذ أنّه ترك الوترين اللذين انفلتا منه منفلتين وقصيرين. قال لي يوسف فيما هو يخرج مفتاح بيته من جيبه: بَسّ عشرين ليرة، وكان مبتهجا بذلك، وحين صرنا في الداخل نقر على واحد من الأوتار الباقية ليسمعني أنّ الصوت الذي يطلع منه صوت غيتار حقيقي.

– هيدا بدل البارودة؟

لم يجب. كان قد جلس على الفرشة المركونة على الأرض، واضعا الغيتار في حضنه ومنقّلا إصبعه بين الأوتار الباقية ليسمع رنّاتها. ثمّ راح يشدّ واحدا من الوترين المنفلتين ليرى إن كان ممكنا عقده. قال لي، بعد أن تبيّن له قصره، إنّ عليه أن يشتري خيطين جديدين، وسألني إن كانت هي ذاتها خيوط النايلون التي تُباع في الدكاكين.

– بتحبّ تجرّبو هلّق أو بتنطر حتى نصلّحو، قال، ثمّ قرّب الغيتار لي لآخذه بيديّ الاثنتين. فعلت كما فعل، مطلقا الصوت وممهلا نفسي لكي أتبيّن رنينه. كنت أعرف أنّه لن يحتمل بقاء الوترين مقطوعين هكذا، وأنّه الآن يريد أن يرى آلته كاملة بين يديه. وهو، مستحيا من أن يبدو ملحّا، سألني إن كنّا نذهب الآن لإصلاحه. وإذ أجبته بما يحبّ، قام من فوره عن الفرشة ووقف منتظرا أن أخطو قبله نحو الباب.

– الغيتار خلّيه هون، قلت.

فكّرت أننا سنلفت نظر الناس في الطريق، خصوصا عندما نصل إلى تلك الطلعة التي في آخرها صفّ الدكاكين. بل ربما سيتوقّف بعض من قد يكونون هناك عن مشيهم، هكذا عن قصد، كأنّما ليفهمونا أنّ منظرنا هكذا يستحقّ الفرجة.

– خود الخيطان، بسّ الخيطان.

بدا مرتبكا. قرّب الغيتار من عينيه كأنّما ليتبيّن كيف يمكن أن ينزع الخيطين، ثمّ، متراجعا عما كان ملحا عليه، استدار عنّي مفتّشا عن مكان مناسب يركن الغيتار فيه.

– خلّيه لوقت تاني، قال فيما هو يسند الغيتار إلى الحائط ويجلس على الفرشة المطويّة بجانبه.

***

كان محمد صافي يبالغ بتعيينه الساعة العاشرة والنصف من يوم 11 شباط 1968 الذروة التي بلغها الزمن الجميل، لكن ما ليس مبالغا فيه أن تلك السنة–1968–هي أجمل السنوات. ذلك نعرفه من الطلاب الذين أرسلهم لبنان إلى الكليّة في تلك السنة: البنات مثلا كنّ أجمل من اللواتي سبق مجيئهنّ في السنوات الأربع التي سبقت. من بين طالبات السنة الثانية وصولا حتى السنة الخامسة، ليس في الكلّية واحدة مثل إيلين، ليس فقط لنظرة عينيها التي تُبديها مُتأمّلة وجه من يكلّمها وقليلة الاكتراث بأن تفهم ما تسمعه، ولا واحدة مثل لينا التي يتلوّن وجهها بالأحمر كلّما قالت ”لا“ لكلّ من يدعوها من الشباب لتناول القهوة. كما ليس بين بنات السنوات الأربع من تبدو جريئة مثل يولا، حتى لو لبسن تنانيرها القصيرة ذاتها. ولم يسبق للطلاب الذين جاؤوا من الثانويات أن سمعوا زميلات لهم يتكلّمن الفرنسية هكذا، أو يضحكن للنكات الخفيفة ضحكا لا يوقفنه إلا حين يبدأن بالسعال، أو يشعلن السجائر من أعقاب السجائر، أو ينادين بعضهنّ بعضا بتلك الأسماء التي لم يسمع أحد مثلها من قبل: أليدا، كارليتا، فيكتورين... هؤلاء، أو بعضهنّ، كنّ يتكلّمن في الجمعيات العمومية باسم تنظيمات ثوريّة منشقّة عن تنظيمات ثورية أخرى، كأن التروتسكيات منهن، على سبيل المثال، لا تقلقهنّ قلّة عددهنّ بل يجدن أنّهن كثيرات هكذا.

وفي طلّاب السنوات الأربع التي سبقت لم تكن البنات يحضرن في الجمعيات العمومية. أما هنّ، طالبات 1968، فكأنّهن جئن إلى لبنان من بلاد أخرى، أو كأنّ لبنان أخرجهنّ، في تلك السنة، بعد أن أتمّ تجهيزهنّ. كانت أليدا تتكلّم في الجمعية العمومية بمزيج من العربية والفرنسية خالطة إياهما بنغم يشبه ما نتخيّله من رقص الكوبيّات. وفي السياسة التي كانت تُعقد الجمعيات لأجلها، لم يكن كلام أليدا يؤثّر في ما كان الطلاب الشباب يسمّونه ميزان القوى. ذاك أنّ السياسة ليست كلّ شيء، وليس من أجل السياسة وحدها يتجمّع الطلّاب في تلك القاعة الواسعة المتدرّجة نزولا كما صالة السينما. حتى حين يتكلّم الطلّاب الشباب، أولئك الذين يمثّلون أحزابهم، كان المزاح غالبا، وأصوات القهقهة مرافقة لما يسمعه المتجمّعون في القاعة. ”هيا بنا إلى السيرك“، يقول الجالس في الكافتيريا، قاصدا حثّ من هم حوله للذهاب إلى هناك. في يوم سبق كان هو نفسه، ذلك الطالب في السنة الأولى، قد دعا إلى مؤتمر صحافي ليتكلّم هو فيه، بمفرده، متناولا مسائل كثيرة تبدأ بضرورة إرغام الدولة على أن تباشر بإقامة كلّيات تطبيقية للطبّ والهندسة خصوصا ولا تنتهي بدعوتها إلى مقاتلة إسرائيل، أو على الأقل فتح الحدود لمن يرغب في مقاتلتها.

بل إن طلاب السنة الأولى تلك استدرجوا طلاب السنوات العالية إلى أن يتكلّموا في تلك اللقاءات، لكنّ ما كان يقوله أولئك الأكبر منهم سنّا كان أقرب إلى الإنشاء العربي منه إلى الحكي بالسياسة. وهم، طلاب السنة الأولى، كانوا يتندّرون على أولئك المتجمّعين في مقدّمة القاعة فيروحون بعد انفضاض كلّ من اللقاءات يقولون:

– سمعت شو قال هيدا اللي بدّو يدافع عن المقاومة الفلسطينية؟

– أيّ واحد؟

– هيدا اللي بيضلّ لابس طقم.

– إي شو قال؟

– قال بالفصيح إنّو الفدائيين هم أشرف من أنجبت هذه الأمة.

– هيدي بسيطة، هيداك الطويل بالسنة الخامسة اللي ما بيقبل يحكي إلا بعد ما تسكت كلّ القاعة، قال إن الفدائيين هم صهيل الشمس...

– عميعمل أدب عربي؟

– يمكن، بس حتى بالأدب العربي ما في شي إسمو صهيل الشمس.

أما البنات في تلك السنوات الأربع، وهنّ قليلات على أيّ حال، فلم يكنّ يأتين أبدا إلى الاجتماعات. بل إنّهنّ، حتى إلى الكافتيريا، كنّ قليلات النزول، وإن فعلن فلا ينزلن إلا معا، ثلاث منهنّ أو أربع يرحن ينظرن مستهجنات إلى ما يشاهدنه هناك، ثم لا يلبثن أن يعدن أدراجهنّ من دون أن يخطين حتى إلى الصالة الداخلية من الكافتيريا، تلك التي يعلو صخب من فيها على صوت الأغنيات الطالع قوياً من آلة الموسيقى التي في حجم نصف سيارة.

***

كان ابراهيم علواني بمفرده حين تمكّن، على الأقلّ، من أن يخرج مع فتاته تلك إلى الجبل ويعود بها بعد أن أشبعها تبويسا. يجب أن يكون بمفرده إذن، وأن يظلّ بمفرده، كلّما بدا له أن فرصة قد تسنح معهنّ. صار لذلك ينتظر خروجهم من الكافتيريا، ليبقى من دونهم وحده، مفتّشا بين البنات اللواتي يبقين في الكلّية، يراجعن دروسهن، مرجئات بذلك ذهابهنّ إلى غرفهنّ التي يضجرن من البقاء فيها وحدهنّ. كان قد قضى أمسيات كثيرة بينهنّ، هناك في الطابق الأوّل المكشوف فوق الطريق. لم يكن الطالب الوحيد، لا بدّ، طالما أنّ الطلّاب الشباب لا يذهبون جميعا إلى التسكّع في الليل. لكنْ كانت هناك مسافة تفصل بين طاولة وأخرى من الطاولات الصغيرة التي يتوزّع بينها الطلاب والطالبات، والتي يجب أن تبقى أصلا في الصفوف، وهي مساحة تساعده في كلّ مرّة على أن يخترع طريقة للاقتراب منهنّ: مرّة بأن يقف على مسافة أربع خطوات أو خمس من إحداهنّ جاعلا نفسه يفكّر أين هو ذلك الشيء الذي أضاعه. لكن ذلك لم يؤدّ إلى شيء، إذ لم يأته من الخلف صوت يقول له: شو مضيّع شي...؟ كذلك لم تؤدّ إلى شيء خشخشته لمفاتيحه فيما هو يهمّ بالنزول إلى سيّارة الفوكسهول ليحضر منها دفترا أو كتابا، ولم يحصل على شيء حين حمل كرسيّه ووضعه في وسط المسافة بين بنتين معطيا نفسه هذه المرّة احتمالين اثنين لا احتمالا واحدا.

ما كان عليه أن يفعله هو أن يبادر معهنّ، أن يقترب من إحداهنّ ويسألها، مثلا، إنّ كانت قد تعبت مثله من الدرس. كانت هذه فكرة من اختراعه، وقد أعجبه كيف أنّه يجمع نفسه هكذا مع البنت التي سيكلّمها فيبدوان، من تلك اللحظة الأولى، كأنهما مشتركان في شيء. لكنه، مع استحسانه لما اخترعه، يعرف أنّه لن يستعمله إلا مرة واحدة إذ سيبدو سخيفا إن راح يقول الكلمتين إياهما لواحدة بعد واحدة. لا أكثر من مرّة واحدة إذن، وعليه أن يتحضّر لها، أي أن يستعدّ لسماع الجواب، أو اللاجواب، الذي سيأتيه. من ذلك مثلا أن ينهمك في تقليبه الأوراق أمامه، لساعتين كاملتين مثلا يقوم في آخرهما عن كرسيّه، تاركا أغراضه على طاولة الدرس الصغيرة أمامه، ويتقدّم إلى الأمام، حتى الدرابزين، من أجل أن يشاهدنه جميعهنّ. ثمّ، هناك، يروح يتثاءب مصلّبا جسمه وماطّا إياه من تعبه، ثم يبدأ رجوعه إلى كرسيّه وطاولته، لكنْ متهيّئا لأن يقول، على أن يبدو ذلك طبيعيا مئة بالمئة:

– شي بيتعّب.

هي صيغة مختلفة ربما، لكنها مثل الصيغة الأولى (تعبتي مثلي من الدرس؟) إذ تُقال بلهجة السؤال، أي بلهجة من ينتظر جوابا. وهي، فوق ذلك، تخلّصه من حرج محتمل مع كلّ من يسمعه إذ أنّه يستطيع أن يقول إنّه يكلّم نفسه.

***

المهم أن تأتي طبيعيّة، أي أن يقولها كأنها خطرت له فعلا في تلك اللحظة ذاتها التي صادف فيها وجوده أمام تلك الطاولة الصغيرة، من دون أن يكون مهمّا من هو الجالس أمامها.

وقد حدث ذلك:

”شي بيتعّب“، قالها، لكن كأنّها انفلتت منه. جاءت طبيعية، كأنّ أوان قولها قد حان قبل أن يختار البنت التي يحبّ أن يقولها لها. جاءت طبيعية تماما، وهو قالها من فوق الرأس المنحني فوق الطاولة بشعره المقصوص حتى أعلى الرقبة. لم تتأخّر البنت في الإجابة... فعلى الفور بدت كما لو أنّ أحدا نبّهها إلى كونها تعبانة، بل وميّتة من التعب. ”أففف“، قالت فيما هي ترمي القلم على الطاولة وترفع رأسها إلى إبراهيم. كبيرة، ربما في السنة الرابعة مثلا، وليست جميلة كما كان ينتظر. لكنّ ما حصل قد حصل.

لم يقل بينه وبين نفسه إنّه كان عليه أن يلقي نظرة كاشفة على الجالسات، وأن لا ينشغل فقط بأن يبدو قوله للكلمتين طبيعيا. حتى إنّه لم يُظهر عن شيء من الارتباك حين رأى أنّها، فيما هي تُرجع ذراعيها إلى الخلف لتلتقيا وراء ظهرها، تبدو منتظرة أن يستمرّ في ما كان بدأه. قال لها، بصوته ذاك الذي يبدو به مقلّدا صوت شخص آخر غيره، إنه بحاجة إلى أن يريح عينيه.

– إنت ما بتلبس عوينات؟

– لا، بس صار لي أكثر من ساعتين عمبقرا.

– إنت بتدخّن؟

فهم أنها تبادر إلى دعوته. بل إنّها لم تنتظر أن يجيبها عن تدخينه إذ نهضت عن كرسيها وقالت له، بعد أن صار وجهها قريبا من وجهه،

– تعا لنشوف شي محلّ رايق.

حين مشت متقدّمة عليه أدرك أنّه لم يكن قد رأى منها إلّا شعرها. كان قصيرا ومنهدلا في الوقت نفسه. وهي جميلة لمن يراها من الخلف، جالسة لا يتحرّك فيها إلا شعرها القصير. وحين بدأ يخطو وراءها خطر له أنّها، بتسويتها شعرها هكذا، تقصد خداع مَن يتأخّرون عن رؤية وجهها. إذ لا ينبغي أن يكون الفرق بين الشعر والوجه كبيرا هكذا. على كلّ حال هو لم يخسر شيئا حتى الآن، ولن يخسر شيئا حتى إن ذهب معها إلى أبعد مما وصل إليه مع سابقتها، هناك في الجبل.

لكن مع ذلك يجب ألا يبدو أمامها كأنّ شيئا فيها لم يعجبه، أن لا يبدو صافنا مثلا، مفكّرا في أي شيء آخر ومتحيّنا الفرصة ليقول لها إنّه تأخّر ويجب أن يعود الآن إلى البيت. لن يفعل ذلك، بل إنّه، بعد أن رأى أن ليس من كراسٍ خالية، هناك في آخر الطابق المكشوف، أسرع إلى حيث ترك كرسيّه وعاد ليجلسها عليها مستأذنا إيّاها بأن يعود ليأتي بكرسيها.

وحين جلسا، مديرين وجهيهما إلى الحائط الذي يحجز محطّة البنزين عن الكلية، فكّر أنّ عليه أن يبادر إلى الكلام أوّلا من أجل أن لا يربكه فارق السنوات بينهما.

– أنا ابراهيم، قال لها مادّا يده للمصافحة.

ابتسمت هي، وقرّبت يدها إليه.

– شيرين.

ابتسم هو هذه المرّة، لكن ليبدو أنّ الاسم أعجبه. ثم عاد وابتسم مرّة ثانية، لكنْ ابتسامة مجاملة هذه المرّة ولا معنى لها. ذاك أنّه لم يجد شيئا يسأله أو يقوله في اللحظات التي أعقبت جوابها عن اسمها. وهي ظلّت ساكتة أيضا، تنظر إليها كأنّها تنتظر ذلك الشيء الذي سيقوله.

– كان منيح فنجان القهوة، قال متلفّتا حوله علامةً على أن لا قهوة هنا.

– بدّك نطلع لبرّہ؟

عادت مرّة أخرى إلى أن تقوده. ليس فقط بإفهامه أن لا مانع عندها من الخروج، بل لتلك النظرة القويّة التي لا تنتظر بها موافقته بقدر ما تختبره وتمتحنه.

– أكيد... ساعة اللي بتحبي.

من دون أن تقول له شيئا، قامت متّجهة إلى طاولتها وتبعها هو، متراجعا خطوات عنها ليرى ساقيها كيف هما. أعجبه امتلاؤهما وبياضهما المنكشف إلى ما فوق الركبتين.

حين انتهيا من جمع أغراضهما وبدآ النزول على الدرجات سألها إن كان مناسبا مقهى التروبيكانا القريب.

– منروح إذا بتحبّو.

– على كلّ حال معي سيارة إذا بتفضّلي غيرو؟

– إيه يمكن التروبيكانا بعد شويّ بدو يسكّر، منشوف غيرو.

– هون، قال مشيرا بيده إلى سيّارته. ثم رافقها ليفتح بابها أوّلا.

– بورجوازي كمان، قالت عن سيارته التي لم تزل جديدة. أما هو فأعجبته كلمة ”كمان“، المفصحة عن أشياء فيه.

– بتحبّي نبعّد، قال جاعلا السيارة في الوسط بين احتمالي الذهاب من الاتّجاهين.

– على ذوقك.

وإذ راح يتردّد في أيّ إتجاه يدير المقود، قالت له:

– ليك بلا ما نروح عالقهوة. تعا منكمّل السهرة عندي بالبيت.

***

هذه المرّة فعلها إبراهيم كاملة. قال إنّه لم ينم أبدا في تلك الليلة. كان يرتاح بعد كلّ جولة بأن يدخّن سيجارة أو سيجارتين ثمّ يعود إليها من جديد. ”الصبح وأنا عمإلبس تيابي حسيت إني مش قادر أوقف... صارو إجريي متل الخيطان. بس شو...؟ أنا ما كنت عارف إنو الواحد بيقدر يعملها هالقد“. وهذا مع أنّه دخّن كثيرا وشرب أكثر من نصف قنينة ويسكي. ”هلّق بعدني جايي، من أقّل من نصّ ساعة، جيت من عندها دغري لهون...“.

– وتركتها هونيك؟، سأله زهير.

– إيه بدها تنام، عمبيقلّك إنّها ما نامت أبدا بالليل، أجابه نقولا.

– مين هيّ اللي ما نامت بالليل، علّق محمد صافي كأنّه من البداية لم يكن يسمع ما كان يرويه إبراهيم.

– شو مش عم تسمع، عمبيقلّك هيّ، قال نقولا مزكّيا ما غمز إليه محمد صافي من أنّ ابراهيم لم يذكر شيئا يعرّفهم من هي، أو كيف هي على الأقل. وقد تأكّدت لهم رغبة ابراهيم في إبقائها مجهولة حين سأله محمد صافي، مفاجئا إيّاه: ”طيّب شو اسمها؟“، إذ صمت إبراهيم وجعل ينظر في وجه محمد صافي كأنه لم يسمع سؤاله.

– سألك عن اسمها، قال له نقولا.

– إذا قلتلكن إسمها مش رح تعرفوها.

– ليه مش رح نعرفها، هي مش بالكلّية؟

– مبركي بيحبّها، قال زهير.

– معليش إذا ما قلتلكن هلّق، بعدين رح تعرفو، وأنا رح قلكن أكيد، هلّق سمحولي.

– بيحبّها، قال محمد صافي.

– يمكن بيحبها، بس بعد مش عارف حالو، قال زهير.

– مش عارف حالو شو؟ سأله محمد صافي.

– مش عارف حالو إنو بيحبّها.

– صحّ، مش عارف حالو... والله بتفهم إنت يا زهير، قال محمد صافي.

***

لم يكن زهير معتادا أن يرى رجال السياسة في مناماته. لم يسبق له مثلا أن حلم برشيد كرامي أو بصائب سلام اللذين شاهدهما في ذلك المنام، مرتديين ثيابا قديمة من أيام المماليك تتدلّى منها زخارف مذهّبة ونياشين. كانا يبدوان مضحكين فيما هما يمرّان من أمام الطلاب المتجمّعين في قاعة الجمعيات العمومية، وكان زهير ينهال على أكتافهما بضربات تأتيهما من خيزرانة رفيعة كانت معه. وهما، مع ذلك، لم يلتفتا إليه ولم يتوقّفا عن مشيهما المتبختر في تلك المسافة الضيّقة.

محمد صافي كان يصغي إلى ما يسمعه من دون أن يبتسم. وعندما انتهى زهير من حكي منامه أدار محمد صافي وجهه عنه وقد ظلّت هيئته كما هي.

– شو...؟

سأله زهير بعدما رأى أنّه سيظلّ ساكتا هكذا.

– شو شو؟

أجابه محمد صافي مبطئا في إدارة وجهه إليه.

– قصدي عجبك المنام؟

– منام حلو.

– قصدي شو تفسيره؟

– حلو يعني منيح.

– إنما...

– يعني مبيّن إنّو بعدك عالأوّل. كلهن بالأوّل بيشوفو منام متل هيدا.

كان زهير قد فهم ماذا يعني محمد صافي بما قاله، وهو لم يشأ أن يسمع المزيد بعد أن جعله ما سمعه يتذكر نفسه ساذجا أهبل في المنام. لكن محمد صافي، بعد أن كان قد عاد للحظات إلى صفنته، التفت إلى زهير وسأله:

– تياب المماليك حلوين؟

– إللي شفتهن بالمنام؟

– إيه تياب رشيد كرامي وصائب سلام.

ما بعرف إذا هنّي تياب مماليك، بس حلوين، ومكلّفين.

– مكلّفين شغل؟

– شغل ومصاري، كل جاكيت فيها شي كيلو ونصّ ذهب.

جعل محمد صافي يهزّ رأسه ويزمّ شفتيه كأنه متعجّب من ثياب المماليك كيف هي. ثمّ عاد إلى سكوته للحظات التفت في آخرها إلى زهير ليسأله:

– إنت قريت البيان الشيوعي؟

– قريتو.

– وشو قريت كمان؟

– أصل الدولة والأسرة والملكية الخاصة، تبع أنجلس.

– قريتهن بحلقة أو لوحدك؟

– البيان الشيوعي قريتو بحلَقة.

– وما قريت غير هالتنين.

– لحدّ هلّق.

– هاو بيكفّوا على كلّ حال، ويمكن يكونو كتار كمان؟

– كتار على شو؟

– كتار على المنام، يعني كان لازم الخيزرانة ما تكون رفيعة كتير.

كان زهير يعرف أنّ من الصعب أن يمرّ شيء على محمد صافي من دون أن يعلّق عليه بالهزء، خصوصا ما يتعلّق بأيّ شيء جديد يتعلّمه الشباب الذين حوله. لكنه هزء لا يؤذي المعنيّ به ولا يصيبه إذ، بطريقة ما، يُشركه محمد صافي به فيصير مثل نكتة تألّفت من مجرّد اللعب بالكلام.

– ليش ما بتجي معنا على الحلقة، سأله زهير من أجل أن يجيب بشيء يكمل به تمسخره.

– بفضّل إقرا أنا وقاعد لوحدي، هيدا إذا بدّي إقرا. أصلا هي القراءة انعملت ليعملها الواحد لوحده. بعدين أنا اللي قريتهن بحياتي بيكفّوني. باللي بعرفهن ملاقي حالي منيح.

فكرة أن يكتفي الشخص بالثقافة التي حصّلها، أعجبت زهير كفكرة وإن كانت لا تنسجم مع كلّ ما يعرفه عن الثقافة والمثقّفين. وهو أيقن أنّها لم تعجبه إلا لأنّ قائلها هو محمد صافي. ستبدو سخيفة، بل وبلا معنى إن قالها واحد آخر لا يعرف ما يعرفه محمد صافي، وليس له هيئته وكبر جسمه.

***

لم يكن قصد المتردّدين على بيت يوسف زيارته هو، بل قضاء فترة استراحة في بيته بعد طول المكوث في الكلّية. كان المفتاح الإضافي، الاحتياطي، يُتداول بينهم من يد إلى يد. ليس من أجل الاختلاء بالبنات، ففي السنة الأولى كان صعبا الذهاب معهنّ إلى هذا الحدّ. كان الشباب يأتون اثنين معا أو ثلاثة معا أو حتى أربعة، ومن فور دخولهم يتناول أحدهم الغيتار ويبدأ النقر على الأوتار الباقية فيه. لا أكثر من دقيقة واحدة أو دقيقتين يعرف الناقر بعدها أنّ الأصوات التي تطلع لا تعد بأنّ أنغاما ستطلع منها، فيبدأ بإعادة الغيتار إلى مكانه مسنودا على الحائط. لم يستبدل يوسف الوترين الفالتين. بل إنّ وترا ثالثا انقطع في غيابه، وقد علّق على ذلك شوقي، في غياب يوسف أيضا، كاتبا على ورقة تركها على بلاطة الرخام الناتئة قرب الباب:

العزيز يوسف

جئت ولم أجدك. كلّ شيء في البيت ما زال على حاله. لم يُزد على أثاثه شيء ولم ينقص شيء. فقط الغيتار الذي انفلت منه وتر آخر.

وقد استمرّ الشباب بالتردّد على البيت على الرغم من غياب يوسف الذي لم يهمل إصلاح الغيتار فقط بل صرف النظر عن شراء البارودة. رحلة صيد واحدة كانت كافية لثنيه عن ذلك، بل أقلّ من رحلة إذ لم يطق أن تعاد له البارودة التي كان يتبادلها مع ذلك الشاب الذي ذهب إلى الصيد برفقته. بعدما أطلق تلك الخرطوشة أعاد له البندقية وقال له إنّه لن يقوّص ثانية. كان قد أصاب العصفور الصغير من مسافة قريبة، وحين انحنى ليلمّه وجد أن ما بقي منه هو نصفه المهروس اللحم. وهو جعل يحدّق في اللحم المنكشف، باسطا العصفور على كفّه، كأنّه يسائل نفسه ماذا عليه أن يفعل الآن. وقد تأخّر في قراره أنّه لن يعود إلى الصيد ثانية، لكنّه أكمل تلك الرحلة حتى آخرها، ماشيا إلى جانب رفيقه.

ولا يعني ذلك أنّ رؤيته لما بقي من العصفور أوقفته عن التساؤل حول ما الذي عليه أن يفعله ليقوى على هشاشته وخجله. كان يرفق تساؤله، لا بدّ، باختبار نفسه إن كان قادرا على القيام بذلك. وهو بدأ به هناك في ضيعته، بل في بيته أوّلا، أو بيت أهله. في نهايات الأسبوع التي يقضيها هناك كان يمرّن نفسه على الخروج من سطوة أبيه عليه. لا أعرف كيف انتقل من تمرين نفسه إلى القيام بخطوة المواجهة الأولى، ولا كيف أتبع تلك المواجهة الأولى بالمواجهات اللاحقة التي حقّقت له ذلك الانتقال من أن يكون هو ضحيّة الزجر إلى أن يكون هو الزاجر. ليس فقط أنّه صار يعاند أباه مبقيا نظرته المتحدّية في وجهه، بل كان يقوّي لحظات تحدّيه ويزيدها استفزازا بأن يطلق كلمة مؤنّبة تصل إلى أذن أبيه بعد أن يكون هذا قد استدار مبتلعا ما أصابته به تلك النظرة.

بدا لي أنّ اكتشافه ذاك في نفسه قد راق له ورحت أظنّ بأنّه، في ما خصّ أباه، لن يتوقّف عنه أبدا. كأنّه أدرك أنّ تغيير الأمور عن المسارات التي كانت جارية فيها ممكن، وأنّه يستطيع أن يقوم بهذا التغيير. وقد فكّرت أنّه، بانتظار أن ينقل إدراكه المستجدّ هذا إلى ناس آخرين، سيظلّ مستفزّا أباه هكذا، بل ومصعّدا في ذلك إلى حدّ أن الوجه المحمرّ مثل النحاس والعنيف القسمات، والمتهيئ دائما لأن يتصرّف بحسب ما يمليه عليه غضبه، سيتحوّل إلى أن يكون مستكينا وغاضّا عن كلّ ما يؤذيه ويهينه.

***

على الرغم من أنّهم ينتقدون الكلام الشائع عن الأحابيل التي تقوم بها النساء للإيقاع بالرجال إلا أنّهم كانوا موقنين أنّ ابراهيم وقع ضحيّة مكيدة مدبّرة. ليس أنها، هي شيرين، خطّطت لذلك، بل أنّها، على الأرجح، اغتنمت الفرصة التي أتيحت لها بأن راحت تعرف ماذا عليها أن تفعل من لحظة ما قامت لإبراهيم عن طاولتها. ما دفعهم إلى ذلك الظنّ هو اتّفاقهم على أنّها أكثر نضجا من إبراهيم، وأنها أخذته إلى بيتها بعد أقل من ساعة على أول كلمة قالها أحدهما للآخر. وهي لا تحتاج إلى ذكاء خاصّ لكي تسوق إبراهيم على هواها فهي، على كلّ حال، أكبر منه بأربع سنوات أو خمس، وهو، وعلى سبيل التنكيت عليه، أقل بسنتين أو ثلاث من العمر الذي هو فيه.

وكان ضروريا أن يجتمعوا معه محاولين ثنيه عما كان قرّره. هناك، حول الطاولة العالية في المقهى المطلّ على الرملة البيضاء، ظهروا مختلفين عن سابق أفكارهم وتصرّفاتهم، إذ أنّهم جاؤوا للنصح هذه المرّة، وهذا شيء لا يحبّون أن يوصفوا به إذ يبديهم مثل الناس التقليديين الذين لا يحبّون أبدا أن يكونوا مثلهم. وهم، من دون تذمّر، راحوا ينتظرون إبراهيم الذي تأخّر في المجيء.

حين أطلّ حاملا علّاقة مفاتيحه بإثنين من أصابعه همس لهم شوقي بأن لا يجب أن يعاتبه أحد على تأخّره، لكنه هو نفسه، من فور ما أزاح إبراهيم الكرسي لجلوسه، قال له: شو كنت نايم عندها؟

بدا إبراهيم مسرورا لكونهم اجتمعوا هكذا خصيصا من أجله. لكنّه، من أجل أن يقطع لهم أيّ احتمال بإمكان إقناعهم له، قال لهم إنّه وعدها بالزواج ولا يستطيع أن يتراجع عن ذلك.

– بسّ ليش وعدتها؟، قال شوقي متذاكيا وقافزا فوق الطابع المتروّي الذي يجب أن تكون عليه جلسات الإقناع. وقد ردّ عليه إبراهيم بأن قال له، بصوته الذي يبدو دائما أنّه أضخم أو أعرض مما هو حقيقة:

– بلّشنا يا شوقي!.

كان قد أمدّ نفسه بقوّة إضافية لمعرفته أنهم سيخلطون الجدّ بالتنكيت والمزاح الثقيل. وقد بدا عليه الاستعداد للردّ على كلّ كلمة يقولونها. وهذا ما جعل شوقي يبدأ موضوع الجلسة سائلا إياه: ”شو... اتّفقتو خلص؟“.

– على شو؟

– على إنّو تتجوّزو.

– إيه أكيد.

– اتّفقتو كيف يعني؟ سأل زهير.

– اتّفقنا عادي، هي حكيت مع أهلها مثلا.

– شافوك؟

– كيف يعني؟

– يعني شافوك أهلها وشفتهن؟

– إيه، رحت لعندهن عالبيت.

– لوحدك؟

– لوحدي.

– كان لازم يروحو أهلك معك، علّق شوقي.

– رحت لوحدي.

– أهلك عرفو؟ سأله محمد صافي قاطعا صمته، وناقلا الكلام إلى حيث يجب أن يكون.

– بعد ما قلتلهنّ، أجابه إبراهيم.

– ليش؟

تلك الـ ”ليش“ فهمها إبراهيم. بل إنّه فهم إلى أين يأخذ محمد صافي الحديث منذ أن سأله عن أهله.

– راح يعرفو بعدين.

– يعني بدّك تحطّهن تحت الأمر الواقع، قال محمد صافي مفهما إبراهيم أنّ ما هو مقبل عليه كارثة، ليس في ما يتعلّق بأهله فقط، بل كارثة بحدّ ذاتها.

وقد فهم إبراهيم. فهم تماما أنّ الشباب الذين حوله لن يتردّدوا في قول الأشياء كما هي، وهو رأى أن يسبقهم إلى ذلك، مفاجئا إياهم بقوله ذلك بنفسه:

– قصدك لأنّها بشعة؟

وقد فاجأهم فعلا. بدليل أن محمد صافي ارتبك فيما هو يجيبه: ”هيك عمتبالغ يا ابراهيم“، ثم أضاف: ” قصدنا إنها مش حلوة... مش حلوة قدّ ما لازم لشبّ متلك“.

– لا يا شباب، تعوا ما نساير بعضنا. إنتو شايفينها بشعة. وأنا بعرف إنّو الناس هيك بيشوفوها. ويمكن هيّ بشعة عن جد.

– يعني طلعتْ عارف، قال شوقي.

– إيه عارف، وعارف من الأوّل كمان.

لم يوافقهم على أن يعطي نفسه فرصة قبل أن يقدم على الزواج. كلّ الأشياء الأخرى التي كان يمكن أن تُذكر في الحديث معه لم يؤت على ذكرها. لم يقل أحد إنها كبيرة مثلا، أكبر منه بأربع أو خمس سنوات، أو إنه ما زال في السنة الأولى في الكلية، أو إنّه لن يستطيع أن يجد شغلا ليستأجر بيتا يعيش معها فيه. كان مصرّا على ما اتّفق معها عليه، وكان يعيد ذلك عليهم مرّة بعد مرّة حتى قال له محمد صافي إنّ الدول تتراجع عن تعهّداتها أحيانا.

لم يترك ابراهيم كلمة من دون أن يردّ على قائلها. حين قال زهير، قاطعا الأمل من إمكان إقناعه، ”بيحبّها يا خيّي بيحبها...“ سارع إلى الردّ عليه: ”إيه بْحبّها“. وحين أعاد له شوقي، في الدقائق الأخيرة من الجلسة، ما كان قاله محمد صافي عن إعطاء نفسه فرصة للتفكير، أجابه: ”يعني بدّك قلّها إنّي بديّ أجّل الموضوع شويّْ لأنِكْ بشعة“. كان قد أُرهق من شدّة الضغط عليه وصار يحكي أشياء يسهل ضمّها إلى ما تجمّع عندهم من كلام يتذكّرونه ليُضحكوا به بعضهم البعض.

***

يستطيع إبراهيم علواني أن يناكف محمد صافي بأن يقول له إنّ اللواتي يعجبنك من البنات هنّ أبشع من شيرين. كان قد رآه خارجا مع تلك التي، بحسبه، لا يرضى بها أحد من طلاب الكلّية جميعهم. كما رآه، منذ أن صار في أول الحائط العالي الذي يحجب الطريق، يمدّ ذراعه ويجذبها إليه، من أجل أن يبدأ بتقبيلها. غير أنّه لا يستطيع أن يعيّر محمد صافي فهو، إن تجرّأ على ذلك، لن يلقى منه إلا تلك النظرة المستخفّة. أو سيفاجئه محمد صافي بأن يوافقه على ما قاله لكنْ ليقول له بعد ذلك إنّه يفضّلهن متوسّطات الجمال أو أقلّ من ذلك بقليل. أو سيوحي له بأن المسألة، في ما يتعلّق بالبنات، هي أن تجد في كلّ واحدة منهنّ شيئا مخصوصا.

في كلّ شيء يفاجئه محمد صافي، وهو يفاجىء الآخرين أيضا إذ غالبا ما يأتيهم بغير ما يتوقّعونه. في إحدى المرّات بدا لهم منجذبا إلى امرأة هي في عمر الأمهات وليس في عمر الطلاب الذين مثلهم. كانت تدير مقهى بعيدا عن الكلية وحين دخلوا إليه كانوا منهكين جميعهم من طول المشي. ليس فقط أنها لم تكن محتفظة ببقية من جمال، شأن بعض النساء الكبيرات اللواتي يبقى فيهن شيء من شبابهنّ، بل كانت من أولئك النساء اللواتي لا يلتفت إليهنّ حتى الرجال الذين في أعمارهنّ. ولم يكتف محمد صافي بإرسال النظرات إليها بل راح يقرّب وجهه منها ويكلّمها مبتسما لها إبتسامات ملاعبة غاوية.

– تعي اقعدي معنا، قال لها وهي في طريق عودتها إلى كرسيّها قريبا من مدخل المقهى. ابتسمت له رافعة سيجارتها قاصدة أنها ستدخّنها هناك على كرسيّها.

– معليش ما كلّنا عمندخّن، أجابها.

– لا مش منشان الدّخان، بس عم إرتاح شويّ.

لم تشأ أن تجالسهم. لكنها مع ذلك راحت تلتفت إلى محمد صافي بين الحين والحين لتريه نظراتها المتحرّشة والمتمنّعة في وقت واحد.

يفاجئهم دائما بما يعجبه. قال له زهير بعدما بدا أن المرأة لن تتوقّف عن تلاعبها ذاك.

– ولك كبيرة شو بدّك فيها؟

– كبيرة بس فيها شي.

– وين شي؟

– بَطْنُها، قالها بالفصيح، ثم كرّر قولها، بالفصيح أيضا وبنغمة أقرب إلى أن تكون نغمة تمرمر وتوجّع.

وهم، من فورهم، التفتوا إلى حيث كانت جالسة. كان الفستان مشدودا هناك، عند بطنها التي لم تبد لهم إلا بطنا عادية لامرأة في أربعينات عمرها أو في خمسيناته.

– ناصحة، قال شوقي منتظرا أن يسمع ردّا من محمد صافي.

– هيدا مش نصح، قال محمد صافي، ثمّ انشغل بإفراغ ما تبقّى من قنينة البيرة في كأسه.

دائما يفاجئهم. هذه المرّة مثلا أضاف إلى المواضع التي تثيرهم موضعا جديدا. لم يكونوا يلقون بالا من قبل إلى بطون النساء ولم يكونوا يذكرونها في تعدادهم لما يعجبهم في أجسامهن. الآن، وعلى الرغم من أنهم لم يجدوا في بطن امرأة المقهى ما يدعوهم إلى موافقة محمد صافي على ما قاله، إلا أنّ طريقته في نطق الكلمة أعجبتهم: بَطْنُها، بَطْنُها. وفيما هم يعيدونها بينهم وبين أنفسهم، مكرّرين قولها محمّلة بتلك المرارة ذاتها، تروح تسطع في مخيلاتهم بطون كانوا رأوا صورها في الروزنامات وفي الإعلانات عن ملابس النساء الداخلية.

***

على الرغم من أنّهم كانوا في ذروة الزمن الجميل، أو في موقع قريب جدا من تلك الذروة، إلا أنّ سعيهم إلى تغيير ما هم فيه كان يخرجهم في تظاهرات هادرة. وباستثناء قلّة قليلة بينها نجاة مثلا، الطالبة في الأدب الإنكليزي، كان الجميع يعثرون على المجموعة التي يناسبهم الانضمام إليها. ولم يكن يظهر شيء من ذلك على من يُشاهَد وقد انتقل ليصير واحدا من المجموعة التي صار منها. ذلك يحدث فجأة، عندما يظهر الشاب ماشيا بين اثنين أو ثلاثة ممن ليسوا في صفّه وليسوا هم الذين صاحبهم في الأسابيع الأولى من مجيئه إلى الجامعة. كان ذلك يحدث مفاجئا. حتى أنّ زهير، الذي لم يحضر نقاشات الكتب إلا من أجل الثقافة، فاجأ محمد صافي حين اندفع إلى المنبر، مُقاطعا الشاب الذي كان يلقي قصيدته، ليقول حانقا، وباللغة الفصحى، إنه ”استشهد الآن خمسة من فدائيي المقاومة في معركة على الحدود مع عسكر هذا البلد“.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬