حسّان القالش

إذا كان التاريخ حمّال أوجه، بالمعنى المجازي للعبارة، فقد يكون كذلك بالمعنى الحرفي لها. ذاك أن التغيّرات التي عرفها شكل الوَجه، أو ”موديله“ إن صحّت الكلمة المعرّبة عاميّاً، بامكانها ان تكون دليلاً غير مباشر على التطورات التاريخية التي شهدتها البلاد. بيد أن الأهم من ذلك أنّه بامكانها ان تشير الى الحالة النفسية والمزاج العام للناس في مراحل معينة وتأثر هذا المزاج بالحدث التاريخي ونوعية الحياة السياسية، إضافة الى التاثيرات الثقافية الناجمة عن المؤسسات التعليمية والدينية.

فأواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، كان رأس الرجل السوري، أو الشّرقي، مغطّىً ومحجوباً عن عيون العامة، وعُدّ كشفه من العيوب والنواقص، فلم تكن ثمّة عناية، جماليّة أو شكليّة، بشعر الرأس، إلّا ما اقتصر على الصحّة العامة والوقاية من الأمراض، أو مناسبات الاحتفال والأعياد. وهذه العادة، القاضية بوجوب لبس غطاء الرأس، كانت عامّة في مجملها، تشمل الفلاح وابن المدينة، الفقير والغنيّ، المسلم والمسيحي واليهودي.

وكان اختيار لباس الرأس وتنوعه يستخدم للدلالة على الطبقة الاجتماعية إضافة إلى الانتماء الديني. وبحسب العلّاف، كان المسلمون ”يلبسون عمائم مطرزة فوق الطرابيش، ضيّقة من أطرافها، إلا من ناحية الجبهة فإنها ترتفع إلى محاذاة القسم العلوي من الطربوش (...) فإذا كانت العمامة ساترة أطراف الطربوش ومنحطّة إلى الآذان، فتشير إلى أن صاحبها من العلماء الزاهدين، وان كانت من القماش الأبيض الرقيق فإما أن يكون إماماً، أو خطيباً لمسجد، أو قاضياً أو مفتياً، أو شيخ مدرسة قرآنية، وان كان القماش أخضر فإن كانت ملتفّة على تاج كان من السّادة الرفاعيّة، وان كانت على الطربوش فمن السّادات والأشراف، وان كانت سوداء فمن القادريّة (...) وأمّا بقيّة الناس فكانوا يلبسون الطرابيش الحمراء ولها طغراء سوداء مدلاة إلى الخلف أو إلى أحد الجانبين (...) ومنهم من كانوا يضعون على رؤوسهم العمائم التجارية الكبيرة، تستر عامة الطربوش، ملتفة فوق طغراء زرقاء (...) فأمّا أصحاب العمائم التجارية الصغيرة فهم سواد الناس على اختلاف مهنهم“. أما الموظفون فيضعون على رؤوسهم ”الطرابيش الحمراء بطغراء تمتد على طول الطربوش“.

وكان المسيحيّون يضعون على ”رؤوسهم الطرابيش ذاتها ولكنهم يعتمّون فوقها بالمناديل (...) ويعرفون فوق ذلك بحلق لحاههم وإطلاق شواربهم (...) أما شبابهم فيلبسون الطرابيش المائلة إلى السواد وتكون طويلة وبها يُعرفون“. وهذا فيما ”الغالب في اليهود الامتناع عن حلق اللّحى، فإنهم يطلقونها. وطرابيشهم قصيرة يسترها منديل أو أكثر من منديل واحد“.

وقد كان الطربوش أحد رموز التحديث المرتبطة بتاريخ السلطنة العثمانية. ذاك أن السلطان محمود الثاني الذي أبدى تأثّراً بالغاً بالحضارة الأوروبيّة، أراد إحداث كثير من التغييرات في السلطنة وعلى جميع المستويات، كان من بينها الشّكل واللّباس الرّسمي، فأصدر فرماناً بوجوب لبس الطربوش، الذي عرفه العثمانيون عن طريق أوروبا، التي بدورها أخذته من المغرب العربي كما تشير المصادر التاريخيّة. وفي الفترة ذاتها تقريباً، كان محمد علي في مصر يباشر تحديث دولته وتطعيم نظامه بالروح الأوروبيّة، فعَمّم لبس الطربوش كواحد من هذه التحديثات أيضاً.

بيد أنّ انتشار الطربوش بين العامّة، خصوصاً في بلاد المشرق، لم يكن على المستوى الذي أراده محمود الثاني. ذاك أنّ العامة نظرت إلى الطربوش على أنّه مُنتج غربيّ يتعارض مع الهويّة الإسلاميّة، وهذا ما جعل السّلطات تتهاون معهم وتسمح لهم بإضافة تعديلات على طريقة ارتداء الطرابيش تمثّلت في لفّه بالقماش ليكون بهذا أقرب إلى العمامة التقليديّة.

ولعلّ الرّغبة في تغيير ”موديل“ الوجه كانت موجودة، وإن بشكل غير ملموس. فقد جاء في مذكرات محمد كرد علي أنّه ”في سنة 1898 زار الشام الامبراطور غليوم الثاني الألماني ”فأعجب شبابنا بهندامه وتبرجه وهالهم حفّه شاربيه بحيث لم يبق من طرفيهما إلا قليلاً غمرهما بعد فتلهما بدهن مطيب، وما هي إلا أيام حتى اقتدوا به في شواربهم وعدلوا عن السبلات المسترسلة وكانوا يمشطونها كما مشط أهل اللحى لحاهم“. وتلوحُ في هذه الحادثة بوادر لميول فرديّة عند أهل المشرق كانت تنتظر من يوقظها. ذاك أنّ الرغبة في الاستغناء عن اللّحى في ذاك الوقت كانت مؤشّراً على أمور أخرى، من بينها التمايز عن رجال الدين والتمرّد ”الشّكلي“ على سطوتهم، فضلاً عن وجود نزعة جماليّة لم تكن واضحة المعالم بعد. وهذا ما يؤكّده محمد كرد علي في مناسبة أخرى، ففي 1908 كتب مقالاً في جريدة ”المؤيّد“ بعنوان ”التمدّن الأنثوي“، يتّخذ فيه، كما يدلّ العنوان، موقفاً مُحافظاً من سلوك بعض الشّباب، راصداً بعض تحوّلاته وتأثّره بالمظاهر الغربيّة: فـ”ممّا يسجل علينا، ضعف النظر في كل ما اقتبسناه من عادات الغربيين فقد اقتدينا بسرف المسرفين منهم ولم نهتد بهدى أهل القصد والاقتصاد، وجاريناهم في التبرج والتزين بعد أن كانا غير معهودين في الشرق الا للمخنثين...“، ويضيف: ”من شبابنا من يصرفون ساعتين كل يوم في التبرج (التوالت) كأنهن بعض النساء يتزينّ لبعولتهنّ“.

والأرجح أن مقدّمات ”الثورة“ على الأشكال والموديلات القديمة ظهرت مع سيطرة الاتحاديين الأتراك على الحكم، أواخر عهد السلطنة العثمانيّة. ذاك أن الافتراق بين الهويّتين، التركية والعربيّة، كان قد بلغ مرحلة التنافر والصّدام. هكذا، بدأ الأتراك عمليّة انقلاب طويلة استهدفت الثقافة السائدة، مدفوعين بانتفاخهم القوميّ وكراهيّتهم لـ”العنصر“ العربي، إلى درجة جعلت بعض المتطرفين منهم يدعون إلى القطع مع التراث الإسلامي والتعويض عنه بالبحث عن الجذور التركيّة واستيراد بعض عناصرها. وهذا ما يبدو أنّه انعكس على المؤسسة العسكريّة التي سيطر عليها الاتحاديّون وفرضوا ثقافتهم عليها. وتضاف إلى ذلك التأثيرات الغربيّة التي حملها الضبّاط الألمان نتيجة تحالفهم مع العثمانيين ومشاركتهم في الحرب جنباً إلى جنب، إلى جانب الضباط والجنود السوريين والمشرقيين الذين خدموا في صفوف الجيش التركي وتأثّروا ببعض سلوكه ومظاهره.

والحال أن الإقبال على التغيير، والقبول به، بدأ مع دخول القوات العربية بقيادة الأمير فيصل بن الشّريف حسين إلى دمشق بمشاركة الجيش البريطاني. فالضبّاط المرافقون لفيصل كانوا حليقي الذّقون ”نظيفي“ الوجوه. وكان معظمهم قادما من مناطق مختلفة من المشرق، حاملين معهم تقاليد مدارسهم العسكريّة المختلفة، البريطانيّة والفرنسيّة، فضلاً عن التركيّة الحديثة. وتُظهر الصّور الفوتوغرافيّة التي وصلتنا عنهم، وجوهاً تبدو العناية بتفاصيلها ونظافتها، ينظر بعض أصحابها إلى العدسة بعيون واثقة تتطلّع إلى القطع مع الماضي، سياسيّاً وأخلاقيّاً... وفي الشكل أيضاً. وقد يكون رضا باشا الرّكابي، وهو ضابط مخضرم سابق في الجيش العثماني، الاستثناء الوحيد والأبرز لهذا التغيير، حيث يظهر في الصّور التي تعود الى الفترة التي تسلّم فيها الوزارة السّورية بتكليف من الأمير فيصل، بلحية معتدلة الطول وملامح جامدة وزيّ عسكريّ، إلّا أنّ هذا يعود ربّما إلى تعلّقه بالبروتوكول العثماني القديم الذي حاول تبنّيه في سلوكه أثناء الفترة القصيرة التي تولّى الوزارة فيها. وفي صورة أخرى يظهر على الشّكل نفسه إنّما يضع على رأسه ”العقال المقصّب“ الذي كان يضعه الضبّاط والجنود العرب الذين رافقوا فيصل إلى سوريا. وهذا ما يمكن أن يشكّل دلالة على نوع من الحيرة، بمعناها الثقافي، وقع فيها بعض أبناء ذاك الجيل.

بيد أن وتيرة التغيير ستشتدّ مع دخول الفرنسيين الحياة السياسيّة في سوريا. ففي تلك الأثناء اختفى الموديل القديم تقريباً واختفت معه العمامة، وحلّ مكانه الموديل الأوروبيّ مع الطربوش، فحدث تبدّل كبير في المشهد الاجتماعي والمديني وفي صورة الشّارع. وربّما كانت إدارات الدولة أحد الأمكنة التي ظهرت فيها معالم التغيير بشكل أوضح للعيان. ذاك أنّ أبناء العائلات التقليديّة والأعيان واجهوا تحدّيات جديدة مع تبدّل النظام السياسي، جعلتهم يسعون إلى مجاراة النظام الجديد بطرق مختلفة، كان تغيير الموديل أحد أبرزها، وذلك في سبيل الحفاظ على ما كانوا يعتبرونه أحد حقوقهم في العهد السابق، المتمثّل في المراتب والوظائف الرسميّة، سيّما وأنّ الفرنسيين اعتمدوا في بداية عهدهم على نخبة من المسيحيّين المتعلّمين، الذين كانوا أقرب، في أنماط عيشهم، إلى الأوروبيّين، لا سيّما في نواحي التّعليم والمظهر والسّلوك.

وفي هذه الأثناء لم يُبد أهل المدن، وخصوصاً دمشق، ممّن كانوا قد اتّخذوا موقفاً سلبياً من الانتداب وعادوا فرنسا، مقاومة كبيرة لقبول التبدلات الحاصلة في الشّكل والموديل. هكذا، تشجّع الجيل الشّاب على العناية بمظهر الوجه وحلاقة الذّقن، والعناية بتهذيب الشّاربين، كدلائل على انتمائهم إلى ثقافة العصر والعهد الجديدين. ويضاف إلى ذلك، بطبيعة الحال، الطربوش، الذي مثّل رمزاً للهويّة الوطنيّة، وبهذا كان حاجزاً أخيراً ما بين الانفتاح على التغيير والرغبة في المحافظة على ما تبقى من رموز وأشكال تدلّ على الهويّة، إضافة إلى كونه آخر خطوط الدفاع في مواجهة الفرديّة والتحرّر من قيد الجماعة الشّكلي. ذاك أنّ الطربوش كان يمتلك إلى ذاك الحين قيمة اجتماعيّة: فمن علامات التحدّي والخروج عن الأخلاق العامّة في ذاك الزمن أن يُلبس الطربوش بطريقة خاطئة أو يوضع على الرأس بشكل مائل، أمّا الخروج إلى الشارع برأس حاسر دون طربوش فمن العيوب والنّقائص التي تستوجب ذمّ الناس واحتقارهم لصاحبه.

وبعد الهدوء النسبي الذي شهدته البلاد إثر القضاء على ثورة 1925 ونفي الشخصيات الوطنية الراديكالية، ومع انقضاء العقد الأول للانتداب، وتصدّر ”الكتلة الوطنيّة“ واجهة العمل السياسي التي اعتمدت فيه خيار التفاهم مع سلطة الانتداب، بدأت الطبقة الاجتماعية المتوسطة تتشكّل وتنمو في المدن، وفي دمشق بشكل خاص، مستفيدة من تراجع دور الكتاتيب التقليديّة، وازدياد عدد المدارس، واتّساع شريحة الموظفين الحكوميين، فضلاً عن شريحة الطلاّب والمثقّفين التي باتت تشكّل جزءاً من الحراك السياسي وبدأت تمتلك قدرة على صناعة الرأي العام وتوجيه الشارع. وفي هذه الأثناء أخذ الطربوش يشهد تراجعاً في قيمته الاجتماعيّة وبات أقرب إلى رمز من رموز الجمود والماضي بمعناه السلبي، وبدأت القّبعة (البرنيطة) تظهر كرمز تقدّمي ينافس الطربوش، سيّما وأنّها كانت ترمز في الوقت نفسه إلى رجال الكتلة الوطنيّة، الذين مثّلوا البرجوازيّة المدينيّة من أبناء الأعيان والمُلّاك والتجار، في وقت بدأت المعارضة تشتدّ من حولهم. ثمّ إنّ تحدّي القبعة للطربوش في سوريا، كان صدىً لمعركة ثقافيّة واجتماعيّة تمثّلت بظهور القبّعة في المشرق كلّه عموماً، وأثارت الكثير من الجدل، في تركيا والعراق وفي مصر بشكل خاص، حيث ركّز أنصار الطربوش، في معارضتهم للقبعة، على مسألة الهويّة، التي اختلط فيها الانتماء الديني والانتماء الوطني.

وفي مذكرات علي الطنطاوي، الشخصية المثيرة للجدل في تلك الفترة، الذي جمع في شخصيّته بين خطيب الجامع والمُصلح الاجتماعي والأديب والصّحافي، إضافة إلى عمله كقاضٍ، نجد تلخيصاً للمعركة التي قامت بين الطربوش والقبعة في دمشق: ”إنّنا نشأنا على الطرابيش، لا يجوز لنا أن نضعها عن رؤوسنا (...) وأحسب أن الطربوش من أسوأ ما يغطى به الرأس (...) وكان الناس يشكون في مصر والشام من الطربوش، ويعملون على إبداله ولكنهم يختلفون على البديل. وكان الاتجاه أكثر إلى القبعة (البرنيطة) لا سيما بعد أن كشف مصطفى كمال القناع، وأظهر وجهه الأصلي، وجه ابن (الدونما) من يهود سالونيك، وكان منهم الاتحاديون الذين مهدوا طريق الكفر بمحاربة الاسلام في الخفاء، فلما تمهد جاء مصطفى كمال (أتاتورك) فحاربه في العلن، وكان مما صنع أن ألزم المسلمين وضع القبعات على رؤوسهم“. وهو يمضي قائلاً: ”قامت في مصر في العشرينات حملة قوية، لنبذ الطربوش واتخاذ القبعة، يدعو إليها سرّاً أكثر الذين درسوا في أوروبا، وحملوا منها العلم الحديث، ومع هذا العلم جراثيم المرض الخبيث، وكادت تقضي على الطربوش، ولولا أن ردّتها أقلام قويّة، ورفضها زعماء كبار منهم سعد [زغلول] يوم كان زعيم مصر، وأحد قوّاد العرب. فكان مما قال سعد: (وما مثل الذين يبدلون شعارهم بشعار غيرهم إلا كمثل الذين يتبرؤون من أنسابهم وينتسبون إلى غير آبائهم، فلا يكسبون إلا غضب الآباء). أما في الشام فقد بدأت بعد دخول الفرنسيين حرب على الطربوش، ودعوة إلى القبعة، ولكن أصحابها لم يجرؤوا على إعلانها قولاً، بل سرّبوها إلينا فعلاً، يعملون دائبين وفق خطة شيطانية مرسومة، فما مضى على دخول الفرنسيين عشر سنين، حتى بدأ ظهور القبعات على الرؤوس في المصايف، القبعات الخفيفة المصنوعة من شبه القش، ثم أخذت تنتشر في المدارس. وكنا نرى هذا فنتألم...“.

في كلّ حال، ستأخذ الحرب على الطربوش بعداً سياسياً أكثر راديكاليّة في مطلع الثلاثينات. ففي 1933، ومع تأجّج المشاعر القوميّة بتأثير القضيّة الفلسطينيّة، وظهور ”عصبة العمل القومي“ واختيار دمشق مركزاً لها، أخذ أنصارها من الشباب المتحمّس، ذي الصّبغة الثقافيّة والنخبويّة، يتحدّون خصومهم من أنصار الكتلة الوطنيّة وزعمائها التقليديّين، المعتمدين على زعماء الأحياء والقبضايات، ويزاودون على الكتلويّين في خطابهم القوميّ، ”وبطريقة شرق أوسطيّة تقليدية، كان غطاء الرأس علامة من علامات التمايز بين الفريقين“. فقد بدأ رجال العصبة ”وعدد متزايد من الكشافة يعتمرون ”الفيصليّة“ العراقية، التي ابتدعها الملك فيصل ويلبسها الجنود غطاء للرأس بدلاً من الطربوش المألوف، الذي كان رمزاً للكتلة الوطنية“، بحسب فيليب خوري في كتابه ”سورية وسياسة القومية العربيّة“. ولم يكن اعتماد ”الفيصليّة“، وفقاً لخوري أيضاً ”طريقة من طرق انتقاد الكتلة فقط، بل لرفض الطربوش أيضاً لأنه كان إنتاجاً من صنع أجنبي، مستورداً من تشيكوسلوفاكيا بصورة رئيسية. وفي وقت لاحق استبدلت العصبة ”الفيصليّة“ بالكوفية، الغطاء العربي التقليدي للرأس“. هذا وكانت نخبة جديدة من السياسيّين بدأت تظهر في منتصف الثلاثينات وفي الأربعينات، ضمّت في مجملها خرّيجي الجامعات الأوروبيّة والسوريّة من المتحمّسين للمبادئ الاشتراكيّة، والمعجبين بأفكار ميشيل عفلق وأكرم الحوراني وخالد بكداش. فأخذ الشباب يتماهون مع أنماط أذواق تلك النخبة وشخصياتها.

وقد ساهم هذا المناخ في كسر ما تبقى من حواجز اجتماعية أمام تغيير الشكل والموديل. ففي مقال لعلي الطنطاوي يعود إلى الفترة ذاتها، إلى 1933، يواصل ما كان محمد كرد علي قد بدأ بتسجيله من ملاحظات وتحفّظات على إقبال الشباب على تغيير الموديل والتأثّر بالغرب. وتحت عنوان ”عند الحلّاق“، يصف الطنطاوي بأسلوب طريف كيف كان الحلاق يحلق لأحد الشباب وشكل الموديل الذي يريده الزبون، ما يجعلنا نتخيّل درجة التغيير التي قد وصلها الشباب في دمشق وقتذاك: ”كان الشّاب قد انتهى حقّاً، وكان قَذاله وعِذاره وسالفته مقصوصة، وكانت جمّته مُرَجّلة مُصفّفة، وكان وجهه كالمرآة الصقيلة ما فيه–والحمد لله–أثر من لحية أو شاربين! فما باله لا يزال قاعداً على الكرسي؟ وماذا ترى الحلاق صانعاً به بعد؟ ثم اطمأننت وقلت: قد انتهى وإنّه لقائم، وقعدت أرقبه، فلم يَرُعْني إلا الحلاق يُقبل على شعره فينفشه نفشاً، وهو ساكت لا ينكر عليه، فقلت: لعله قد بدا له فأحبّ أن يقصر من هذا الشعر، ولن يطول أمد هذا التقصير، وإني لمنتظر“. ويضيف: ”وحسبته قد انتهى وظننت أنه قائم، ولكنه لم يقم بل أشار إلى الحلاق، فضمّخ رأسه بماء ”كلونية“ وأقبل فسرّحه تسريحاً، وعاد فمسّه بدهن استخرجه من حقّ صغير، فصار لرأسه وميض ولمعان، فقلت: الحمد لله، قد انتهى. ونزعت عني طربوشي، ثم أعدته إلى رأسي حين لم يقم، ولبثت أنتظر، وجاء الحلاق بكُمَّة فوضع فيها رأسه وشدّها من حوله شدّاً، فقلت: مُصَدّع متألم فهو يخفف من صداعه. ثم أخذ الحلاق الملقط، وعمد إلى حاجبيه فجعل ينتِش منهما نتشاً، وأنا أرثي له وأُلحّ عليه بالنظر، علّ عينه تقع على عيني فأبذل له عوني ونصرتي، فإن هذا الحلاق لا يكاد يرحمه! فلا يبصرني. ثم أدركَت الحلاقَ رحمةٌ فعفا عنه وأبقى عليه، فنظرت فإذا حاجباه خطّان كأنهما خُطّا بقلم، فقلت: سبحان الله! أي فتاة تُعطى مثل هذين الحاجبين ثم لا تنزل راضيةً عن سنين من عمرها؟!“.

وهو يستطرد في السرد والوصف: ”وفتح الحلاق خريطة فاستخرج منها كُبَّة، أخذ منها خيطاً لَفَّه بين أصابعه وجعل في وسطه فرجة تضيق وتتسع كلما شدّها أو أرخاها، وأمَرَّ هذا الخيطَ على وجهه ووجهُه يتعمّر ويخيَّل إليّ أنه يقاسي ألماً شديداً، ثم كَفَّ عنه، فلا والله ما ترك في جبينه زَغَبة إلا اجتثها هذا الخيط (...) ورأيت الحلاق يدلك وجهه دلكاً ويقرصه قرصاً، فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، قد جنَّ الرجل، وإلا فماذا يكون هذا القرص من الحلاقة؟ ثم كفّ، فنظرت في وجه الشاب فإذا عليه حمرة الخجل...“.

لكن هذا كلّه لم يمنع الطنطاوي نفسه من مسايرة عصره والاقتداء بأشكاله وموديلاته الجديدة، ففي صورة له تعود إلى 1939، ضمن مجموعة الصّور الموجودة في مذكّراته، يظهر في شكل أقرب إلى نجوم السينما المصريّة، حيث يقف في استديو تصوير على ما يبدو من خلفيّة الصورة، لابساً طقماً أوروبيّاً أنيقاً مع ربطة عنق عصريّة، مُتّكئاً على ديكور لعمود نصفي، ينظر إلى الكاميرا نظرة شاب واثق مختال بنفسه، حليق الذقن ودون شارب، وشعره مصفّف ولامع، ويمسك بيده اليمنى ما يبدو أنّه كفّ من الجلد.

ولقد بدا في ذاك الحين أنّ الطربوش خسر معركته بشكل شبه نهائي. فأخذ الناس يستبدلونه بالقبّعة (البرنيطة)، أو يتركون رؤوسهم حاسرة ومكشوفة، وأمّا من أبقى على طربوشه فكان نوعاً من خيار شخصي أو تعلّقا بالماضي المجيد بعدما فقد الطربوش قيمته الاجتماعيّة. وقد بدا هذا في بعض الصّور المتأخّرة لجميل مردم بك، أحد أبرز أعضاء الكتلة الوطنيّة، ورئيس الحكومة لعدّة مرّات، حيث ظهر مُتخفّفا من طربوشه بشعر مسرّح بعناية ونظاراته الدائريّة التي تميّز بها إضافة إلى أناقته الباريسيّة. وفي مذكرات أكرم الحوراني تَرِد إشارة غير مباشرة إلى مصير الطربوش، ففي معرض انتقاده لجلال السيّد، أحد مؤسّسي البعث الأوائل، قبل انفصاله عنهم، كتب يقول: ”إننا نرجو أن لا يكون الأستاذ جلال السيد مكتفياً من مبادئ حزبه بلبس القبعة، فهذا لا يكفي“. وفي مناسبة أخرى، يصف الحوراني ردّة فعل الشيخ تاج الدين الحسني بعد سقوط حكومته سنة 1936: ”ولم تلبث وزارة الشيخ تاج الحسني أن سقطت بشكل مخز، وخلع الشيخ تاج العمامة البيضاء وارتدى برنيطة وهرب الى بيروت ومنها الى فرنسا“. وقد كان للشيخ تاج تاريخ طويل من المعاناة مع الناس والصحافة بسبب شكله وموديله، إذ كان يلبس عمامة المشيخة على رأسه، ويرتدي الأطقم الأوروبيّة المختلفة في الوقت نفسه.

وما قيل في العلمانيين والقوميين والاشتراكيين ينطبق على جماعة ”الإخوان المسلمين“، بعدما ظهرت بشكل علني في الأربعينات كلاعب سياسي جديد بدأ يكتسب شعبيّة لافتة. فقبل أيّ شيء، أرادَ الإخوان أن يبرهنوا على توجّههم القائل بالقطيعة ما بين إسلام قديم يُذكّر بتخلف وجمود مشايخ الكتاتيب وبين إسلام حديث يكون أساساً لحركة اجتماعيّة جديدة. هكذا تخلّوا عن اندماجهم في الكتلة الوطنيّة، خاصة بعد أن ظهر لهم أن تحالف بعض المشايخ مع رجال الكتلة لم يقدّم لهم الكثير بل كانوا أقرب إلى أتباع لهم، وبدأوا يستقلّون في عملهم السياسي الذي تعارض مع سياسة الكتلة أحياناً ونافسها. ولئن كانت مقاومة التغريب والعلمانيّة ضمن أهدافهم، فهذا لم يمنعهم من قبول الموديل الجديد المتمثل بالطقم الأوروبيّ لكن مع الإبقاء على الطربوش. وهُنا يظهر دور حسن البنّا، مؤسس الحركة في مصر، كشخصية مُلهمة للإخوان في سوريا. فقد ظهر في كثير من الصور الفوتوغرافية حليق الذّقن مرتدياً الطقم الأوروبيّ والطربوش، وكان قد تأخّر في اعتماد اللّحية رمزاً من رموز الانتماء الاخواني. بل يدّعي بعض مؤرّخي الإخوان بأنّ البنّا كان قد أصدر في جريدة الإخوان المسلمين اليومية ”تعليمات موجزة تقول إنّه ممنوع إطلاق اللحية إلا بإذن المرشد العام“.

أمّا الاستثناء في هذه الحالة فتمثّل في شخصيّة مصطفى السباعي، أوّل مراقب عام للإخوان المسلمين في سوريا. فإلى الحيرة التي أبداها الرجل في تنقّله ما بين ارتداء جُبّة المشيخة وعمامتها وبين الطقم الأوروبي، إضافة إلى ذقنه الحليقة، وهذا ما يظهر من الصّور الكثيرة المتوافرة عنه، وهو ما قد يكون دلالة على غلبَة شخصيّة السياسي فيه على شخصيّة الشّيخ، يظهر في بعض الصّور يخطب من على منبر جامع بني أميّة مرتدياً الطقم الأوروبيّ. وكان السباعي، على ما يبدو، قد قرّر أن يميّز نفسه، وشكله وموديله بالتالي، عن بقيّة الشخصيات العامّة في البلاد، فاختار غطاءً لرأسه تمثّل في القبّعة الباكستانيّة أو ”قبّعة جَناح“ نسبة إلى محمد علي جَناح، الزعيم الباكستاني الإسلامي، الذي ارتبط مع حركة الاخوان المسلمين بعلاقة قويّة منذ استقلال بلاده في الأربعينات واستمرت حتى بعد وفاته. وتمييز كهذا الذي اختاره السّباعي لنفسه، يقول أشياء كثيرة، بينها إدراكه أهميّة ودور الرموز ومظاهر تغيير الأشكال والموديلات وتأثيرها، فضلاً عن تماهي السّباعي نفسه مع محمد علي جَناح، كشخصيّة وصاحب مشروع سياسي.

ومع صعود نجم ضباط الجيش في مرحلة الانقلابات العسكريّة مطلع الخمسينات، أخذت قيمة الشكل والموديل تتعزّز. فالأوامر والمراسيم التي أصدرها هؤلاء طالت مسائل تتعلّق بتحديث المظاهر، ومنها مثلاً منع الموظفين الرسميين من لبس الطرابيش، والتضييق على المشايخ في زيّهم الرسمي. وأبدى بعض ضبّاط الانقلابات، خصوصاً حسني الزعيم وأديب الشيشكلي، عناية بمظهرهم فاقت المعتاد وتجاوزت متطلبات الهيبة العسكريّة، فيما كانا، كبقيّة الضبّاط الطموحين، متأثّرين بنموذج مصطفى كمال أتاتورك، إضافة إلى تأثيرات أخرى في السّلوك والمظهر ورثوها عن جيش المشرق الفرنسي، الذي تمرّسوا فيه قبل أن يتركوه عشيّة الاستقلال ليشكّلوا نواة الجيش الوطني. وإذا كان حسني الزّعيم، وهو أوّل رئيس سوري لا يعتمر الطربوش، قد تطرّف في ما يخصّ موديله، إلى درجة قاربت جنون العظمة، إذ وضع ”المونوكول“ على عينيه وأمسك بعصا المشيريّة، فقد كان موديل أديب الشيشكلي على العكس منه، وهذا ما توحي به صوره الفوتوغرافية التي عكَست الجاذبيّة التي كان يتمتّع بها، واستطاع أن يخفي من خلالها شخصيّة الحاكم الديكتاتور، حيث بدت بأناقته العسكريّة وشعره المدهون ووجهه النظيف وابتسامته المُجامِلة أقرب إلى نجوم السينما الأميركيّة في الخمسينات. وقد مثّل موديل الضبّاط العصري هذا مؤشراً على أحد أشكال الحياة الاجتماعية والسياسيّة في تلك الفترة، حيث بدأ الضباط يتواجدون في الأماكن العامة وخصوصاً في المطاعم والنوادي والبارات، إلى جانب مشاركتهم في الحفلات الرسمية وغير الرسمية التي كانت تضمّ شخصيات البلاد السياسية والسفراء الأجانب.

وهذا ما سمح، بطبيعة الحال، بدخول الضباط المحسوبين على الأقليّات إلى المشهد العام. ذاك أن تصدّر موديل الضبّاط واجهة هذا المشهد أدّى إلى كسر احتكار تمثيل أبناء المدن للموديلات والأشكال وتأثيرهم على حركتها وتبدلاتها. هكذا، مثلاً، صار الضباط محمد ناصر وغسان جديد ومحمد معروف وغيرهم، وهُم من الضبّاط العلويّين، من بين نجوم الحياة السياسية والاجتماعية في دمشق، تُميّزهم وسامتهم وشعرهم الأشقر وعيونهم الملوّنة.

بيد أنّ جاذبية الموديل العسكري ستَخفت في أواخر الخمسينات، مع ظهور جمال عبد الناصر. ففي تلك الحقبة بدأت صناعة الأيقونات الوطنيّة في المنطقة، وبدأت معها أولى مراحل عبادة الشخصيّة، متمثّلة بعبد الناصر. وترافق ذلك مع تقييد الإعلام الذي اصبح بدوره موجّهاً بشكل صارم وخاضعاً للسلطات وأداة فاعلة في البروباغاندا. وفي ما خصّ الأشكال والموديلات كان عبد الناصر نفسه قد تخلّى عن الزيّ العسكريّ، في دلالة رمزيّة على اعتبار نفسه أكبر قدراً وأعلى شأناً، ليصبح فيما بعد القائد العروبي الذي حقّق الوحدة بين مصر وسوريا التي خُفّضت مرتبة رئيسها شكري القوتلي إلى مجرّد ”مواطن أوّل“ في جمهورية الوحدة. وكسرت الأخيرة شوكة ضبّاط سوريّا الطموحين بتهميشهم ونقلهم إلى القاهرة، فضلاً عن إلغاء الأحزاب وكبت الحيويّة السياسيّة التي طالما شكّلت جزءاً من سلوك السوريّين.

وفي الوقت الذي ازداد فيه اعتماد الحكم الناصريّ على أجهزة المخابرات، التي باتت مستقلّة في عملها، وباشرت قمع المواطنين وملاحقة المعارضين وترهيبهم، مدعومة برئيسها عبد الحميد السرّاج، رجل ناصر الأول في سوريا، أخذت بعض موديلات الوجوه، بما تحمله من دلالات على الهويّة الاجتماعيّة والسيّاسيّة، تعرّض أصحابها للشّبهة والمراقبة والتضييق. فمن بقي متمسّكاً بالطربوش، من بين القلّة التي فعلت، عُدّ في نظرهم من الرجعيّين وأعداء ”الأمّة“، ومن التزم بلحيته، كان عميلاً شيوعيّاً، أو اتُّهم بانتمائه للإخوان المسلمين أو بميول دينيّة، رجعيّة أيضاً.

وما كان ذلك كلّه إلّا مقدّمة وتجربة سريعة سيعمل حزب البعث على تطويرها فيما بعد. فقد كان لوصول البعث إلى السلطة مع انقلاب 8 آذار 1963 تأثير مباشر على الأشكال والموديلات، نتيجة للانقلاب الذي أحدثه في المجتمع ولفرضه إيديولوجيّته على جميع مجالات الحياة. هكذا، كشفَ البعثيون عن عداوتهم للطبقة البرجوازيّة المدينيّة، فضلاً عن المدينة ذاتها كفضاء اجتماعي وسياسي، فبدأت مرحلة طويلة من تركيع المدينة والانتقام من رموزها وقيمها. وبهذا أكملوا ما كان السرّاج قد بدأه بعزل وطرد ”الضبّاط الشوام“ وغيرهم من السياسيين المدينيّين. وكان لاتهام البعثيين هؤلاء بـ”الانفصاليّة“ أن أدّى إلى تفريغ دمشق، على مراحل، من بعض أبناء العائلات الكبرى فيها، إضافة إلى جزء كبير من الإقتصاديين والتجّار الذين اختاروا الهجرة إلى خارج البلاد.

وعلى العموم، ظل موديل الوجه أقرب إلى الثبات في العهود البعثية حتى بداية الثمانينات ووقوع مجازر حماة. ففي هذه الفترة جَمُدت ملامح الوجوه وأصبحت أكثر قسوة وجديّة، دلالة على الحالة النفسية والمزاج العام، وانعكاساً لحالات الخوف والتوتّر التي عاشها الناس آنذاك، إضافة إلى كونها مؤشّراً على بداية تحكّم المزاج والعقليّة الريفيّين البعثيين ممن أخذوا يتسلّمون إدارات الدولة، حيث ”بدأت قوافل القرويين منذ ما ظهر الحزب على المسرح تترك القرى من السهول والجبال إلى دمشق“ لتطغى ”القاف المقلقلة على شوارعها ومقاهيها وغرف الانتظار في الوزارات، فكان التسريح لزاماً من أجل التعيين“، بحسب شهادة سامي الجندي في كتابه عن البعث. وهذا ما قد يفسّر تصدّر وبروز الشّوارب في الوجوه كما يظهر من الصور المتوافرة عن تلك الفترة، إضافة إلى كونها آخر ما تبقى من الرموز الكلاسيكيّة للعروبة، التي كان البعث يشدّد عليها وينفخ فيها. وفي المقابل، فهذا ربّما ما جعل من حلاقة الشّوارب، فضلاً عن إطالة الشّعر والسّوالف، التي راجت بين الشباب وقتها، إحدى العلامات على العصريّة والحداثة واتّباع الموضة الغربيّة، فضلاً عن كونها إشارات غير مباشرة على تمرّد خفيّ على جمود موديلات البعث ومعانيها، ورغبة في التّمايز عنها وعنه.

ذاك أنّ قسوة البعث وعنفه، وبلوغه مستوى ارتكاب مجزرة كما حدث في حماة، إضافة إلى اتّضاح الطابع الطائفيّ لقادته الجدد، واستفزازه المجتمع الإسلامي السنيّ المحافظ، ستُعلي من قيمة التمرّد الاجتماعي الرّمزي على حساب التمرّد السياسي المُباشر. هكذا بدأ بعض أبناء المدن يتَحَدّون موديل البعث، الذي حطّ من قدرهم وأذلّهم. وهذا ما سيؤدي إلى إعادة الاعتبار للّحية، التي ستظهر على الوجوه، من دون أناقة أو عناية، كدلالة على التعلّق أو الانتماء لشيوعيّة مكبوتة ومقموعة، أو بشكل مهذّب وناعم، كإعلان عن هويّة أصحابها الطائفيّة وتمسّكهم بها، وتعاطفهم مع قضيّة الإخوان المسلمين، خصوصاً بعد قمعهم وهربهم من البلاد بعد المجزرة الحمويّة الشّهيرة. وفيما بعد، سيساعد على بقاء اللّحية ارتياحُ النّظام إلى أمنه بعد قضائه على أعدائه الداخليّين، وتركه هامشاً من الحركة للهيئات الدينيّة، من دون أن يكفّ عن مراقبتها باستمرار وعن حصر عملها ضمن حدود ضيّقة. وفي هذه الفترة قرّب بعض الرموز الدينيّين، كمفتي البلاد الأسبق محمّد كفتارو وجماعة جامع أبو النّور وآخرين غيرهم، خصوصاً بعد الصّفقة غير المعلنة بين حافظ الأسد ومن تبقى من البرجوازيّة التجاريّة والماليّة في دمشق، ما ضمن حريّة مقيّدة ومشروطة في تديّن المجتمع الدمشقي السنّي، فضلاً عن بعض المصالح الاقتصاديّة المحدودة.

لكن تعابير الوجوه وموديلاتها ستزداد حدّة في سوريا التسعينات، ووصول النّظام الأسدي إلى ذروة ثقته بنفسه، خصوصاً بعدما تكرّست سيطرته على لبنان الخارج من حربه الأهليّة الطويلة، ونجاحه في اجتياز أزمة احتلال صدام حسين للكويت، والوقوف في صفّ التحالف الغربيّ في مواجهته. وهذا ما سيمهّد الطريق لظهور موديل جديد، يحمل الكثير من سمات العنف والهيمنة. ففي هذه الأثناء، بدأ الأسد الأب يؤسّس لنظام وراثي ضمن أسرته الصّغيرة، سيّما وأنّه كان قد تجاوز مرحلة الخطر الذي شكّله شقيقه رفعت الأسد على حكمه، وبدا له أن الأمور ضمن عائلته الكبيرة قد استقرّت. وهذا ما سيؤدي إلى بروز نجم باسل الأسد، الابن البكر للرئيس، وانتشار صوَره في المشهد العام، حيث ظهر شاباً ممتلئاً بالحيويّة، ذا شعر قصير، ولحية ناعمة ومهذّبة بإتقان، ونظرات توحي بالثّقة والقوّة والحزم. وسيقدّمه الإعلام الرسمي في البداية كبطل رياضيّ، لكن ليس في المجالات المدنيّة الحديثة، بل في المجال العروبيّ تقليديّاً والأكثر رمزيّة الذي يتمثل بالفروسية. فهو كان يمارسها مرتدياً الزيّ العسكري، تذكيراً بكونه ضابطاً في الجيش قبل أيّ شيء، أي عضواً في المؤسسة الرسميّة التي تصنع القادة والرؤساء.

وتنوّعت صور باسل وإن كانت تنتمي إلى نفس موديل الوجه ومعانيه. فتارةً يظهر مرتدياً قميصاً عسكريّاً بلون صحراويّ، لابساً قبّعة عسكريّة. وتارةً بملابس حربيّة مرقّطة مع نظّارات شمسيّة سوداء، ولحيته باقية على حالها، كأنها مرسومة رسماً. وهذا دون أن تنسى البروباغاندا الإعلاميّة نشر صورة له في ثياب الإحرام التي يرتديها الحجّاج المسلمون في مكّة أثناء مواسم الحجّ أو العُمرة، إشارة إلى رغبة في التقرّب من المجتمع السنيّ المحافظ، وإلى تأكيد انتماء أسرة الأسد خصوصاً والعلويين عموماً إلى الإسلام، وهذه كانت مشكلة رافقت الأسد الأب في بداية عهده واستمرّت إلى يومنا هذا.

وبدورهم، سيتأثّر بعض الشباب بموديل باسل، من طلاّب المدارس والحزبيّين الطموحين، وبعض أبناء البرجوازيّة الجديدة، التي هادنها النّظام وأعطته جرعة من المشروعيّة بدورها، بالإضافة إلى أبناء المسؤولين والضبّاط، الكبار والصّغار، الذين شكّلوا ظاهرة من ظواهر حكم البعث الأسديّ، ورافعة من روافعه.

وأذكر، شخصيّاً، أننيّ كنت أحد ثلاثة أو أربعة في مدرستي الثّانوية في دمشق، ممّن نمَت أجسادهم أسرع من بقيّة الزملاء، فأرخوا لِحاهُم، وكان ذلك مخالفاً لتعليمات نظام ”الفتوّة“ العسكري، الذي كان مطبّقاً في المدارس الرسمية حتى بداية عهد الأسد الثاني. وإذ كنت تركت لحيتي طلباً لمظهر من مظاهر الرجولة المُبكّرة بادئ الأمر، فقد أدركت أنّ ذلك أفادني فيما بعد: ذاك أنّ اعتمادي موديل باسل هذا، قرّبني من قبضايات المدرسة من زملائي أبناء الضبّاط، وساهم في حمايتي، خاصة بعدما وضعتُ نظّارات شمسية من نوع ”راي بان“، وهو النوع نفسه الذي كان يفضّله باسل. وقد كانت بعض دوائر الجيش الإداريّة، خصوصاً تلك المرتبطة بالطّيران وأمنه، توزّع هذه النظارات على المقربين منها، ضبّاطاً ومدنيّين، إضافة إلى توزيعها ساعات رجّاليّة راقية، لُصقت في داخلها صورة صغيرة جداً لباسل أو لأبيه. وقد تحوّلت هذه إلى ما يشبه الموضة، إذ كان في الإمكان إيجاد هذه الصّور ولَصقها داخل السّاعات عند بعض مُصلحي السّاعات.

إلى ذلك، سيبتلي السوريون بالعصابات الإرهابيّة المرتبطة بأبناء عمّ باسل، الذين سيُعرفون في ذاك الوقت باسم ”الشبّيحة“. وبينما قلّدَ هؤلاء موديل وجه باسل أوّل الأمر، أخذوا يغيّرون فيه فيما بعد، ليشكّلوا موديلهم الخاص. فقد كان الشّبيح يُرخي لحيته حسب موديل باسل في البداية ثمّ أخَذ يطيلها بعد ذلك، وتمايز عن باسل بقصّة الشّعر، فإمّا أن يُجزّ الشّعر بماكينة الحلاقة على الدرجة واحد، كما هي حال المجنّد الإلزامي وقت دخوله الجيش، وإمّا أن يُحلَق على الصّفر بموسى الحلاقة. ولمّا كان معظم هؤلاء ضخام الأجساد، أضفت اللّحية والنظّارات الشّمسية الرّخيصة، إضافة إلى الأوشمة القبيحة ذات الدلالات الطائفيّة أو السوقيّة على سواعدهم، والمسدّسات الموضوعة على خصورهم بشكل مكشوف، مظاهر القوّة والرهبة على سحناتهم. وتحوّل موديلهم هذا إلى مظهر من مظاهر الهيمنة والتسلّط والإجرام. ولمّا ذاعت أعمالهم الإجراميّة بين الناس، وتخطّت حدود منطقتهم في اللاذقيّة وجوارها ووصلت إلى العاصمة، أخذ بعض الشّبان يقلدون موديلهم هذا بدرجات مختلفة، خصوصاً في بيئة المجتمع العسكريّ من أبناء الضبّاط وأقاربهم، أو من أراد أن يوحي بأنّه أحدهم أو قريب منهم، فيرهب محيطه ليتجنّبه الناس ويخافوه.

وسيشهد العهد الأسديّ الجديد، مطلع الألفين، بروز أنواع أخرى من الموديلات، وذلك على أثر الانفتاح الاقتصادي المحدود الذي شهدته البلاد، ومحاولة تطبيق نظرية السوق المفتوحة، وما رافق ذلك من ظهور طبقة من الأغنياء الجدد المرتبطة مصالحها بالحكم وعائلاته، وبداية زوال الطبقة الوسطى المدينيّة. لكن قبل ذلك، ستفتقد سوريا، للمرة الأولى ربّما في تاريخها الحديث، الأيقونة الجذّابة التي تمثّل جبروت النظام، وتفرض هيبتها على الناس، وتُخضع المشهد العام لرهبتها وقوّتها. فبالرغم من الصورة المدروسة للرئيس الجديد، كشابّ عصري، تعلّم في انكلترا، ويتكلم اللغات الأجنبية، ومنفتح على تكنولوجيا المعلومات، افتقد بشار كاريزما شقيقه باسل. وقد خفّف من حدّة هذا التباين بين موديلي الشقيقين، وتأثيره السّلبي على الرئيس الجديد، اندراج سوريا المحدود في أخلاق العولمة، ونهاية الحرب الباردة، وميل الناس إلى الاستقرار والسّلام ورغبتهم في إصلاح مدنيّ الطابع. وهذا إضافة إلى أنّ عهد المنافسة بين الزعماء العرب على قيادة ”الأمّة“ وتمثيلها كان قد تقلّص بموت حافظ الأب، وقبله الملك حسين، وبحصار صدام حسين في بغداد وانكسار شوكته، وتطرّف معمّر القذافي في جنونه الأفريقيّ. إلى ذلك كانت صورة بشار، والبروباغاندا المتعلقة بها، موجّهة إلى الخارج أكثر منها إلى الداخل، رغبة في التأثير على الرأي العام الغربي وتسويق الرئيس الشاب في المحافل الدوليّة.

هكذا تعدّدت الموديلات، وإن اشتركت في طابعها الغربيّ، من إطالة للشّعر والسالفين، وقشط للحواجب، تأثّراً بعودة موضة الستينات والسبعينات، فضلاً عن التفنّن في أشكال ”السّكسوكة“، التي وُجِد من اتّهم أصحابها بـ“سُنيّتهم“ وتقليدهم لـسكسوكة سعد الحريري في المرحلة التي تلت اغتيال والده في 2005. لكن هذا لم يمنع استمرار موديل باسل والشبّيحة، الذي بقي رمزاً للسّلطة والتسلّط والتّرهيب، سيّما وأنّ هيبة الضابط ورهبة الزيّ العسكري كانت قد انكسرت بوصول بشار وطاقمه ذي الطابع المدنيّ والظاهر الغربيّ، واستبعاده الحرس القديم من مساعدي والده العسكريّين.

لكنْ برزت، مع الوقت، حاجة إلى إعادة الاعتبار للمؤسسة العسكريّة، خاصّة بعد الاحتلال الأميركي للعراق في 2003، والانسحاب المُذلّ للجيش السوري من لبنان في 2005، فضلاً عن اختراق إسرائيل الحدود وتنفيذها ضربات محدودة أكثر من مرّة. فبدأت صور جديدة لبشار تنتشر بشكل أكثر تواتراً، يظهر فيها بالزيّ العسكري. وفي الأثناء، انتشرت بسرعة صور ماهر، الشقيق الأصغر لبشار، في بادرة ربّما هدفت إلى تَثقيل الجانب العسكري من صورة العائلة بالعموم، أو كإشارة إليه كـ”ولي العهد“ المحتمل وبقاء الحُكم في سوريا ضمن عائلة ”الأسد إلى الأبد“. وعلى العكس من أخيه، بدا ماهر، الذي عُرف عنه اهتمامه بالجيش وشؤونه، أقرب إلى موديل باسل، إذ يظهر في الصّور بزيّ عسكريّ، تاركاً لحية خفيفة على وجهه، إضافة إلى ملامح ونَظرات مُبالغ في جديّتها وقسوتها.

والحال أنّ التعويض عن هيبة الضبّاط وموديلهم سيكون في حلول موديل الشبّيحة مكانه، وهو الذي أخذ النظام يعمّمه بشكل غير مباشر، استثماراً لجانبه المُخيف. فقد ظهرت تعليمات جديدة لعناصر الأمن والمخابرات، التابعة لفروع مختلفة، تسمح لعناصرها بعدم الالتزام بالسلوك العسكري الذي يوجب حلاقة الذّقن. وهذا ما جعل موديل رجل الأمن، الذي كان الناس يعرفونه سابقاً، يتلاشى ببطء ليذوب في موديل الشبيحة. وهذا، في عمومه وتفاصيله، ما بدأ يظهر بوضوح خلال الثورة السّورية في آذار 2011، التي تعرّف العالم فيها على جرائمهم ومجازرهم.

***

كائناً ما كان الأمر، فإنّ موديلات الوجوه وأشكالها، والمراحل التي مرّت بها، وبالرغم من كونها جزءاً من التاريخ السياسي والاجتماعي لسوريا، فهي مؤشّر حيويّ على التبدّلات التي طرأت على شخصيّة المواطن السّوري وسيكولوجيّته، هو الذي كان يدّعي إلى وقت قريب أنّ بإمكانه أن يتعرّف على هويّة أيّ شخص من مجرد رؤية وجهه.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬