عزّة شرارة بيضون

1- الصداقة والخصومة

من بعض أوهام الطفولة

تذوي علاقتنا بـ”صديق“ أو ”صديقة“ على مهل، أو هي تُمتحن في حادث صاخب فتسقط مدويّة، تاركة فينا حيرة لا نعرف كيف نداريها، أو خيبة نستبدل بطعمها قطيعة تبدو لنا أقلّ أذى منها. ونحلم، احياناً، باستعادة ألق الصداقة مع أشخاص ”أفضل“ وبانتظارات أقلّ وفي ظروف أكثر ملاءمة.

أما أنا، وحقْناً لطاقة أحتاجها في مواقع أخرى، فقد بتُّ أسوس العلاقات بهؤلاء ”الأصدقاء“ بحذاقة اكتسبتها تباعاً؛ فأقوم، في كلّ مرّة، بإعادة تعريف ”الصداقة“ لتتلاءم مع علاقاتي في أحوالها الجديدة. وأجتهد، أيضاً، فأعمل على إعادة تسمية ما كنت أعرفه باسم وحيد هو ”الصداقة“، وأبتدع تصنيفات لها يتكاثر عددها تباعاً، تبعاً للخيبات التي منيتُ بها. فهذا من الأقارب وتلك من الجيران، وتربطني بذاك علاقة زمالة مهنة، وهذا من معارف المدرسة والطفولة، وتلك من رفاق الحزب، بل هذه رفيقة الهرولة وذلك من معارف الضيعة.

وأعمل على وصف هؤلاء بمفردات تخدم التصنيف عينه؛ ففلان صحبته ممتعة وفلانة مثيرة للاهتمام وذاك رفقته لا تتطلّب يقظة خاصة وهذا أتوافق وإياه سياسياً. وأرسم دوائر أجعل في بعضها من يسعني إثارة قضايا معه مثيرة للجدل، وفي بعضها الآخر أجعل من أفضّل أن أتجاذب معه كلاماً ”أميناً“، مرسومة حدوده، لنتجنّب خلافٍ لا يفيد في شيء. ثم إنني، أعيد رسم المسافات بيني وبين هؤلاء؛ فأحسب تواتر اللقاءات معهم، وأقيس حجم الشحنات العاطفية التي يسعني بذلها في سبيلهم. هكذا تزداد أسباب التصنيفات، فأحيل كثرة عددها إلى نضج شخصيتي الاجتماعية وأهنئ نفسي على ذلك النضج.

الصداقة، كما تتراءى لي، من ”أشياء“ الطفولة نخلع عليها لبوس رغباتنا التي يصعب تحقيقها ونعزو إليها سمات تُعلي من قدْرها لتُمسي استعادة ألقِها مستحيلة، ونُدرجها ضمن أوهام الجنّة المفقودة إياها التي يتعيّن علينا ”نسيان“ وعودها الفخمة والاكتفاء ببقايا من حنين يُحسن الشعراء، دون غيرهم، بعثَه جميلاً. أما نحن، الناس العاديّين، فنشعر بالامتنان حين تتوافر ومضات من ذلك الوهم، تغمرنا في لحظات من الانخطاف في لقاءات نادرة مع آخر وتُشعرنا بنعمة تأتينا دون استئذان، غالباً، من ترحيب أو تواطؤ من الآخر يُخفت من وطأة أحكامنا وأفكارنا غير الودودة حياله. هي لقاءات /هدنة مرحّب بها دائماً بين ”جهنّم/ آخر“ سابق سوف يلحقها ”جهنّم/ آخر“ ثان. أما من يزدري الأوهام ولا يكتفي بنعمة العابر من هذه اللقاءات، فخيباته مستمرّة؛ فكيف له أن يتحمّل كل عذاب هذه الجهنّمات إلا بمقاطعة كل صديق قصّر عن التوقّعات التي لم تلبَّ أوهامه حول الصداقة، لينتهي به الأمر إلى الانكفاء عن كلّ ”المقصّرين“...أي عن الناس أجمعين؟

أما وقد أطلق الفايسبوك اسم ”الصديق“ على أشخاص يقتصر تبادلنا معهم على تصريحات/ مواقف قصيرة واستحسانات واستعراضات ومشاركات لأمور مختلفة، مكتوبة أو مصورة أو مسموعة، وحيث الناشطون منّا في رحابه لم يلتقوا قط مع أكثر أصدقائهم هؤلاء، فقد خلق ضرباً من صداقة لا أزال أعمل على تبيان ملامحها. ولما كنتُ، ككثير ممن أعرفهم، صديقة خجولة في هذا الفضاء، فإن في خجلي، على الأرجح، حرصاً على حماية مساحة تلاقٍ إضافية وخشية من خيْبة تضاف إلى خيْبات أسبق. مع أصدقائنا على الفايسبوك يسعنا أن نتروّى في ردود فعلنا، فتعمل الكتابة على تشذيب المشافهة وتسقط من التبادل ”فصاحة“ الجسد في التعبير عمّا غفل عنه الكلام من عدوانية،لا نجرؤ على البوح بها.

يخيّل إليّ أن صداقات الفايسبوك الافتراضية تطمح إلى إرساء مفهوم للعلاقات بين البشر أكثر تناغماً مع إمكانات حيواتهم الراشدة. تقول مارينا–أختي–إن عقد الصداقة هو فعل تصويب لتصوّرنا الطفولي لمفهوم العلاقة مع أشخاص من العائلة وإنشاء أخرى شبيهة نثبت لذواتنا، عبرها، أننا جديرون بحلو العلاقات، على الرغم من أننا أخفقنا مع بعض الأهل؛ فحين نُخفق مع هؤلاء، نصبو إلى النجاح مع بدائل لهم بالصداقة. فهل يكون الفايسبوك مجالاً نُثبت فيه لذواتنا أنه ما زال بوسعنا عقد صداقات؟

هل نعوّل على الفايسبوك كي ينجّينا من إخفاقات الصداقة وخيباتها؟

الخصومة المربكة

يبقى الشخص احتمالاً لصلة مثيرة للاهتمام حين يبقى غير مكتمل الصورة في ذهني. ومن بعض بيّنات ميولي الطيّبة نحو أحدهم هي بقاء صورته في ذهني قيد التشكّل، فتراني أقابله، كل مرة تقريباً، بصفحة شبه ملساء–تمّحي سطورها في كل مرّة لـ”تُكتب“ عليها شخصيته من جديد تعبيراً عن كونه موضوعاً لفضولي–الشرط الضروري لرغبتي باستمرار علاقتي معه. وعلى العكس من ذلك، فإنه حين تنتابني مشاعر عدائية تجاه واحد من الناس تمهيداً لخصومة محتملة، تكتمل، فجأة، صورته ويصبح ذا ملامح واضحة، وذا سمات أعرفها جيداً، وأعجب كيف غابتْ عن ذاكرتي كل المناسبات التي فعّل فيها ذلك الشخص واحدة، على الأقلّ، من صفاته غير المحبّبة.

لكنني أهاب الخصومة فلا أبادر إليها؛ وأحاول تجاهُل بوادرها تجاهي من آخرين وأؤخّر إعلانها لنفسي. وأفضّل أن يقوم الطرف الآخر بذلك. فأنا لستُ متصالحة مع مشاعري العدائية تجاه اشخاص وأتفادى التعبير عنها. ففي المرات القليلة التي غلبتْني عدائيتي وأفلتَت من سيطرتي لتعبّر عن حالها، فوجئت بحدّة المشاعر التي ترافقها، وأسفت على طاقة شعورية تبدّدت عبثاً. العدائية تبعث لديّ مشاعر لا أستسيغها فيّ. هي مشاعر أفضّل ألا أختبرها تجاه الناس.

والاستراتيجية التي أفضّل اتّباعها لتفعيل عدائيتي تجاه من اختار مخاصمتي هي، مفارقة، اللطف؛ فاللطف، إذ يقتصد الطاقة الشعورية، فعّال في إحداث مزيد من العدائية لدى من بادرني الخصومة. ولعلّ العمل على الإعلاء من منسوب العدائية لدى الخصم مقابل لطفي يُحدث بلبلة لديه مصدرها شعوره بأنني لم أفهم عدائيته، وبأن عليه بذل جهد إضافي للتعبير عنها، ولإحداث عدائية مقابلة لديّ. صحيح أنني أخاطر بذلك بأن ينظر إليّ بكوني ”عمياء“ يعوزني الإحساس بما يجري ،أو ربما اعتبار كوني على قدْر غير قليل من ”السذاجة“، لكن توفير الطاقة وتكبيد الخصم جهداً، بجعله عدائياً مبادراً إلى إعلان الخصومة والقطيعة، يحلّني من مسؤولية الخصومة، حتى حين أكون راغبة بها. أن ألقي المسؤولية على الخصم هو، والحق يقال، باعثٌ على السرور وفيه طعم الانتصار.

هذا لا يعني أن خصومتي مع الناس، حتى لدى مبادرة الآخرين إليها، ليست مُربكة لي. هي على الدوام مُربكة. إذ ماذا تفعل إذا كان هذا الشخص قريبتك، أو جارتك، أو زميلك في العمل أو رفيقك في الحزب أو في الجمعية واحتمال لقائكما معاً غير قليل؟ كيف يسعك تجاهل إلقاء التحية عليه مثلاً، أو تعزيته أو تهنئته بالسلامة بعد أن يكون قد نجا من سيارة مفخخة، مثلاً، وعندنا من أشباه ذلك الكثير؟

ولعلّ الخصومة الأكثر بعثاً على الحيرة كانت تلك التي احتفظ فيها المبادِر إلى الخصومة بالسبب لنفسه ولم يفصح عنه. في صباي كانت هذه الحيرة ذات وطأة طاغية، ومسبّبة لألم فظيع. لكن مالبثتُ أن تنبّهتُ إلى كون الخصومة، غير المفصحَة عن أسبابها للمعنيين بها، أسلوباً ينتهجه أشخاص دون غيرهم من الناس، وبأنني لم ”أرتكب ذنباً“، بالضرورة، أستحققتها بسببه. بل إنني وُضعت، على الأرجح، في مصنّف واحد وُضع فيه آخرون لسبب، يبدو لي قراراً داخلياً، بتنظيف بيئة هذا الشخص من ”شوائب“ مؤلفة من قسم من الناس. لكنني قلما اهتديتُ إلى الأمر الذي جعلني ”شائبة“ في بيئة مخاصميّ من هذا النمط. بالمقابل، وفي أحيان كثيرة، كنتُ أعرف مسوّغ اعتباري كذلك وكنتُ أجد أن من خاصمني محقّاً في خصومته.

لكن ما أعرفه، في العادة، هو نمطُ من الخصومة المتدرّجة. ورغبة في إحلال شخص آخر مكاني في موقع كان أثيراً لدى ذلك الشخص؛ فبعد أن كنتُ ”أملك صفات استثنائية“ بالنسبة له باتت صفاتي تلك ملك آخر، يتمّ التباهي بها أمامي تحديداً بغرض الإعلان عمّا أكون قد لاحظتُه دون الإفصاح عنه للطرف المعني. لكن هذه الاستنابة، ولسوء حظّ المخاصِم، ذات أثر قليل. فأنا أدرك أن جعلي في مكان أثير لديه قليل الصلة بي، وبأنه حاجة لديه ليس إلا، فلا أثيريته ولا استنابتي تعنيني كثيراً.

ومن تجليات الخصومة المتدرّجة، مسار من استبعاد متعاقِب لمجالات الكلام. ولعلّ المجال السياسي هو المنفيّ الأول من التبادل الكلامي بيني وبين من ستفرّق بيننا الخصومة. ففي حماوة الأحداث المتعاقبة علينا في هذه البقعة من العالم، فإن المحرك الأمثل للخصومة هو تبادل الكلام. هكذا بتُّ، ودرءاً لخصومة أشمل، أرفض النقاش مع أقاربي ومع رفاقي ورفيقاتي المجتمعِين معاً في نشاط ما والمفترقين سياسياً، وأعلن ذلك صراحة. فالمواقف السياسية–الطارئة خاصة–كثيرٌ عليها، ولا تستأهل خصومة بين الأصحاب والمعارف.

ومن تجلّيات هذه الخصومة المتدرّجة أيضاً تباينٌ، تظهّره تباعاً حوادث متعاقبة، بين الصورة التي أحملها لذاتي وبين تصوّر لشخصي يحمله آخر. فحين لا أتعرّف في ذلك التصوّر على ذاتي أوقِنُ، بأسف، بأنني لم أتمكن من إثارة فضول في ذلك الآخر وسعيٍ منه لتشذيب تصوّراته عنّي والتي قد تكون ناجمة عن مفرداته الإدراكية الخاصّة به، لا عن رغبة متأنيّة في التعرّف إليّ. لكن الخصومة قد تتجلّى ايضاً في تباين في مفهوم للعلاقة وما ينطوي على اختلاف في التوقعات والانتظارات منها. ويدهشني أن ينسى شخصٌ إساءة (أو اعتذارا عن إساءة) سابقة صدرت منه... هذا النسيان أمر باعث على اليأس من كون العلاقة معه تستحق اسمها. إن النسيان في هذه الحالة يرسل لي رسالة غير ودودة إطلاقاً. فأنا، وإن كنتُ أتفادى المبادرة إلى الخصومة، لا استسيغ اختبار تكرار الإساءة لشخصي وبتّ أفضّل عدم التسامح مع ذلك التكرار: تكرار الإساءة وتكرار الاعتذار وتكرار نسيان الإثنين معاً.

2- الجامعة اللبنانية وأنا

طالبة

رافق انتسابي إلى الجامعة اللبنانية بغية دراسة اختصاص ثانٍ، بعد ثلاث عشرة سنة من التدريس في الثانويات الرسمية... رافقه حالة تشبه الحبور.

كانت العودة إلى ”مقاعد الدراسة“ اختباراً محرّكاً للعيش. لم يكن هناك دوافع ”ملحّة“ خلف قراري بـالعودة باستثناء ضجرٍ من تعليم منهاج الرياضيات نفسه سنوات طالت لأن الحروب الأهلية أبقته على حاله، دون تعديل، سنة بعد سنة. من جهة ثانية، كان اهتمامي بعلم النفس، والذي كنت أداريه بقراءات متناثرة، قد تأجّل إشباعه بسبب انشغالي بالاختصاص ذي المكانة ”الأهم“ (الرياضيات) من وجهة النظر السائدة يومها–والتي لا أدّعي البراءة من تبنّيها. وأنا كنتُ قد اكتسبتُ، منذ الصغر، عادة القراءة وسيلة لإشباع فضول لمعرفة أمر ما، وكانت هذه ستكون كافية لولا العزلة الشديدة التي فرضتها علينا حروبنا المتناسلة. فبدا لي أن الانتساب إلى الجامعة سيكون بمثابة التشارك في ”فريق تعلّم“ يستجيب لتوْق اللقاء آخرين حول مشروع أو هاجس كفيل باستثارة التبادل الفكري والثقافي. كنتُ كمن يرجو أن يبعث ذلك بعض الإثارة في حيواتنا التي عطّل العنفُ السائدُ عيشَها وحوّلنا الخواء الثقافي الذي اصابها إلى كائنات مراقِبة ومترقّبة لأهوال مجهولة المصدر والشكل والتوقيت.

وسرعان ما تبيّن لي أن الجامعة اللبنانية مكان مرحّب لكلّ أطياف طالِبِي العلم فيها. فهي مفارقة يسعها أن تكون متشدّدة إذا أراد الطالب علماً، ويسعها أن تكون متساهلة لمن لا يتوخّى اكثر من شهادة تفيد أنه ”مرّ من هنا“:

فمن جهة أولى، كانت عناوين المواد المتاحة والاختصاصات الفرعية المتوافرة في اختصاص علم النفس تشي بمشروع مهني وثقافي عظيم الشأن؛ وذلك بالمقارنة مع منهاج الجامعة الأميركية، مثلاً، للاختصاص نفسه. هكذا، يسع الطالب المهتم أن ينطلق من هذه العناوين ويحصّنها بقراءات من نصوص أصلية للنظريات التي قام بصوغها علماء النفس، وطلابهم و”مريدوهم“، في تلك المادة بالذات. وهي نصوص متوافرة، بعضها في مكتبة قسم علم النفس في الجامعة اللبنانية، وأكثرها في مكتبات الجامعات الخاصة، إنما بلغتها الأصلية أو مترجمة إلى الإنكليزية أو الفرنسية، لكن قلّما بالعربية. هكذا، بدا جلياً أن اتقان أيٍّ من اللغتين كان شرطاً ضرورياً لتحقيق فعلي لتوصيف المادة المبدئي. فلو أخذنا مادة تدعى ”مدخل إلى التحليل النفسي“، مثلاً، فإن المجموعة الكاملة لكل ما كتبه فرويد من أربعة وعشرين مجلداً كانت موجودة في نسختين في مكتبتَي يافث وصعب الطبية في الجامعة الأميركية. يضاف إلى هذه، نتاجات المدارس الإنكليزية والهنغارية والأميركية والفرنسية والألمانية إلخ. في التحليل النفسي، ناهيك بأهم الدوريات الصادرة بالإنكليزية والتي يكتب فيها المحللون النفسيون المعاصرون. هذه المكتبات كانت في الثمانينات متاحة للعموم، وكان يسع أيٌّ كان تصوير فوتو كوبي ما يشاء وبثمن زهيد لمنْ اجتهد مِنَ الطلاب الطامحين؛ ولذلك شرطان: الأخذ على محمل الجدّ المراجع التي كان الأستاذ يقترح على الطلاب قراءتها للانطلاق منها دون الاكتفاء بها، والبحث الجدّي عن هذه المراجع... وأخيراً لا آخراً شحذ معرفته بإحدى اللغات الأجنبية.

من جهة ثانية، فإن نسبة غير قليلة من الطلاب اكتفوا بالمحاضرات التي ألقاها عليهم الأساتذة. غير أن مضمون ما يدعى بـ”المحاضرات“ (القور) كان لا يتجاوز في أغلب الأحيان عناوين فرعية بمعلومات هزيلة ذات طابع تلقيني، لا يكاد يتجاوز حجمها الخمسين صفحة في كثير من الحالات ومتناً يفتقر الى التماسك والمنطق وينقصه محفّزات التفكير وطرح المسائل ونماذج يمكن الاقتداء بها من أجل حلّ تلك المسائل. هذه المحاضرات كانت تُلقى شفاهة، غالباً، ويدوّنها الطلاب أثناء إلقائها ليقوموا بعد ذلك بتشذيبها، قبل أن تأخذ شكلها النهائي، ويتمّ التناوب على نسخها وتوزيعها بينهم. هذا كان النص الأساسي–أي ما يدعى بـ textbook والذي شكّل المصدر الرئيسي، إن لم يكن الوحيد، لعددٍ غير قليل من الطلاب استعداداً للامتحان الوحيد آخر السنة الجامعية.

أي أن طموح واضعي مناهج التخصص في علم النفس وفي فروعه المختلفة كان يفوق بأضعاف كثيرة الموارد المعرفية المتاحة التي تسمح بطبيق ما جرى توصيفه فيها. فبعكس حالة بعض الجامعات الخاصة–كالجامعة الأميركية مثلاً–حيث تفوق وفرة المصادر والموارد حاجة الطلاب إليها أو الطلب عليها، لم يتوافر للطلاب في قسم علم النفس في الجامعة اللبنانية مراجع، من كتب أو مجلات ولا مختبرات أو مواد أخرى باتت محورية في التعلّم في اختصاصات علم النفس. واقتصر الأمر، في هذا المضمار، على إعارة بعض الأساتذة كتبهم أو مجلاتهم العلمية للطلاب الراغبين دعم المحاضرات بقراءات إضافية. وانعكس ذلك، دون إعلان صريح، على تقييم أداء الطلاب في الامتحانات؛ فنال قارئو/ حافظو ”القور“ الدرجات الأدنى–أي ما يسمح لهم بـ”إتمام المادّة بنجاح“، فيما استأثر بالدرجات والتنويهات الأعلى الطلابُ الذين دفعت بهم حشريتهم وتطلباتهم العلمية، إضافة إلى إمكاناتهم ذات الصلة بتعدد اللغات، لتوسيع دائرة مراجعهم وقراءاتهم الإضافية المعزّزة لتحصيلهم العلمي والمنعكسة على أدائهم.

لكن، والحق يُقال، أن بعض الصفوف التي واظبتُ على حضورها، قد شهدَت نقاشات محفّزة على التفكير ومحرّضة على الاستزادة من المعرفة. وهو ما ولّد دينامية في تلك الصفوف تشارك في إذكاء حركتها الطلاب والأساتذة معاً. ولما درّستُ في الجامعة اللبنانية لاحقاً–في القسم نفسه، كان لي أن ألاحظ أن بعض الصفوف قد اتسمت بحيوية تناوب على إذكائها الطلاب والأساتذة وغالباً الإثنان معاً، وأخرى خاملة يكاد لا ينفع في تحريك حشرية لدى الطلاب فيها أي جهد مهما عظُم. من حسن الصدف (؟) أن الدُفعة من الطلاب، التي كنت واحدة منها، كانت من الصّنف الأوّل، فتوافرت فيها المتعة التي افترضتُ وجودها لدى انتسابي إلى الجامعة.

هكذا، وبمتعة كبيرة، اجتزتُ المرحلة الأولى من اختصاصي الثاني بدرجة جيّدة. في السنة الأولى من دبلوم الدراسات العليا كانت الجدّية في التدريس وفي أداء الطلاب ملموسة، بل إن بعضنا نشر في مجلات / صفحات ثقافية مذكرات البحث term papers التي كُتبت فيها.

لكن المصاعب بدأت معي في المرحلة التالية التي كنتُ فيها سأباشر البحث–موضوع الرسالة التي ستؤهّلني لنيل شهادة دبلوم الدراسات العليا؛ لم يكن قبول أستاذ في قسم علم النفس الإشراف على عملي البحثي بالسهولة المفترضة لطالب متفوّق. وبعد أن باشر أحدهم بذلك، عاد فتراجع. وقبل ثانٍ بالرغم من أن اختصاص الأول كان أقرب إلى المنهج الذي اخترتُ توسّله من الثاني. هذا الأخير لم يتدخّل ابداً في مسار عملي. وفي نقاش الرسالة لم يتقدّم بأية ملاحظة من أي نوع. بل هو عبّر عن موافقته على وصفي له في الشكر المتعارف عليه في مطلع رسالة أكاديمية بأنه اتّخذ في إشرافه موقع ”الحيادي المتعاطف“–أي ما يتصف به المعالج النفسي في أكثر العلاجات النفسانية المعروفة. ولم يختلف الوضع في مرحلة الدكتوراه إذ اعتذر أكثر من استاذ عن قبول الإشراف على أطروحتي. لكن إعادة توحيد بيروت بعد انتهاء الأعمال الحربية في أوائل التسعينات، سمح لي بالتواصل مع أستاذة من الفرع الثاني للجامعة اللبنانية، قبِلتْ الإشراف على تنفيذ مسار عملي في هذه المرحلة بترحيبٍ تام. غير أن المصاعب عادت في المرحلة النهائية–مرحلة تشكيل لجنة المناقشة ومرحلة تعيين قرائها، بالتحديد. وفد كلّفت الإدارة الأكاديمية في الجامعة ليكون قارئاً ثانياً لأطروحة الدكتوراه الأستاذ الذي اشرف على رسالة الماجستير. لكنه في هذه الحال لم يكن حيادياً؛ بل هو أبدى عدائية تجاه نصّي بإعطاء تقييم سلبي قاطع دون تبرير واضح. فالملاحظات ”غير الجوهرية“ التي ابداها تمّت الاستجابة لها دون تردّد.

وهو ما أثار لا حيرتي فحسب، إنما أيضاً حيرة بقية أعضاء لجنة القراءة. وكان تخمين واحدة من هؤلاء الأعضاء أن عدم ذكر اي مرجع لذلك الأستاذ في نصّي هو السبب وراء حكمه–بالرغم من أن موضوع أطروحته وبعض انشغالاته البحثية كانت ”عن المرأة“. فأضفتُ مرجعاً–نصّاً غير بحثي له لا يشبه المراجع التي استندتُ إليها إلى قائمة مراجعي التي لم تشمل–بالمناسبة–على إي عنوان لبقية أعضاء لجنة المناقشة. ولا أدري إن كانت تلك حجّته وراء قبوله أن تتمّ مناقشة الأطروحة، (قبول لم يكن بالإمكان تجاوزه لكونه القارئ الأوّل)، تبعه قبوله تعيينه رئيساً للجنة المناقشة. في اختتام المناقشة وحين أُعلنت النتيجة بتقييم مرتفع كثيراً بإجماع عضاء اللجنة، افترضتُ أن المسألة انتهت عند ذلك الحدّ. لكنني حين استلمتُ وثيقة الشهادة، تنبّهتُ إلى خفض العلامة التي نلتُها من 19 إلى 18 من عشرين وخفض درجة ”مشرّف جداً“ إلى ”جيّد جداً“ (فيما درجة 18 تقيّم بـ”ممتاز“ في العادة!).

وأنا لم أكترث، بالطبع، لما حدث، بسبب عدم اقتناعي بنظام التقييم في الجامعة برمّته؛ فتمنيّتُ على المشرفة عدم إثار المسألة. وحجّتي إلى ذلك، أن ما حدث لم يكن المرّة الوحيدة التي تمّ فيها خفْض غير مفهوم لتقييم عملي. فانا كنتُ قد حصّلتُ في نقاش أطروحة دبلوم الدراسات العليا درجة ”ممتاز“ متبوعة باقتراح لـ”نشر الرسالة“ في إطار برنامج النشر المتّبع لدى الجامعة اللبنانية. لكنني أبلغتُ لاحقاً، شفوياً، بأن الرسالة لن تُنشر لأسباب مُبهمة. وأنا لم أعترض–ولم يعترض المشرِف على الرسالة–حينها مع أن محضر النقاش كان أيضاً موثّقاً وفي محفوظات كلية الآداب، بالضرورة.

لم تكن هذه ”الصعوبات“ التي واجهتني لتقلّل من رحابة هذا المكان، ولا من موقع هذه الجامعة، في نفسي؛ تلك المؤسسة التي كانت يومها موئل أعلام من المفكّرين والباحثين الأوفر إنتاجاً على الساحة الثقافية والتي وفّرت لمواطِنة مجالاً للدراسة بدون بدل مالي، وبدون قيود تذكر؛ فكان بوسع من كانت مثلي مزدوجة المهنة (أمّاً عاملة في المنزل وعاملة بمهنة خارجِهِ) أن تضيف إلى انشغالاتها انشغالاً ثالثاً، إن هي شاءت، بدون أية تكلفة فعلية. بل إن الجامعة وفّرت لي ترقياً مهنياً تمثّل في قبولي، لاحقاً، مدرِّسة في القسم نفسه الذي درستُ فيه. وقدّم لي موقع الأستاذة فيها امتيازاً ما كنت سأحصّله بدونها؛ أتكلّم عن المكانة التي سمحت لي بالحصول على منح بحثية من جهات مختلفة–كانت الجامعة نفسها والمركز الوطني للبحوث العلمية، اثنين منها؛ هذه المنح دعمَت عملي البحثي لاحقاً، ولا تزال، بالرغم من ”بلوغي سن القانونية“ فيها.

الجامعة اللبنانية هي من بعض مؤسسات الدولة اللبنانية التي يحلو للمرء الانتماء إليها.

مدرّسة

بعد نيلي شهادة الدكتوراه في علم النفس من الجامعة اللبنانية، درّستُ في قسم علم النفس من كلية الآداب والعلوم الإنسانية منها في الفرع المعروف بـ”الأوّل“ والذي يقع في العاصمة بيروت؛ وهو القسم نفسه الذي نلت منه شهادتَي الليسانس والماجستير. لدى مباشرتي التعليم، سرعان ما تنبّهتُ إلى بروز اتجاهات لدى الطلاب لم أكن متنبّهة لشيوعها بينهم حين كنتُ طالبة في القسم المذكور. إذ بدا لي أن أكثرهم يرغبون بتحصيل شهادة، لا أن يحصّلوا علماً. هذا بالرغم من يقينهم المُعلن من أن هذه الشهادة–شهادة علم النفس–لا قيمة فعلية لها في سوق العمل اللبناني. ولمّا كان أكثرهم قد أختار هذا الاختصاص قسراً–بسبب رسوبهم في مباريات خضعوا لها في اختصاصات أخرى[1]–فقد ساد الشعور باللاجدوى بين أكثرهم إزاء نوعية التعليم الذي سيحصلون عليه. عملياً، هذا يعني أنني كنت محتاجة للتعامل مع فوضى مسلكية تجلّت، خاصة، في تقطّع حضور الطلاب للمحاضرات وفي ضمور مشاركاتهم في عملية التعلم. وحين عبّرت عن تذمّري من الحالة، اتُهمتُ بأنني ”غير متعاطفة“ مع الطلاب، بل و”متطلّبة وقاسية“ عليهم؛ ومن العلامات على ذلك أنّ حجم المادّة الدراسية التي أقدّمها للطلاب كبير وغير ملائم مع كون أكثرهم غير متفرّغين للدراسة الجامعية... وبأنني–أخيراً–أتكلّم بالفصحى! وهو ما تناهى إلى سمعي من مصادر طلابية كانوا قد تقدّموا إلى عميد كلية الآداب–في الأشهر الأولى لمباشرتي التدريس–بشكوى خطية ضدّي تمّ فيها تعداد مثالبي المذكورة؛ لكن سكرتاريا القسم وقفت حاجزاً في سبيل رفعها ”رفقاً بي“ حاجِبة عن العميد ، بذلك، مضمون الشكوى التي تبيّن بجلاء تصوّر فئة من الطلاب لوظيفة الجامعة وتوقّعاتهم لطبيعة المعارف ولحجمها المفترض تلقّيها.

وقد نلتُ، بنتيجة الشكوى المذكورة، نصائح من بعض زملائي. فبان لي أنه يتعيّن عليّ، مثلاً، أن ”أنزل“ (كذا!) إلى مستوى الطلاب، وأن أبسّط المادة لأن الطلاب يتوقعون مني أن ”أمضغ“ المادة قبل أن أقدّمها لهم، بدل أن أطلب إليهم–كما كنتُ أفعل–قراءة نصوص أصلية تكون مرجعاً لنا–هم وأنا–في نقاشها. كما أنه كان عليّ أن أساير أوضاعهم الحياتية و”زحمة السير“ فاسمح لهم، تبعاً لذلك، بالدخول إلى الصف حتى بعد أن كانت المحاضرة قد مضى على بدئها أكثر من نصفها بحجّة أن ما سيتعلمونه في الوقت المتبقّي سيكون ”أحسن من بلاش“. إلى ذلك، طمأن رئيس القسم–بحضوري ودون تحفّظ–الطلاب المحتجين على صعوبة محاضراتي من أنه سيعالج خشيتهم من أن ”أسقّطهم“ (كذا) في المادة بإعادة تصحيح مسابقاتهم–أي أنه طمأن هؤلاء أنه يكون مصحّحاً ثانياً للمسابقات في المادة التي أدرّسها. هذه نصائح لم ألتفت إلى أيٍّ منها، فكان أن تعزّز، بنتيجة مثابرتي على موقفي، اتجاه بين الطلاب متوافق مع أسلوبي ومقاربتي للتدريس الجامعي؛ فخفتَت حدّة الانتقادات تدريجياً بينهم، كما توسّعت الفئة القابلة باسلوبي (”القاسي والمتطلب“) مع مرور السنوات الاثنتَي عشرة من تدريسي في القسم، لتؤكد لي صواب مبدأ اتّبعتُهُ في مسار مهنتي الطويلة في التدريس الثانوي/ ما-قبل الجامعي: كلما ازدادت توقّعاتنا من جهود الطلاب التي تبذل في التحصيل، كلما ارتفعت جودة أدائهم.

وإذْ قوبلتُ بعدائية مجانية من عدد من زملاء في القسم (ذوي نفوذ ”مجهول“ المصدر)، فإن بعض غير النافذين منهم كانوا داعمين لي وهم عبّروا عن ذلك الدعم بمواجهة هؤلاء. لكن الغياب التام للأطر الأكاديمية التي يسعها توفير علاقة منتظمة مع الزملاء أدّت بنا إلى غربة شبه تامّة واحدنا عن الآخر، فلم تتوافر فرصة حقيقية لتبديد تلك العدائية، أو لتأكيد مسوّغاتها، ولا العكس بالعكس. وباستثناء من يكتب منهم في الصحافة المحلية ليكون، بذلك، منظوراً للآخرين–قارئي الجرائد اليومية، نادراً ما أعلن أحدهم عن إنتاجه. وإذْ دعي أكثرنا إلى مؤتمرات وندوات في لبنان وخارجه، بقيت مشاهداتنا واختباراتنا بمنأى عن حشرية الآخرين واهتماماتهم؛ بل اتّهم من أعلن عن ذلك، أحياناً، بصفات شخصية إنما تعكس المعنى المختزل (سعي لحيازة سلطة، حب الظهور إلخ.)، الذي يُسبغه بعضهم على مشاركة أستاذ جامعي في لقاء ذي طابع ثقافي/ فكري أو حتى بحثي.

من جهة ثانية، افتقدنا الإطار الأكاديمي لاستعراض تجاربنا التعليمية التي تسمح باستخلاص دروس وبصوْغ معايير تسمح بتطوير أدائنا. وباستثناء حالات معيّنة، فإن اجتماعات الأساتذة خصّصت للأمور اللوجستية وللتعليمات الإدارية. وعدا طلب الإدارة الجامعية الأعلى اقتراح التعديلات الكبرى في المناهج التعليمية الجامعية، قلما حظيت التجارب التعليمية والبحثية التي يخوضها الأساتذة في القسم، أو التعديل في توصيف المواد، أو تطوير طرق التدريس... باجتماعات خاصة. فلم يتمّ الإعلان عن تجارب على قدر من الريادة في التدريس، مثلاً، بل إن حشريتي قادتني لأعلم بوجودها بواسطة الطلاب. وإذ ساد شعار مفاده ”إن الأستاذ ملك في صفّه“ بين الأساتذة، ضاقت مساحة التقييم المتبادل و”إرجاع الصدى“، كما تقلّص حجم الاستفادة من خبرات واختبارات الأساتذة بعضهم من البعض الآخر. فكان تجاهل هذه الخبرات هي القاعدة وبات التعاون هو الاستثناء. فحين طرحتُ، في إحدى المرات، مثلاً، ضرورة التنسيق في إطار أحد التخصصات الفرعية درءاً للنفول والإعادة، اتُّهمت (من قِبَل مدرّسة غير معروفة بجديّتها، لكنها ذات نفوذ ”مجهول“ المصدر) بالتدخّل في ما لا يعنيني وبممارسة سلطة عليها. ولدى توصيف مادّة يطلق عليها اسم ”نصوص بالأجنبية“ في دبلوم دراسات عليا، مثلاً، حاولتُ التنسيق مع المدرّس باللغة الفرنسية للمادة نفسها، فأعلمني أنه سيدرّس نصّاً وحيداً[2] (فرويدياً) لأنه هو–شخصياً–”محتاج لفهمه“؛ أي، أن هذا الأستاذ طوّع مادة دراسية جامعية برمّتها لحاجاته الخاصة دون أن يتلقى مراجعة، لا من زملائه ولا من ”رئيسه“ الأكاديمي تسائِله، على الأقل، عن التفاوت في التوصيف بينه وبين زميلة تدرّس المادة نفسها وفي المكان الجغرافي نفسه. أخيراً، ولدى مطالعتي في واحد من فترات مراقبتي للطلاب في امتحانات المادة عل محاضرات أحد الأساتذة لواحدة من المواد في السنة الأولى، تبيّن لي انها متماثلة مع نصوص وعناوين مادة ذات اسم مختلف كان الأستاذ نفسه يدرّسها قبل تعديل المناهج! ولدى عرض ”محنتي“ في كوني شاهدة على/ عاجزة تجاه كلّ ما ذكرته (وغيره كذلك) على زميلات وزملاء في الجامعة اللبنانية، بدا لي أن توقعاتي من الشروط والممارسات ذات الصلة بمهنتي ليست ”مثالية“ ابداً؛ إذ أن هذه التوقّعات هي من بعض الممارسات السائدة في بعض الكليات والأقسام في الجامعة.

هكذا، وبسبب ضمور الحياة الداخلية التفاعلية مع الزملاء في المهنة، استحوذ الطلاب على كل اهتمامي اتلمّس معهم منهجي في التدريس الجامعي ونبتدع معاً اساليب ومواضيع متناسبة مع ما حدّدناه معاً مفيداً لهم. وترافق ذلك، بالطبع، مع جهود بذلتها للاطلاع على ما يستجد من مواضيع وعناوين في علم النفس الاجتماعي في الولايات المتحدة وفي إنكلترا–بسبب كون اللغة الإنكليزية لغتي الثانية المتعلّمة. وكان لوجودي في منظمات غير حكومية دوراً في تلمّس الحاجات المجتمعية وسوق العمل ذات الصلة بعلم النفس. يضاف إلى ذلك بعض التداول مع زميلات في جمعية ثقافية أنتمي إليها هي ”تجمّع الباحثات اللبنانيات“. هكذا، أدخلتُ عناوين إلى علم النفس الاجتماعي راهنة وجديدة من مثل ”الجندر“ و”العنف ضد النساء“ و”الإرهاب الديني“، و”سُبُل حلّ الصراعات“، و”علم نفس الاتصالات“ إلخ. وكان أن تعرّفنا–الطلاب وأنا–على وسائل بحثية جديدة يلمس المرء الحاجة إليها مع الطلب على الأبحاث وعلى التدريب في الفترة التي تلَتْ إعادة الإعمار في لبنان.

إلى ذلك، استخدمتُ بعض المواد ذات العناوين الفضفاضة لملء فراغات معرفية لدى الطلاب. ففي مادة ”النصوص والمصطلحات“ باللغة الإنكليزية، مثلاً نوّعتُ النصوص لتغطي كل أنواع الاختصاصات الفرعية في القسم، وفي مادة الإحصاء صغتُ المسائل الإحصائية بمفردات من الاختصاصات المختلفة، ليتمكن الطلاب من التعرّف الملموس عليها فلا تبقى مجرّد عناوين يتمّ اختيارها لأسباب اعتباطية الصلة بطبيعة الاختصاص الفرعي أو بميولهم، أو غير ذلك من مقوّمات الاختيار المهني/ التعلمي. وطوّعتُ مادة فضفاضة التوصيف ثانية تدعى ”نصوص“ في الدراسات العليا ليقوم فيها كل طالب بمفرده بتطوير المشكلات التي يرغب معالجتها في رسالته الجامعية، وببدء البحث علن الأدبيات التي تناولتها؛ كما توسّلتُ مادة التدريب الميداني في مادة ”السلوك التنظيمي“ لتعريف الطلاب إلى مهارات ومعارف من علم النفس يمكن تطويعها لتخدم حاجات مستجدة في سوق العمل مثل مهنة السيكولوجي في قسم ”الموارد البشرية“ في المؤسسات اللبنانية من بنوك ومصانع ومؤسسات تجارية إلخ.

كانت الدينامية التي حكمت خياراتي وتقلباتي في التدريس الجامعي صنيعة الحرية المطلقة التي أعطيت لنا–نحن الأساتذة–في قسم علم النفس؛ هذه الدينامية وفّرت لي شخصياً متعة خالصة كان التعلّم الذي رافقها أهمّ أسبابها. وذلك بالمقارنة مع ما كنتُ افتقده في التعليم الثانوي الرسمي. في هذا الأخير–حيث درّست لمدة طويلة من الزمن–كان الوضع منبنياً ومضبوطاً بدرجة كبيرة بمنهاج جامد (زاد في جموده الظروف التي أحاطت بحروبنا الأهلية) وبسطوة الامتحانات الرسمية/ البكالوريا. هذا الانبناء وذلك الضبط كانا من الأسباب الحاسمة لهجرتي من التعليم الثانوي إلى التعليم الجامعي الذي افترضته أقلّ انبناء وأكثر انفتاحاً على التغيير. لكنني بالمقابل، لم أتوقّع هذه الدرجة من الترسّلية laissez faire! كان التدريس الجامعي يستجيب لرغبتي في التغيير فلم ”ينغّص“ على متعته، بالنسبة لي شخصياً، سوى ”الوحدة“ المتمثّلة بغياب شهود من الزملاء–متعاطفين أو نقديين، لا فرق–على الدينامية المذكورة وعلى الأوجه المختلفة لتقلبات الأحوال في اختبارته.

لا أدّعي، بالطبع، أنني كنتُ فريدة في ”وحدتي“ التدريسية في الجامعة. الأرجح أن معظم الأساتذة في القسم قد خاضوا التجربة نفسها. ولعلّ بعضهم يشعر بالأسف نفسه الذي أشعره. المؤسف أنني تركتُ الجامعة–أنهيتُ خدمتي فيها بسبب ”بلوغي السن القانونية“–وبقيت تجربتي ملكاً خاصاً بي. لم يتصل أيٌّ من الأساتذة الذين درّسوا من بعدي المواد التي كنت ادرّسها للنقاش معي تجربتي–وهو ما فعلته شخصياً حين باشرتُ التدريس الجامعي–ولا للاستفادة[3] من التوصيفات للمواد التي علمتها ولا من المحاضرات والمواد والمراجع التي جمّعتها في مطبوعات (تصلح لأن تكون كتاباً أولياً text book–وهي، من وجهة نظري، ملكٌ للجامعة) كي تشكّل خلفية يمكن البناء عليها وتطويرها في توصيفات للمواد أكثر تماشياً مع الزمن الحاضر أو في محاضرات أكثر تناسباً معه.

يبقى أنه لدى تأمّلي لتجربتي في التعليم الجامعي، أشعر بالامتنان. فهي شكّلت لي إعادة خلق لمهنة التدريس التي اخترتُها–ولم تفرضها عليّ ظروف ”خارجة عن إرادتي“، وسمحَت لي بمزاولة مهنة إضافية، على قدْرٍ مساوٍ من المتعة، ولا أزال ازاولها–مهنة الباحثة.

3- الفقدان والوجدان

الفقدان–مِن فَقَدَ-والوجدان–مِن وَجَدَ-عنوانان يمكن أن تستظّل بهما أحداث حياتنا الهادئة والرتيبة، أو تلك الصاعقة والمأساوية

الفقدان[4]

فنحن نفقد، تباعاً، الصبا والجمال والعافية

نفقد جموح الرغبة وإلحاح اللهفة ونفقد العفوية والاستعداد للمغامرة

نفقد الاستسلام للأحلام لأننا مشغولون

نفقد أدوارنا التي جهدنا لتعلّمها، أحياناً ، في ذروة شعورنا بتمرّسنا بها: عاشقات وعشّاق بالزواج أو بالطلاق وأمهات وآباء في العش الفارغ، وذوي مهنة بالتقاعد، وقِيادات بانتخاب غيرنا أو بالانقلاب ضدنا

نفقد هناء العيش أو اضطرابه مع أولادنا وأحبائنا بسبب الهجرة المتعاظمة

نفقد أصدقاءنا بخصام، أو بابتعاد، نحسبه موقتاً فنؤجّل السعي لإنقاذ ما تبقّى

نفقد ملامح مدينتنا مع إقفال أماكن لقاءاتنا

نفقد حدّة الذوق والشمّ بعد أن بلّدتها الهورمونات والأسمدة الكيماوية وحين تذوي روائح الورد وطعوم الخيار والنعناع

نفقد القدرة على الدهشة لأننا محاطون بمثيرات تفوق قدرتنا على الاستجابة المناسبة

نفقد أمكنتنا ونضارة محيطها مع هيمنة الباطون والإمعان في الاستيلاء على البحر، عمقه، سطحه وحدوده

لكننا نفقد، أيضاً، أوطاناً بالحروب والاحتلال وبتأجيل النهوض من كبواتنا

ونفقد بيوتنا–موقتاً أو دائماً–وعذوبة الرتابة وألفة عيشنا بالتهجير القسري

نفقد أحبّاء لنا بالموت، بالخطف، بالاغتيال، بالعنف الأعمى أو المبصر

نفقد، أخيراً، الطاقة على تفعيل ثوراتنا تجاه الظلم والعنف بفعل قدرتنا المحدودة على استيعاب كلّ هذا العنف... وكلّ ذلك الظلم.

الوجدان

بعضنا يرفض الفقدان فيستودع مواضيعَه الفن والشعر والأدب في تعبيرات ماثلة أمامه، آملاً أن يُرجع صداها شهودٌ من الآخرين

لكن أكثرنا يلتمس بعضاً من ”وجدان“ ليعيننا على جعل ما فقدناه أخفّ وطأة:

فمنّا من يجد في السلطة المكتسبة من المعرفة أوالمال أو القيادة، أو من أوهام امتلاك واحدها، متعة حيازة رِفعة أوامتياز أونجاح يُخفت وهجُ بريق الواحد منها ألمَ ذلك الفقدان

ونجد نعمة في استقرار اليقين حول أمور أثارت فينا سابقاً زوابع الشك والقلق

ونكتسب نضجاً يسمح لنا بإدارة أزماتنا وحلّ صراعاتنا بجهد قليل وطاقة أدنى أين منهما أرق الليالي الماضية للبحث عن سبل مواجة تلك الأزمات وهذه الصراعات

ونُسبغ على القبول بـ”ما تبقّى لنا“، وعلى الرضا بأحوالنا، صفاتَ الصحة النفسية وأشباهها من السواء والتكيف والتوافق

ونسمّي النزوع إلى المحافظة التي أعادت صوْغَ معتقداتنا واتجاهاتنا ”حكمة“ نجلّها وننظر بتعالٍ على من لا يزال متشبثاً في مرحلة سابقة من ”التمرّد المغامر“

بل إن كثيراً منّا يجد في العودة إلى الدين (أو الروحانيات) ملجأ مرحّباً من هوْل فنائنا وفَقْد أهلنا الأكيد، وتحمُلُنا ممارسة طقوسه صوب الجماعة لنختبر الاطمئنان إلى ”عصارة“ خبراتها

ثم أننا نجد في الإشباع الذي تولّده مشاعر القيام بمسؤوليتنا تجاه ”إعمار الكون“ بالناس، وبأولادنا وبأولادهم، تعويضاً ندعوه امتداداً لنا ونجد في متابعة مساراتهم الحياتية استعادة لألق بعض ما فقدناه ونسخة ”محسّنة“ من حياتنا

نفقد ونجد... ومحصّلة الفرق بين الفقدان والوجدان هي، تقريباً، من ”نكون“؟

[1] صرّح بذلك نسبة 70% من طلاب سنة أولى علم نفس في مادة ”الإحصاء في علم النفس“ في دراسة استطلاعية قاموا هم بمعالجة إحصائياتها ونشرت في إحدى الجرائد اليومية اللبنانية (1998) انظر www.azzachararabaydoun.wordpress.com تحت عنوان ”مقالات في التربية“.

[2] كان تعصّب بعض الأساتذة لمدرسة من مدارس علم النفس واحداً من الأمور التي اتخذ منها الطلاب موقفاً سلبياً؛ وذلك في مقابلة جماعية عقدت في أحد الصفوف بهدف التمرين على عنوان من مادة ”ديناميات الجماعة“. النتائج نشرت في مقال في الملحق الثقافي لإحدى الجرائد اليومية اللبنانية. النص موجود على www.azzachararabaydoun.wordpress.com في بوست بعنوان ”مقالات ودراسات ميدانية في التعليم والتربية“.

[3] قادتني حشريتي لقراءة محاضرات مادة كنتُ ادرسها سابقاً ووجدت أن المدرّس(ة) التالي قد ”استعار“(ت) أجزاء منها دون إسناد.

[4] فقرة ”الفقدان“ كتبتها بعد عصف ذهني حول المفهوم مع الروائية إيمان حميدان تمهيداً لصوغ مشروع–لم يرَ النور–لثيمة ”الفقدان“ كي تكون موضوعاً لمجلّد باحثات الذي يصدر عن ”تجمع الباحثات اللبنانيات“.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬