باسكال بوس

11-6-Pascal-Beausse.html

يتناول زياد عنتر مدينة جدّة انطلاقا من فكرة التحوّل المستدام. يحاول ان يجد نقاط الاتصال بين ثقافات وعصور تاريخية مختلفة في نطاق برنامج الهندسة الحضرية الذي نفّذه محمد سعيد فارسي، رئيس بلدية جدّة من اواسط السبعينات حتى اواسط الثمانينات. فالهندسات المعمارية والمنحوتات تعبّر عن هوية ثقافية بتعريف اقتصادي جديد. الانتقال إلى الحداثة يتجسد من خلال برنامج مكثّف من التماثيل التي تظهر في أرجاء المدينة وكأنها معايير ولكن أيضا كأنها رموز تحوّل دائم.

باستخدامه معّدات للتصوير مرّ عليها الزمن، يزرع زياد عنتر الشكّ حول الوقتية التاريخية. اذ يخلق نوعا من علم الآثار منتقدا الحداثة التي تميّز مدينة جدة. فصوره للمنحوتات المحمّية خلال انجاز أعمال الترميم تحمّل النظر سذاجة طوعية. ومن صوره هذه تنبع بدورها منحوتات جديدة، أو بالأحرى صور ثلاثية الأبعاد تعطي انطباعا واقعيا.

من خلال دمجها بصور لمبانٍ حديثة من كورنيش جدة وقبر حواء المغطى بالباطون، يعرض زياد عنتر تمثيلا غير رسمي للمدينة المعاصرة عبر حوارها مع الحداثة الغربية المستوردة، وقد اندمجت وانصهرت بتاريخ أسطوري قديم. هذا المشهد الحضري الهجين يعبّر عن قضايا رمزية.

***

على كورنيش جدّة، راقبَ زياد عنتر أشكالاً نحتيّةً غامضةً أو، على الأقلّ، غير متوقَّعَة. كانت هذه التركيبات، المكوَّنة من أغطيةٍ قماشيّةٍ ومن حبال، قد أُنجزت بطريقةٍ غابَ عنها أيّ هاجسٍ جماليٍّ، لكي تحمي، خلال أعمال تأهيل الكورنيش، المنحوتات الموضوعة في الثمانينات هناك. يقوم زياد عنتر بتصوير هذه الأشكال، فيعطيها قيمةً فنيّةً بحدّ ذاتها، كما لو أنّها منحوتات لاإرادية، أو ما يسمّيه ريمون هانس ”منحوتات الرصيف“. وبالانسجام مع تاريخ تصوير المنحوتات، منذ ”لغز إيزيدور دوكاس“ لمان راي، يقلِبُ زياد عنتر التسلسل التشكيليّ عبر سلسلةٍ من الاستنتاجات الشكليّة: تُعطى هذه المنحوتات المُمَوَّهَة، من خلال تحويلها نصباً، موقعَ المنحوتات المعثور عليها والتي تحيل إلى مفردات اللاشكل في النحت المعاصر. وتضفي حركات العمّال الذين عملوا على تغطية أعمال عارف الريس أو جان آرب، جماليّة موحّدة على مجمل هذه الأشكال، وكأنّما أُلغيت نُظُم الفنّ التجريدي التي طبّقها الفنّانون العرب والغربيون ضمن برنامج الأشغال المطلوبة من الدولة. يراقب زياد عنتر كلّ هذا بروح الفكاهة، مستخلصاً نتائج إعادة تأهيل سلطة هذه المنحوتات الحديثة من خلال اللقاء مع العمّال الذين غلّفوها.

بعد ذاك ينجز عنتر منحوتات جديدة انطلاقاً من الصوَر، في انتقالٍ إضافيٍّ من وثيقةٍ ذات بُعدَيْن إلى شيء ذي ثلاثة أبعاد. هكذا تنغلق بالتّمام هذه الدورة من إحالات الأشكال: تتّخذ المنحوتات الجديدة قيمةً تشكيليّةً غيرَ مسبوقةٍ لتصبحَ مستقلّةً تماماً، فيما هي تحتفظ بذاكرةِ توالي الأجيال الشكليّة المحتواة فيها، من الحديث إلى المحليّ إلى المعاصر.

يُنتج الفنّان، هنا، وفي حركة ساخرة لكنْ ضرورية، خطاباً بالغَ الغنى حول راهن الفنّ، وذلك من خلال سحر الحوارات التثاقفية غير المُحتَمَلَة. بين تاريخٍ أحاديٍّ للفنّ الحديث والمعاصر يُكتب انطلاقاً من الغرب، وتبنّي هذا الخطاب من قِبَل ثقافات مسمّاة ”أخرى“، لا تقلّ غنىً، ينشأ الكثير من سوء التفاهم الضخم مؤدّياً إلى بروزِ فكرٍ جديدٍ حول الفنّ. والأمر يتعلّق، حرفياً، بـ“تطريف أوروبا“، أي بوضعها على الأطراف، كما يدعونا ديبيش شاكرابرتي، أي التفكير في عولمة الثقافة عبر عكس النظر إليها انطلاقاً من مصفاة مناهِضة للاستعمار. يتعرّف زياد عنتر على ذلك في المنحوتات اللاإرادية على كورنيش جدّة. بل أكثر من ذلك: فيما هو يقدّم منحوتةً إضافيةً، ناتجةً عن سباكة باطون لخزّانِ مياهٍ موجودٍ إلى جانب المنحوتات المُغَلَّفَة، فإنّه يقترح نظامَ تعادلٍ جمالياً بين الأشكال. من البصمة الفوتوغرافية إلى السباكة النحتيّة، يضيف زياد عنتر مجموعةً تؤكّد غنى الحياة اليوميّة وحيويّتها، حيث تظهر كلَّ يوم، على أرصفة العالم، أشكالٌ زائلةٌ نتيجةَ الضرورة والحوادث غير المتوقَّعَة. ومن خلال إعطاء هذه الأشكال كثافةً وشرعيّةً تناقضيّة، يتموضع الفنّان في هذه الدورة، فاتحاً أعيننا على مجتمع الأشكال، من أجل ثقافة جديدة، قيد البناء، نتشارك فيها.

(ترجمة ليلي خطيب)




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬