رستم محمود

ينتمي كتاب الباحث السوري محمد جمال باروت ”التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية–أسئلة وإشكالية التحوّل من البدونة إلى العمران المدني“، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (1022 صفحة)، إلى كُتب علم الاجتماع السياسي الموسوعية، تلك التي تحاول دراسة الأصول ”التاريخية“ لتكون اجتماع سياسي حديث في منطقة جغرافية وزمنية بعينها.

يفعل ذلك عبر منهج السبر المركّب لعديد العوامل السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية والمؤسساتية التي أدت مجتمعة لخلق هذا التكوّن الاجتماعي السياسي الراهن، آخذة بالاعتبار جميع الظواهر التي يمكن أن تكون ذات دلالة في سياق بحثها الاستدلالي هذا: شكل وشبكة العلاقات بين الريف والمدينة، طبيعة مؤسسات الدولة وممارساتها وهوايتها وتحولاتها في تلك البيئات المرصودة، نمط ومستوى الارتباط بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، سمات مؤسسات السيطرة الاجتماعية والسياسية، العوالم الرمزية للأفراد والجماعات الخ...، معتمدة على كمية هائلة من المراجع المعرفية، لخلق ذلك التركيب المرجعي: المذكرات الشخصية والقوانين الواردة في الجرائد الرسمية والأرقام الواردة في المؤسسات العامة والكتابات الصحفية المتراكمة التي تخص تلك المرحلة والمقابلات مع أخصائيين بتلك البيئات المرصودة والكُتب العديدة التي يتناول كل منها جزءا من الظواهر المحيطة بهذه البيئة وأدبيات الأحزاب السياسية والجمعيات الثقافية والتنظيمات الحرفية والنقابية وتقارير ودراسات المنظمات الدولية وكمّ هائل من الحوليات التفصيلية، وكل شيء يمكن أن يكون أداة لوعي بأمر ما مهما كان تفصيليا ونسبيا وصغيرا من الصورة الكلية التي يراد تشكيلها.

بمعنى ما، يمكن اعتبار كتاب باروت النسخة المحلية الخاصة بالشمال الشرقي السوري الموازية لـ“مطولة“ المؤرخ حنا بطاطو ”العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني إلى قيام الجمهورية“، الذي كان بدوره النسخة الشرق أوسطية للسلسة التأريخية الموسوعية للمؤرخ البريطاني إيريك هوبزباوم ”عصر الثورة، عصر رأس المال، عصر الخ...“، والتي بها أرخ بنفس الأسلوب والمنهج للأصول العميقة للحداثة الأوروبية الراهنة، منذ الثورة الفرنسية في 1789 وحتى انهيار جدار برلين في 1989.

البعد عن المراكز

يؤرخ باروت لحيّز مناطقي بالغ الاستثنائية في الكيان السوري الحديث. فالجزيرة السورية، في أقصى سهوب الشمال الشرقي للبلاد، هي المنطقة الأبعد عن العمود المركزي السكاني والمديني المؤسس لهذا الكيان، أي المدن الداخلية التاريخية، دمشق وحمص وحماة وحلب. وكذلك هي المنطقة الأعقد جغرافيا من حيث تموضعها بين حدودي العراق وتركيا، الكيانين الأكبر حجما ودورا وسكانا من الكيان السوري، واللذين لم يُخفيا أبدا رغبتهما في السيطرة السياسية والهيمنة الكيانية على الجوار السوري الأصغر، منذ التأسيس وحتى اليوم. في المقابل، فهذه المنطقة هي الأعقد ديموغرافيا قياسا بباقي الأقاليم السورية المحلية، فهي على الدوام كانت مرجلا لتصارع النزعات القومية الكردية والعربية والسريانية والأرمنية، ومنطقة تماسّ تمتحن حساسية العلاقة المسيحية-الإسلامية، وعلى الدوام المكان الأكثف بحضور الجماعات ”القومية-المسيحية“، الآشوريين والكلدان والسريان والأرمن، المختلفين تماما من حيث الرؤية الهوياتية والجماعاتية عن مسيحيي الداخل السوريين، الذين كانوا على الدوام مجرد جماعة دينية طائفية فحسب.

يستهدف بحث باروت الموسوعي منطقة عاشت خمسة قرون كاملة من ”الخراب العمراني“، منذ الهجمات المغولية الشرسة التي قضت تماما على كل الحواضر التاريخية فيها، وحتى الإعمار السكاني والمديني والمجتمعي الحديث الذي بدأ مع أواسط العشرينات. فهذا الإقليم السكاني كان خلاء تماما لحقبة زمنية طويلة جدا، ثم بدأت تظهر فيه ”فجأة“ وتائر وديناميات متسارعة للإعمار والسكن والإنتاج. كل ذلك في ظلال تركيبة سكانية بالغة الحساسية والتنوع، نتجت بعمومها عن اهتزاز الاستقرار المديد الذي وُجد في مجتمعات السهوب المحيطة بالجزيرة السورية، طوال حقبة الحكم العثماني، والذي انهار تماما بنتيجة الحرب العالمية الأولى وتفكك الإمبراطورية العثمانية.

يضاف الى ذلك، أن أكثر من نصف الفترة التي يسعى الباحث إلى رصدها (1918–1963) شهدت حضورا عسكريا اجنبيا مباشرا في البلاد (الاستعمار الفرنسي 1920–1946). وهذا في عمومه يُعد مدخلا رئيسيا لتناول العلاقات المعقدة بين الجماعات الأهلية المحلية، وبينها وبين السلطة الأجنبية ”الغريبة“، وأيضا مدخلا لرصد التصارع والمزاحمات الكيانية التي أسست للحدود الراهنة لعموم الخارطة الشرق أوسطية.

أوهام وتفاصيل

صحيح أن الكتاب يستعرض السيرة الكلية لـ”اندلاع“ العمران السكاني والمديني والاجتماعي لإقليم الجزيرة السوري الحديث، لكنه يتناول بالتفاصيل الدقيقة الحياة والديناميات الداخلية ضمن الجماعة الأهلية الواحدة، حيث يمكن، عبر تعقب مسيرة التفاصيل الداخلية الدقيقة، وعي الطبائع والآليات والتناقضات التي قادت تلك الجماعات الأهلية لأن تتبلور في شكلها الراهن. كما يمكن تبديد ثلاثة ”أوهام“ عمومية تكونت حولها:

• يتعلق الوهم الأول بالصفاء والتماهي الداخلي الخاص بكل جماعة بذاتها، ذلك الصفاء المتخيل على المستوى الثقافي والاجتماعي والسياسي.

• الأمر الآخر يتعلق بالعلاقات البينية التي ربطتها ببعضها البعض.

• الوهم الأخير يرتبط بطبيعة علاقة كل واحدة منها بالوجود العسكري للقوى ”الأجنبية“.

ما سوف تستعرضه هذه المقالة، هو نموذجان عن هذه الجماعات الأهلية، العربية والكردية، خلال فترة الاستعمار الفرنسي لسورية، كاشفة حجم الأوهام التي تتعلق بها، والتي تكونت في فترات لاحقة من سيادة رومانسية ”الوطنية السورية“، معتمدة على التفاصيل الجزئية المتناثرة في أجزاء متفرقة من الكتاب.

الرولة والعنزة ومجحم بن مهيد

منذ بداية صيف 1920، وبينما كانت القوات الفرنسية تستعد للزحف نحو دمشق وحلب، كانت أجهزة الاستخبارات الفرنسية قد أبرمت اتفاقاتها النهائية مع كل زعماء قبيلة العنزة للتعاون مقابل مبلغ مالي معين، لا سيّما أبرزهما: نوري الشعلان رئيس عشائر عنزة-الرولة في الجنوب، ومجحم بن مهيد رئيس عشائر عنزة-الفدعان في الشمال.

فهذان الفرعان الكبيران لقبيلة العنزة العربية كانت تجمعهما عداوات وخصومات ومماحكات تقليدية كثيرة، ولم يجمع بينهما سوى العداء الشديد لحكومة فيصل العربية التي حكمت سوريا بعد انهيار الحُكم العثماني عام 1918. فإن كان نوري الشعلان قد تظاهر من قبلُ بولائه للحُكم الجديد، فإنه دفع رؤساء عشيرته للتصويت أمام لجنة كينغ-كراين الأميركية[1] عام 1919 لصالح المطالبة بالانتداب الفرنسي على البلاد، والتخلي عن الحُكم العربي.

هنا يعتمد الباحث على كتاب محيي الدين السفرجلاني ”فاجعة ميسلون والبطل العظيم يوسف العظمة“ الصادر عام 1937، وكذلك كتاب أدهم آل الجندي ”تاريخ الثورات السورية في عهد الانتداب الفرنسي“ الصادر عام 1960، وأعداد من صحيفة ”العاصمة“ التي كانت تصدر في دمشق عام 1920. وهو يعتمد عليها في سرد تفاصيل ما جرى للجيش الوطني السوري في دفاعه عن دمشق ضد الزحف الفرنسي.

فقد هاجمت قوات ”الأمير“ نوري الشعلان الجيش الوطني أثناء اشتباكه مع جيش غورو في موقعة ميسلون الشهيرة في 7 آب 1920، وحين تقهقر الجيش الوطني، سلبوا أفراده سلاحهم ومتاعهم. وبعدئذ دخل غورو دمشق دخول الفاتحين، تتقدمه ”كوكبة من فرسان الأمير نوري الشعلان“، وكافأه غورو على ذلك بمليون ونصف مليون فرنك فرنسي، وهو ما كان يساوي قرابة 32 ألف جنيه إسترليني، كذلك منحه ضمان المنطقة المحيطة بدمشق أمنياً، مقابل غض النظر عن جبايته للضرائب على البضائع في نقطة سيطرته في منطقة عدرا قرب دمشق.

لم تكن تلك حالة فرسان ”الأمير“ الشعلان فحسب، بل شاركه في إطلاق النار على الجيش الوطني الكثيرُ من الجماعات المحلية، مثل ”عصابات آل شموط“ وفرقة خيالة عربية في منطقة دير العشائر.

أما مجحم بن مهيد زعيم فرع الفدعان من عشيرة العنزة، أو النظير الشمالي لنوري الشعلان، فكان قد أنهى كل اتصالاته وأبرم اتفاقه مع الفرنسيين منذ تموز 1919، بتعهده الدفاع عن الانتداب الفرنسي أمام لجنة كينغ-كراين، ومساعدة القوات الفرنسية على احتلال كل الشمال السوري، بما في ذلك مدينة حلب، مقابل حصوله على مبلغ مليون فرنك فرنسي، يُدفع جزء كبير منه مسبقاً، وهو ما حصل فعلا. وهذا إنما حدا بسلطات حكومة فيصل العربية الى اعتقاله وسوقه من مدينة الرقة الى العاصمة دمشق. لكن الجنرال البريطاني اللنبي، الذي كان بمثابة الحاكم العسكري إلى جانب حكومة فيصل العربية، اضطر لإخلاء سبيله، بضغط مباشر من جورج بيكو، المفوض السامي الفرنسي الأول على سوريا ولبنان.

ويشير الباحث إلى الانفجار الهائل الذي طال مخزن الأسلحة في منطقة المشهد بحلب، قبل الزحف الفرنسي على المدينة بيوم واحد (23 تموز 1920) والذي راح ضحيته 500 شاب من سكان المدينة المتدفقين للتسلح والدفاع عن المدينة. وتذهب المرويات إلى أن قوات بن مهيد هي التي نفذت تلك العملية، مقابل حصوله على الجزء المتبقي من المبلغ الموعود.

وفي تحليله التفصيلي لأسباب تحالف الزعيم العشائري مجحم بن مهيد مع القوات العسكرية الفرنسية، الشيء الذي أدى إلى اندلاع شبه حرب أهلية-عشائرية في الجزيرة السورية طوال النصف الأول من العشرينات، يورد الباحث تفاصيل التنافس بين مجحم وعمه حاجم بن مهيد على زعامة مشيخة الفدعان. فقد كان العم وصيا على هذه الزعامة بعد مقتل أخيه تركي بن مهيد، والد مجحم، إلى أن يكبر هذا الأخير. لكن العم بقي متمسكا بولائه للحكومة العربية في دمشق، والتي منحته رتبة الباشوية. ولمّا اعتبر أن اتفاق ابن أخيه مع الجنرال الفرنسي دولاموت موجه ضده، فقد تحالف مع الأتراك الكماليين الذين دعموه ماليا وعسكريا لمواجهة قوات ابن أخيه المتحالف مع القوات الفرنسية.

وفقط بعد أحد عشر يوما من احتلال القوات الفرنسية مدينة حلب، وقع الجنرال دولاموت كمندوب عن الجنرال غورو مع ”البيك“ مجحم معاهدة ”Traite“ السرية، التي تولى بن مهيد بموجبها مهمة قائد شرطة البادية، والتي كانت تعني فعليا مساندة قواته للقوات الفرنسية لاحتلال عموم شمال وشمال شرق سوريا. لكن الاتفاقية السرية هذه، وحسبما ورد في الوثائق الفرنسية الرسمية فيما بعد، لم تعترف بابن مهيد أميراً أو حاكماً على تلك المنطقة، بل مجرد قائد لجميع العشائر الواقعة بين مدينتي جرابلس وتل أبيض، مقابل قبوله التام بالانتداب الفرنسي والالتزام بالتعليمات العسكرية والقانونية الفرنسية، وأن تخضع قوات الهجانة التي تتكون من تابعيه للقوات والأوامر العسكرية الفرنسية، وأن يحصل على مبلغ 1000 ليرة تركية شهريا لتغطية نفقاته الخاصة.

لكن عشيرة الفدعان عادت وانقسمت على مستوى شاقولي، بين فرع ”الولد“ الذين والوا زعامة آل مهيد، وفرع ”الخرصة“ الذين والوا زعامة ابن قعيشيش. وكان هذا الأخير مناهضا للنفوذ الفرنسي، لكنه لم يقاوم الاحتلال الفرنسي للسهوب الجزراوية السورية، لأنه بالأساس كان يكنّ عداء مكيناً لحاجم بن مهيد، الذي كان بدوره يناهض القوات الفرنسية الحليفة لابن أخيه ومنافسه على الزعامة، مجحم.

في هذا الإطار توصل حاجم ”العم“ إلى تفاهم مع الحكومة العربية لإعاقة الاحتلال الفرنسي للجزيرة، وذلك بهدم جسر جرابلس الشهير على نهر الفرات، مقابل حصوله على راتب قدره 3000 دينار شهريا، وتزويده بـ800 وزنة حنطة شهرية وبـ600 بندقية. وهو الاتفاق الذي أُبرم بالأساس مع ”جمعية العهد“ العراقية التي عينت الضابط العراقي يوسف العزاوي مساعداً لحاجم.

وقد أعلن الأخير ”دولة الرقة المستقلة“ تحت الراية العربية، بالتعاون مع رمضان شلاش، حاكم المدينة العسكري العربي، والذي كان قائدا من قبل لثورة مدينة دير الزور ضد البريطانيين في أواخر 1919. وقد شكل حاجم ”مجلسا وطنيا“ يضم 16 شخصية.

هذه ”الدولة“ كانت تستمد سلطتها من دعم القوات الكمالية لها، حيث كانت الأخيرة تقاتل الفرنسيين في كليكيا آنذاك. وكان لمحمد نهاد باشا قائد القوات الكمالية في منطقة ما بين النهرين، أن زود ”دولة بن مهيد“ بسَرية تركية نظامية من الفرقة الخامسة للجيش التركي من مدينة أورفا (الرها) لمحاصرة القبائل ”الملية“ الكردية وعشائر ”الفدعان“ العربية الموالية لإبن الأخ حاجم، المتحالف مع الفرنسيين.

طوال هذه المرحلة التي انقسمت فيها عشائر المناطق الجنوبية من الجزيرة السورية بين موالية للقوات الفرنسية، من قبائل الملية الكردية والفدعان العربية بزعامة مجحم، وبين قبائل أخرى موالية للقوات الكمالية، من قبائل شمر وعشيرة الفدعان بزعامة حاجم، وهي فترة امتدت بين 1919 و1920، تحولت تلك المناطق بؤر سلب ونهب متبادلين بين هذه العشائر، حيث كانت العشائر الشمرية تهاجم المواقع الملية للثأر مما كانت هذه الأخيرة قد أوقعته بعشائر شمر قبل عشرات السنوات، حينما كانت مدعومة من السلطات العثمانية، فيما بات الشمر مدعومين من القوات الكمالية.

ولم يعترض على حملات النهب المنظمة تلك سوى الجنرال دولاموت، الذي وبخ مجحم واسترد منه جميع الأسلحة الفرنسية التي أودعه إياها. وفعلاً استقال بن مهيد من منصبه شبه الرسمي، لكن دولاموت أعاده إليه حالما اكتشف تمدد نفوذ عمه حاجم، الذي اقترب من المناطق المحيطة بحلب.

الصفقة الفرنسية التركية

طوال هذه الفترة التي شهدت صراعات مريرة ودموية بين العشائر المختلفة جنوب الجزيرة السورية، وحتى ضمن العشيرة والعائلة الواحدة، حيث كل طرف يدين بالولاء إما للقوات الأجنبية الفرنسية أو لنظيرتها التركية الكمالية، كانت الصفقة السياسية الكبرى التركية الفرنسية قد بدأت تنضج، وصولا إلى اتفاقية فرانكلان بويون الشهيرة بين الدولتين في 20 تشرين الأول 1921، والتي نصت على إنهاء كافة الأعمال الحربية بينهما. لكن الاتصالات الأولى بين الطرفين كانت قد بدأت في أواخر 1920، ودخلت حيزها الرسمي خلال مؤتمر لندن في 9 آذار 1921. وقد تخلت فرنسا بموجب الاتفاقية للجانب التركي عن الكثير من الأراضي التي كانت قد رسمتها من قبل ضمن الحدود السورية، خصوصا في شمال الجزيرة السورية، وتعهدت بمنح لواء الإسكندرون نظاما إداريا خاصا به، وهو النظام الذي سيؤدي بعد 19 عاما الى منح اللواء نفسه للدولة التركية الحديثة.

واستطاع الفرنسيون بسرعة تامة اخماد ”ثورتي“ الشمال والساحل السوريين، بسبب توقف دعم الكماليين لهما، ولم يبق أمامهم سوى اخماد تمرد حاجم بن مهيد، الذي رفض الإذعان لشروط الاستسلام وتسليم أسلحته، وواصل معاندته للفرنسيين الداعمين لزعامة ابن أخيه مجحم. لكن معاندته تلك بدت يائسة تماما، بعدما تخلى عنه الكماليون. فقد استطاعت القوات الفرنسية شق معسكره الداخلي عبر شراء ولاء بعض الزعماء الأكثر محلية من عشيرته، فاحتلوا مدينة رأس العين، ثم قصفوا مدينة الميادين بالطائرات، فانهارت قوات حاجم، وهو الشيء الذي مهد لدخول القوات الفرنسية مدينة الرقة في 16 كانون الأول 1921. ولئن فر حاجم الى منطقة طوال العبا، وسط الجزيرة، فقد لاحقته القوات الفرنسية واعتقلته، وتمت محاكمته في حلب، لكن ابن أخيه تدخل للإفراج عنه، وهو الشيء الذي تم، فقضى حاجم بقية حياته في مدينة حماة إلى أن توفي عام 1927.

ويذكر الباحث أن تدخل مجحم لدى الفرنسيين للإفراج عن عمه، كان فقط بهدف دعم مكانته الرمزية في السيطرة على كامل عشيرة الفدعان البدوية، وهي الرغبة التي تجاوب معها الفرنسيون.

هكذا بات مجحم الزعيم الأوحد لعشيرة الفدعان، والقوة العسكرية الضاربة لكافة القوى المتمردة على الانتداب الفرنسي في جنوب الجزيرة. وهو ما بدا خصوصاً حين هاجمت قواته عام 1924 عشيرة الجيس العربية/التركية المتمردة والمدعومة من الحكومة التركية، الشيء الذي امتد للهجوم على عشيرة شمر الخرصة، التي كانت على الدوام الجار اللدود لعشيرة العنزة العربية ولفرعها الفدعاني. والحال أن الصراع الدموي بين هاتين العشيرتين إنّما شكّل أساس كل التحولات الديموغرافية في سهوب وصحارى مناطق الحدود السورية العراقية لعقود وعقود.

لكن على الرغم من ذلك، فشل مجحم في بسط سيطرته العسكرية على كامل الجزيرة، بسبب الانقسام الدائم لعشائر العنزة الواقعة ضمن زعامته، وبسبب رفض القبائل الأخرى لهيمنة العنزة على زعاماتهم المحلية.

ومثلما عصف الانقسام البيني بقبيلة العنزة العربية، حدث شيء مشابه ضمن كافة العشائر العربية الكبرى في الجزيرة. فقد انقسمت شمّر الخرصة بين دهام الهادي وميزر المدلول، وانقسم الجبور بين الشيخ جميل المسلط وشقيقة عبد العزيز المسلط، وكذلك انقسمت شمّر الزور بين ميزر عبد المحسن ومشعل باشا، وانقسمت طيّ بين شيخها الشهير محمد العبد الرحمن وشيوخها الآخرين عبد الرزاق الحسو وحسن سليمان ومحمد الغنام.

حاجو أغا وعشيرة الهفيركة الكردية

تحتفي المرويات ”الوطنية“ السورية بـ”معركة بياندور“ التي حدثت في تموز 1923، حين هاجمت القبائل الكردية الهفيركية القادمة من الأراضي التركية بقيادة حاجو آغا الهفيركي، وبالتعاون مع زعماء وخيالة من عشيرتي شمّر الخرصة وطي العربيتين من سوريا، الحامية الفرنسية في تلك القرية الكردية في أقصى الشمال الشرقي من البلاد، وراح ضحية الهجوم عشرات الجنود والضباط الفرنسيين، وقد سميت تلك المعركة في الحوليات الفرنسية بـ”مذبحة بياندور“. وتحتفي المرويات الوطنية السورية بذلك الحدث كرمز للتعاضد ”الوطني“ العابر للحساسيات الإثنية في ذلك الإقليم القصي من سوريا الحديثة.

كان للحادثة تلك بُعدان آخران، لا يتعلقان بتاتا بالسرديات الرومانسية التي أتت عليها المرويات الوطنية السورية فيما بعد. فقد كان الكرد الهفيركيون بقيادة حاجو آغا يميلون للثأر من الإهانة التي وُجهت الى عشيرتهم من قبل ضباط الاستخبارات الفرنسية، الذين كانوا يبالغون في التنكيل بزعماء قرية بياندور من عائلة العباس المنتمية بدورها الى عشيرة الهفيركة، لأن الاستخبارات الفرنسية كانت تتهمهم باغتيال لطفي بك، قائمقام مدينة القامشلي. وبالتالي ما كانت مشاركة فرسان عشيرة الهفيركية سوى للثأر من الجنود الفرنسيين الذين أهانوا أفرادا من العشيرة ذاتها.

الأمر الآخر كان يتّصل بعلاقة حاجو آغا نفسه بالسلطات الكمالية التركية، وبالذات معتمد مدينة نصيبين التركية إسماعيل حقي كندس. فحاجو الذي كان حديث العهد بالزعامة على عشيرة هفيركة الكبيرة والمنتشرة على طرفي الحدود السورية التركية، كان يبتغي من ذلك تقوية شوكته وسيطرته على عشيرته. وقد قامت سياسة السلطات الكمالية الحاكمة على دعم جميع التحركات العسكرية

إذ تتحرش بالحاميات الفرنسية في الشمال السوري، طوال فترة العلاقات القلقة بين تركيا وفرنسا، إبّان 1922–1924.

يعتمد الباحث على تقارير الاستخبارات الفرنسية في تحليل الأساس الداخلي لموالاة حاجو آغا للسلطات العسكرية الكمالية ومواجهة القوات الفرنسية في تلك السنوات الأولى، لأن التصارع على زعامة الهفيركة كان على أشده حينذاك بين حاجو آغا وابن عمه صاروخان أوصمان، الذي كان قد فر من تركيا إلى الأراضي السورية، واضعا نفسه تحت حماية السلطات الفرنسية هناك.

سيعود حاجو آغا وعموم عشيرة الهفيركة لاحتلال المشهد السياسي في الجزيرة اعتبارا من النصف الثاني من العشرينات. فهذا الزعيم العشائري الذي كانت ممتلكاته ضمن الأراضي التركية بعد الحرب العالمية الأولى، سيتهمه الكماليون عام 1926 بالاتصال بالإنكليز عبر الضابط البريطاني الميجر س.ج. إدمونز، وذلك للإعداد لثورة جبل آغري الكردية الشهيرة بقيادة إحسان نوري باشا. وهذا الاتهام سيدفع بحاجو ومعه الكثيرون من أبناء عشيرته الى النزوح جنوبا، حيث امتداد عشيرته، وهي رقعة باتت جزءا من الأراضي السورية، بحسب الخطوط التي رُسمت بين الدولتين عقب الحرب العالمية الأولى. وهنا بالضبط، وطوال المرحلة الثانية من سيرة حاجو آغا الهفيركي، سيتحول إلى ”أيقونة“ في الوعي القومي الكردي، في سياقه السوري الحديث على أقل تقدير.

لقد لجأ حاجو آغا، في مرحلة نزوحه الأولى، إلى العراق، بحسب تفاهمات سرية بينه وبين الميجر البريطاني في العراق س.ج إدمونز، وطوال تلك الفترة بقي مانحا ولاءه التام للسلطات البريطانية. لكن البريطانيين ما لبثوا أن تخلوا عنه بعد أقل من عام واحد، نتيجة ضغوط كثيفة مارستها السلطات التركية، فعاد من جديد الى الجزيرة، مانحا ولاءه الكامل للسلطات الفرنسية هناك. وبذا يكون هذا الزعيم العشائري الذي رُفع أيقونة في الوعي الوطني السوري في إحدى مراحله، ثم في الوعي القومي الكردي في مرحلة أخرى، قد غير ولاءه السياسي والعسكري ثلاث مرات خلال أقل من سنتين، من الكماليين الأتراك إلى البريطانيين في العراق ومنهم إلى الفرنسيين في الجزيرة السورية.

واستطاعت الاستخبارات الفرنسية إعادة تهيئة حاجو آغا بعد أربع سنوات من ”مذبحة بياندور“ التي طالت الحامية الفرنسية في الجزيرة، وذلك في سعيها لتشكيل تحالف أرمني-كردي لموازنة الضغوط العسكرية الكمالية التركية. هذا التحالف الذي سيتوج بتأسيس ”جمعية خوييبون“ القومية الكردية/الأرمنية عام 1927، والتي ستتمحور قضيتها حول المواجهة العسكرية الكردية/الأرمنية للكماليين الأتراك. فقد سعى المفاوض الكردي في هذه الجمعية كاميران بدرخان بالتعاون مع زعيم حزب الطاشناق الأرمني هاراج بابازيان، لدى السلطات الفرنسية الراعية لهذه الجمعية، لإصدار عفو فرنسي عن حاجو آغا.

وأدت هذه الوساطة الى استقبال الفرنسيين له، حيث ملّكوه خربة قبور البيض اعتبارا من آب 1927، كما خصصوا له راتبا شهريا مقطوعا، وهو الشيء الذي حوله إلى أكبر الملاكين في الجزيرة، علماً بأنّه لم يكن يمتلك أية ملكية خاصة، بحسب المؤرخ الشهير مارتن فان بروينسن في كتابه ”الآغا والشيخ والدولة“. فمن تلك المنحة ومن خلال شبكة التعهدات التي منحها الفرنسيون لحاجو آغا، الذي كان يقوم بتزويدهم بالرجال للقيام بأعمال السخرة والبناء وشق الطرق، استطاع تملك أراضٍ كانت تعود بملكيتها إلى عشيرة الدوركانيين الكردية، وهم الذين خضعوا لجبروته المدعوم من السلطات الفرنسية.

لكن هذا التحالف الجديد بين حاجو آغا والسلطات الفرنسية لم يكن موجها إلا ضد ابن عم حاجو آغا وعدوه اللدود، صاروخان أوصمان، الذي سبق أن لجأ واستقر في قرية تل شعير في الجزيرة في ظل حماية السلطات الفرنسية له. إلا أن الأوضاع الجديدة دفعته إلى إعادة ترتيب ولائه والعودة إلى التحالف مع السلطات التركية على الطرف الآخر من الحدود، الشيء الذي أدى إلى تبدل الأدوار والولاءات بين زعيمي عشيرة الهفيركة الكبرى في أقل من عام واحد.

استغلال قوانين الملكيّة

لقد بدأ حاجو آغا سيطرته ”السياسية“ على العشائر الكردية المحيطة بمنطقة سيطرته المركزية، إما عبر المصاهرة أو عبر نفوذه المستقى من ولائه للسلطات الفرنسية، حيث تشير الوثائق الرسمية الفرنسية إلى أن ابنه، حسن حاجو، بات

رقيبا في فرقة الخيالة السيّار الفرنسية، وأن ابنه الآخر، جميل حاجو، صار عريفا في الكتيبة الفرنسية، وكذلك ابنه الرابع يوسف حاجو.

وفي الشق الاقتصادي، عملت علاقة حاجو آغا المتينة مع السلطات الفرنسية، على تمكينه من تملك مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الخصبة جدا والاستحواذ عليها، وقد طالت عشرات القرى التي كانت بالأساس مملوكة أو مسكونة من فلاحين أكراد، أو كانت أراضي أميرية تخضع علاقات فلاحتها للعُرف العثماني. ولئن استغل حاجو آغا، كغيره من الزعماء المحليين، ”قانون الملكية الزراعية 3339“ الجديد الذي أصدرته السلطات الفرنسية في أواخر 1930، فقد تملك من الأراضي ما حوّله من زعيم عشائري إلى إقطاعي ضخم الثروة، يتحكم بأرزاق آلاف الفلاحين الأكراد.

لكن زعامته المطلقة وتحوله إلى ”رمز قومي“ في الوعي الشعبي الكردي بسوريا لم تتأسس إلا بُعيد تحالفه السياسي مع رئيس بلدية مدينة القامشلي السرياني الكاثوليكي، ميشيل دوم، عام 1933. فقد استطاع هذا الثنائي جذب الكثيرين من الزعماء المحليين، والمطالبة الرسمية بالحُكم الذاتي للجزيرة على غرار اللاذقية وجبل الدروز المستقلين ذاتيا، في الوقت الذي كان مجلس النواب السوري يناقش مشروع المعاهدة الفرنسية السورية التي نصت في أحد بنودها على القبول بالحُكم الذاتي لهاتين المنطقتين.

وقد انطفأت جذوة تلك المطالبة بعدما رفض البرلمان السوري المعاهدة مع الفرنسيين عام 1933، لكنها عادت لتندلع عام 1936 أثناء المفاوضات بين وفد الكتلة الوطنية السورية ووزارة الخارجية الفرنسية، حيث أصدر الثنائي حاجو آغا وميشل دوم بالتوافق والتحالف مع محمود آغا الملي وحاخام القامشلي لليهود ومطران السريان الكاثوليك يوحنا حبيّ والكثيرين من الزعماء العشائريين العرب المحليين من شمّر وطيّ وجبور، ”مضبطة أعيان الجزيرة“ الرافضة للوحدة مع الدولة السورية، والمطالبة بدولة الجزيرة المستقلة ذاتيا تحت إمرة حاكم فرنسي، على غرار دولتي الدروز والعلويين.

وعلى الضفة الأخرى، فإن زعيم عشيرة شمر الخرصة العربية دهّام الهادي، ورئيس فرع الكتلة الوطنية في الجزيرة، كان يعقد مؤتمرا موازيا في قرية أزنود جنوب القامشلي، مع الكثيرين من الزعماء المحليين الذين كانت أغلبيتهم عربية مع حضور قليل للكرد والسريان الأرثوذوكس، حيث رفضوا ”مضبطة أعيان الجزيرة“ داعين إلى الاندماج التام لإقليم الجزيرة في الكيان السوري، ورافعين شعار ”الاتحاد المقدس“ و”الجهاد“ في مواجهة الغرباء.

هكذا انقسمت الجزيرة السورية المعقدة مذهبيا ودينيا وإثنيا وجهويا انقساماً شاملاً يتعدّى الموقف من ”الاحتلال“ الفرنسي إلى رؤيتها لشرعية الكيان وسلطة الدولة السورية الحديثة العهد.

ويبدو أن كثيرين من الزعماء المحليين العرب أخافتهم نزعات شيخ شمر الخرصة دهام الهادي، الذي كان يود أولا السيطرة المطلقة وفرض الإتاوات والطاعة عليهم. أما الزعماء المحليون الأكراد المنضمون إلى حلف الهادي، فكانوا متخوفين من نزعة حاجو آغا للهيمنة عليهم، وهو كان بدوره حديث العهد بمعادلات الزعامات البينية لأكراد سوريا.

على هذا الأساس جرت الانتخابات البرلمانية الشهيرة في تشرين الثاني 1936، وفازت ”القائمة الانفصالية“ المدعومة من حاجو آغا، لكن الحكومة السورية المركزية لم تقبل بنتائجها، فتفاقمت الأمور بحيث انفجر ”عصيان الجزيرة“ الذي طُرد بسببه الموظفون الرسميون بمن فيهم المحافظ من المؤسسات العامة، وتشكلت في كافة المدن والبلدات لجان محلية لإدارة شؤون تلك المناطق، وهو الشيء الذي ستعتبره المرويات القومية الكردية السورية فيما بعد، أولى حركات التمرد الكردية القومية على الكيان السوري ”العربي“.

لكن في تفاصيل الأحداث، تبدو جبهتا الوحدويين والانفصاليين موزعتين سواء بسواء على كافة القوميات والمذاهب والأديان والجهويات، كما يبدو أن الدينامية الأكثر حيوية في تحديد نوعية ولاء الزعيم المحلي لأي من الجبهتين ارتبطت بمدى ما يحققه ذلك له من زعامة وسيطرة على منطقة نفوذه وجماعته الخاصة. فأكراد مدينة عامودا مثلا، بقيادة عائلة الدقوري، وقفوا في ضفة النزعات الوحدوية مع الكيان السوري، وحدثت شبه حرب أهلية في المدينة عام 1937، أو ما سمي في المرويات المحلية بـ”طوشة عامودا“ حيث وقف أكراد المدينة إلى جانب زعامة دهام الهادي، وعاند سريانها ميول أكرادها فتعرضوا لمذبحة على يد الأكراد، ما اضطر السلطات الفرنسية الى التدخل وقصف عامودا بالطائرات، فقام أكراد من عشائر أخرى بنهب منازل العوائل الكردية التي تحالفت مع القوى ”الوحدوية“.

لقد تقلص نفوذ سائر القوى ”الانفصالية“، وبالذات منها زعامة حاجو آغا ومن بعده نجله الأكبر حسن، بسبب التفاهمات السياسية الكبرى أثناء الحرب العالمية الثانية، والتي أدت إلى مرونة فرنسية في إعادة ”لحم“ الكيان السوري بمركزية أكبر، ومن ثم الانسحاب من سوريا بُعيد الحرب مباشرة. وهو الشيء الذي سيدفع زعيم العشيرة الهفيركية ”القومي الكردي“ طوال الحُكم الفرنسي، إلى إعادة ترتيب كافة اشكال تحالفاته الاجتماعية والسياسية، لتناسب تماما الوضع الجديد. فسيغير حسن حاجو، الذي خلف والده في زعامة العشيرة الكردية الكبرى، تحالفه متحوّلاً عن الأعيان السريان والأرمن الكاثوليك إلى الأعيان الأرثوذكس، وبالذات عائلتي أصفر ونجار الواسعتي الثراء، واللتين ترأستا المجلس الملي السرياني الأرثوذكسي. وسيتعزز ذلك مباشرة بانضمامه الى حزب الكتلة الوطنية الذي أسسه نبيه العظمة، وسيكون الكردي الوحيد المشارك في المؤتمر التأسيسي لهذا الحزب المركزي، حزب الرئيس شكري القوتلي والبرجوازية المدينية الحاكمة وقتها، وسيغدو حسن حاجو عضوا في برلماني 1943 و1947، كما سينضم الكثيرون من أبناء العائلة إلى الجيش السوري ”العربي“، مثلما انضموا قبلا إلى فرق الخيالة الفرنسيين. وبذا ستعيد العائلة تركيب الدور التقليدي للزعامات المحلية في التوسط بين القوة المركزية الحاكمة والمجتمع المحلي، عبر الولاء للأولى والهيمنة والسيطرة على الأخيرة، سواء أكانت هذه السلطة تركية أم بريطانية أم فرنسية أم وطنية عربية.

وكمثل سيرة حاجو آغا والعشيرة الهفيركية، فإن جل الزعماء المحليين الكرد لم يكونوا إلا على ذلك السلوك من ”الغرائزية السياسية“، حيث كان الانشغال بالسيطرة المحلية وتأمين المصالح الاقتصادية، ما يشكل دينامية سلوكهم السياسي ومصدره. ولن يكون للدوافع الإيديولوجية والهوياتية القومية والدينية والكيانية إلا تأثير ضئيل.

فما ينطبق على حاجو آغا وعائلته ينطبق على عائلة محمود باشا الملي وعبد الباقي نظام الدين وآل دقوري ومصطفى باشا الكوجري وباقي الزعامات المحلية الكردية. ولم يختلف كثيراً تشكل الجماعة أو الجماعات المسيحية في الجزيرة في طور استقرارها المعقد وتمزقها بين نزعة قومية عميقة، كلدانية وآشورية وسريانية وأرمنية، ونزعة دينية مذهبية كنسية مقابلة، فضلاً عن الصراع المفتوح بين أرثوذكسية وكاثوليكية، أرادت أولاهما تمتين العلاقة مع القوى المحلية، لخوفها من الثانية المتحالفة مع القوى العسكرية الفرنسية.

[1] لجنة كينغ-كراين هي لجنة حكومية أميركية، أرسلتها الولايات المتحدة إلى المشرق العربي عام 1919، لاستطلاع آراء السكان المحليين حول مسألة الانتداب الأجنبي المتوقع لتلك البلدان الحديثة العهد.

 




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬