حسن داوود

في سنة ما سقطت الطائرة قرب ضيعتهم برهن أهل الشومرا أن لا أحد منهم يحبّ أحدا. كانوا يشون على بعضهم البعض كلّما أتى الإنكليز مع ترجمانهم ليسألوا أين هو الطيّار. حتى أنّ ديب حجازي وشى على أبيه بعد لكمتين انخضّ من قوّتهما رأسه. "أني يا ديب خبّيت الطيّار.. أني؟" صار يقول له أبوه أمام الإنكليز. وكان يجيبه إبنه "إيه إنتي". "ولك ديب، أنا؟" يعود يسأله أبوه، فيجيب ديب، مكلّما الإنكليز والترجمان: إيه هوّي، هوّي اللي خبّا الطيّار.

وذلك من فرط ما كان الضرب قويّا. "أوّل واحد أخذوه كان حسين إبن أم أحمد سكنة، ولمّا رجعّوه بعد يومين كان أطرش ما بيسمع شي". صار رفاقه في الضيعة يعلون أصواتهم ليسمع، وهو لا يسمع. ثمّ صاروا يحاكونه بالصراخ، وهو لا يسمع. وحين راحوا يصرخون في أذنه، في داخل أذنه، عرف السيد هاشم أنّه لن يسمع أبدا. قال لهم إنّه طرش وإنّ عليهم، ليُفهّموه، أن يحاكوه بالحركات.

كما إنّه كان مصدوما أيضا. ظلّوا نصف ساعة يسألونه، بتحريك الأيدي مصاحَبة بتحريك الشفاه، إلى أين أخذه الإنكليز. ولم يحصلوا منه إلاّ على تلك النظرة التي تبديه كأنّه يفكّر إن كان قد سبق له أن عرف هذا الذي يكلّمه. "أتركوه يذهب إلى البيت ليرتاح" قال لهم السيد هاشم. لكنّهم، بعد أن تراجعوا عنه مفسحين له الطريق، ظلّ واقفا في مكانه لا يتحرّك. "ضيّع البيت" قال واحد، وقال آخر إنّه يخاف أن يمشي لوحده، وقال واحد ثالث إنّه لا يريد أن يذهب إلى البيت فتراه أمّه سكنة مضروبا هكذا وأطرش.

"يمكن الإنكليز رجّعوه لأنّو بطّل يفهم عليهن ويفهموا عليه" أو "إنّن رجّعوه لَيْفَهّموا أهل الضيعة إنّن هيك رح يعملوا بالكلّ". وقد خاف الناس جميعهم. أولئك الذين سرقوا الألمنيوم من الطيّارة، وهم "خمس شباب، او ستّة ... أو لأ خمسة" هربوا أو اختبأوا. "يمكن حسين إبن أحمد سكنة فسّد عليهن تحت الأتل... ". في تلك الليلة الأولى هربوا إلى الخلالي وناموا فيها. بعضهم رجع في النهار، لكن إلى بيته ليعرف، حين يجيء الليل، أين يجب أن ينام.

"أحمد داوود كان متخبّي بالمغارة"، وقد وشى عنه أخوه الصغير من دون أن يعرف ماذا يفعل. كان في الرابعة أو الخامسة من عمره حين صار الترجمان يقول لأبيه إن الإنكليز يريدون أن يعرفوا أين هو إبنه أحمد داوود. "بالمغارة، تحت بالمغارة" قال لهم هاني الصغير. لو لم يدلّهم أخوه لما كانوا عرفوا مكانه أبدا. حتى أنّهم حين نظروا من فتحة المغارة قالوا بلغتهم إنها بئر ماء وإنّ الولد الذي أخبرهم صغير ولا يفهم. لكنّ أحدهم سمع شيئا. قال للترجمان أن يقول لأحمد داوود أنّهم عرفوا أين هو وليصعد من المغارة أحسن له. ثمّ قال له الترجمان بعد دقيقة أن يطلع وإلاّ فإنّهم سينزلون إليه ويغرّقونه في الماء حتّى يفطس.

ولأنّه لم يتأخّر كثيرا في الظهور من تحت الصخرة التي لا يغطّيها الماء، فكّروا أنّه استعجل في الظهور لأن هناك آخرين يختبئون معه. إطلع... إطلع، صار يقول له المترجم. وحين طلع ووقف أمامهم سألوه مَن يختبىء هناك أيضا. ولمّا قال إنّه اختبأ هناك وحده لكموه على وجهه. ثمّ لكموه مرّة ثانية من دون أن يسألوه عن شيء. ولما قال لهم أبوه إنّه لوحده وإنّهم يستطيعون أن ينزلوا إلى الغارة ليت... أسكته الضابط الإنكليزي . "إنتا ما خصّك" ، قال له، بعربيّة مكسّرة، لكن لئيمة أيضا.

قال أحمد داوود إنّه تأخّر عنهم في الوصول إلى الطائرة، وهو ، حين عرف عنها، كانت قد صارت مثل هيكل عظمي. كان أهل صفورية قد سبقوا أهل الشومرا إليها لأنّها سقطت في أرضهم. " ديب حجازي وحسين إبن أحمد سكنة وعلي قاسم وفايز الحج خليل ومحمد حسين فرحات توفّأوا بالألمينو لأنّن كانوا يمرقوا من حدّ صفّوريّة وهني ورايحين ليشتغلوا بسكّة الحديد حدّ عدلون. أنا لمّا رحت كانت الطيّارة خالصة". لكنّه تمكّن من أخذ شقف ألمنيوم صغيرة باعها لعلي ياسين بنصف ليرة. " كانت بتسوى أكتر"، لكن علي ياسين كان يسرق الألمنيوم من الذين يسرقونه. كان يشتري الكيلو بعشرة قروش "وأنا، لمّا عطاني نصّ ليرة، قللي إنّوا عميعطيني يّاها هيك، كرمالي".

أَركبوا أحمد داوود بسيّارتهم وأقعدوه بينهم وهو مبلول كلّه بالماء. صار أبوه الحاج أسعد يسألهم إلى أين سيأخذونه، وهم لا يردّون عليه. " قلّك خلّيك هون" ترجم له الترجمان ما قاله الضابط الإنكليزي بعدما رآه يلحق بالسيّارة ماشيا وراءها. على الطريق لم يكلّموا أحمد داوود أبدا، لا الإنكليز ولا الترجمان، وهم أيضا لم يكلّموا بعضهم البعض. كانوا يرفعون وجوههم إلى الأعلى ليبرّدها الهواء، والجنديّان اللذان أقعداه في الوسط بينهما صارا يزيحان عنه لكي لا يبلّل الماء ثيابهما.

حين وصلوا به إلى معسكرهم الذي في عين الحلوة رأى حسين جعفر الذي يكبره بسنة وأربعة أشهر موجودا هناك عندهم. كان مشنوقا من رجليه ويداه مربوطتان بحبل. "موّتوني من الأتل" قال لأحمد داوود الذي أبعد نظره عنه لأنّه استحى أن يراه مثلما خلقه ربّه. ثم صار حسين جعفر يبكي وهو مقلوب رجلاه في الأعلى ورأسه في الأسفل، ويحلف بأنّه لم يفعل شيئا ليعذّبوه هكذا.

وفي الشومرا صاروا يفزّعون بعضهم البعض بالإنكليز. إذا قال ولد أمامهم "إجو" يروحون يتلفتّون حولهم مستعدّين ليهربوا. السيد هاشم صار يخاف مثله مثل غيره والأولاد رأوه أكثر من مرّة يمشي مهرولا مثل ولد عمره خمسة عشر سنة. من كان يزيد في تخويفهم الترجمان الذي صار يأتي إلى الشومرا لوحده ليقول لهم إنّ الإنكليز سيأخذون كلّ من يُذكر لهم إسمه في التحقيق. " بدّوا مصاري... يجرّب حدا يعطيه مصاري" قال لهم السيد هاشم. لكن أحدا لم يجروء على ذلك "لإنّو اللي بيعطيه بيكون عمبيقول إنّو عامل شي."

لمّن شفنا الإنكليز جايين من النقيعة ومعن مكنة شحن فاضية إلنا إنّن رايحين يضبّوا كلّ النيس... أبّعنا كلنا بالركد". الكلّ هربوا. السيد هاشم راح يركض باتجاه أرض السبيل وهو يغلق عباءته بيد ويمسك طربوشه بيده الثانية. "أني وفايز الحاج خليل ركدنا وصرنا نأول لبعضنا إنّا مش رح نرجع عالشومرا. ما تطّلعش لورا، صرت إلّو لإنّو كل ما ركد أربع خمس فشخات يبرم ويصير يتطلّع وراه. وصرت إلّو عجّل، ولك عجّل. لمّا وصللنا عخلّة الدئميأة شفنا ديب حجازي مخبّا بلَطْوة الصخرة. أوم... أوم إلتلّو. ألّو فايز الحج خليل من ورايي إنّن جايين يضبّو كلّ الضيعة. ركد معني. من خلّة الدئميأة لخربة لإطينيّة لضهر بوغبرة للئلوع. كلّ نتفة نحنا وعمنركد يْأول فايز الحج خليل معشّ فيّي. وكمان يأول عطشت بدّي إشرب. ولمّا وصلنا عنبعة الزغيرة آل بدّو يِئعُد يرتيح.

ليلتها نمنا بالئلوع، بلا أكل. الصبح لمّا فِئنا ألّي فايز الحج خليل: شو بعدك فزعان؟ تطلّعت بديب حجازي وإلتلّو: سامع الخرا، آل إني فزعان. كرهتو.صار بدّو يتمسخر عليّي كيف خلّيتو يركد من الضيعة عالئلوع.

أخذوا في الشاحنة أربعة: محمد حسين فرحات وثلاثة لا دخل لهم بالألمنيوم. محمد حسين فرحات كان مختبئا بالتبّانة وما كان الإنكليز ليهتدوا إليه لو لم يفسّد عليه أحد. بعد أن رحلوا بسيّارتهم وشاحنتهم جاء أبوه إلى الساحة وصار يقول إنّه سيعرف من فسّد على إبنه. وهو راح يصرخ ويسبّ الناس في الضيعة لكن من دون أن يُسمّي أحدا. ثمّ صار يقول "وينو هالترجمان الكلب بدّي إحرُء دينو". ثمّ قال إنّه سيقتله حين يجيء إلى الشومرا. ثمّ قال إنّه، هو الترجمان، يأتي إلى الشومرا ليضحك عليهم. ثمّ قال "خمس وعشرين ليرة أخو الشرموطة... خمس وعشرين ليرة أخد". وبعد أن كان يسبّهم عاد يقول إنّ أهل الضيعة يجب أن يقتلوا الترجمان ويقبروه في أوّل مرّة يأتي لينصب عليهم.

وحين صار يقول بعد يوم إنّ على أهل الضيعة أن يجمعوا من بعضهم الخمس وعشرين ليرة قالوا إنّه فقد عقله وجنّ. "لو ما دزّوا عليه ماكنتش حكيت"، كان يقول مصرّا على أخذ الخمس وعشرين ليرة. فوق الدرب العالية التي جعلوها بدل الساحة لأنّهم منها يستطيعون أن يروا مجيء الإنكليز وهم بعد في الوادي، صاروا يبتعدون عنه. واحد يقول له "أمعيش ولا إرش"، واحد آخر يُخرج أمامه جيبي شرواله ليريه أنّهما فارغتان، واحد ثالث يمسك بإصبعين طرف سنّه ويشدّہ بنترة واحدة ليبدو كأنّه يقلعه. ولمّا بدا له أن لا أحد سيردّ عليه بدأ يقول إنّه سيدزّ عليهم عليهم مثلما دزّوا على إبنه. وراح يقول إنّه باق هنا حيث هو حتى مجيئهم. "لا حول ولا قوّة إلّا بالله" قال السيّد هاشم فيما هو ينفض يمسّح يديه واحدة بالأخرى مفهما إياهم أنّ حسين فرحات نفّض ولم يعد في رأسه شيء. ثمّ قال لهم أن يدبّروا له المصاري علّه يرضى ويسكت.

ركضوا كلهم لملاقاة الشابين اللذين ظهرا لهم قادمين من أوّل الوادي. على الطريق النازلة إلى هناك من النْأيعة أخذوا يتحزّرون، فيما هم يركضون أو يهرولون، فيسمّون كلّ الذين أخذهم الإنكليز. واحد يقول "هِيدا أحمد داوود... عرفتو من مشيتو" ثم يجيبه آخر "واللي معو حسين جعفر". ثالث يقول إن ذاك الطويل هو محمّد حسين فرحات، ليضيف بعد ذلك أنّ "الترجمان طلّعو".

في أربعة أيّام فقط ضعف كلّ منهما لا أقلّ من 15 كيلو. كانا جلدا على عظم وإن كان رأساهما كبيرين كأنهما لبسا طاسات فوقها. "وينو محمّد؟" ، قال لهما أبوه حسين فرحات. وإذ لم يُجيباه لأنّهما كانا يتطلّعان بالناس الذين تجمّعوا حولهما وصاروا يبحلقون في وجهيهما، عاد وسألهما مرّة ثانية، في وجهيهما هذه المرّة، وبصوت بدا به كأنّهما يهدّدهما: "وينو محمّد .. كيف جيتو وتركتوه؟". ولّمّا لم يجيبوه، من لبكتهما هذه المرّة، قال إنّه ذاهب إليهم، إلى الإنكليز، ومشى بالإتّجاه الذي جاء منه الشابّان، مسرعا في الخطوات الأولى، تلك التي كان يهزّ معها كتفيه لكي يُبعد عنه الذين لحقوا به ليُرجعوه.

" خلّيهن يرتاحو بالأوّل"، صاروا يقولون لبعضهم البعض قبل أن يفسحوا لهما الطريق ليسيرا في الأمام. وإذ قال أحدهما، وهو جعفر إبن الحجة خشفة، أنّه عطشان، طلع صوته ناشفا كأنّه لم يشرب ماء من شهر. "حطّولن شي عراسن"... "حدا يركد يجيب مَيّ من بيت شملكين بالنأيعة"... "هنّي ما عملوش شي، عشان هاك رجّعوهن". "ما عملناش شي"، قال الراجع الثاني، علي الزطّ، الذي ولد حين كان أبوه في عمر السبعين. وقد طلع صوته ناشفا أيضا، كأنه يعلك شقفة كرتون.

كان الإنكليز قد حذّروهما من الحكي، وهم قالوا لهما أنّهما سيرجعانهما إلى الكمب إن قالا شيئا. لكن، مع ذلك، إلتفت علي الزط إلى حسين سعدى الذي كان ماشيا بقربه وقال له إنّ أحمد داوود صار بلا أسنان، ثمّ دلّ على ذلك بمدّہ إصبعه إلى فمه ليمسح به صفّ أسنانه التي كشف شفتيه عنها. ثمّ قال بعد دقيقة، مقلّدا كيف يحكي أحمد داوود: "عطثين بدّي إثلب بيقول لمّا يكون بدّو يشرب". لكنّه عاد وسكت حين سأله حسين سعدى عن الآخرين، ليس من خوفه فقط، بل لأنّه لا يحبّ أن يحكي إلا ما يخطر على باله. بعد أن شرب أكثر من ثلاثة أرباع الإبريق على مصطبة شملكان، وأكمل مشيه مع الجميع بعد ذلك، راح يفتّش بعينيه عن حسين سعدى ليحكي له. وقد عاد حسين سعدى ، حين رآه يبحث عنه، من مطرحه، ليمشي بجانبه. "حسين جعفر ما تحمّلش الأتل، جابولو الحكيم ليحكّموا...". وكان سيزيد شيئا عن حسين جعفر لو لم ينتبه إلى أن إثنين من ورائه كانا مقرّبان اذنيهما إليه ليسمعا. "بعدين... بعدين"، قال لحسين سعدى الذي وافقه بهزّ رأسه مرّتين.

"بدّن الطيّار" قال علي الزطّ، وقد أيّده بعد ذلك جعفر إبن الحجة خشفة بأن قال أنّهم " مش عميسألو عن الألمينو أبدا". حتّى أنّ الإنكليزي الذي كان يقف بقربهم وهم يتعذّبون كان يسألهم، بالعربي، "فينو طيّار..فينو؟". كما أنّه كان يوَطّّي رأسه ليصير وجهه في وجوه المشنوقين من أرجلهم ويقول لهم "نو طيّار إنتا بيموت".

حين رجع محمّد حسين فرحات إلى الشومرا لم يكن لوحده. رافقه الترجمان، ليس من مفرق الضيعة فقط بل من أوّل طريق عين الحلوة حيث أفلته الإنكليز. كان أبوه نائما في بيته حين وصلا، وإذ أرسلوا أحدا ليوقظه قال الترجمان إنّه يحبّ أن يسلّمه إبنه في بيته. ثمّ قال لمحمّد حسين فرحات، الذي كان ضعيفا لكن لا أثر للضرب على وجهه، "ياللا خدنا على البيت". خدنا يعني يأخذهم كلّهم. كان الترجمان يقصد ذلك من أجل أن يعتمد عليه أهل الضيعة. وقد دخلوا جميعهم إلى حوش حسين فرحات الذي كان أفاق من نومه ووقف على المصطبة حافيا وبلا كوفيّة تغطّي رأسه. وبينما كان الواقفون في الخلف يقولون "واللا الخمسا وعشرين ليرة اشتغلت" أو "مشي حالو البرطيل" أو " الترجمان تبرطل وبرطل"، قال حسين فرحات من حيث يقف على المصطبة، " تأخّرت عليه يا جورج" ، مكلّما الترجمان. وقبل أن يردّ الترجمان بشيء طلع صوت من وسط الواقفين في الحوش: "وهوليك؟".

لم يجبه الترجمان لكنّه، بعد دقيقة، قال لحسين فرحات: "شو بنبأى هيك برّة؟"، قاصدا أن يكون في داخل البيت مع حسين فرحات وإبنه وحدهما. لكن، عندما صعد إلى المصطبة، لحق به الذين في الحوش. وعندما دخل إلى الغرفة دخلوا معه وهم سدّوا بابها من كثرتهم.

هناك، أمامهم جميعا، بدأ يحكي عن الإنكليز. قال إنّ ما يهمّهم هو أن يعرفوا أين هو الطيّار، وهم سيظلّون "يحقّقون" مع الناس حتّى يجدوه. "فيهن ينزّلوا كلّ الناس عالكمب، كبار زغار ما بتفروء مَعُن، المهمّ بدّن الطيّار...". قال أيضا أنّهم حين يحقّقون مع أحد لا يتوقفون عنه حتى يأخذوا منه كلّ شيء وأنّهم لا يراعون أحدا وأنهم... " إي ومنان بدنا نجِبْلهُن الطيّار" قال واحد قبل أن يستدير من حيث يقف قرب الباب ليخرج. وقد تبعه آخرون إلى الحوش قائلين لبعضهم البعض إنّ الجوّ "بالأوضا بيفطّس من كتر العجْأة".

خوّفهم الترجمان أكثر مما كانوا خائفين، لكنّهم، مع ذلك، قالوا إنّه فعل ذلك "لإنّو بدّو مصاري". وهو، فيما كانوا ينظرون إليه خارجا من الضيعة، واعدا إيّاهم بأنّه سيعود إلى زيارتهم ولن يتركهم، صاروا يقولون بأنّه سيجيء لينهبهم العكروت إبن الحرام. "خمسا وعشرين ليرا؟ إي ومين معو خمسا وعشرين ليرا"، بدأوا يقولون متشكّين مما أصابهم. ثم بدأوا يسألون مستفهمين: "طيّب بياخد غراض؟" أو "بيئبل مونة؟"

قال محمد حسين فرحات إنّهم لم يضربوه كما ضربوا غيره وإنّهم لم يشنقوه من رجليه. "كلّهن علّأوهن"، راح يقول للذين صاروا يمشون معه ليخبرهم عن كلّ شيء هناك: "متل الغسيل اللي بينشروه، بسّ عالخطّافيت مش عالحبل". "كلّن مع بعضن؟" يسألونه. "لأ، يشيلو واحد ويحطّوا واحد" يجيب. وحين يسألونه "من عمياكل أتل أكتر أهل الشومرا واللا أهل الصفّورية" يروح يجعل نفسه كأنّه يتذكّر أو يفكّر، أو يعدّ، إذ كان، فيما هو يصفن في الهواء، يحرّك إبهامه إلى الجهتين، مرّة إلى جهة أهل الشومرا ومرّة إلى جهة أهل الصفّوريّة. "يمكن أدّ بعضن" يقول، "بسّ أهل الشومرا كانوا ينوجعوا أكتر".

وكان يظلّ يكسدر في الطرقات، ماشيا على مهله، حين يكون لوحده ليس معه أحد. وكان، ليفرجيهم أنّ الوضع طبيعي بالنسبة له، يقف مثلا لينظر إلى الشجرات التي تحت السبيل كأنها تعجبه، أو يرفع رأسه بعد أن يكون قد وقف ليتذكّر شيئا، ثم يعود ماشيا من حيث أتى. " كإنّو مفكّر إنّو هالخمسا وعشرين ليرا مش راح تخلص" كانوا يقولونمنكّتين عليه.

ثمّ تحوّلوا إلى أن يقولوا لبعضهم البعض أن لا يتكلّموا معه بشيء، إذ يمكن أن يكون الإنكليز قد جنّدوه جاسوسا يتجسّس عليهم. "مبارح شفتو وائف تحت شبّاك حسن الحج... وائف مش عميعمل شي" أو "بو رائف شافو المغرب ماشي لورا النأيعة وعميطّلع حواليه"، أو "مدري وين كين اليوم الصبح مَحَدَنْش شافو".

وما جعلهم يزدادون شكّا فيه وصول المترجم إلى الساحة وقوله للناس الذين سلّم عليهم إنّه سيذهب إلى بيت محمّد حسين فرحات، هكذا مسمّيا البيت باسمه لا باسم أبيه. "بدهن يعملو إجتميع" قال واحد منهم فيما المترجم يتقدّم ماشيا باتجاه البيت. ثمّ قال آخر، ضامّا حسين فرحات إلى الإجتماع: "أبتعرفش، يمكن بيّو عمل جاسوس متلو". وفيما كان "الإجتماع" قائما في البيت الذي لا يبعد عن الساحة أكثر من دقيقتين كانوا هم يتكاثرون في الساحة. "بكرا حسين فرحات بيدزّ علينا كلّني" صاروا يقولوا متذكّرين فصولا ممّا كان يفعله. "إجو... إجو..." قال، راكضا نحوهم، مَن كان يقف تحت شبّاك البيت محاولا أن يتنصّت عليهم. كانوا هم الثلاثة: الترجمان وحسين فرحات وأباه، ماشين معا. ولمّا وصلوا إليهم وصاروا أمامهم صار المترجم يتطلّع في وجوههم كأنّه ينتظر أن يقولوا له شيئا. وكانوا ينتظرون هم أيضا أن يقول هو لهم شيئا. لذلك طال وقت سكوتهم إلى أن قطعه واحد منهم: "هوليكي شو؟... شو صار فيهن؟".

كان بعض منهم قد جمعوا ما أمكنهم من المصاري. بل إنّ بعض هؤلاء كانوا حاملين المصاري معهم، فيما هم يقفون أمامه، وإن كانوا لن يخرجوها من جيوبهم. ألذين كان أولادهم محبوسين في الكمب كانوا يقولون إنّهم لن يعطوه شيئا لأنّ أولادهم "أكلو الأتل وخلصو" ولن يعود الإنكليز إلى ضربهم بعد أن حقّقوا معهم. أمّا الذين لم يؤخذ أولادهم فراح الواحد منهم يفكّر أنّه سيعطيه فقط إن جاء الإنكليز وأخذو أحدا من أولاده، هكذا مثلما فعل حسين فرحات حين أخذوا إبنه. أمّا أن يعطوه هكذا مسبقا فيعني ذلك إنّهم يعطونه هكذا على الفاضي، فيقبض منهم العكروت إبن الحرام ولا يكون إبنهم مطلوبا.

"بعد ما عرفو شي عن الطيّار"، قال لهم فيما هو ينقّل نظره بينهم. ثمّ أضاف بعد أن حملق في وجوههم: "أهل الصفوّريّة (يقصد المحبوسين منهم) بيأولو إنّو مع أهل الشومرا، وأهل الشومرا بيأولو إنّو مع أهل الصفّوريّة... وكلّهن الملأوطين تحت بيأولو ما خصّهن...يعني شو؟".

– يعني بدّن يضلّوا ياخدو عالم، قال حسين فرحات الواقف ما زال بجانب الترجمان.

– حرام هالشباب... وحرام إنتو كمان، لإنّو الجماعة مش رايحين يسكتو. بدهن الطيّار يعني بدهن الطيّار، إنتو ما بتعرفوهن... أنا باعرفهن، كبار زغار رجال نسوان ما بتفرؤ معن.

– النسوين، أعوذ بالله، شوهالبليّة اللي نزلت علينا، قال السيد هاشم من حيث يقف في صفّهم الأمامي، لكن ليس في وسطه إذ لم يعد هو يطلب من الناس أن يسلّموا له وينتظروا أن يقول لهم ماذا عليهم أن يفعلوا. بل كان يمكن له أن يكون واقفا وراء هؤلاء الذين في الصفّ الأوّل، يرفع رأسه إلى الأعلى إن سدّ عليه الرجل الواقف أمامه رؤية الترجمان.

– أنا بساعد، قال الترجمان مبرهناً على ذلك بالتفاته إلى حسين فرحات وإبنه الواقفين معا بقربه. "أنا بساعد، بس إنتو بالأوّل لازم تساعدو حالكن. لازم تعرفوا وينو الطيّار وتأولو وينو...".

– نحنا ماخصّنيش، يروحوا يجيبوه من الصفّوريّة، قال، بنبرة متحدّية، واحد من الواقفين في الوراء، وقد بدا بنبرته تلك كأنّه يتحدّى الترجمان. كأنّه يقول له: رح جيبو إنتي من الصّفوريّة.

ثمّ صار الذين هناك في الوراء يحاكون بعضهم البعض وترتفع أصواتهم ثمّ يعودون إلى خفضها. بل وصار الذين في الأمام يلتفتون إليهم التفاتات تطول، بل يمشون إليهم من حيث يقفون تاركين الترجمان لا يعرف إن كان عليه أن يتكلّم أو أن يقف هكذا في مكانه لا يعرف ماذا يفعل.

وقد تفرّق أكثرهم عنه، فيما تقدّم الباقون ليصيروا قريبين إليه يكلّمهم كأنّه يكلّم كلّ واحد منهم بمفرده. وهو لم يعجبه ذلك. لم ينتظر أن يأخذوا أماكنهم حوله. أدار وجهه إلى حسين فرحات، ثم إلى إبنه، ثمّ إلى حسين فرحات: "أنا بِدّي إمشي"، قال له كأنّه يسأله إن كان هو وإبنه يمشيان معه ليوصلاه إلى النقيعة أو إلى الوادي الذي بعدها.

في اليوم التالي جاء الإنكليز: شاحنة وسيارتين ودبّابة كانت تسير خلف بعضها البعض على مهلها. "معهن دبّابة"، صار يقول الواقفون في الساحة مرّة بعد مرّة كأنّهم يُخيفون أنفسهم من أجل أن يكون هربهم سريعا. حتى أنّهم، فيما هم يركضون من الساحة باتجاه الخلالي، صاروا يصرخون بأصوات عالية لكي يسمع أولئك الذين في البيوت: "معهن دبّابي" يقول واحدهم في صراخه، ثمّ يكرّر، لأولئك الذين سمعوه ولم يفهموا: "ولك دبّابي،معهن دبّابييييي...".

حين وصل الإنكليز رأوا الساحة خالية لا أحد فيها. كان الصوت يطلع قويّا من الموتورات التي أبقوها تهدر حتى بعد أن نزلوا منها متطلّعين في الإتّجاهات حولهم. ظلّوا متوقّفين هناك في الساحة حوالى عشر دقائق أو ربع ساعة راحوا في أثنائها يمشون، حاملين بواريدهم، إلى مفارق الزواريب، يقفون عند مداخلها أو يمشون فيها خطوات ثم يرجعون ليقولوا للضابط إنّهم لم يجدوا أحدا. ثمّ قال لهم الضابط، فيما هو يهزّ رأسه مثلما يفعل من يتوعّد ويقول "سأفرجيهم"، أن يصعدوا كلّهم إلى أماكنهم. لكن بدلا من أن تسير قافلتهم مكملة الطريق إلى الساحة التحتانيّة الصغيرة لتصير هناك بين البيوت، نزلت باتجاه بركة الماء حيث توقّفت لأقلّ من دقيقة ثمّ أكملت سيرها إلى الغبرة، المطلّة على الضيعة وليس فيها إلاّ بيت واحد هو بيت أبوقاسم عوالي. هناك لم ينزل إلا الضابط مع إثنين من الجنود راح الضابط يكلّمهما وهو يشير بيده إلى الضيعة وإلى التلال التي حولها. ثمّ بعد ذلك راح ينظر بالناظور. ثمّ أعطى الناظور لأحد الرجلين لينظر فيه هو أيضا. ثم رجعوا هم الثلاثة إلى أماكنهم. وإذ بدأوا يديرون الدبابة والشاحنة والسيّارتين إلى جهة الطريق قوي الهدير وصارت الدبابة والشاحنة كأنهما تجعران من قوّتهما.

من الغبرة عادوا من الطريق ذاتها التي ذهبوا منها. لم يبطئوا سيرهم عندما وصلوا إلى بركة الماء وهم، في الطلعة التي بعدها، أطلعوا دخانا كثيرا من الدواخين. ولمّا وصلوا إلى الساحة توقّفوا، في وسطها. وبعد قليل أطفأوا محرّكاتها ما عدا سيّارة الجيب التي في الأمام. لكن مع ذلك هدأ الجوّ وصارت تُسمع أصوات الصراصير ثمّ أصوات العصافير. المختبئون في البيوت فكّروا أن الجنود سيبدأون الآن هجومهم وأخْذَ من يقبضون عليه إلى الشاحنة. ثمّ فكّروا أن الدبابة والشاحنة وسيارة من السيارتين سترابط في الضيعة، وذلك حين تحرّكت السيّارة الأولى، تلك التي أبقوا محرّكها يدور، مسرعة كأنّها ستعود إلى الكمب وحدها.

لكنّها عادت بعد أن وصلت إلى تلّة النفيس، المطلّة على الضيعة أيضا لكن لم يعمّر أحد بيته فيها. ولما صارت أمام قافلتها استدارت في مكانها لتعود إلى مطرحها في المقدّمة، ثمّ عاد الهدير قويا ضخما من جديد.

قال لهم الترجمان إنّهم إمّا سيهجمون على الضيعة بالدبابات التي سينزلون بها من الغبرة والنفيس، وإما سيقصفونها من الجو بالطيّارات. "كلّ البيوت؟" سأله قاسم زعرور الذي كان مستندا إلى حائط بيته، هناك في الساحة. "لأ... يمكن لأ" أجابه الترجمان. وقد استحى قاسم زعرور أن يسأله، ولو بالتلميح، أيّ البيوت هي التي سيقصفونها لأنّه سيبدو كأنّه يسأل عن بيته فقط ولا تهمّه بيوت الضيعة الأخرى. "طيّب إزا طلعو علينا الطيّارات كيف بدنا نعمِل؟" سألت زوجة قاسم زعرور عن المصطبة التي كانت تقف عليها ساندة كتفها بطرف الحائط.

"عندك منديل أبيض؟" سألها الترجمان مع أنها كانت ترتدي واحدا على رأسها.

– عندي

– هاتيه

ولم تتردّد زوجة قاسم زعرور. ذهبت إلى داخل بيتها ثم خرجت منه لتعطي الترجمان المنديل الذي كانت ترتديه وقد غطّت رأسها بقماشة نيليّة كان عليها، لصغرها، أن تمسك طرفيها وتشدّهما شدّا إلى ذقنها. ومن حيث كانت تقف على المصطبة، قرّبت المنديل لزوجها ليعطيه للترجمان.

– بدّك تفلشيه، قال فيما هو يتطلّع بالمنديل من ذلك القرب تاركا يديه الإثنتين تنقّلانه من جهة إلى جهة، ثمّ يقرّبه من عينيه مرّة بعد مرّة... "رَحْ يخْوت جوزها" قال واحد من الواقفين بصوت ربما وصل إلى أذني قاسم زعرور الذي قال للترجمان فيما هو يتقدّم إليه مادّا يديه: "خلّي عنّك أني بسوّيه". لكن الترجمان، وقد صار المنديل منفلشا بين يديه، أزاح قاسم زعرور بحركة من كتفه: "شوفي..." قال للمرأة التي ما زالت شادّة طرفي القماشة حول ذقنها، " بدّك تلوْحي فيه هيك"، ثمّ راح يلوّح به في الهواء ناظرا إلى المرأة وإلى الرجال الواقفين أمامه، الناظرين إليه ساكتين رغم أنّهم يعرفون مثلما يعرف هو ما يعلّمهم إيّاه.

– هيك بدّك تعملي لمّن بتِجي الطيّارة.

وقد بيّن الترجمان عن هبله لأهل الضيعة. " شو مفكّرنا حمير، الحمار" صاروا يقولون ليردّدوا بعد ذلك أنّهم "ظمتوا" بتأجيلهم إعطاء المصاري له مرّة بعد مرّة. وكان هو قد يئس أصلا من ذلك، وإلاّ لم يكن ليقول إنّ الإنكليز سيهجمون عليهم بالدبّابات والطائرات. "كان مفكّر يمكن إنّو بدنا نجمعلو مصاري من كلّ الضيعة؟" راحوا يسألون بعضهم بعضا منكّتين مستهزئين. أو يقولون إنّه هو الأهبل سيمنع الإنكليز من ضرب الشومرا!؟

لكنّهم، مع ذلك، راحوا في بيوتهم يفتّشون عن مناديل عتيقة أو قطع قماش بيضاء يمزّقونها من الشراشف، أو يتركون الشراشف كما هي ليلوّحوا بها كلّها فتراها الطيّارات مهما كانت علية في الجوّ. أمّا الدبابات فيستطيعون أن يتّقوا خطرها بأن يهربوا من لحظة ما يشاهدونها آتية من الوادي.

2

بعد أن حلّ عنهم الإنكليز عرف أهل الشومرا أنّ تفاخرهم بقوّة أجسامهم لم يكن إلا وهما. كلّ الذين أخذهم الإنكليز رجعوا معطوبين. حسين إبن إم أحمد سكنة، الذي جاء أطرش من عندهم ظلّ أطرش ولم يرجع إليه سمعُه أبدا. أحمد داوود الذي كان يمشي مكسدرا على طرف البركة مشمّرا عن زنديه ومغنّيا لبهيجة بصوته المخنخن (مثل صوت الدبّور بالجرّة، كما كانت تقول هي)

عالعميّم عالبركي ورميتني بالجانركي

يحرىء ألبا شو حركي ساعة ما خلّتني نام

أحمد داوود كان يصرخ حتّى من لطمة الكفّ على خدّہ ووجهه ويقول "يا إمييييييي" لكي يشفق عليه الإنكليز. وحين رجع إلى الضيعة صار يشتغل مع أبيه ويقعد في البيت بعد الظهر لكثرة ما كان مستحيا من تكسّر أسنانه (وهو ظلّ هكذا بلا أسنان حتى سنة 1946 حين أخذه أبوه إلى حكيم في صيدا وركّب له وجبة بعد أن قلع أرميّات أسنانه المكسّرة). علي زبيب الذي أخذوه مع محمد حسين فرحات ولم يرجعوه إنكسرت يده والتوت فصارت كفّه ممدودة إلى الوراء كأنّه يستعطي من الذين يمشون وراءه ولا يرون وجهه. كما أنّه لم يعد يستطيع أن يحمل شيئا بيديه الإثنتين. حسين جعفر لم يتحمّل الضرب أبدا فكان يغمى عليه والإنكليز يقولون إنّه كان يكذب عليهم فيصيروا يضربونه وهو مغمى عليه. وحين مرض عرضوه على حكيم الكمب الإنكليزي فصحّحه لكنهم عادوا يضربونه بعد ذلك. ولما صار يقول لهم إن الطيّار موجود في الخلالي بين الشومرا والكوثرة كانوا يصدّقونه، فيأخذونه إلى هناك لكي لا يجدوا الطيّار. وحين يرجعونه إلى الكمب ويبدأون الضرب يقول لهم إنّ أهل الكوثرة نقلوه من هناك لكي لا يجده الإنكليز قريبا من أرضهم فيبدأون التعذيب بهم. وكانت أمّه سكيبة تظلّ تبكي لأنّه كان ولدها الوحيد وهي، بعد أن صاروا يحكون أنّ الترجمان يأخذ مصاري ليتوسّط للأولاد، إنتظرت مروره من أمام بيتها وقالت له إن ليس معها مصاري لتعطيه. وهي، بدل المصاري، قالت له إنّها ستعطيه البقرة وعِجلتها. بل إنّها جاءت بالبقرة مربوطة برسنها وعجلتها تتبعها بلا رسن وقالت له، بعد أن كان قد مشى ذاهبا إلى أرض العريض، خذ البقرة... خذ البقرة. وقد ردّها عنه حسين فرحات الذي كان ماشيا معه من دون إبنه. وحين رآها حسين فرحات بعد الظهر، وكان قد رحل الترجمان، قال لها: "شو إنتي خوتا لتعطيه بَأَرة للزلمي".

حين مات إبنها أرسلوا الترجمان لكي يقول لها أن تنزل إلى الكمب في عين الحلوة لتأخذه. وهي نزلت إلى هناك وحدها إذ لم تستطع في ذلك اليوم أن تبلّغ عمّه الذي كان يشتغل في محّل خرضوات في بيروت ولم يقبل أن ينزل معها أحد من الشومرا.

بعد سنوات على رحيل الإنكليز ظلّ أهل الشومرا يروون حكاياتهم عن الطائرة والطيّار متفرّقة نتفة من هنا ونتفة من هناك. أحمد داوود يحكي كيف ظلّوا يضربونه حتّى كسّروا أسنانه ليقول في آخر حكايته، أو قبل آخرها بقليل، إنّه كان لمّا يسمع صرخات حسين جعفر كان يقول في نفسه إنّه سيموت من الضرب وسيموت هو من بعده. علي زبيب لم يكن يخبّر شيئا عن يده الملويّة إلى الوراء لأنّه ظلّ يستحي من نفسه كلّما انتبه إلى أحد يحدّق فيها. أمّا أهله فكانوا يقولون إنّ الإنكليز عذّبوه ولووا يده وإنّ حسين جعفر مات من تعذيبهم. أو يقول بعضهم إنّ قطعة كبيرة من حديد الطائرة أخذها أهل حبوس وهم نقلوها إلى ضيعتهم على ظهر جمل. كما قال أحدهم إنّه ظلّ محتفظا بشقفة ألمنيوم في جورة قرب بيته على رغم الغارات التي كان يقوم بها الإنكليز. كانت كلّها حكايات متفرّقة لا شيء يجمع بينها أو يسلسلها مثلما يفعلون المتعلّمون في هذه الأيّام حين يسلسلون التاريخ. شقف متفرّقة، واحدة من هنا واحدة من هناك. مثل ألمنيوم الطيّارة التي كان يقول أهل الصفّوريّة إنّ أهل الشومرا أخذوا أكثرها فيما يقول هؤلاء الأخيرون إنّ أهل الصّفوريّة سرقوا ما سرقوه وهم عزموا أهل الكوثرة على الطائرة ليسرقوا الألمنيوم معهم.

كما أنّهم، ومعهم أهل الصفّوريّة، وأيضا أهل الكوثرة، صاروا يقولون أشياء من هنا وأشياء من هناك عن الطيّار. في سنة يقول هؤلاء إنّهم نزل حيّا من طائرته وهو تلفن باللاسلكي إلى القيادة ليقول إنّه حيّ. في سنة أخرى يقول أولئك إنّه كان جريحا وفيه حروق وإنّ عائلة كانت في أصلها من البدو نقلته إلى بيتها في خراج الصفّوريه لتداويه بالأعشاب لكي تسلّمه بعد أن يشفى للإنكليز "وتقبض مصاري عليه". لكنّه "مات عندهم" واحتاروا ماذا يفعلون به. بعض آخر يقول إنه سقط ميتا محروقا وإنّ امرأة لقبها حنجولة (وهو من الأسماء التي تسمّى بها البقرات) قطعت إصبعه لتأخذ الخاتم منه.

وفي سنوات أخرى تلت وصل الإختلاف إلى حدّ أن بعض الناس أخذوا يقولون إنّهما طائرتان وليست طائرة واحدة، إحداهما سقطت في أرض الصفّوريّة والثانية في كافلاي. وقال آخرون إنّ الذين كانوا في الكمب إستراليّون وليسوا إنكليز... إلخ.

وفي سنوات أخرى تلت تلك السنوات الأخيرة وُجد من راح الناس يصدّقونه. ذاك لأنّه صار يحكي عن سقوط الطائرتين ( وليس طائرة الصفّورية وحدها) مثلما تكون الأشياء مكتوبة في الكتب. وهو بدأ بالكلام عن الحرب بين الحلفاء وهتلر، ذاكرا أسماء بينها فيشي وسبيرس ومعارك جرت في أماكن سمّاها بين الدامور والصرفند. كما سمّى أشهرا وسنوات مثل أيلول 1942. قال أيضا إنّ الطائرتين أسقطتهما مدافع الفرنسيين المؤيّدة لهتلر وقوّات المحور. كان يعرف أشياء كلّها صحيحة، لكن ليس عن أهل الشومرا الذين لم يذكر عنهم إلا ما عرفه عن القتيل.

 

"الأخبار" المدوّن عنها أعلاه بعضها حقيقي وبعضها متخيّل. كما أنّ الأسماء الواردة ليست أسماء أصحابها الفعليّين، وإن كان من الممكن لها أن تنطبق عليهم.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬