ارليت خوري

محمود حسين اسم اختاره لنفسيهما، ولكتاباتهما المشتركة، المثقّفان المصريّان المقيمان في باريس بهجت النادي وعادل رفعت. في 1969 عُرف اسم محمود حسين مع نشر كتابهما “الصراع الطبقيّ في مصر بالفرنسيّة، والذي ما لبث أن تُرجم إلى العربيّة.

هنا حوار واسع عن الكتاب وعن مصر، لكنّه يتناول أيضاً الإسلام والماركسيّة والثورات العربيّة والفرد، فضلاً عن طريقة محمود حسين في العمل.

أرليت خوري: كيف يمكنكما العمل والكتابة كأنكما شخص واحد؟

بهجت: هذه عملية صعبة الوصف.نحن عموما عندما نبدأ بالعمل على كتاب مثلا لا يكون لدينا مخطط مسبق. نختار موضوعا ونتناقش حوله باعتبار ان بامكاننا الكتابة عنه، ومن لديه افكار اوضح من الآخر يبدأ بوضع مشروع للعمل ويأخذه الآخر ويكتب حوله ثم يحيله مجددا الى الأول وهكذا. أي أن الأمر فيه ذهاب وإياب على طريقة الحوار الى ان نتفق على الصيغة النهائية. هذه هي طريقة عملنا.

أرليت خوري: لماذا اعتمدتما هذا النمط من العمل غير المألوف؟

بهجت: ليس بوسعي ان أقدم تفسيرا واضحا. فهذا النمط جعل كتاباتنا أعمق او أقل سوءا لأن كل واحد منا يضيف اشياء من عنده او يزيل أشياء من عند الثاني.

أرليت خوري: ألا تتوتر الأمور بينكما، خصوصا عندما يزيل أحدكما جزءا مما كتبه الأخر؟

بهجت: أحيانا طبعا. لكننا نبقى مصرين على الحوار والنقاش في ما بيننا الى ان نتوصل الى تسوية. وربما كان لدى كل واحد منا حاجة نفسية للحصول على اعتراف الثاني ودعمه.

أرليت خوري: ألم يفكر احدكما يوما بالكتابة بمفرده؟

بهجت: كلا لم يحصل هذا تحديدا لأن كلينا بحاجة الى الآخر.

أرليت خوري: منذ متى تعملان على هذا النحو؟

بهجت: منذ ان جئنا الى باريس وبدأنا الكتابة بصورة مشتركة.

عادل: الحقيقة ان الأمور بيننا قصة صداقة قبل ان تكون قصة كتابة وهذا واضح لكلينا، وهي بالطبع صداقة استثنائية تعود الى 1955. وبما اننا شخصان مختلفان ولكل منا احاسيسه الخاصة، يمكن ان نختلف لكن هذا يجعلنا نعود كل من جانبه الى الكتب والبحث في مسعى لتدعيم موقفه ووجهة نظره وجعلها مقنعة للآخر.

أرليت خوري: ألم تنشأ في يوم من الأيام قطيعة بينكما؟

بهجت وعادل: لا أبدا.

عادل: ببساطة يمكن احيانا ان اتمسك بموقف ما لا يوافق عليه بهجت لكنني أضع في اعتباري انه يمكن ان يكون هو المحق في النهاية، والعكس صحيح. لذا نتريث دائماً الى ان تستوي الأمور.

أرليت خوري: ألا يثير هذا التواطؤ العميق غيرة زوجتيكما؟

عادل: في البداية كان هناك شيء من هذا القبيل لكنهما اعتادتا الوضع مع الوقت.

أرليت خوري: كيف توطدت صداقتكما؟

عادل: هذا السؤال يعيدنا الى آذار (مارس) 1955 حين قام جمال عبد الناصر بزيارته الشهيرة الى باندونغ واكتسب عبرها حجما دوليا فيما كنا نحن والجمهور اليساري الذي ننتمي اليه نعتبره، منذ 1952، ديكتاتوراً. وبعد زيارة باندونغ وما اسفر عنها اصبح جيل شباب الجامعات، ومن ضمنه نحن، يشعر بأن هناك فتحة يمكن استخدامها لتعميق جيوب ديمقراطية في النظام الناصري. في حينه أطلقت مبادرات منها واحدة سمّيناها “لجان باندونغ” بهدف العمل على تعميق فكرة الحوار الديمقراطي. وكانت هذه اللجان تعقد اجتماعاتها في احدى الحدائق العامة في القاهرة وهكذا تعارفنا.

بهجت: دعيني اوجز لك احساسنا حيال الكتابة كشخص واحد. نحن كلينا على قناعة بانه اذا كتب احدنا بمفرده وبدون الآخر فان ما سيكتبه سينقصه شيء ما إن لم يأت الآخر ويضيف إليه ما لديه.

أرليت خوري: هذا يعني انه كان هناك دائما اعجاب متبادل بينكما؟

عادل: إعجاب اكيد ودائم او ربما تواضع متبادل اذ اننا لم نفكر في يوم من الأيام ان عملنا مهما كان ايجابيا سيغير تاريخ العالم.

بهجت: عندما جئنا الى فرنسا وبدأنا نكتب مقالات في 1966 لم اكن اعرف الفرنسية جيدا. كنت اضع مشروعا لمقال بالعربية فيأخذه عادل ويكتبه مجددا بالفرنسية. هذا في البداية. وما كان يحصل ان المقال كان يبدو بعد كتابة عادل له مطابقا لما كنت كتبته ولكن في الوقت ذاته اكثر اكتمالا.

أرليت خوري: النتيجة النهائية هي اذن محمود حسين. من اين جاء محمود حسين؟

عادل: على صعيد عملنا المشترك فهو يعود بنا الى ايام المعتقل في مصر، اذ اننا اعتقلنا لمدة خمس سنوات وامضينا السنتين الأخيرتين في نفس الزنزانة حيث كنا نكتب. وعندما كتبنا “الصراع الطبقي في مصر” عام 1969 قدمناه الى الناشر الفرنسي الذي اعجب به وقرر اصداره لكن ما استوقفه هو ان يضع على الكتاب اسمينا اذ اننا كنا مجهولين في تلك الفترة فارتأينا ان يحمل الكتاب اسما مستعاراً. هكذا اخترنا محمود حسين.

في السجن الناصريّ

أرليت خوري: إذن للمعتقل دور حاسم في تعزيز التكامل بينكما؟

عادل: اكيد، وهو كان خميرة “الصراع الطبقي في مصر”.

أرليت خوري: لنتحدث عن المعتقل اذن: كيف عاش كل منكما هذه التجربة؟

بهجت: انا أميل الى رؤية الجانب الإيجابي لتلك الفترة. حين نتذكر التعذيب نقول انه حصل، وان هناك اشخاصا قُتلوا وعشنا اياما سوداء. لكنْ، على بعد، عندما نفكر في الأمر نغلّب التضامن الذي كان قائما بين المعتقلين وجانب المرح كما لو ان الذاكرة لا تريد ان تحتفظ بالجوانب السيئة. نصفّي الأمور، نأخذ الثمين منها ونغفل السيئ.

عادل: لم نكن منتمين الى احزاب ضخمة بل الى ما يمكن وصفه بمحموعة اصدقاء هي “وحدة الشيوعيين” التي كانت اقرب إلى النادي الأدبي. كان لدينا ميل لمناقشة كل الأطراف في المعتقل، وهكذا تعرفنا ربما إلى كل التيارات التي كان لديها معتقلون معنا وربطتنا بهم علاقات جيدة. تجربة السجن كانت غنية.

أرليت خوري: من منكما عُذب في المعتقل؟

بهجت: انا عذبت كثيرا.

أرليت خوري: لماذا اعتقلتما خصوصا وانكما لم تكونا في حزب كبير؟

بهجت: اعتقلنا لأن عبد الناصر لم يكن يريد أحداً مستقلا في رأيه عن رأيه. كانت فترة الوحدة مع سوريا ثم حصل انقلاب العراق وتوقع عبد الناصر انضمام العراق الى الوحدة لكن هذا لم يحصل. عبد الكريم قاسم رفض هذه الوحدة واعتبر عبد الناصر الشيوعيين بمثابة اعداء، وكذلك كل من له ميل الى الحرية الفكرية، وهذا سبب اعتقالنا.

عادل: هذا يظهر طبيعة نظام عبد الناصر لأنه عندما بنى سلطته أصر على احتكار السلطة السياسية، وحتى من كان يريد تأييده كان ينبغي ان يحصل على إذن منه لتأييده.

أرليت خوري: هل غيرت اقامتكما في فرنسا في نظرتكما لمصر والأوضاع عموما؟

بهجت: غيرت كثيرا في نظرتنا الى الواقع في مصر، وهذا واضح في كتاب “الصراع الطبقي...” الذي يركز على نقد عبد الناصر. ومع الوقت بدأنا نرى الأمور بطريقة مختلفة، فرأينا مثلا شبانا عربا يحتفلون عند وفاة عبد الناصر، ولكننا علمنا ان عمال مصنع “رينو” للسيارات وقفوا دقيقة صمت حدادا عليه. أدركنا اننا كنا ننظر الى عبد الناصر من زاوية مصرية بحتة في حين انه كان يمثل للآخرين بلورة للكرامة الوطنية، خصوصا من خلال تأميم قناة السويس. وهذا لمسناه خلال سفراتنا المختلفة، فعندما زرنا السنغال مثلا وجدنا ان الكثيرين هناك يعتبرون تأميم القناة بمثابة منعطف في تاريخ العالم كله.

عادل: كل هذا ألقى ضوءا وبُعدا لم نكن مدركين لهما.

بهجت: فرنسا جعلتنا ندرك نسبية الأمور في حين ان وجودنا في مصر جعلنا نرى الأشياء على انها ابيض او أسود. وفي فرنسا ادركنا ان الأمور أكثر تعقيدا وان لا وجود لما يسمى بوضوح الرؤية عند الجميع، بل هناك غموض في الرؤية. نحن اليوم نقول ان الإخوان والرئيس المصري محمد مرسي ليس لديهم وضوح رؤية لإنقاذ مصر، مثلما يقولون في فرنسا ان الرئيس فرانسوا هولاند يفتقر الى وضوح الرؤية وكذلك المستشارة الالمانية انغيلا ميركل وحتى الرئيس الأميركي باراك اوباما ليست لديهم رؤية لأمور العالم. كلهم يرتجلون عمليا.

أرليت خوري: وماذا عن سيرة كل منكما الشخصية؟

بهجت: انا ولدت في ريف مصر في 1936 وفي قرية العطوي القريبة من بور سعيد. قضيت فيها ست سنوات ثم انتقلنا الى قرية اخرى اسمها الشيخ ضرغام قرب رأس البر. والدي كان مدرّسا او في الحقيقة ناظر مدرسة وكان رجلا منفتحا جدا.

عادل: كان والده وفديا وعلمانيا.

بهجت: كان يشتري العديد من المجلات الأدبية التي كانت تصدر حينها مثل “الرسالة” و“الثقافة”، وكان يحتفظ بكل الأعداد التي تراكمت في المنزل. بعدها انتقلنا الى مدينة دمياط حيث بدأت أقرأ. وهنا أود ان أقول انه في الشيخ ضرغام كنت تلميذا في المدرسة حيث عمل والدي وكانت لنا جارة متزوجة من نجل صاحب الشقة التي اقمنا فيها. هذه الشقة كانت داخل منزل احدى الأسر وكان هذا امرا غريبا وغير مألوف في حينه. السيدة التي اتحدث عنها كانت جميلة جدا وكان زوجها بحارا يعمل على مركب كبير فكان دائم السفر ولم يكن لهما اولاد. وانا اتحدث عنها لأنها لعبت دورا كبيرا في طريقة رؤيتي للأمور.

البدء بالحكايات

أرليت خوري: ما هو هذا الدور؟

بهجت: كما قلت لم يكن لهذه السيدة اولاد فكنت انا مثل ابن لها، وكانت تروي لي حكايات بخلاف والدي او والدتي، فهذ العادة لم تكن متبعة في أسرتنا. فلم اكن قد سمعت اية حكاية الى ان بدأت هذه السيدة تروي حكاياتها لي، وكانت من نوع “الف ليلة وليلة” و“الشاطر حسن”، وكان خيالها واسعا، ولو كان تسنى لها ان تتعلم لكان يمكن ان تكون مؤلفة كبيرة. إنني اذكر حكاياتها حتى الآن وفي تقديري كانت كثيرا ما تروي لي حكايات من نسج خيالها لأنني لم اجدها مكتوبة في اي مكان. وهذا ربما فتح الأفق امامي وجعلني اهتم لاحقا بالمجلات الأدبية التي راكمها والدي، ولولا هذه السيدة لما كان تولد لديّ الميل الى المطالعة الأدبية. بعدها انتقلنا الى القاهرة التي كانت بالنسبة الي عالما آخر مختلفا تماما عما سبق ان عرفته، فدخلت الى المدرسة الثانوية وكانت قريبة من الجامعة، والعاصمة بمجملها كانت في تلك الفترة في حالة غليان. هكذا جمعت في فترة الشباب بين الاهتمام بالحركات الأدبية من خلال المجلات الثقافية والمشاركة السياسية في المدرسة، وتداخل العنصران في شخصيتي.

أرليت خوري: هذا يعني ان دراستك الجامعية كانت ادبية؟

بهجت: لا، دخلت الى كلية الطب ولكنني اعتقلت عندما كنت في السنة الثالثة. وعند خروجي من السجن بعد خمس سنوات أكملت دراسة الطب حتى السنة الخامسة وبعدها قررت مغادرة مصر.

عادل: في الحقيقة لم يكن مهتما بالطب، فهو دخل الى كلية الطب كخطوة بديهية في حينه لأن نتيجته الدراسية كانت جيدة جدا.

بهجت: لكن دراسة الطب افادتني كثيرا من ناحية ماركسية لأنها علمتني ان للأشياء ظروفا واسباباً، وذلك بخلاف المطالعات والميل الأدبي. اكتسبت نمط تفكير كان من الصعب ان اكتسبه بدون دراسة الطب، وهناك أمور كثيرة في الماركسية ما كنت لأفهمها لولا الطب.

عادل: انها المرة الأولى التي نتحدث فيها عن مثل هذه التفاصيل الشخصية، وهي قد تكون طريفة.

أرليت خوري: لنتحدث بالتالي عن سيرتك؟

عادل: ولدت بعد حوالى 18 شهرا من ولادة بهجت، في 1938، والطريف جدا انه بالنسبة لي ايضا كانت هناك سيدة لها اهمية في سنيّ طفولتي. فأنا مولود لأسرة يهودية في الإسكندرية، لكنني أقمت في القاهرة مع اسرتي التي كانت برجوازية متوسطة. لم تكن ثرية وانما مرتاحة ماديا. خلال سنوات الحرب كان والدي يعمل في الاستيراد والتصدير ويسافر كثيرا برفقة والدتي، فربّتني في السنوات الأولى من عمري حاضنة مسلمة. هذا أمر لم نكن مدركين له في السابق. في السنوات الأولى والجو الذي عشت فيه لعبتْ الحاضنة عمليا دور الأم، وهي ايضا عودتني على جو الحكايات التي كانت ترويها لي كل ليلة. كانت الحاضنة أمية ولكن كان لديها ذكاء فطري وحب وحنان، ولا اذكر انه كان هناك تناقض بين ما كنت اسمعه منها من كلام عن السيرة وقصص عادية مثل “أمنا الغولة” مثلاً. لم أعش ابدا اي نتيجة طريقة تربيتها لي.

يهود ومسلمون

أرليت خوري: كيف كانت الحياة في مصر في تلك الفترة بالنسبة الى اسرة يهودية؟

عادل: ما اذكره انه عندما كنت في العاشرة نشبت حرب فلسطين وكانت البرجوازية اليهودية في مصر مكونة من اصحاب محلات وبنوك ومكاتب ومحامين وأناس تربطهم علاقة بالقصر الملكي من دون اي مشكلة. لكن بعد ذلك بدأت أسمع كلاماً لم افهم ما المقصود به وكان من نوع: نحن وهم، وكنت اتساءل ما معنى ذلك، وهنا كانت بداية التناقض. كنت تلميذا في الليسيه الفرنسية في القاهرة وتربيت على الفكر العلماني مئة بالمئة حتى انني لم اسمع كلمة دينية واحدة لا في المدرسة ولا في اسرتي، لأن والديّ كانا علمانيين بالمعنى التقليدي ولم يكونا متدينين. لكن رغم ذلك واجهت في فترة ما ازمة وتساؤلات عن: من انا ومن اين والى اين انا ذاهب.

أرليت خوري: كيف تعاملت مع هذه الأزمة؟

عادل: الحقيقة انني وجدت حلها عبر حدث اضخم منا جميعا لكنه ساعد على حلها، وهو تأميم القناة عام 1956، وكنت بدأت في حينه اتعرف إلى اشخاص منهم بهجت، وأنجذب إلى الفكر اليساري. فعندما حصلت ازمة القناة والعدوان الثلاثي قرر جزء كبير من الجالية اليهودية مغادرة مصر، فغادرت اسرتي فيما انا قررت البقاء واعتنقت الإسلام.

أرليت خوري: لماذا اعتنقت الإسلام؟

عادل: أسلمت بدافع إكمال دائرة عاطفية على صلة بحاضنتي التي كنت زرتها قبل وفاتها وابلغتها برغبتي في اعتناق الإسلام، وبعدها جاء الانخراط في الحركة الوطنية. في هذه الأثناء تزوجت زواجا جنونياً ومن ثم طلقت اثناء وجودي في المعتقل وعدت للزواج مجددا في فترة لاحقة.

أرليت خوري: هل كانت دراستك ايضا علمية؟

عادل: كلا درست الأدب ولكن في تلك الفترة لم تكن للدراسة قيمة لأننا كنا مهتمين بتغيير العالم وتحريره.

أرليت خوري: ما الهدف من كتابكما “نزول القرآن” والفكرة التي اردتما بلورتها؟

عادل: هذا سؤال كثيرا ما طرح علينا والإجابة عنه تقتضي التفصيل. فطوال القرن العشرين كانت هناك محاولات لتقديم القرآن تحت ضوء عصري وهو ما لا يعني انها لا تستند الى نظرة دينية. ولو أخذنا محمد عبده وطه حسين وغيرهما من مفكرين عرب وصولا الى عبد المجيد الشرفي نجد ان هناك محاولة لمواجهة التفكير النصوصي الجامد بتفكير عصري. وما كان يلفت انتباهنا اننا كنا نلتقي اشخاصا مؤمنين عموماً وينفرون من اي لجوء الى العلوم الدنيوية للحديث عن القرآن، وبالتالي فكل الجهود التي بُذلت انطلاقا من علم الاجتماع والتاريخ وعلم اللغة بدت مرفوضة رفضا باتا. ما قمنا به نحن مختلف بعض الشيء اذ اردنا ان نلقي ضوءا عصريا دون اللجوء الى العلوم الدنيوية، بل بمجرد اعتماد الأحاديث والسيرة النبوية التي لا يمكن لأحد ان يرفضها. وبناء على هذا المجهود وصلنا الى ان القرآن كلمة الله، وما تمكنّا من إبرازه بشكل مقنع عبر الكتاب هو وجود فارق بين الله وكلمة الله. بهذه الطريقة ابرزنا فكرة رئيسية مفادها ان القرآن هو بالنهاية حوار بين السماء والأرض وانه ليس “مونولوغا”، اي ان الله يخاطب رسوله ويخاطب من خلاله الصحابة وايضا المشكلات التي كانت مطروحة في ذاك العصر. وبهذه الطريقة تمكنا من القاء الضوء على الظروف التي نزلت فيها هذه الآية او تلك دون ان يعني هذا ان ليس في القرآن معانٍ عامة وشاملة وميتافيزيقية. لكنْ أيضا هناك معان وابعاد مرتبطة بظروف العصر، مما يعني انه لا يمكن الأخذ بالمعنى النصوصي والحرفي.

بهجت: اود العودة الى الوراء لتوضيح ما يقوله عادل. فنحن لسنا علماء دين واهتمامنا الأول لم يكن الإسلام، لكننا عشنا في مجتمع إسلامي تأثرنا كثيرا به ونعتز بتاريخه. وعندما جئنا الى فرنسا بدا لنا بوضوح فائق ان الإسلام حضارة أثرت في العالم وكانت الى حد كبير نقطة انطلاق للحضارة الأوروبية، وفوجئنا في الوقت ذاته بأن لا احد تقريباً في اوروبا يعرف تاريخ الحضارة الإسلامية. عندما كنا نكلمهم عن الرازي او ابن سينا مثلا لم يكن احد يعرف شيئا عنهما باستثناء دائرة ضيقة جدا من المفكرين المتابعين لتاريخ الحضارة الإنسانية، وهذا أثر بنا وشكل لنا نوعا من جرح خصوصا وان الحديث في فرنسا اقتصر على الحضارة اليهودية-المسيحية. وخلال مناقشات كثيرة مع اصدقائنا قيل لنا لماذا لا تفعلون شيئا عن الحضارة الإسلامية كأنْ يكون برنامجا تلفزيونيا مثلا، فأعجبتنا الفكرة على أن يُقدّم هذا البرنامج بالتعاون مع صديق كان يعمل مع رئيس الحكومة الفرنسية في حينه ريمون بار. وبعدما كتبنا سيناريو لحوالى 12 حلقة وثائقية عن الإسلام غادر بار منصبه والغي المشروع فاقترحنا المشروع على اصدقاء كثيرين يعملون في التلفزيونات ولكنهم كلهم كانوا يقولون لنا “لا أحد يهتم بالعرب”.

أرليت خوري: هذه الحلقات اذن جعلتكما تهتمان بموضوع الإسلام رغم انها لم تبث؟

بهجت: الحلقات الـ12 عرضت في النهاية ولاقت رواجا كبيرا حتى ان بثها استمر طوال مدة عشر سنوات على أقنية تلفزيونية مختلفة في فرنسا. وخلال عملنا على الحلقات رجعنا الى الكتب التي تتناول تاريخ الإسلام والحضارة الإسلامية ومنها ما كنا قرأناه ومنها ما لم نكن قرأناه، فاتضح لنا ان هناك أمورا كثيرة جدا نحن انفسنا لم نكن نعرفها، الأمر الذي ينطبق أيضاً على مسلمين كثيرين. ومن هنا أعددنا كتاب “السيرة” المكون من جزئين بالعودة الى كتب قديمة لخمسة مؤلفين تحديدا هم ابن إسحق والواقدي وابن يعد والبرازوري والطبري لأننا اعتبرناهم مراجع اساسية عن حق او غير حق ربما.

الرسول والصحابة

أرليت خوري: ما الذي اردتم قوله من خلال هذا الكتاب؟

بهجت: حاولنا ان نقدم تاريخ او حياة الرسول كما رآها الصحابة بالحد الذي يسمح باعتبار الأمور التي رواها هذا وذاك معقولة او صحيحة. بعد الانتهاء من الكتاب اعتبرنا اننا فعلنا ما هو مطلوب وقلنا ما اردنا قوله خصوصا بعد الرواج الذي لقيه في العالم المسيحي رغم كونه موجها الى المسلمين اساسا. وتبين لنا لاحقا في اطار اللقاءات العديدة التي شاركنا فيها للحديث عن “السيرة” ان كثيرين اعتبروا ان الكتاب طويل وانه تضمن اموراً أردنا قولها لكننا لم نقلها بوضوح. وهذا طبيعي لأننا لم نتدخل في النصوص التي يتضمنها الكتاب وهي نصوص للصحابة، كما امتنعنا عن تقويلها او تفسيرها على طريقتنا. لقد فكرنا في اعداد كتاب صغير نقول فيه بعض ما نريد قوله، ومن هنا جاء كتاب “نزول القرآن”.

عادل: أود التأكيد على ما اشار اليه بهجت وهو ان كتاب “السيرة” يقع في 1200 صفحة وهو عبارة عما يمكن تسميته بـ“قص ولصق”، أي انه خال من اية كلمة أضفناها من عندنا. فنحن اخذنا نصوص الأشخاص الخمسة وعملنا على ازالة التكرارات وحاولنا بقدر الإمكان العودة الى تسلسل زمني مع الاحتفاظ بلغة العصر. والنقطة التي اراد بهجت ابرازها بقوله اننا قمنا بالواجب مردها الى ان النصوص تنطق من تلقاء نفسها وتظهر ان الرسول شخصية جبارة لكنه بشري لديه عواطف مثل البشر، ومثلهم واجه مشكلات اثناء الحرب مثلا، وهذا واضح لدرجة انه لم يكن بحاجة الى اي تعليق من جانبنا. علاوة على ذلك لم نكن نريد تقديم نظريات او القول للقراء فكروا على هذا النحو، او هذا هو الخطأ وهذا هو الصواب، بل نترك لكل شخص حرية استخلاص ما يريده. وفوجئنا بالنجاح المنقطع النظير الذي لقيه الكتاب الذي كان يباع في اكشاك محطات القطارات والمطارات، وقد ادرج على لائحة الكتب الأكثر مبيعا.

أرليت خوري: تقولان انكما لستما عالمي دين لكنكما تناولتما مواضيع تبدو كأنها ينبغي ان تقتصر على علماء الدين؟

عادل: لكن هذا بالضبط ما قصدناه. أي رغم اننا لسنا علماء دين يمكن ان نقدم عملا جديا ومفيدا للمؤمن وغير المؤمن والمسلم وغير المسلم بكل اخلاص وامانة.

بهجت: عندما بدأنا إعداد كتاب “السيرة” لم نفترض منذ البداية ان لا احد يمكنه ان يتكلم عن الإسلام الا علماء الدين، لأنه لو كان الأمر كذلك لما امكن الكتابة عن الأديان الأخرى كاليهودية مثلا الا من قبل علماء اليهود، وكذلك الأمر بالنسبة الى المسيحية. واستطرادا لا يتكلم عن مصر سوى المصريين ولا يتكلم عن فرنسا الا الفرنسيون... نحن تناولنا الموضوع انطلاقا من الكتب الأساسية التي كتبت عن الإسلام وحاولنا ان نضفي عليها بعض الانتظام لأنه لو اخذ احد ما كتابا لابن إسحق او ابن هشام فلن يكون بوسعه ان يفهم شيئا عن الإسلام، لأنها كتب تفتقر الى التسلسل واسلوبها ليس اسلوب الكتب بل هو على طريقة الروايات الشفهية. عملنا جعلنا نأخذ الأحداث الأساسية في تاريخ الإسلام و ننظمها بشكل يساعد القارئ على فهمها.

عادل: هذا العمل تطلب منا ثلاث سنوات لكي نتوصل الى تسلسل يلقي الضوء على المحطات الأساسية في تاريخ الإسلام، كما ان ترجمة الكتاب الى الفرنسية استغرقت حوالى عامين لأنه ترجم بلغة أدبية متقنة.

أرليت خوري: أنتما تعملان حاليا على كتابين في وقت واحد، ما هما هذان الكتابان؟

بهجت: طلب منا الناشر “غراسيه” كتابا عن الثورة المصرية. لكن اتضح لنا ان هذا الكتاب صعب جدا لأنه كلما عملنا على الكتابة كانت الأحداث تتسارع وتتطور وتتغير. لذا رأينا ان من الأفضل الا يكون كتابا يروي أحداث الثورة وانما يقدمها، خصوصا اننا كنا كتبنا قبل حوالى 25 عاما كتابا عنوانه “السفح الجنوبي للحرية” تناولنا فيه طموحات الشعوب العربية وشعوب العالم الثالث عموما. وأذكر انه عند صدور هذا الكتاب قال لنا كثيرون “انتما تحلمان” لأن الكتاب كان يتحدث عن طموحات شعوب العالم الثالث الى الديمقراطية والحرية في حين ان كثيرين كانوا يعتبرون الديمقراطية مفهوما غربيا. لكن عندما بدأت الحركات الثورية في العالم العربي كثيرون قالوا لنا ان ما يحدث مطابق لما عبرنا عنه في الكتاب، ومن هذا المنطلق نعمل حاليا على كتاب عن الثورة المصرية وكتاب باللغة العربية عنوانه “وتوفي رسول الله”.

أرليت خوري: ما الذي يضيفه هذا الكتاب الأخير إلى ما سبق ان كتبتماه عن الإسلام؟

بهجت: عندما اصدرنا كتاب “السيرة” قيل لنا انه جهد لا يكفي، ولهذا عملنا على كتاب “نزول القرآن” وبعدها قيل لنا ايضا ان هذا لا يكفي فقررنا العمل على كتاب “وتوفي رسول الله”.

عادل: هو كتاب يدور حول الأيام الأخيرة للرسول والفترة التي اعقبت وفاته. والمهم في ما نقوله ان الاسلام دين وليس دولة، وان الدين الإسلامي يتعلق بعلاقة الانسان بربه وان ما جاء بعد ذلك لم يكن المقصود به ان يكون أزليا لأن الأزلي هو العلاقة بين العبد وربه، وان الرسول كان نبيا وبشرا والمفروض ان نفصل بين الاثنين.

أرليت خوري: الى اي مدى ترون ان كتاباتكم عن الإسلام قادرة على التأثير والتغيير في العقليات؟

عادل: نحن عندما نكتب نفكر في الجمهورين المسلم والأجنبي في الوقت ذاته لأننا أصلاً معنيون بهذين الجانبين. والعمل الجذاب والمدعم ليس فقط بأفكار انما ايضا بوثائق كفيل بإثارة اهتمام المثقف المستنير في فرنسا وايضا المثقف في مصر او العالم العربي. وفي النهاية نحن نتوجه الى اشخاص يريدون ان يفكروا ومهتمين بكل القضايا بما فيها القضايا الدينية ولديهم احساس بأنهم يحددون بأنفسهم ما يقنعهم وما لا يقنعهم.

بهجت: إضافة لما قاله عادل أود ان ألفت الى اننا نتوجه الى الجمهورين ولكن احساسنا على صلة بالجمهور الإسلامي بحيث يعرف أن أشخاصا مسلمين أو محبين للإسلام ليست لديهم اي نية للإساءة اليه. وكوننا من ابناء هذا المجتمع وهذا الدين فعندما نقول الأشياء نكون نتحدث عن قناعة بأنها على الأقل من داخل الإسلام. لهذا ففي كتاب “نزول القرآن” لم نأت بكلمة واحدة بل اكتفينا بقول ما يقولونه.

الإجماع المخترع

أرليت خوري: لكن رهانكم ينطوي على جرأة خصوصا ان القول بأن الدين علاقة بين الإنسان وربه ينطوي على الغاء للهيكلية الدينية؟

بهجت: ما نقوله هو ان المؤسسة الدينية فرضت نفسها وفرضت مكانها في حين انه لم يكن لها مكان في الإسلام عمليا لأن المفروض ان الإسلام علاقة بين العبد وربه. طبعا هناك أشخاص على معرفة اوسع من سواهم بالأمور الدينية لكن هذا لا يعطيهم سلطة ليحددوا ماهية الإسلام. ولو عدنا الى الماضي رأينا انه في القرنين الأولين كان لكل فرد الحق في تفسير الإسلام وفقا لاعتقاداته، لكن هذا ادى الى نتيجة سيئة اذ ان فئات متباينة من المسلمين بدأت تتناحر وتتقاتل. والأمر الأساسي في الإسلام مفاده انه ليست هناك سلطة، فهناك من يتكلم عن اجماع الأمة لكن اجماع الأمة هذا امر مخترع ولا يمكن لأحد ان يقدم نفسه على انه سلطة مركزية تتحدث باسم السلام.

عادل: من يقرون بوجود مثل هذه السلطة نقول لهم خذوا عشر عواصم إسلامية مختلفة وانظروا الى ما تقوله السلطة الدينية فيها فيتبين مدى الاختلاف. المفروض على اي مسلم ان يقرأ القرآن والتفاسير وان يعود الى العلماء، انما ينبغي على الفرد ان يصل الى القرآن بنفسه.

أرليت خوري: هل غيرت كتاباتكم في نظرة الغربيين عموما الى الإسلام؟

بهجت: من الواضح انه ليس لدى الغربيين اليوم استعداد للنظر الى الإسلام بشكل ايجابي بل ينظرون اليه على انه دين عنف. لكن هناك جزءا من الرأي العام بدأ يرى الحقيقة التي نتحدث عنها وهي ان الإسلام ليس دينا واحدا انما اديان مختلفة، وهذا بحد ذاته ايجابي.

أرليت خوري: ما هو رأيكما بالكتابات الجهادية؟

بهجت: الجهاديون تيار من تيارات الإسلام ولا يمكن ان نقول انهم غير مسلمين بل هم تيار له حجج وآراء. لقد قرأنا قبل ثلاثين سنة تقريباً كتاباً عن الفريضة الغائبة وهي الجهاد، ووفقاً للكتاب هذه الفريضة من اسس الإسلام، ومن حق البعض ان يأخذوا بهذا القول. أما نحن فنرى ان الجهاد جهاد النفس ولكنه لا يسعنا القول ان جهاد النفس من أسس الإسلام.

عادل: هذه النقطة تستحق ان نؤكد عليها لأنه اليوم بالذات، وبنتيجة الثورات، عاد ملايين من الأشخاص للتفكير في أنفسهم دون خوف مما سيقال عنهم ودون خوف من السلطة. وفي الوقت ذاته فهذه الثورات سمحت لتيارات إسلامية مثل الإخوان في مصر وحزب النهضة في تونس بالوصول الى السلطة دون ان يعني هذا انهم مسيطرون عليها، مما يعني ان باب الحوار بات مفتوحا. وانفتاح الحوار بعد كل سنوات الكبت السابقة، فيما المواطنون متعطشون للنقاش والتعبير، جعل من غير الممكن الغاء مناقشة اي موضوع ببضع كلمات تصدر عن السلطة كما كان يحصل في السابق. فهذه الحقبة ولت، وعندما نتابع السجالات الدائرة في ظل وجود التيارات الإسلامية نشعر بالكثير من السرور لأنه اذا وضعنا جانبا التطرف والإرهاب فهذه مشاكل أخرى نرى معها ان من المهم ان يقال ان الإسلام فكر له اعماق مختلفة. وبناء عليه سنجد وفقا للظروف والمصالح والقدرة على الفهم آراء متنوعة ومختلفة، والمهم والإيجابي هو ان هذه الآراء باتت محور نقاش في ظل الانفتاح.

أرليت خوري: “الصراع الطبقي في مصر” اول كتاب اصدرتماه في الخارج وفي باريس تحديدا، كيف تقيمان تأثيره وسط أجواء الناصرية والقومية العربية التي كانت سائدة فترة صدوره؟

عادل: هذا الكتاب اعتبره البعض بمثابة هرطقة وسط الأجواء الناصرية.

بهجت: نحن في تلك الفترة كنا ماركسيين لكن في الحقيقة كانت لدينا فكرة خاطئة عن الماركسية. همنا الأساسي كان التحرر الوطني وجاءت الماركسية وركبت هذه الموجة باعتبارها طريقة للتحرر الوطني وللثورات التي كانت تقوم هنا وهناك من أجل التحرر الوطني. انجذبنا إلى الماركسية خصوصا انها كانت تقول ان الشيوعية ستؤدي الى زوال جهاز الدولة وتحرر المواطنين والمساواة بينهم، وهذا كان يثير اهتمامنا البالغ. لكن ما لم نكن نفهمه وبقينا لا نفهمه كان ديكتاتورية البروليتاريا، لأننا لم نفهم كيف يمكن ان تكون هناك ديكتاتورية في ظل الديموقراطية، فهذا المفهوم شكل عنصرا غامضا بالنسبة الينا فوضعناه جانبا.

عادل: في مصر مثلها مثل بلدان اخرى كانت المشكلة الأساسية هي التحرر الوطني، والماركسية ركزت على وجود علاقة وثيقة بين التحرر الوطني والصراع الطبقي. فالسؤال كان اي طبقة ستقود الصراع الوطني علما بانها ينبغي ان تكون طبقة متماسكة وعلى اتصال بباقي الطبقات الشعبية وتراعي مصالحها وتحقق هدف التحرر وتلغي البرجوازية المترددة والانتهازية. هذا كان الإطار الذي كنا نبحث ضمنه عن فكرة التحرر ولم يكن واضحا في ذهننا ان الكلام عن التحرر لا يعني الطبقات بشكل عام انما يعني ايضا الفرد. وفكرة الفرد هذه كانت مسيطرة علينا و كنا ننفرد تقريبا بهذه النظرة.

بهجت: أثناء وجودنا في المعتقل تسنى لنا في الفترة الأخيرة كتابة بعض الأمور في مجلة كانت حقيقة أشبه بكراس. ومن بين ما كتبناه مقال بعنوان “دور الفرد في التاريخ”. كنا متميزين في هذا الموضوع نظرا لتعلقنا بموضوع الفرد وحريته فيما الماركسيون عموما لم يكونوا معنيين بالفرد وانما بدور الطبقة والحزب.

أرليت خوري: ما هو منطلق تركيزكما على دور الفرد؟

عادل: كان احساسنا بأن هناك اتصالا طبيعيا بين التحرر القومي والتحرر الطبقي وتحرر الفرد، فبدأنا نركز على فكرة الطبقات وعلاقتها بالفرد رغم طغيان فكرة الوحدة الوطنية.

بهجت: أي ماركسي في مصر كان همه الأساسي ان يجد تحليلا للمجتمع المصري، وأي تنظيم في تلك الفترة كان يسعى لوضع خطة سياسية لمستقبل مصر. إعداد هذه الخطة كان يستدعي تحليلا للمجتمع المصري تماما مثلما حلل لينين المجتمع الروسي، وذلك من اجل تحديد الطبقات الاجتماعية وتحديد الطبقات التي يمكن ان تنضم الى الحزب وتلك المعادية له. وكنا نحن مثل سوانا نواجه الموقف نفسه. وعندما جئنا الى فرنسا والتقينا بتيار “اليسار البروليتاري” الذي كان بدوره يواجه نفس المشكلة على مستوى المجتمع الفرنسي، نشأت لدينا فكرة كتاب الصراع الطبقي. هذا الكتاب لم يكن مجرد تحليل للمجتمع المصري، فالعديد من المنظمات كانت اصدرت تحاليل حول تركيبة المجتمع في مصر، لكنه تضمن جزءاً كبيرا عن طبيعة المجتمع بعد النظام الناصري والتجربة الناصرية، ما جعله بمثابة نص سبّاق يوفر مفاتيح لفهم ما يحصل في البلاد.

عادل: بعد ثلاثين سنة على صدور الكتاب سمعنا اشخاصا كثرا يقولون لنا انتما فتحتما لنا آفاقا جديدة بعد ان كنا في العتم، واعتبر آخرون اننا فتحنا امامهم مجالا للحلم، وبالطبع اعتبرنا الناصريون خونة واعتبروا ما قلناه كلاما فارغا.

أرليت خوري: ما هو الخيط الذي يربط بين كتاباتكما الماركسية وكتاباتكما عن الإسلام؟

بهجت: من الأساس كان هاجسنا الرئيسي تحرر الفرد. والماركسية تقبلناها من نواحٍ كثيرة لأنها كانت تساعد برأينا على تحرر الفرد في تلك الفترة. فما الذي يقمع اليوم تحرر الفرد في مجتمعاتنا العربية؟ انه عامل الدين.

عادل: الفترة الناصرية كانت نموذجا للعمليات التحررية في الخمسينات والستينات، وبدا ان المعركة حسمت جزئيا ومؤقتا عبر الحركة الوطنية في الدول المختلفة حيث كانت لغة التحرر علمانية عموما ما عدا بعض الاستثناءات. وجيلنا عموما شعر ان الفكر الديني اصبح على الهامش وان السياسة والمجال العام والمدن والحركة القومية وقياداتها كلها علمانية مما جعلنا نتكلم وكأن موضوع الدين قد حُسم، رغم انه لم يكن محسوماً، وهو ما بدأ يظهر بعد فشل التجربة القومية ليس لأسباب على صلة بعلمانيتها وانما بسبب مصالح حولت القيادات الوطنية الى بيروقراطيات جديدة.

بهجت: اود العودة الى موضوع الدين لأنه في الفترة اللاحقة بدا كعامل سلبي. فلم نر في اي بلد عربي او إسلامي حزبا دينيا يطالب بالديمقراطية، وفي مصر بالذات حيث قدم الإخوان انفسهم على انهم أقوى معارضة في وجه الرئيس السابق حسني مبارك لم يكونوا معارضة في اي يوم من الأيام. وخلال ثلاثين سنة من حكم مبارك لم نشهد مظاهرة واحدة نظمها الإخوان ضده سياسيا، وذلك حتى عندما كان يلقي القبض على قياداتهم من منطلق الفكرة القائلة بأنه طالما هناك حاكم كان ينبغي القبول به. وهكذا بدأنا نرى ان هناك مشكلة حملتنا على الاهتمام بالإسلام من الناحية القومية وايضا الناحية الاجتماعية، وعندما لمسنا ان الإسلام عاد ليتقدم في هذه الفترة بعد ان كان في الفترة السابقة عاملا سلبيا اردنا ان نفهم ما يحصل.

عادل: ومن هذا المنطلق وبعد اطلاعنا على كتب تاريخ الإسلام وبعدها القرآن والتفسيرات بدأنا ندرك الجانب الثوري في الفكر الإسلامي الأصلي. وهو فهم نقل الجزيرة العربية من مجتمع قبلي عشائري الى مجتمع اساسه الإله الواحد. ومن خلال هذه النقلة هناك امر لم يجر التركيز عليه رغم انه كان اساسيا. فقد حصل ايضا تغيير على مستوى الفرد. فالنقلة الاجتماعية ولّدت على مستوى الفرد حاجة للتحرر من فكرة العشائر وصورة الأب وشيخ القبيلة، اذ ان الذين اقبلوا على الإسلام في فترة النبوة بدأوا يكتشفون طريقة جديدة لتناول أمور الحياة من الحب الى الموت الى الحرب. مما يعني انه كانت هناك ولادة لمجتمع جديد من خلال التغيير الذي طرأ على الفرد، وهو ما لم يركز عليه احد رغم انه طاغ تماما في تلك الفترة. وكلمة الله حررت طاقات عديدة وقدرات متنوعة، وهذا ما أملنا عمليا في ابرازه من خلال كتبنا، وهذا التسلسل مهم لأنه عند الكلام عن الإسلام الأصلي حرصنا على ان نظهر ان ازدهاره جاء لأن الأشخاص الذين بنوه في العصر الأول كانوا اشخاصا يتحررون.

 




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬