فارس ساسين

نُشرت مقتطفات من هذا الحديث، بالعربية، في النهار العربي والدولي، عدد 26 آب 1979. وإذ نعمد ههنا إلى النقل التامّ للتسجيل فقد اخترنا ألّا نحجب ما في المادّة المحفوظة من ثغرات وأن نبقي على عثرات المشافهة (من تسيّبٍ نحوي وتردّد في التعبير وأواخر للجمل تبقى معلّقة، ووقفات في الحديث تتعلّق بعمل المسجّلة أو تتعلّق بالتعب، إلخ.). فمن جهةٍ، كان يجب الحرص على بقاء الوضع الذي هو وضع هذا النصّ بمعزل من كلّ لبس: فإن ميشال فوكو لم يُعد قراءته وبهذا يختلف هذا النص عن الأحاديث الأخرى التي جمعت في Dits et Ecrits (أقوالٌ ونصوص). ومن جهةٍ أخرى، أردنا ألّا نقطع الطريق على الانفعال الذي تتيحه متابعة حركة الصعود والهبوط لفكرٍ في قيد التكوين*.

فارس ساسين: نتحدث عن إيران بعد نحوٍ من عشرة أشهر مضت على إعلانك موقفاً أوّل من الثورة الإيرانية وهو موقف كان مثار استغراب في الأوساط المثقّفة الفرنسية، أوّل الأمر، ثم ترك فيها أثراً بيّناً. في هذه الشهور العشرة رحل الشاه الإيراني وحاول الملالي أن يرُسوا صيغة حكم، وهو ما كنتَ قد جعلته في حسبانك ورفضت أن تختصر به الانتفاضة الإيرانية. في جوانب أخرى من العالم، حصلت انتفاضة نيكاراغوا وظهرت مأساة لاجئي الهند الصينية. وقد يكون آن الأوان لاستعادة مواقفك من المسائل الإيرانية بغية تقويمها. ما الذي جعلك تهتمّ بالموضوع الإيراني؟

ميشال فوكو: كل ما في الأمر أنني قرأت كتاباً قديماً لم أكن قرأته من قبل. هل [المسجّلة] تعمل؟

فارس ساسين: نعم!

ميشال فوكو: هي إذن قراءة كتاب قديم لم أكن قرأته من قبل. وقد وجدت وقتاً لقراءته بعناية بينما كنت أقضي فترة نقاهة في الصيف الفائت بعد حادث صحي ألمّ بي. هذا الكتاب هو مبدأ الأمل لأرنست بلوك[1]. وهو كتاب استوقفني كثيراً إذ هو لم يشتهر في فرنسا ولم يكن له فيها صدى كبير، وقد تراءى لي أنه يطرح مسألة جوهرية للغاية. تلك مسألة الرؤية الجماعية للتاريخ التي بدأت تتبلور في أوروبا في القرون الوسطى، على الأرجح. فحْوى هذه الرؤية هي إدراك البشر إمكانيةَ وجود عالم مغاير على هذه الارض ورفض أن يكون واقع الأشياء أمراً ثابتاً ونهائياً والسعي إلى اكتشاف ثغرة ونقطة ضوء وجذب داخل الزمن والتاريخ تتيح الانتقال إلى عالم أفضل على هذا الكوكب نفسه. هذا الإدراك للتاريخ هو، في آن معاً، نقطة انطلاق لفكرة الثورة وفكرةٌ ذات أصل ديني. والفرق الدينية، والمنشقّة منها على الأخصّ، هي التي حملت، في نهاية العصر الوسيط وطوال عصر النهضة هذه الفكرة التي مؤداها أن ما يمكن تسميته ثورة أمر ممكن في هذا العالم. عليه... أثار هذا الموضوع اهتمامي البالغ إذ رأيت أنه ثابت تاريخياً وإن يكن البيان الذي يقدمه أرنست بلوك لهذا كله لا يبدو مرضياً من زاوية علم التاريخ. أعتقد أن هذه الفكرة التي هي، على الصعيد السياسي...

فارس ساسين: هي فكرة ندين بها للقرن السادس عشر ولكن لفرق دينية.

ميشال فوكو: كلا، بل بدأ ذلك قبل القرن السادس عشر بزمن طويل، فإن حركات التمرد الشعبية في العصر الوسيط كان تنظيمها يتبع هذا المدار. بدأ ذلك في القرنين الثاني عشر والثالث عشر ولكن الانفجار تمّ، على الخصوص، في القرنين الخامس عشر والسادس عشر واستمر عبر الحروب الدينية كلها.

كنت إذن أطالع هذا الكتاب، بينما كانت الصحف تفيدني كلّ يوم أن إيران تشهد شيئاً تصحّ تسميته حركة تمرّد: حركة كان طابعها المميز أنها واضحة البعد عن التزام أيدلوجية ثورية غربية وهي لم تكن تمتثل أيضاً لأمر حزب سياسي أو لقيادته بل ولا تقودها مجموعة من المنظمات السياسية وإنما هي حقاً حركة تمرّد جماهيرية. كان ذاك شعباً برمّته ينتصب في وجه نظام قابض على السلطة. أخيراً كانت أهمية الظاهرة الدينية والمؤسسات الدينية والتمثلات الدينية (كلام غير مسموع). عليه بدا لي أن ثمة صلة بين ما كنت أقرأه وما كان يحصل. فأردت الذهاب إلى هناك للمعاينة. وقد رأيت فعلاً ما كان يحصل على أنه مثال أو اختبار لما كنت أقرأه عند أرنست بلوك. هذا ما جرى. إذن كنت أنظر هناك–إذا شئت–بعينٍ تُوجهها مشكلة العلاقة بين الثورة السياسية والأمل أو الإيمان الديني بالآخرة. هذا ما جرى.

فارس ساسين: إذن انطلقت من هذه الرؤية التي كانت، في البدء، رؤية نظرية فسافرت إلى إيران مرّة واحدة؟

ميشال فوكو: كلا بل مرتين.

فارس ساسين: ذهبت إلى هناك مرتين؟

ميشال فوكو: المجموع خمسة أسابيع. خمسة اسابيع أو ستة.

فارس ساسين: وهناك التقيت عيّنة عريضة من الناس؟

ميشال فوكو: عريضة... تعرف من يسع زائراً غربياً أن يلتقيهم في مرحلة مثل هذه. أي أنني قابلت طبعاً أناساً من الأوساط الجامعية في طهران. والتقيت في طهران عدداً من الشبان والشابات من غير الجامعيين أو من الذين تركوا الجامعة وكان من التقيتهم ناشطين في الحركة الثورية في تلك الآونة. والتقيت كذلك عدداً (ولكنه قليل) من المنتمين إلى الوسط السياسي. التقيت عدداً من الأشخاص الذين أصبحوا لاحقاً من أركان النظام الجديد ومنهم الدكتور كاظم سامي[2] (كلام غير مسموع) الذي أصبح–تعرف–(كلام غير مسموع).

ميشال فوكو: نعم!

ميشال فوكو: ...بازركان[3]. ثم ذهبت إلى قمّ والتقيت فيها شريعتمداري[4]. ثم ذهبت إلى عبادان. والتقيت هناك مجموعة صغيرة من العمال (كلام غير مسموع). التقيت موظفين أيضاً: أناساً من الإدارات المختلفة في طهران. وبالطبع لم أرَ شيئاً مما كان يحصل في الملحقات.

فارس ساسين: في المدن الكبرى فقط.

ميشال فوكو: لا أعرف إذن... لم أرَ أشياءً تحصل إلا في طهران وقمّ وعبادان.

فارس ساسين: وحين وجدت نفسك هناك، ما الذي وجدته مميزاً للحالة الإيرانية؟ أعني هل وجدت أنها تؤكد ما كنت قد توصلت إليه أم أنها تنقضه؟

ميشال فوكو: أقدّر–إن شئتَ–أن كثيراً من التحليلات في أوروبا... في فرنسا، على أي حال، كانت في ذلك الحين تأخذ بفكرة مؤدّاها أن ما أخضعت له إيران من تجريد من الثقافة بتأثير من نظام الشاه الدكتاتوري ومن التصنيع المتعجل ومن النموذج الغربي الذي فرض بمزيد من التعجل قد أدى، في نهاية المطاف... ومعه التفكك أيضاً... التفكك السياسي، إلى جعل الإسلام يصبح على نحو ما قاموس الحدّ الأدنى... القاموس المشترك الذي كان الشعب الإيراني يعبّر به عن مطالب كانت، في حقيقتها، مطالب سياسية واجتماعية. بكلام آخر، لم يسع هذا الشعب أن يتوفّر على خطاب ثوري، على أيدلوجية ثورية، على تنظيم ثوري، بالمعنى الغربي للعبارة، فما كان منه، إذا أخذنا بهذا، إلا أن لاذ بالإسلام. كان هذا التأويل هو ما سمعته يتردد حولي كثيراً وهذا التأويل هو ما وجدته يفتقر إلى الدقة. وذاك أنه بدا لي، على نحو ما أن الإسلام... أنه لم يكن، في هذه الحركة، مجرّد مَرْكب ينقل تطلعات أو أيدلوجيات هي في حقيقتها شيء مغاير. لم يكن الافتقار إلى ما هو أحسن هو ما حمل على استخدام الإسلام لتعبئة المسلمين. أعتقد أنه كان يوجد فعلاً في هذه الحركة وهي حركة شعبية عريضة جداً (إذ أقدمت فيها ملايين وملايين على مواجهة جيش وشرطة لم يكن جبروتهما الكلّي خافياً)... أعتقد أنه كان يوجد ههنا شيء يدين بقوته... أعني... إلى ما يمكن أن نسمّيه... أعني... إرادةً سياسية ودينية في آن، وهذه لا تخلو من شبه بما كان يحصل في أوروبا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر عندما كان أنصار تجديد العماد–مثلاً–يتمردون على السلطة السياسية الماثلة أمامهم ويجدون القوة واللغة لحركاتهم في معتقد ديني، في تطلع ديني صادقٍ وعميق. هذا ما كان وهذا ما حاولت أن أقوله.

فارس ساسين: عليه سأسألك عن المبادئ الرئيسة التي مثّلت، على ما أظن، أساس شواغلك النظرية وأنت تنظر في الحالة الإيرانية. تلك تصورات ثلاثة ولك أن تعلمني بوجود غيرها وهي ”الإرادة العامّة“ و”الحكومة الإسلامية“ و”الروحانية السياسية“. يسعنا أن ننظر في هذه الثلاثة. فما استوقفك إذن، في البداية على الخصوص، هو وجود إرادة عامّة يحملها شعب وأنت تقول إنك كنت تحسبها تجريداً وكنت تعتقد أنها، على غرار الله، لا توجد إلا في الكتب وأنك وجدتها ماثلة في الساحة هناك.

ميشال فوكو: ما أتاحته لي خبرتي باعتباري أوروبياً كان ألّا أرى الإرادة إلا مفوّضة أو ممثّلة أو مصادرة من جانب مشتغلين بالسياسة: تنظيمات سياسية أو زعماء سياسيين. وفي اعتقادي أن اعتمادنا الصراحة مع أنفسنا يجعلنا نرى أن تمثيل ديغول لفرنسا في سنة 1940 ربما كان واقعاً في حينه ولكن أعلم جيداً، على كوني كنت طفلاً في حينه، أن الإرادة العامة للفرنسيين لم تكن في تلك الجهة (ضحك). ولنقل إن تمثيل ديغول لفرنسا كان ولا يزال ظاهرة مرغوباً فيها سياسياً وكانت خصبة تاريخياً ولكن، في الواقع، لم تجر الأمور على هذا النحو تماماً (ضحك). في ديمقراطياتنا التي يتحدث فيها النواب والوزراء ورؤساء الجمهورية باسم المجموع، باسم الدولة والمجتمع، لا يستغرب أن تكون الإرادة العامة شيئاً لا نشعر به إلا نادراً. وعليه...

فارس ساسين: نعم ولكن...

ميشال فوكو: وفي الجماعات السياسية التي تزعم حيازة التطلعات الأساسية للسكان، نقع على كثير من البيرقراطية وكثير من الزعامة وكثير من التراتب وكثير من مصادرة السلطة، إلخ. والحال أنه قد تصوّرت، مخطئاً أو مصيباً (وهنا قد أكون ارتكبت خطأً كلياً) أن الإيرانيين، عندما نزلوا إلى الشوارع مواجهين الدبابات، في شهر أيلول، لم ينزلوا مجبرين أو مدفوعين من أحد، أعني... لم يكونوا جماعة من الناس تعرّض نفسها بدلاً من جهة يفترض أنها قابضة على هويتها، وإنما كانوا هم هم وكانوا يعبّرون عن رغبتهم في رحيل النظام الذي طالما تحملوه. وفي تقديري، على الرغم من أنني لم أزر الملحقات، أن هذه الظاهرة استوقفت الجميع كما ظهر في كل مكان من إيران تقريباً، بحسب ما ذكره (كلام غير مسموع)، في الأقل. الناس، في جملتهم، كانوا يرفضون بقاء الوضع القائم.

فارس ساسين: وما الذي كان يبدو مميّزاً لهذه الإرادة العامة؟ هل كانت منعقدة على رفض الحاكم وحسب؟

ميشال فوكو: هذه–إن جاز القول–هي الأصعب من بين النقاط التي تحتمل المناقشة. يمكن أو كان يمكن أن يقول المرء لنفسه: كانوا راغبين في الخلاص من هذا النظام وإلى هذا وحده كانت تنتهي تلك الإرادة العامة. الحال أنني أعتقد–وقد أكون مخطئاً في هذا–أنهم كانوا يريدون، في الواقع، شيئاً آخر. هذا الشيء الآخر الذي كانوا يريدونه ليس، في الحقيقة، نظاماً سياسياً آخر ولا نظاماً يتحكم به الملالي على نحو ضمني إلى هذا الحدّ أو ذاك. ما كانوا يريدونه، ما كان ماثلاً في عمق فكرهم أو–إن أجزت لي القول–في أفق نظرتهم، حين كانوا يعرّضون حياتهم على نحو شبه يومي في تلك التظاهرات... ما كانوا يبحثون عنه، على ما يبدو لي، إنما كان نوعاً من الحياة الآخرة. أقصد أن الصورة التي كانت تتخذها تلك الإرادة العامة لم تكن صورة الرغبة في دولة أو في تنظيم سياسي وإنما كانت، على ما يبدو لي، صورة نوع من الرغبة الدينية في الآخرة.

فارس ساسين: ... الآخرة التي تتحقق في الدنيا أيضاً؟

ميشال فوكو: نعم أو إن هذا–إذا شئت–هو ما كان يمنح صورة وقوة لإرادتهم ولم يكن ذلك يقتصر على رفض للنظام القائم اتخذ صورة النفور من الفوضى ومن التبديد ومن الفساد ومن الـشرطة ومن المجازر. أو قل إن هذا كان يتخذ صورة أيضاً وكانت تلك صورة دينية للآخرة.

ميشال فوكو: إذن قلتَ بشأن الحكومة الإسلامية في ”رسالة مفتوحة إلى مهدي بازركان“[5] إن كلمة حكومة هي التي باتت موضوع تضجّر وإن كلمة إسلامية ليست ما يخيفك وقلتَ إنك ترى محتملاً أن ينشاً بين هذين المصطلحين إما تصالح وإما تناقض وإما عتبة مؤدية إلى جديد[6]. فهل لك في العودة إلى هذه الإمكانات مع تقديرٍ ربما تجده ممكناً لأيهّا تمثل الوجهة التي تسلكها الوقائع؟

ميشال فوكو: حسنٌ... ما أعتقده إذن أن مبدأ الحكومة الإسلامية هذا كان فيه كثير من الإبهام... كثير من اللَبس. والحق أنني حين طرحت السؤال كان الكل يحدثني بأمر الحكومة الإسلامية. من سامي كرماني إلى شريعتمداري مروراً ببازركان، كان الجميع يقولون لي (كلام غير مسموع) إن ما نريده هو الحكومة الإسلامية. وحين كنت أسألهم ما الذي يطلقون عليه هذا الاسم كانت أجوبتهم غامضة جداً... مبهمة. وحتى لو تمثلت الضمانة بوعد من شريعتمداري بإجراء أمر من الأمور فإنها لم تكن مما يطمأن إليه فعلاً. لا يكفي أن يقال لك ”سنحترم الأقليات“ أو ”سنحتمل حتى الشيوعيين“ لتكون مطمئناً. بل إنني أعتقد أن سماع هذا مما يدعو إلى القلق. لكن هذا ليس كل ما في الأمر. يبدو لي أن الناس، بجمهورهم الأعظم، كانوا يفهمون بالحكومة الإسلامية أو يبحثون فيها عن شيء هو، في جوهره، صورة غير سياسية في الأساس للتعايش، طريقة في العيش معاً ليس بينها وبين التشكيل السياسي الذي يسعنا وصفه بالغربي أي شبه. والحال أن هذا الطلب لم يكن ليستقيم بصيغته هذه. فما يخشى أن نتجه إليه إنما هو حكومة يقبض على أزمّتها الملالي. حين كنت أقول: هل يكون التناقض وإمكان عتبة جديدة، كنت أريد السؤال عما إذا كان ممكناً أن تجري بلورة لشيء بناءً على شيء ملتبس إلى هذه الدرجة، مبهم إلى هذا الحد وقابل بهذه السرعة للانتهاء إلى حكومة للملالي؟ هل كانت الظروف والضغوط من كل نوع: من سياسية واقتصادية وعسكرية ودبلوماسية ستتيح لإيران أن تبلور حلاً؟ يبدو لي أنه كانت توجد نقطة مشتركة، على الأقل، حين كانت تذكر الحكومة الإسلامية، سواء في الحديث مع عمال عبادان أم مع شريعتمداري أم مع بازركان، إلخ.، وهي وجوب بذل الجهد للتوصل إلى صيغ للتعايش وللاجتماع وللمساواة، إلخ.، لا تكون استعادة للنموذج الغربي.

فارس ساسين: هل يمكن أن نسمي ذلك... أعني من غير إحالة إلى شخص معين... نوعاً من مجتمع بلا دولة؟

ميشال فوكو: إذا شئت. نعم نعم نعم! بلا ريب. بلا ريب. مرة أخرى كان كل شيء غامضاً جداً ومشوشاً جداً بالضرورة.

فارس ساسين: ولكن هل كان الإسلام الذي يقدَّم، على العموم، والذي قدّم نفسه أحياناً على أنه دين ودولة... ألم يكن هذا الدين الذي يتقدم على أنه خلاصة لعقيدة السلطة يحمل في ذاته إمكان حدّ من سلطة الدولة أيّةً كانت؟

ميشال فوكو: في كل حال، هذا ما صرحوا لي به هناك باستمرار. كانوا يؤكدون لي أن الإسلام بما هو ما هو لا يسعه أن يكون منطوياً في ذاته على أي من الأخطار الملازمة حتى للصيغ المرهفة والمتروية والمتوازنة من الديمقراطية الغربية. ذاك ما قيل لي. مرة أخرى، هذا النوع من الأمل هو، في كل حال، ما يبدو قريب الشبه بما نجده في أوروبا في القرن السادس عشر. ويبدو لي أن هذا هو ما...

فارس ساسين: ننتقل إذن إلى ذاك المبدأ الذي لم ترشق بسببه بالورود، أليس كذلك؟ (ضحك) وهو مبدأ ”الروحانية السياسية“. فلعلك تشرح لنا قليلاً، إن شئت، كيف يُسيَّس الروحاني ويُرَوْحَن السياسي؟

ميشال فوكو: تعرف، لعلّي سأجري دراسة، في يوم من الأيام، لما بدر من الفرنسيين من ردود فعل عصية على التصديق على موقفي مما جرى في إيران. لا أعرف كيف كانت ردود الفعل هذه في البلدان الأوروبية الأخرى. وأما في فرنسا فكان فيها جنون مطبق. أعني... أنه كان مثالاً للشيء الذي... خرج أناس عن طورهم فعلاً. تدرك أنه يقتضي ليقدم ثلاثة صحافيين مختلفين (كلام غير مسموع) تافه. ثم الوصول إلى حدّ تلفيق أشياء مزوّرة انطلاقاً من نصوصي ونِسْبتها إلي... أعني أن جُملاً قد لفّقت ولم تكن مني ونصوصاً لم تكن مني وكلمات لم تكن مني وقد نُسبت إلي للاستدلال بها على أنني أؤيد عمليات إعدام اليهود وأنه يمكن القول أنني أؤيد عمل المحاكم الإسلامية، إلخ. حصل ذلك في صحفٍ ذات قبول. عليه كان أولئك الناس قد أصبحوا مجانين.

فارس ساسين: كيف تعلل هذا الجنون؟

ميشال فوكو: أفٍّ... أحب أن أحدّثك في هذا. ليس عندي تعليل. بالأمس التقيت صحافياً ينتمي إلى صحيفة... إلى أسبوعية، وكنت قد التقيته في إيران. فسألته: ”كيف تفسر موقف زملائك؟“ هو يهودي وقد أجابني بقوله: ”أعتقد أنه كره الإسلام“.

فارس ساسين: يوجد كتاب أذكره لأنني نشرت مراجعة له في الجريدة قبل أسبوع وعنوانه الاستشراق[7].

ميشال فوكو: نعم. هو لإدوارد سعيد. أعرف إدوارد سعيد وأعرف الكتاب.

فارس ساسين: إذن تعرف إدوارد سعيد.

ميشال فوكو: نعم والكتاب مثير لأشدّ الاهتمام. حسنٌ. في نهاية المطاف، لا أعرف. في كل حال، أصيب أولئك الناس بالجنون. بصدد الروحانية السياسية، كانت الجملة التي قلتها هي التالية: قلت إن ما وجدته هناك كان شيئاً يشبه أن يكون بحثاً عن روحانية سياسية وأضفت أن هذا المبدأ الذي يبدو لنا الآن غامضاً للغاية كان واضحاً تماماً ومألوفاً في القرن السادس عشر. حسن. ليس في الأمر ما ينتطح فيه عنزان. كان يمكن أن يقال لي: ”لا صحة لهذا. لم يكونوا يبحثون عن روحانية سياسية“. وأما أن يقال ما قيل مرة أخرى في وقت قريب جداً في لوموند...

فارس ساسين: كلود روا؟

ميشال فوكو: كلود روا. في أكذوبة ضخمة. وهم لم يعتذروا عنها ولن يعتذروا أبداً. ولكن علي أن أتحمل وزرها دائماً. لم أتطلع شخصياً–مهما يقولوا–إلى روحانية سياسية. قلت إنني عاينت هناك حركة مثيرة للفضول، حركة غريبة جداً وإنه لا يمكن فهمها، على ما أظن، إلا بتوسط شبهها بأمور ماضية (كلام غير مسموع). الروحانية السياسية عندكم منها مثال ممتاز يصعب أن يكون قد نُسي تماماً إذ لا يزال له نوع من الراهنية عندنا وهو الكالفينية. فما هو كالفن إن لم يكن في إدخال ما ليس معتقداً دينياً وحسب، ما ليس تنظيماً دينياً وحسب، ما هو صورة تامة من صور الروحانية أي من العلاقة الفردية بالله، من العلاقة الفردية بالقيم الروحية... إدخاله في السياسة؟ هذا ما كان جارياً في الغرب وهذا، في ما يبدو لي، ما حصل في حركة العام 78 في إيران. شخصياً، أعني... (ضحك) لم أعتقد يوماً أن الروحانية السياسية يسعها أن تكون تطلعاً في الحاضر...

فارس ساسين: أن تكون جواباً...

ميشال فوكو: ... جواباً أو تطلعاً ممكناً أو مرغوباً فيه في الغرب. نحن على ألف ميل (ضحك). وأحسن دليل على أننا على ألف ميل أن علينا إجراء إحالات تاريخية إذا شئنا أن نحاول الإفهام. ثانياً: لم أزعم أبداً أن الروحانية السياسية هي الحل حتى لمشكلات إيران. فبمجرد التذكير بما جرى في أوروبا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، نقول إن الأمور لا تدار على هذا النحو وإن هذا يسوق إلى أوضاع قاسية. لم تكن الروحانية السياسية في أي وقت هي الجنّة على الأرض. أنظر إلى كالفن وإلى روحانية كالفن السياسية فترى أنها أوصلت إلى نصب عدد من المحارق (ضحك). حسن: أعني أن هذا هو الواقع. بكلام آخر: وصفت شيئاً كنت أعاينه في إيران. وقد أكون أخطأت وفي هذا أقبل كل مناقشة ممكنة. وأما أن ينسب إلي على أنه تطلع شخصي ما كنت أصفه على أنه يبدو لي إرادة أو تطلعاً خاصاً بإيران فذاك أمر شائن. (كلام غير مسموع).

فارس ساسين: غير أنك قدمت وصفاً متعاطفاً مع الحركة.

ميشال فوكو: ...

فارس ساسين: كلا أنا من يقول ذلك...

ميشال فوكو: بلا ريب.

فارس ساسين: وذاك أن المواقف التي اتخذتَها شدّت من أزرنا كثيراً في هذا الوسط الذي وصفت عداءه لتلك الثورة. كنتَ الوحيد الذي قال شيئاً جديداً فعلاً على صعيد التحليل حين قلت إن من ينزل إلى الشوارع ليسوا جماعة من المتعصبين وإن ما نشهده هو عودة الإسلام و... أعني...

ميشال فوكو: نعم. حسن. لك ذلك. من جهة، لا أظن أن في الوسع فهم شيء نشعر بالعداء له. ولو ان نوعاً من الشعور بالعداء خامرني حيال ذلك كله ما كنت لأذهب إذ كنت سأوقن أنني لن أفهم ما يجري. ثانياً: يبدو لي أن المخاطر، أن الإمكانات لتوجُّه الحركات الثورية أو الحركات العنيفة والمتجهة بحدة إلى التغيير الاجتماعي والسياسي في البلدان التي يقال لها العالم الثالث قد يتزايد الآن، أعني سعيها إلى التجذر في التربة الثقافية لتلك البلدان عوض أن تحاول اعتماد الغرب مثالاً: الغرب الليبرالي أو الغرب الماركسي. أعتقد أن هذه ظاهرة يمكن أن تنتشر. أو انني أعتقد، بالأحرى، أنها ظاهرة آخذة في الانتشار. في أفغانستان (كلام غير مسموع) هذا النموذج (كلام غير مسموع) الماركسي (كلام غير مسموع) فرع بحاله (كلام غير مسموع). حسنٌ. يبدو لي أن عندنا ههنا... فإن لم يكن إلا من وجهة نظر تاريخية بالمعنى الصحيح–إن شئتَ–كان علينا أن نولي بعض الثقة لما يحصل وأن نوجه انتباهنا إليه. ولكن–ثالثاً وأخيرا–إذا صحّ أنني تجاوزت بالتعاطف هذا الفضول التاريخي والسياسي، فذاك بسبب نظام الشاه، نظام القهر السياسي والاقتصادي واستغلال السكان والإمبريالية المقنّعة، إلخ. فإن كان شعب برمّته يثور على ذاك النظام فذاك أمر حسن. بل أقول إنه أمر حسن جداً، وبمقدار ما أتاح الإسلام هذا الأمر، في الأقل، فإن الشعب برمته قد نحا نحو المشاركة الفعالة. تعرّف الشعب نفسه في الإسلام. ويبدو لي أن أصداء هذه الحركة وصلت إلى عمق الريف الإيراني بمقدار ما اتخذت لها مرجعاً شيئاً كان الناس يتعرفونه على أنه لهم. وأما لو كانت الحركة قد قامت باسم صراع الطبقات أو باسم...

فارس ساسين: الحريّات...

ميشال فوكو: ... باسم الحرّيات... لما كنت على ثقة بأنها ستحدث الدَويّ نفسه وتكون لها القوة نفسها. تلك هي الأسباب التي حفزت تعاطفي. على أن هذا التعاطف لم يذهب قط إلى حدّ القول إن علينا أن نحاكي ما كان يحصل، وهذه واحدة، ولا أن ما سيخرج من تلك الحركة سيكون الجنّة على الأرض، وهذه الثانية، بل ما أبعدنا عن ذلك. ما أبعدنا عن ذلك! وإنما اكتفيت بالإدلاء بحكم واقعي في صدد قوّةٍ عاينتُها ولم يكن في وسعي إلا أن أؤيد أهدافها المباشرة بمقدار ما كانت تلك الأهداف المباشرة تنتهي إلى إطاحة ذاك النظام الإمبريالي، ذاك النظام الاستغلالي، ذاك النظام...

فارس ساسين: مرتكب المذابح

ميشال فوكو: نظام الإرهاب البوليسي ذاك.

فارس ساسين: عليه قد نجد فرصة للعودة إلى هذا. ولكنك تضع نفسك كلّياً في خارج التيار المسمى تيار عودة المقدس.

ميشال فوكو: بلا ريب. لم أتخذ أي موقف... أعني... أعتقد أن إنساناً غربياً... إذا شئت... أنا، في كل حال، بصفتي غربياً، أعتبر أن موقفي من الدين لا يعني أحداً ولم أتخذ موقفاً سياسياً أو موقفاً علنياً قط يتعلق بهذا. أنا شخص لا يتحدث في هذا الأمر بتاتاً. أنا، إن شئتَ، موغل في مهنة التاريخ وفي النسبية إلى حد يبعدني عن الفكرة السخيفة (ضحك) المتمثلة في تحويل ما قد أكون رأيته في إيران إلى راية لموقف نبوي جديد مفاده العودة إلى المقدس (كلام غير مسموع). لا شأن لي بهذا كله. بعض الناس يفعلون ذلك وهذا حقّهم. أنا–في كل حال–لا أفعله. حاولت أن أصف ما رأيته. والمشكلة هي أن نعلم لماذا مثّل ما كان يحصل هناك أو الواقع الذي نشأ هناك جرحاً بهذا العمق للغرب. فقد وصل الأمر إلى حدّ أنني حين وصفت ذلك الواقع (كلام غير مسموع)... كثيراً في كل حال... أمكن اعتباري نوعاً من نبي متعصب بدوري.

فارس ساسين: وأنت لا تقدّم بهذا الصدد... لا تملك أي تفسير؟

ميشال فوكو: كلا، بل لا أزال متشككاً جداً جداً... ومرتبكاً مما يحصل. حين أتحدث إلى أناسٍ... أقصد: إلى أناسٍ قريبين إليّ بعض القرب... يبدي كثيرون تقززاً من السفاهة التي أظهرها الصحافيون (كلام غير مسموع) الشيء نفسه تماماً بصدد ما حصل في إيران. سمعت جملة بدت لي تعبيراً نموذجياً عن هذا وهي التالية: قبل شهرين أو ثلاثة سمعت على إذاعة محلية خبراً هو التالي: ”ألغى نظام آية الله الخميني طلباً لطائرتي كونكورد (أو لمحطتين نوويتين، لا أذكر) ولكن حكومة السيد بازركان أكدت أن العقود ستبقى سارية“. عندنا إذن حكومة السيد بازركان للعقود السارية ونظام آية الله الخميني للعقود الملغاة (ضحك) أليس هذا رائعاً؟

فارس ساسين: بلى هو رائع.

ميشال فوكو: تلك هي الحال.

فارس ساسين: ألم تقابله شخصياً أبداً؟

ميشال فوكو: آية الله الخميني؟ كلا. لم أقابله لأن ما كان يهمني، من جهة، هو–إن شئت–أن أعاين ما كان يحصل هناك. وأما آية الله الخميني فكنت أعرف، أولاً، أنه يقول أشياءً قليلة وأنه، من جهة أخرى، سياسي كان يجب أن يكون لتصريحاته المعدّة سلفاً من جانب المحيطين به معنى سياسي معين. ما كان يريد أن يقوله كنت أقرأه في الصحف. وكنت أعلم حقّ العلم أن حديثاً معه لن يفضي بي إلى أي شيء. مرّةً أخرى: لم تكن المشكلة أن نعلم ما كان يدور في رؤوس قادة الحركة بل أن نعلم كيف كان يعيش هناك أولئك الناس الذين كانوا يصنعون الثورة بمعنى العبارة الحرفي وكانوا، على ما يبدو لي، يصنعونها لحسابهم هم أنفسهم.

فارس ساسين: بهذا المعنى، إن شئنا أن ننتهي من بحث هذه النقطة، هل يسع الإسلام أن يضطلع بدور الضامن من الاستبداد، وفقاً لما قيل لك؟

ميشال فوكو: وفقاً لما قيل لي... حسنٌ. إسمع. أنا، شخصياً، متشكك جداً في هذا. هذا التشكك متصل أولاً بجهلي بالإسلام. ثانياً: ما أعرفه من تاريخ الإسلام لا يبعث، في ذاته، على اطمئنان يفوق ما يبعث عليه تاريخ أيّ دين. حسن. ثالثاً: الإسلام... الإسلام الشيعي في إيران لم يكن في الواقع نوعاً من... كيف أقول؟... لم يكن انبثاقاً مباشراً من زمن النبي. بل إن له تاريخاً وقد كان الإكليروس الشيعي ضالعاً في صيغ كثيرة من الاستئساس ومن السيطرة الإثنية ومن الامتيازات السياسية وغيرها، إلخ. لهذا الإكليروس تاريخ يجرّه خلفه. وعلى وجه الإجمال، لا يعدّ مستوى الثقافة والإعداد السائد في الإكليروس الشيعي مرتفعاً. لذا كان البقاء على شيء من الحذر ضرورياً، على ما أعتقد، بعد كل حساب. على أن هذه–ولأَقُلْها مرّةً أخرى–هي مشكلة المسلمين وليست مشكلتي. المشكلة المطروحة على المسلمين هي أن يعرفوا إن كان ممكناً بالفعل، بناءً على هذه الخلفية الثقافية وعلى الوضع الراهن وعلى السياق العام، أن يُستخرج من الإسلام ومن الثقافة الإسلامية ما يشبه أن يكون صورةً سياسية جديدة. هذه مشكلة للمسلمين وهي التي بذل عددٌ منهم، على الأقلّ، من بين المثقّفين المستنيرين، محاولاتٍ كثيفة جداً للتوصل إلى حلّ لها. تلك هي المشكلة التي حاول علي شريعتي أن يطرحها. وهي المشكلة التي كانت تشغل بازركان، على ما بدا لي، عندما قابلْتُه. وهي شاغل شريعتمداري أيضاً. ويبدو لي أن ذاك النوع من التركيز الذي يتابع به مسلمون أعرفهم في فرنسا أحداث إيران، وهو شديد وأخرس ومفعم بالتوجس في آن، إنما هو متّصل بالمشكلة نفسها: إذا فشلت إيران، أي إذا انقلبت كلّياً إلى نظام للملالي متسلّطٍ ومتخلّفٍ في آن (كلام غير مسموع)، إلخ.، أفلا يكون ذلك هو الإشارة أو، في الأقلّ، واحدةً من الإشارات إلى تعذّر أن يُستمدّ من الإسلام: من داخل الثقافة الإسلامية مواردُ تسعف في العثور على صورة لمجتمع سياسي؟ وأما إذا نجحت إيران... وذاك أن ما استوقفني كثيراً هو أن الصحف الفرنسية والفرنسيين قابلوا ما جرى في إيران بهذا الغلّ كله فيما بقي مسلمو أوروبا صامتين أو أن ما قالوه بقي قليلاً.

فارس ساسين: ولكنهم كانوا يتابعون بتعاطف.

ميشال فوكو: نعم، نعم. أعتقد أنهم كانوا يتابعون بتعاطف. ولكن أعتقد أن صمتهم كان ذا صلة بشعورهم أن الامتحان الذي يتعرض له الإسلام خطير جداً... مهمٌّ جداً. ولا ريب أنهم يحفظون كثيراً من... لا من الغلّ بل من القلق والمرارة أمام عدد من الأشياء التي تحصل حالياً في إيران (كلام غير مسموع).

فارس ساسين: ههنا كنت أرغب في طرح سؤال عليك (ولكن أرى أن الداعي إلى طرحه قد زال) وموضوعه الدور الخاص بالتشيع بما هو تنظيم وعقيدة مع علمي أن هذا ليس ميدانك. ولكن لنَعُد إلى سؤال أعمّ نوعاً ما ولكنه متصل بالسابق وهو أن مصطلح ”إسلام“، يُنظر إليه، في البيئة الفرنسية، نظرة سلبية. كيف تفسّر سوء الفهم هذا حيال حركة التمرّد الإيرانية وما تسميه الخوف مما تنطوي عليه هذه الحركة من محتوى عصيّ على التطويع؟ أي أننا ننتقل ههنا إلى فكرة ”امتناع التطويع“.

ميشال فوكو: تريد القول: في الإسلام؟

فارس ساسين: كلا، بل في حركة التمرّد.

ميشال فوكو: في حركة التمرّد، نعم. نعم.

فارس ساسين: هذه فكرة تطلقها في مقالتك الأخيرة في لو موند[8].

ميشال فوكو: نعم، نعم.

فارس ساسين: هي حركة يُعرّض الناس فيها حياتهم. هذا الجانب...

ميشال فوكو: نعم. جيّدٌ إذن. أنا، أنا... ما أردتُ قوله هو الآتي: لحركة التمرّد أسبابها وعللها دائماً وعليك، في ظني، على غرار المؤرّخ الذي يستوحي الماركسية، أن تنظر في الظروف والضغوط والأسباب التي تحمل المنتفضين على الانتفاض. هذا كله (كلام غير مسموع) مقبول (كلام غير مسموع) ولكن ليس هذا ما... أقصد أن إدراك اللحظة التي يحصل فيها ذلك أي السعي إلى فهم مَعِيش الثورة نفسه... أقول إن شيئاً ما في هذا يتعذر ردّه إلى تفسير أو سبب. فمهما تكن بائساً ومهما تكن مهدداً بالموت من الجوع، فأنت في اللحظة التي تنهض فيها وتقول إنك تفضّل الموت برصاص الرشاشات على الموت جوعاً تنشئ شيئاً لا يفسّره خطر الموت جوعاً. حسنٌ. يوجد إذ ذاك نوع من التفاعل بين التضحية والأمل... يكون كلّ واحد أو يكون الشعب في جملته مسؤولاً عنه. ويحدد المتمرّد نفسه درجة الأمل ودرجة تقبّل التضحية التي تجعله قادراً على مواجهة جيش أو شرطة (كلام غير مسموع). وهذه في اعتقادي ظاهرة فريدة جداً تكسر التاريخ... [المسجّلة] لا تعمل؟

فارس ساسين: بلى هي تعمل ولكن أعتقد أننا نقترب من نهاية الساعة.

ميشال فوكو: نعم... ولكن أرى أنه لا يزال أمامنا وقت... بل إننا لا نزال في منتصف الوقت.

فارس ساسين: هكذا إذن.

ميشال فوكو: نعم.

فارس ساسين: لماذا يعجز الرأي العام الأوروبي عن استيعاب هذا الأمر... بالمعنى الذي يستوعب فيه الملاكم اللكمة؟

ميشال فوكو: قد يمكن أو هو ممكن أن نتخيل أنه، بعد كبار... وذاك أن أوروبا قد عاشت، في نهاية المطاف (كلام غير مسموع) الأوروبي عاش على مبدإ الأمل الذي كان تنظيمه قد جرى حول فكرة الثورة السياسية ومعها الأحزاب والكفاح المسلح والطليعة والبروليتاريا، إلخ. حسنٌ... نعلم إلى أية خيبة أوصلنا هذا. يسعنا إذن أن نتخيل، اليوم، أن أيّة حركة تمرّدٍ تحصل، مهما تكن صورتها وأينما وقعت، تفضي، إذا هي لم تعتمد هذه الصيغ القديمة على أنها مهمّات (كلام غير مسموع) أمل... إلى استثارة الغيظ ومعه، إن شئت، نوع من... (ضحك) ما قد أسميه غيرة ثقافية: لن يقوم هؤلاء بثورة حقيقية بالصيغة الخاصة بهم فيما لم نتمكن نحن من القيام بالثورة بصيغة خاصة بنا. نحن الذين اخترعنا فكرة الثورة، نحن الذين طورناها، نحن الذين أنشأنا معرفة بحالها ونظاماً سياسياً بحاله وآليّة أحزاب بحالها، إلخ.، حول فكرة الثورة تلك. حسنٌ: يسعنا اقتراح هذا التفسير. ولكن لستُ على ثقة بصحّته.

فارس ساسين: في كل حال، يسعه أن يصحّ في تنظيمات بعينها ولكنه لا يصحّ في من يشكّلون قوّة الصدم في العداء لإيران.

ميشال فوكو: نعم.

فارس ساسين: يصحّ في الشيوعيين، في أهل اليسار. ولا يصحّ في اليمين.

ميشال فوكو: كلّا، هذا مؤكد... فهناك نقع على العداء العامّ لأيّة حركة تمرّد أية تكن صورتها.

فارس ساسين: يسعنا إن شئت أن ننتقل الان إلى شيء أعمّ بقليل وقد طرحنا السؤال المتعلق به، وهو فكرة التمرّد. تنوه بلغز حركة التمرّد وتقول إن هذا عنصر يقع خارج التاريخ. تكتب: ”الإنسان الذي يتمرّد لا تفسير له في نهاية المطاف“. ما الذي تعنيه بهذا؟ ولم لا يكون الأمر على ما هو عليه عند لا بويسي: ”الإنسان الذي يخضع“ هو الذي يطرح مشكلة؟

ميشال فوكو: أنت على حق و... (ضحك). (صمت). نعم، نعم، أنت تطرح ههنا مسألة خطيرة جداً، مهمّة جداً. و... سأجيب عنها... هكذا... من غير أن أكون واثقاً أن جوابي هو الصحيح أو أنني سأتمسك به دائماً. يبدو لي أن الأسباب التي تحمل إنساناً على الخضوع، يمكن، في نهاية المطاف، أن نحصي منها ألوفاً. قد تقول إنني أصبحت هيغلياً جدّاً فجأةً، ولكن، أليس تفضيل العبد حياته على الموت وقبوله العبودية ليبقى حياً هو، في آخر الأمر، آلية الخضوع بصوره كافّةً؟ في المقابل، يبدو لي لغزاً أن يغالط المرء مباشرةً هذا الحساب البديهي والبسيط فيقول: أفضّل أن أموت على أن أموت. أفضّل أن أموت بالرصاص على أن أموت هنا. أفضّل أن أموت اليوم بعد أن أتمرّد على أن أتعفّن تحت سلطة هذا السيد الذي أنا (كلام غير مسموع). هذا الموت عوض الموت. هذا الموت الآخر...

فارس ساسين: عوض الحياة؟

ميشال فوكو: نعم، أو إنني أريد أن أقول...

فارس ساسين: نعم، هو إذن: الموت ولا التعفّن.

ميشال فوكو: ولا التعفّن... أعني ولا... حسنٌ. يبدو لي أن اختيار الموت هذا، الموت الممكن، هو، في الواقع، أمرٌ يَفْترض... يمثّل قطيعةً بالنظر إلى كلّ العادات، إلى المألوف كله والحسابات وما هو مقبول، إلخ.، مما يشكّل لُحْمة الوجود اليومي. وأقول مرّةً أخرى إن من الصواب، من الحسن جدّاً أن المؤرخين والاقتصاديين والاجتماعيين والمحللين (كلام غير مسموع) في مجتمع ما... أجد من الجيد جداً أن هؤلاء جميعاً يشرحون أسباب الانتفاضات ودوافعها ومداراتها والشروط التي جرت في ظلها. ولكن: مرة أخرى، تبدو لي بادرة التمرّد نفسها عصيّة على الردّ إلى هذه التحليلات. تعرف، حين قلت إن هذه البادرة تقع خارج التاريخ، لم أقصد أنها تقع خارج الزمن، قصدت أنها خارج حقل التحليل هذا، وهو حقل لا بدّ من العناية به طبعاً ولكنه لا يقدّم تفسيراً لتلك البادرة أبداً.

فارس ساسين: ههنا ألاحظ تطوراً في تحليلك أو هو تمييز بين مستويين. حين تتطرق إلى فرنسوا فوريه وتحليله للثورة الفرنسية وكيف كان لها أسباب اقتصادية واجتماعية، إلخ.، من جهة، أفضت إلى الإصلاحات لاحقاً. توجد إذن واقعة الثورة. هذا صعيد. وحين تطرح واقعة التمرّد التي لا تفسير لها، فهل هذا صعيد آخر؟ أم هو الصعيد نفسه؟

ميشال فوكو: أعتقد أنه الصعيد نفسه. أعتقد، إن شئتَ، أن مسألة الحدث الثوري هي المطروحة. منذ بعض الوقت، أصبح المؤرخون في فرنسا لا يحبون مبدأ الحدث. أصبح دأبهم ردّ الحدث إلى شيء آخر. كلّا بل يجب العودة إلى هذا الموضوع. الثورة حدثٌ. وهي حدث يعاش، يعيشه بشر. حسنٌ. وصلنا إلى وقت أدرك فيه الفرنسيون أنهم يقومون بالثورة. وهم قاموا بالثورة لأنهم أدركوا أنهم يقومون بها. أدركوا أنهم يفعلون شيئاً معيناً. شيئاً ذا أهمّية سياسية، يحطّم البنى القديمة، إلخ. حين كانوا يستمعون إلى خطبة لدانتون، حين كانوا يجتمعون في نادي اليعاقبة، حين كانوا يجتاحون الجمعية الوطنية... حسنٌ. في إيران، سنة 1978، حين نزل الناس إلى الشوارع، كانوا يعلمون أنهم يفعلون شيئاً وأن هذا الشيء ثورة او أنه حركة تمرّد وأنه، في كل حال، إنهاء لشطر بحاله من تاريخهم.

فارس ساسين: ولكن مهما يكن من شيء فإن قرار المخاطرة بالحياة شيء يبقى مختلفاً عن التمثيل على مسرح؟

ميشال فوكو: هذا مؤكّد، ولكنْ هذا القرار–إن شئتَ–في أيّة صورة... ما الصورة التي سيتّخذها؟ أعتقد أن هذه واحدة من المسائل أيضاً. فإذا قررنا أننا سنموت فيما نحن نقوم بالثورة، فهذا لا يعني ببساطة أن نقف أمام رشّاش وننتظر أن ينهمر رصاصه. أن نقرّر أننا سنموت أو أننا نفضّل الموت على البقاء: يَسَع هذا أن يتّخذ عدداً غير قليل من الصُوَر. يَسَع هذا أن يتّخذ صورة الإقدام على تشكيل فريق مغاوير أو عصابات ويَسَعه أن يتّخذ صورة العملية الفردية ويسعه أن يتخذ صورة الاشتراك في حركة جماهيرية ويسعه أن يتخذ صورة التظاهرة الدينية أو صورة العرض التمجيدي للموتى، إلخ. في هذا–إن شئت–يتمثل ما أسميه مسرحة المعيش الثوري ولا بد من دراسته. وهو–إن شئت–التعبير المرئي المؤكّد عن هذا النوع من القرار الذي يمثل انقطاعاً في التواصلات التاريخية والذي هو لبّ الثورة.

فارس ساسين: ههنا تردّ للوعي دوراً هاماً في التاريخ.

ميشال فوكو: إي نعم نعم نعم.

فارس ساسين: وعي الجماهير.

ميشال فوكو: نعم، بلا [أدنى] ريب.

فارس ساسين: ههنا... أعني... ثمة سؤال يُعطف على السؤال السابق. في كتبك يبدو أنك تنطلق من أجهزة السلطة أو من مركّباتها وهو ما لا يكفّ عن لومك عليه، بحنق شديد، كاستورياديس مثلاً. أظنك بدأت تتكلم على ”العوامّ“ في حوار أجرته معك لي ريفولت لوجيك[9]. ألا يبرز عنصر التمرد أو الانتفاضة من خارج أعمالك وقد كان لحركة التمرّد الإيرانية دور في استعمالك هذا المصطلح؟

ميشال فوكو: إسمعْ: الناس غريبو الأطوار جدّاً جدّاً: لا يأذنون لك بالتحدث إلا عما يتحدثون عنه هم أنفسهم. (ضحك). حين أتكلم على مركّبات السلطة أحاول أن أدرس كيفيات عملها في مجتمع ما. لم أزعم أبداً أن مركّبات السلطة هذه تشكّل حياة المجتمع برمّتها. لم أزعم قطّ أنها تستنفد التاريخ. أردت أن أقول ببساطة إنني أريد أن أعلم، ما دام هذا هو موضوعي، كيف تعمل هذه المركّبات. وههنا يبدو لي أن ما قدّمه كثير من هؤلاء الأشخاص الذي تشير إليهم من تحليلات للسلطة، أعني... أنهم يستدعون الدولة أو يستدعون طبقة اجتماعية... فهذا لا يحيط مطلقاً بالكيفية المعقّدة لعمل ظاهرة السلطة تلك. هو ذاك.

فارس ساسين: ولكن مع ذلك... بين وصفك آلية سلطة أو جهاز وتقديمك الحالي، مثلاً: في دروسك المتعلقة بالجنس أو في المقابلة التي أجرتها معك مجلة لارْك[10]، للسلطة في علاقتها بالمعرفة أو بالرغبة على أنها غير قمعية بل سياسية، نصبح أمام عنصر أكثر داخلية بكثير، أكثر ملازمة...

ميشال فوكو: نعم ولكن...

فارس ساسين: ... عمّا كان الأمر في المراقبة والعقاب، مثلاً.

ميشال فوكو: نعم... فعلاً في هذه النصوص الأخيرة... حسنٌ. في المراقبة والعقاب، حاولت أن أدرس آلية السلطة الضبطية هذه، وهي آلية تبدو لي مهمة في المجتمعات، على الأقل في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. في نصوص أحدث عهداً، حاولتُ أن أتناول مجدداً موضوع السلطة على نحو أعمّ. حاولت أن أبين أن السلطة هي في الواقع بنية علاقةٍ دائماً. لا يوجد شيء يمكن اعتباره جوهر السلطة. أو أن السلطة ليست خاصية تستأثر بها طبقة اجتماعية. أو أن السلطة ليست نوعاً من القدرة يسع جهازاً من قبيل الدولة أن ينتجها. توجد، في الواقع، علاقات سلطة... علاقات سلطة بين الناس. بين الناس أي بين فاعلَيْن يكون الواحد منهما والآخر أو يكون هؤلاء منهم وأولئك في مواقع مختلفة غير متناظرة. ولكن ما إن نقول إن السلطة علاقة حتى نصبح حيال طرفين ويعني ذلك أن التغيير في واحد من الطرفين يغيّر العلاقة. معنى هذا أننا لسنا أمام نوع من البنية الحبسيّة، بل إن السلطة شبكة من العلاقات وهي متحركة، متغيرة، قابلة للتعديل وهي، في كثير من الحالات، سريعة العطب. وعليه فإن الذين من نوع كاستورياديس لم يفهموا شيئاً على الإطلاق بطبيعة الحال. حسنٌ. لن نلتقط اعتراضاتهم، فهذا يقتضي إفراطاً في الانحناء.

فارس ساسين: نعم، إذن، أعني... كان هذا للنظر في هذا التعاقب ويمكن أن نعتبر، بالتالي، أنك تنطلق من أرنست بلوك ولكن الحدث في إيران لن يعدّل نظرياً وجهة...

ميشال فوكو: لا، لا، بالعكس. أعتقد أن علاقة السلطة هي–إن شئتَ–علاقة دينامية وأنها تحدد فعلياً، إلى درجة معينة، موقع الأطراف. ولكن موقع الأطراف وموقف الأطراف ونشاط الأطراف تعدّل هي أيضاً علاقة السلطة. ما أردت بيانه ببساطة هو، بعبارة أخرى، أن السلطة لا توجد في جهة ثم يوجد البشر الذين تقع عليهم السلطة إذ توجب فرضية مثل هذه أن نقبل أو أن يكون علينا أن نقبل أن السلطة كلية القدرة أو يكون علينا أن نقبل أنها عديمة القدرة تماماً. في الواقع، لا يكون هذا صحيحاً في أي حال. توجد فَرْضية أو فرضيات أخرى. السلطة لا تكون كلية القدرة ولا عديمة القدرة. هي عمياء بنسبة كبيرة ولكنها تبصر، مع ذلك، عدداً من الأشياء، إلخ. السبب ببساطة أن المقصود هنا، في الواقع، شبكة من العلاقات الإستراتيجية بين أفراد يسعون وراء أهداف ويمسك بعضهم بعضاً ويحدّ كل منهم جزئياً قدرة الشريك على التصرف ولكن الشريك يفلت منه، فينجم من ذلك تكتيك جديد، إلخ. هذه الحركية هي ما يجب السعي إلى تحليله. وكما أنه توجد أوقات يحصل فيها، إن شئتَ، ما يمكن أن نسميه ظاهرة تناغم تستقر السلطة فيها ويحصل فعلاً، على وجه الإجمال، خضوع أو قبول لآلية السيطرة في مجتمع من المجتمعات، فإن التناغم يحصل، في أوقات أخرى، في الاتجاه المعاكس وفي مثل هذا الوقت تتعرض شبكة السلطة كلها، على العكس مما سبق، للاضطراب.

فارس ساسين: في التاريخ كما تصفه (أستخدم ههنا مصطلحات وردت في مقالتك في لو موند) توجد سلطات تصفها بأنها لامتناهية ولكنها ليست كلية القدرة. وتوجد حركاتُ تمرّدٍ لا تُردّ إلى شيء سواها وحقوق تسميها أيضاً قوانين عامة. هل لك أن توضح ما تراه طبيعة أو أسساً بيولوجية وعقلية واقتصادية لهذه الثلاث: كيف لنا أن نسميها: تجلّيات؟ مراجع؟ أَقصد: ما هو التصوّر الذي يسعه أن يجمع السلطة إلى الحقّ والتمرّد؟ أعني... أن المراد أن نعطي اسماً، ولكن هذه التصورات الثلاثة، على الخصوص...

ميشال فوكو: ما أريد قوله هو ما يلي: هو أن ما يبدو لي، أعني... في أنظمة من قبيل أنظمتنا: أي تلك التي يوجد فيها فعلاً، لا الدول وحدها بأجهزتها ومعها سلسلة من التقانات التي تطبّق للتوصل إلى حكم البشر، يؤدّي انتشار آليات السلطة واستقرارها بالتالي بفعل تكاثرها وتحسين عملها... أعني أننا ننزع دائماً إلى الإفراط في الحُكم. يوجد نوع من قانون للإفراط يداخل تطور السلطة.

فارس ساسين: ويكون ماثلاً في المؤسسة؟

ميشال فوكو: يكون ماثلاً في المؤسسة.

فارس ساسين: قبل أن يوجد في الرغبة؟

ميشال فوكو: نعم، أعني... لنقل، لنقل إن رغبة الأفراد والمؤسسة تتولى كل منهما، في هذه الآونة، تكثير الأخرى. حسنٌ. وإنه بمقدار ما يكون الأمر كذلك فإن واحداً من الأدوار الأساسية للمثقّف هو بالضبط أن يبرز، في وجوه الحكام، حدوداً عامةً لا يجوز تجاوزها وفيها ضمان لعدم الإفراط، أعني: ضمان مؤقت دائماً وهشّ دائماً ويبقى الدفاع عنه واجباً على غرار الدفاع عن حدود مهدّدة.

ميشال فوكو: ولكن ما هي هذه الحقوق، هذه القوانين، هذا الكلّي؟ هل هي العقل؟ هل هي كنط؟ هل هي عقيدة التوحيد؟ ألا تراك تُدخل ههنا، بين مبدأ السلطة ومبدأ التمرّد، مبدأ آخر هو مبدأ الحقّ، وهو ما نعاينه ولكن لا نجد تعييناً لأصوله في توجهك النظري؟ ما هو الحقّ؟ ما هو الكلّي؟ ما هو القانون؟

ميشال فوكو: أقول... هذا الكلّي الذي أتكلم عليه إنما هو، مرّةً أخرى، ما يترتب حكماً على كل نظام للسلطة يأخذ في العمل في مجتمع بعينه. إن لم يوجد حدّ كان معنى ذلك، على نطاق الكلّ، أننا متجهون نحو السيطرة، نحو الاستبداد، نحو استرقاق الأفراد، إلخ.، إلخ... عليه لا بدّ من مواجهة هذا الكلّي الذي هو واقعة سلطوية بكليّ آخر يتخذ صوراً تختلف كثيراً بعضها عن بعض تبعاً للسلطة التي نكون بصددها ولكنه يعلن، على وجه الدقة أنه: ليس لك أن تتجاوز هذا الحدّ.

فارس ساسين: هذا الكلّي يحمل أثر ما يواجهه، إذن. فهو لا يوجد بذاته وإنما هو نتاج حالة.

ميشال فوكو: نعم، إن شئت، أقصد أنه ليس...

فارس ساسين: ما أريد قوله أنه لا يوجد ”لا تقتل“ واحدة، على سبيل المثال. وإنما يتعين على القانون، في كل حالة بعينها، أن يتوقف عند حدود. كيف نرسم هذه الحدود، والحالة هذه؟

ميشال فوكو: حقوق الإنسان أو الحقوق، على وجه التعميم، إن شئت، لها تاريخ. فلا توجد حقوق كلّية. ولكن وجود الحقّ واقعة كلّية. ووجوب أن يوجد الحق أمر كلّي. فإذا لم نواجه وقائع الحكم بحقّ من الحقوق، إذا لم نواجه آليات السلطة وأجهزتها بحقّ من الحقوق كان متعذّراً ألا تفلت الآليات والأجهزة من عقالها. فهي لن تعمد إلى الكبح الذاتي أبداً.

فارس ساسين: عليه يكون الحقّ شيئاً سلبياً محضاً؟ هو يَلْجم ولكن لا إيجابية له؟

ميشال فوكو: كلّا، كلّا، أقصد: مهلاً، مهلاً! أشير هنا إلى تلك الحقوق التي كنت أتكلم عليها وهي–إن جاز القول–ما يسمّى اليوم حقوق الإنسان. فحقوق الإنسان والحقّ الوضعي الذي هو منظومة حقوقية، أيْ مَثَلاً النظام الخاص بمجتمع معين، ليسا شيئاً واحداً. حاولَت أنظمتنا الحقوقية في الغرب أن تقدّم نفسها على أنها مشتقة منطقياً من الإيجاب الأساسي لحقوق الإنسان. هذا ليس صحيحاً في الواقع. القانون الوضعي عبارة عن عدد من التقانات ومن الإجراءات ومن القواعد الإجرائية ومن الموجبات ومن المفروضات ومن المحظورات، إلخ. وهذه ليست حقوق الإنسان. وقد كان مشترعون كثيرون من ذلك العهد قد شعروا بذلك ومن بينهم، على الخصوص، بنتام الذي كان يقول، وهو المؤيد للثورة الفرنسية، حين يذكر له إعلانُ حقوق الإنسان في فرنسا: ”ولكن هؤلاء الثوريين الفرنسيين حمير، فهم لا يدركون أنه ما إن...“

(توقفت المسجّلة. انتهى الوجه الأول. جرى تغيير الوجه).

ميشال فوكو: حتى القانون الذي يصوّت له الشعب بأجمعه يجتزئ، بمجرّد أن يوجب شيئاً ما على أحد ما... ينال من حقوق الإنسان. وذاك أن ثمة تغايراً ما بين نظام حقوقي أيْ نظام من القوانين الوضعية في مجتمع ما وحقوق الإنسان. أكرّر أن حقوق الإنسان هي تلك الصورة للكلّي التي لا تحدّ أبداً في صورة بعينها والتي يمكن بتوسطها أن يُرسم لحكومة من الحكومات حدّ.

فارس ساسين: نتاج ماذا هي؟ نتاج العقل؟

ميشال فوكو: أعني... أقول إنها... لا. هي نتاج للإرادة.

فارس ساسين: عليه قد نكون وصلنا إلى مبدإ التمرّد.

ميشال فوكو: ألا تريد أن تشرب شيئاً؟ أكاد أموت ظمأً.

فارس ساسين: أعني... نعم، إن شئت (ضحك).

(توقّف عن التسجيل. استئناف التسجيل).

فارس ساسين: هي الرغبة إذن. عَلامَ يقوم التمرّد؟ ألا يمكن أن يكون ذلك قراراً؟

ميشال فوكو: بلى، هي إرادة.

فارس ساسين: أيمكن أن يكون ذلك قوّةً بيولوجية أيضاً؟

ميشال فوكو: تعلم... لعلك لاحظت هذا الشيء الذي هو (كيف أقول؟) متعدّد الثقافات: أنت الذي تعرف جيداً ما يجري هنا، لا بدّ أنك لاحظت كم أصبح مبدأ الإرادة هذا، في الثقافة الفرنسية الجارية، شيئاً لا يؤتى له على ذكر أبداً. يجري الكلام على العقل أو يجري على الرغبة.

فارس ساسين: نعم هو تصور مهجور بعض الشيء.

ميشال فوكو: نعم: تصوّر مهجور بعض الشيء.

فارس ساسين: أنهكونا في الصف الثانوي الأخير–أليس كذلك؟–ليفهمونا أن الإرادة تأليف.

ميشال فوكو: هو ذاك، هو ذاك.

فارس ساسين: فإذا كففنا عن تعريفها على أنها تأليف، نكون...

ميشال فوكو: تعلم، في هذا الموضوع، لا استطيع أن أقول لك كبير شيء لأنني بطيء الذهن. ولكن مضى عدد من الشهور أو عدد من السنين، تحديداً، وأنا بصدد تحليل لعلاقات السلطة تلك ويخيل إليّ أن هذا التحليل لا يستقيم إجراؤه دون إدخالٍ لمسألة الإرادة. فإن علاقات السلطة متخلَّلة كلّها بالرغبات، لا ريب، ولا ريب أنها متخلَّلة كلّها بترسيمات عقلية ولكنها تُطْلق إرادات أيضاً.

فارس ساسين: أي تطلق تأليفاً.

ميشال فوكو: لا، بل أقول... أقول إن الإرادة قد تكون، على وجه التحديد، هذا الشيء الذي يتخطى كل حساب للمصلحة، يتخطى–إن شئت–مُباشِرِيّة الرغبة، ما هو مُباشِرٌ في الرغبة، الإرادة هي ما يسعه أن يقول ”أفضّل الموت“. هي ذاك. وامتحان الموت هذا هو.

فارس ساسين: هل هي الامتحان الأقصى أم الامتحان المتواصل؟ حين تقول مثلاً ”إرادة المعرفة“؟

ميشال فوكو: لا، لا، هي الصورة الختامية–إن شئت–وهي الصورة القصوى. هي ما يدخل في دائرة الظهور العاري حين يقال: ”أفضّل الموت“.

فارس ساسين: هي إذن قرار لاعقليّ محض؟

ميشال فوكو: لا، لا، أبداً. لا حاجة بها أبداً إلى أن تكون لا عقلية. ولا حاجة بها أبداً أيضاً إلى أن تكون مفرغة من الرغبة. ثمة لحظة تكون فيها الذاتية أو الذات... الإرادة–إن شئت–هي ما يعيّن للذات موقعها الخاصّ. هي ذاك.

فارس ساسين: الإرادة هي ما يعيّن للذات موقعها، موقعها هي.

ميشال فوكو: الإرادة هي ذاك الذي يقول: ”أفضّل الموت“. والإرادة هي ما يقول: ”أفضّل أن أكون عبداً“. والإرادة هي ما يقول: ”أريد أن أعرف“.

فارس ساسين: ولكن ما الفرق بين الإرادة والذات؟

ميشال فوكو: نعم، أقول إن... الإرادة هي فعل الذات المحض. وإن الذات هي ما يستقرّ ويتعين بفعلٍ من الإرادة. هما في الواقع مبدآن متجاوبان، إن جاز القول، بصددِ عددٍ من الأمور.

فارس ساسين: ألا نسقط من جديد ههنا في نوع من المثالية التي كانت أعمالك قد بدّدَتها؟ (ضحك).

ميشال فوكو: ما المثالي في هذا؟

فارس ساسين: فيه بعض الشبه بتصوّر ”الإنسان“.

ميشال فوكو: كلا، فإن...

فارس ساسين: ذاك هيغلي جداً، أليس كذلك؟

ميشال فوكو: أقول إنه أقرب إلى فيخته.

فارس ساسين: معرفتي بفيخته ضئيلة.

ميشال فوكو: ما كنت أنتقده، على وجه التحديد، في مبدإ ”الإنسان“ وفي إنسانوية الخمسينات والستينات إنما كان–إذا شئت–استخدام أحد الكلّيات على أنه كلّي?مبدأ. فكان يقال بوجود طبيعة بشرية وبوجود حاجات بشرية وبوجود ماهيّة للإنسان، إلخ. وكان يقال إنه باسم هذا الكلّي الذي هو الإنسان تقوم الثورات ويقضى على الاستغلال وتؤمم الصناعات ويعتبر الانتساب إلى الحزب الشيوعي واجباً، إلخ. جيّدٌ! (ضحك). هذا الكلّي الذي كان يبيح هذا القدر من الأشياء وكان، في الوقت نفسه، يفترض، على نحو غير خالٍ من السذاجة، نوعاً من الدوام العابر للتاريخ أو القائم تحت التاريخ أو في ما وراء التاريخ للإنسان، أرى أنه لم يكن مقبولاً عقلانياً ولا هو كان مقبولاً عملياً. ههنا أعتقد أننا ننجو من النزعة الكلّية حين نقول إن الذات ليست، في نهاية المطاف، سوى... أعني أنها أثرٌ لـِ... أو هي ليست إلا ما تعيّنه إرادة بعينها... وإن الإرادة هي عمل الذات تحديداً. وأفترض أنك ترى، إن شئنا أن نقول الحقّ، ممن أقترب بسرعة تساوي سرعة الضوء، لا بسبب إنسانويته بل بسبب تصوّره للحرّية: إنه سارتر. ومن فيخته أيضاً. وذاك أن سارتر وفيخته... فسارتر ليس هيغلياً.

فارس ساسين: حين أذكر هيغل، أفكر في مطلع ”وجدان الذات“[11] في ”ظواهرية الروح“[12].

ميشال فوكو: نعم، نعم، هو ذاك، نعم فعلاً، حيث يتكلم على فيخته، حيث هو قريب جدّاً من فيخته.

فارس ساسين: نعم، فعلاً، وفي ”الكون والعدم“[13] حيث نقع على بحث في ”الكائن-الآيل-إلى-الموت“... لننظر ههنا في تقاطع هذه المسائل، إن شئت. كتبتَ: ”نلزم جانب الاحترام حيال تفرّد يتمرّد ونذهب إلى التشدد حالما تتجاوز السلطة حدّ الكلّي“. فهل واجب المثقّف أن يعرقل عمل السلطة عندما يكون التمرّد في حال ضعف؟ وأن يدعم أو ”يحترم“ التمرّد، على حدّ عبارتك، عندما يكون التمرّد في طور قوة؟ أفلا يحصل أن النظام الأخلاقي اللاإستراتيجي (وهذه كلمة يجب تعريفها لقرّاء الجريدة طبعاً) يجد نفسه ماسّاً بالاستقرار على الدوام إذ هو يستوي سنداً لحركات تمرّد بلا آخر وبلا غاية؟ ألا يكون هيغل، على ما قلته في درسك الافتتاحي، بانتظارك في نهاية الطريق؟ (ضحك) حين تطرح نظاماً أخلاقياً لاإستراتيجياً، تصبح في الواقع معادياً للسلطة متى كانت قوية ومؤيّداً للتمرّد متى كان قوياً، إذن...

ميشال فوكو: هل قلت هذا؟ هل ورد هذا في نصّ؟

فارس ساسين: كلا نصّك يقتصر على القول: ”أن نلزم جانب الاحترام حيال تفرّد يتمرّد ونذهب إلى التشدّد حالما تتجاوز السلطة حدّ الكلّي.“ ولكن حين تقوم حركة تمرّد في إيران تؤيدها وحين يسنّ السيد بيرفيت قوانين جديدة تعارضه، إنّما...

ميشال فوكو: أنا... أنا... أنا لا أؤيد حركة التمرّد متى كانت قوية، فقط متى كانت قوية وليس متى كانت ضعيفة. تعرف: حين يطلق شخص صيحة من عمق سجنه تجدني مؤيداً له ايضاً.

فارس ساسين: طبعاً ولكنك تحاول هنا ان توقف السلطة التي تنال منه. وحين توجد حركة تمرّد ذات بأس، تقتضي منك الاحترام. في نهاية المطاف، هذا تصوّر ماسّ بالاستقرار، على الدوام، وهو إستراتيجي بالتالي؟ إن كان طرحي للمسألة خاطئاً فلك أن تصحّحه، بطبيعة الحال.

ميشال فوكو: في هذه المقالة التي تشير إليها، ما حاولت أن احدّده بعض الشيء ليس موقع المثقّف... ما الذي يبيح لي، في آخر الأمر، ان أسنّ للمثقّفين قانوناً أُلْزمهم به، هم يفعلون ما يشاؤون وأنا لم أسنّ قانوناً لأحد أبداً، ولكن ما كنت أحاوله هو، في النهاية، ما كان يدور في رأسي. كثيراً ما أُخذ عليّ، في كل حال، أنني بلا سياسة وأنني لا أقول مثلاً: هو ذاك! هذا ما يجب أن تكون عليه الحال في السجون أو هكذا يجب أن يعالج المرض العقلي. لا أقول مثل هذا أبداً. بل أقول: هذه ليست مهمّتي. ولم لا تكون مهمّتي؟ ذاك لأنني أرى أنه إن كان على المثقّف أن يكون ”موظّف الكلّي“، على حدّ قول هوسرل، فإنما يقتضي ذلك أن يَترك موقع العقيدة المنزلة والنبوءة والتشريع. ليس على المثقّف أن يكون المشترع: أن يسنّ القانون. ليس عليه أن يقول ما يجب أن يحصل. أرى أن دوره يتمثّل، بدقيق العبارة، في ان يُظهر باستمرار كيف أن ما يبدو غير محتاج إلى تسويغ في ما تتشكّل منه حياتنا اليومية، إنما هو تعسّفي وهشّ في الواقع وأن في وسعنا دائماً أن نتمرّد... وأن عندنا، على الدوام وأينما كان، أسباباً لرفض الواقع في صيغته المعطاة أو المقترحة علينا. لا أعرف كيف وصل عدد من الشرّاح أو النقّاد، وهم–إن جاز القول–نقّاد أكثر مما هم شرّاح، إلى القول إنه لما كانت الأشياء هي ما هي فلا يمكن في رأيي أن نزحزحها. هذا فيما أفعل عكس ذلك بالضبط. أقول مثلاً بصدد الجنون: لننظر إذن في أمر هذا الشيء الذي يقدّم إلينا على أنه حقيقة مثبتة علمياً وهو وجود المرض العقلي أو الأمراض العقلية ونمذجتها، إلخ.، أنظروا لحظةً علامَ يستند هذا كله في الواقع وستجدون أنها سلسلة قائمة برأسها من الممارسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إلخ.، وهي كلها ذات موقع تاريخي محدّد وهذا كله هشّ جداً، بالتالي. مشروعي... أعتقد أن هذا واحد من الأدوار الممكنة، وإلا فما هو نفع المثقّفين؟... مشروعي هو التكثير، في كلّ مكان... في كلّ مكان يبدو فيه هذا ممكناً، من فرص التمرّد على الواقع المعطى لنا، التمرّد لا على غرار الحركة الإيرانية بالضرورة أو دائماً، بحيث يخرج إلى الشارع 15 مليون نسمة، إلخ. كلا، بل يمكن التمرّد على نوع من العلاقة العائلية، على علاقة جنسية، ويمكن التمرّد على طريقة في التربية ويمكن التمرّد على نوع من الإعلام.

فارس ساسين: هي إذن إستراتيجية تمرّد.

ميشال فوكو: إذن هي إستراتيجية تمرّد. ولكنه ليس التمرّد الشامل، الكلّي والكثيف، على طريقة القائلين: ”سئمنا هذا المجتمع العفن، فلنلق بهذا كله (كلام غير مسموع)“. وإنما هو التمرّد المتفارق والتحليلي الذي يبيّن ما هي عناصر الواقع التي تُقترح علينا، في حضارة من الحضارات، على أنها بدهية، طبيعية، لا جدال فيها، واجبة. أحاول أن أبيّن كم هي حديثة العهد تاريخياً وهشة... هشّة أي متحركة أي يمكن التمرّد عليها.

فارس ساسين: مبدأ التمرّد هذا، على ما أوضحتَه، يشير إلى تمرّد دائم ولكنه، في آخر الأمر، تمرّد لاغائيّ، فلا غاية زمنية له، لاغائيّ لأنه لاإستراتيجي، بمعنى من المعاني؟

ميشال فوكو: ما أريد قوله هو أنه ابتداءً من اللحظة التي يظهر فيها كل ما يحملنا على التمرّد، كل ما يبدو لنا غير قابل للاحتمال، كل ما نريد تغييره، وابتداء من اللحظة التي يأتي فيها أحدهم ليقترح عليك صيغة عامة وشاملة للخلاص من ذلك كله محدّداً لك ما ينبغي قبوله بعد ذلك، فإن عرضه يكون مغشوشاً في ما أرى. على البشر أن يبتدعوا، في آن معاً، ما يستطيعون ويريدون أن يتمرّدوا عليه وما يرغبون في أن يحولوا إليه حركتهم. أو ما سوف يوجهون حركتهم نحوه. يتعين أن يُبتدع هذا بلا نهاية. ههنا لا أبصر، في الواقع، نقطة نهاية لتاريخ من هذا القبيل. أردت القول إنني لا أرى اللحظة التي يصبح فيها البشر غير محتاجين إلى التمرّد. يصحّ هذا وإن يكن ممكناً فعلاً أن نتوقع اختلافاً لصور التمرّد عمّا كانت. تلك الأنواع من حركات التمرّد الكبيرة التي كانت الجماهير الفلاحية، مثلاً، تعمد إليها وهي تتضوّر جوعاً، في العصور الوسطى، فتذهب لإحراق القصور، إلخ... حسنٌ... يحتمل أن بلاداً كالبلاد الغربية، توصف بأنها بلاد صناعية متقدّمة، لن تشهد مثل هذا مجدّداً. هذا ما لم يحصل ارتداد مباغت في مجرى التاريخ. ستتغير صورة الحركات إذن... وأما الحاجة إلى التمرّد... تعرف، إذا نظرنا، مثلاً في حركات المثليين في الولايات المتحدة وقارنّاها بحركات التمرّد الكبرى التي يمكن أن تحصل في بلاد العالم الثالث التي تتضوّر جوعاً في الزمن الحاضر أو بتلك التي أمكن أن تحصل في العصور الوسطى فإن ما يفعله المثليون يبدو زهيداً. ولكن لا: بل أقول إنه ليس بزهيد. لا لأن هذه الحركات تنطوي على قيمة رائعة لا تنطوي على مثلها الأخريات. ولكن أردت أن أقول إنه لا يمكن أن يوجد ولا هو مرغوب أن يوجد مجتمع يخلو من حركات التمرّد. هو ذاك.

فارس ساسين: لنعد قليلاً إلى العلاقة بين التمرّد والدين. بين هذا اللاتاريخي الذي هو التمرّد وبين الصور الدينية والتعبير عنها ومسرحتها، تقول بوجود علاقة تجاوب... أليس كذلك إن شئنا استعمال مصطلح هيغلي بعض الشيء ويستعمله دولوز أيضاً؟... كيف تفسّر... تصل إلى لحظة تقول فيها إن التمرّد هو تعريض المرء حياته للخطر وإنه شديد القرب مما يمكن التعبير عنه بالدين أكثر من أية وسيلة أخرى للتعبير.

ميشال فوكو: نعم، أعني... ههنا لا أتبين السؤال جيداً.

فارس ساسين: معنى هذا أن التمرّد بما هو كذلك، التمرّد الإرادي الذي يحصل فيه تعريض للحياة، إنما هو تمرّد لا نقدم عليه لتحسين الأحوال المعيشية، مثلاً، بل هو تمرّد يمكن أن نقدم عليه باسم مثال أخروي أو تغيير جذري. فأيّة صلة تراها بين هذين القطبين اللذين هما الدين والتمرّد؟ وهل هي صلة دائمة؟

ميشال فوكو: لا أراها دائمة أبداً. أعني... أنك تقع على صور للدين وعلى لحظات من تاريخ العلاقات بين المجتمعات والأديان يسع الدين فيها أن يضطلع بهذا الدور وهو لا يفعل. الكثلكة في القرن التاسع عشر الأوروبي لم يكن لها... لم تقدّم إمكانات أو منافذ أو تعابير للتمرّد. بخلاف ذلك، نقع في القرن الخامس عشر، إن عدنا إليه مرّة أخرى، على تكثيف للحياة الدينية وعلى رغبة عميقة أبداها عدد من الأفراد في النفاذ إلى صورة للحياة الدينية أتاحت خلخلة المؤسسات الكنسية والمؤسسات السياسية والنظام الاجتماعي في آن معاً. الخلاصة أن الأمور تختلف... أريد أن أطرح عليك سؤالاً خارج التسجيل: هل هذا لجريدة، لمجلّة؟

فارس ساسين: نعم، هو لأسبوعية.

ميشال فوكو: هل تعلم أن هذا بات يملأ، أعني... ثلاثين صفحة؟

فارس ساسين: حقّاً؟ لا أعرف.

ميشال فوكو: نعم، ذاك أنها المقابلة الأولى التي تجريها، ولكن ما سبق أصبح كثيراً جداً.

فارس ساسين: حقّاً؟ ذاك لأنه مهم.

ميشال فوكو: هل كان في الأسئلة التي تطرحها ههنا... هل كان لا يزال ثمة أشياء...

(أُوقف التسجيل. ثم استؤنف).

ميشال فوكو: كلّا، تعرف، أعتقد أنك على حقّ. ذاك أنه على الرغم من كلّ شيءٍ، شيءٌ... لا أعرف. إن لم أكن أجبت فذاك أننا، كما لا يفوتك، نصل إلى لحظة نلقي فيها السلاح. لستُ صحافياً. وحين أكتب نصوصاً، وإن تكن للجرائد، أكتبها كما لو كانت مقالات (غير مسموع) أو حتى كما لو كانت صفحات من كتاب. أي أنني، مهما يكن من أمر، أنتبه بعض الشيء إلى ما أقوله. لا أكتب على البلاط في الرابعة صباحاً وفي غضون ربع ساعة... جيّدٌ. حين أقول: ما رأيته يبدو لي دليلاً على أن الإيرانيين يبحثون عن شيء من قبيل الروحانية السياسية وهذا شيء أصبحنا لا نعرفه، يبدو لي أن الجملة واضحة ولا تدع محلاً للأخذ والردّ. حين نقف أمام أناس من طراز كلود روا أو بعض الآخرين يتلاعبون بالنص ويقولون: ”فوكو يتطلّع إلى روحانية سياسية“ نجد انفسنا حيال درجة من درجات الكذب ومن سوء النية نعلم معها تمام العلم أننا إذا استخدمنا... إذا أرسلنا تصويباً، فسُيقرأ التصويب بالطريقة نفسها وستحصل أعمال تزييف جديدة، إلخ. عليه ألزم الصمت لبعض الوقت، تاركاً العَكَر يترسّب. ثم يأتي يوم من الأيام أقدّم فيه جردة لهذا كله في مقالة أو في كتاب وأبيّن فيه أنه كان نسيجاً من الأكاذيب. ولكن لا أشعر برغبة في الدخول في سجال مع أناس تنضح قلّة فهمهم وسوء نيتهم من كل جانب. على أنه يحتمل أن أكون قد أخطأت ولعلّه يجب في كلّ مرّة يتفوّه فيها أحد الناس بملاحظة غبية أن...

فارس ساسين: كلّا، هذا لا يستحق العناء ولكن لما كانت قد جرت كل هذه القصة، أولاً، في السنة الماضية، بصدد الفلسفة الجديدة التي ساندتها، في البداية، ثم تراجعت دونما تفسير...

فارس ساسين: كلّا، كلّا، كلّا، لم أتراجع لأنني لم أساند في أي وقت. كل ما في الأمر أنني قلت بصدد...

فارس ساسين: ولكنك قلت في مكان ما أنك انخرطت في ذلك أكثر مما كنت ترغب.

ميشال فوكو: كلّا، كلّا، كلّا.

فارس ساسين: إما في النوفيل أوبسرفاتور وإما في لارك.

ميشال فوكو: إسمع، لا أعتقد ذلك.

فارس ساسين: أنك لم تكن ترغب في التدخل...

ميشال فوكو: يمكن أن أكون قد قلت إنني لم أكن أرغب في التدخل ولكنني قمت بشيء واحد وهو أنني خصصت مقالة لكتاب غلوكسمان[14] الذي وجدته كتاباً مهمّاً. خصوصاً كتاباه... أقصد كتابه الطبّاخة وآكل البشر[15] وجدته مهمّاً جداً في حينه ووجدت أنه لم يَلْق العناية التي كان يستحقها. جيّدٌ! حين صدر الكتاب الثاني، قلت لنفسي: هيّا بنا، لا يجوز أن يفوتنا الكتاب... وما جرى أن الكتاب أحدث دوياً هائلاً وأنني لم احتجْ إلى... على أن كتاب غلوكسمان كان في نظري مثار مشكلات. هذا كل شيء. والحال أن غلوكسمان اعتُبر ”فيلسوفاً جديداً“ وهو قد أنكر هذا الأمر. من جهتي، لا آبه لهذا، في نهاية المطاف، يهمّني كتاب غلوكسمان، وأما الكتب الأخرى لمن يطلق عليهم اسم ”الفلاسفة الجدد“ فلا أهتمّ لها. لا أهتمّ إلى حدٍّ جعلني، بعد أن تصفّحت بعضاً منها، أعزف عن قراءتها. لا آبه ولا يعنيني الأمر البتّة وأشعر أن المسألة لا تخصّني وهذا كل شيء. لم أنخرط إذن. صحيح أنني قلت إن كتاب غلوكسمان مهمّ ويطرح مشكلات... عليه... أفٍّ! هذا كلّه غير صحّي. مرّةً أخرى، إمّا أن تجعل من نفسك شرطياً على الناس الذين يكتبون حماقات وفي هذه الحالة تَصْرف نهارك في ذلك وإما أن تترك العنان مُرْخىً لهذه السيّئة التي هي أن الناس يرون أنفسهم أحراراً كلياً في قول أيّ شيء كان. هذه واحدة من مشكلات السياسة والأخلاق (ضحك) لم أتمكن من حلّها.

فارس ساسين: في كلّ حال، في مقالتك الأخيرة في لو موند، ظهر عدد ضخم من المسائل التي طُرحَت ههنا، عدد ضخم من المشكلات المطروحة، وهي تستأهل تأمّلاً أوسع نطاقاً.

ميشال فوكو: نعم، نعم، ولكن، إن شئت فهذه الأشياء كلها... في كلّ حال، لا أشعر، في أي وقت، باطمئنان تام إلى ما أدلي به، ولكنْ ما أرغب فيه كثيراً هو أن نتمكن من تبادل الأفكار، أن نتناقش، أن يتاح لمن هم غير موافقين أن يعلنوا مخالفتهم وأن يطرحوا أسئلتهم. وأما حين تجد في مواجهتك أناساً لا يحسنون التصرف إلا على غرار المدّعين العامين فيضعونك في مقام العدو أو المرتشي أو عميل هذا أو ذاك، إلخ.، فماذا تُراك تفعل؟ أو تجد في مواجهتك أناساً يتلاعبون بالنصوص ويُسندون دعواهم عليك إلى ملفّات مزيفة. هذه الأمور المتعلقة بإيران، مثلاً، آسف كثيراً في الواقع لأنني لم استطع أن أجد فرصة... لأنني لم أجد فرصة لمناقشتها مع إيرانيين أو حتى مع مسلمين غير إيرانيين. ربما كانوا سيثبتون لي أنني مخطئ وكنت سأقبل (كلام غير مسموع). ولكن أريد أن ينسب إليّ ما قلته بالضبط وليس شيئاً آخر.

فارس ساسين: تميّز ما بين طرازين من المثقّفين. من جهة: المثقّف الكلّي الذي تقدّمه حيناً على أنه وريث الرؤية الماركسية للبروليتاريا وحيناً على أنه وريث إنسان العدل والقانون. وهو من تميل شيئاً ما–وإن يكن الأمر أشدّ تعقيداً من هذا بكثير–إلى التنبؤّ بموته. من الجهة الأخرى: المثقّف النوعي الذي بوشِرَت صياغته غداة 1945. ألا تعود بك مواقفك الأخيرة المتعلقة بإيران او بلاجئي فيتنام إلى تمثّلٍ للكلّي؟

ميشال فوكو: كلّا، أعني... أقصد، إن شئت، بالمثقّف الكلّي وبالمثقّف النوعي أنه... يبدو لي، على الأقل في مجتمع من طراز مجتمعنا، في الغرب، في أوروبا، أنه ليس على المثقّف أن ينزاح عن معارفه، لنَقُلْ: عن اختصاصه، ليس عليه أن يطرح نفسه نبيّاً للإنسانية برمّتها، بل يكفي، في ما أعتقد، أن ينظر في ما يفعله وفي ما يجري في هذا الذي يفعله. وههنا نلتقي تصوّر التمرّد الذي كنت أتكلم عليه قبل قليل. الفكرة أن دور المثقّف هو أن يظهر لنا كم أن هذا الواقع الذي يقدَّم على أنه بَدَهي وغير قابل للطعن هو في الحقيقة سريع العطب. فحتى لو كنا بصدد الفيزيائي في مختبره أو المؤرخ الذي يَعْرف المسيحية في قرونها الأولى أو الاجتماعي (كلام غير مسموع) في مجتمع، فإنه يبدو لي أن هؤلاء الناس جميعاً يسعهم، انطلاقاً من أكثر الأشياء تخصصاً في تخصصهم، من أشدّها تعلقاً بمعارفهم، أن يبيّنوا نقاط الهشاشة في البَدَهيات وفي الواقع. عليه: بأيّة صفة نتكلم حقّاً حين نتكلم على إيران أو على فيتنام؟ جيدٌ! أعني... لا أعتقد أنك تغادر موقعك كمثقّف نوعي حين تقول إنني أقدّر، باعتباري أحد المحكومين، أن ثمة عدداً من الأشياء لا يجوز لحكومة أن تقدم عليها أبداً.

فارس ساسين: لأيّة حكومة كانت...

ميشال فوكو: نعم، لأيّة حكومة كانت. بعبارة أخرى، ليست كلّية الكائن البشري بل عمومية ما يحصل في نطاق العلاقة بين الحكام والمحكومين هي ما يجيز لأيّ كان أن يتحدّث في هذه المسائل.

فارس ساسين: هذا غرّارٌ بعض الشيء...

ميشال فوكو: هذا غرّارٌ بعض الشيء...

فارس ساسين: كان يسع فولتير نفسه أن يعدّ نفسه مثقّفاً نوعياً بهذا المعنى...

ميشال فوكو: نعم ولكن في هذه الحالة، في هذه الحالة لا أتردّد في الموافقة، أُنظُرْ جيّداً في أمر جماعة القرن الثامن عشر، فهذا ما كانوا يفعلونه انطلاقاً من شيء نوعيّ تماماً. بعبارةٍ أخرى، لم يكن ذلك، لا أظنّ... حين أتكلم على المثقّف النوعي وأحاول الافتراق عنه، أكون...

فارس ساسين: مثلاً، هل سارتر، في نظرك، هو المثقّف الكلّي؟

ميشال فوكو: (صمت).

فارس ساسين: في الواقع، أنت تتناول، في الأغلب، نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين. وأما أنا فكنت أفكر، وأنا أقرأك، أنها المرحلة التي سبقت الستينات في فرنسا. تحدّثت عن المجر وعن بولونيا.

فارس ساسين: نعم، نعم! أعتقد أنه يجب التحدّث في هذا. كلّا، أردت القول: أعتذر، بدأت أشعر بتعب شديد.

فارس ساسين: أفّ، تُراني أزعجك بأسئلتي؟

ميشال فوكو: لا ،لا، لا، لا، هي أسئلة في غاية الأهمية تطرحها علي ولكن أنا... جيّدٌ! ما أردتُ قوله هو أن المثقّف الكلّي، إن كان ذاك الذي يريد التصرّف على أنه ممثّلٌ لضمير كلّي أو على أنه، إن شئت، في نشاطه بما هو كاتب أو مثقّف، لا يخلو من شبه بتلك الأحزاب السياسية التي تزعم القبض على حقيقة التاريخ وعلى دينامية الثورة. أقول لا، ليس مثقّفو الكلّي هؤلاء سوى نسخ للأحزاب السياسية، على نحو ما. فلا، لا نريد هذا وأعتقد أن الحال ليست على هذا المنوال. في المقابل، أرى أن المثقّف الذي يسعه الانطلاق من العمل الفكري الذي يقوم به ليضطلع بمهمة إظهار الهشاشة التي تقوم عليها حالات الاستقرار الاجتماعي أو حالات الجمود الاجتماعي، التاريخية منها والسياسية والاقتصادية... إسمع، أنا آسف ولكنني أصبحت غير قادر على المتابعة.

فارس ساسين: سؤال أخير ولكن فيه شيئاً من التحدّي. هو يدخل نغمةً فَكِهةً، إن لم تكن... ألاحظ في المواقف التي اتّخذتَها من إيران الألفاظ التالية: الهَوْل، السُكْر، الجمال، الوقار، المسرحة، المشهد، المسرح، المأساة الإغريقية. وتذكر الأَخَذ بالحوادث. عليه، في ما يتعدّى علم الآثار وعلم الأنساب والمواقف السياسية، ألا نقع في الصارم فوكو على فنّان معاصر لفرنسيس بيكون ولريبيرول ولستانلي كوبريك؟

ميشال فوكو: اسمعْ! أنت تُطْريني إذ تقول هذا. أريد أن أضيف شيئاً بسيطاً تعرفه. الواقع أنه يقال دائماً، لا أعرف لماذا... لي سمعة الشخص البارد، المتصلب، الذي لا يتكلم إلا في... ولكن لا يجب الخلط بين من يتكلم وبين موضوع كلامه. لا يجب الخلط بين ما نقوله عن شيء ما وبين المعنى الذي نجعله للكلام على هذا الشيء. إذا كنت أفكّك أو أحاول أن أفكّك بأكبر قَدْرٍ ممكن من العناية علاقاتِ سُلْطةٍ، إذا حاولت أن أبيّن كيف يكون لعلاقات السلطة، في الواقع، نوع من المنطق ومن التوالي على شيء من الرهافة يمنحها القوة من غير أن يزيل هشاشتها، فهذا لا يعني أنني مرتبط عاطفياً ارتباطاً إيجابياً بهذا النوع من الأشياء. في نهاية المطاف، ما قدّمتُه بصدد الجنون يمكن أن يُعَدَّ كتاباً غنائياً جدّاً، أليس كذلك؟

فارس ساسين: بلى، بأسلوبك، أليس كذلك؟

ميشال فوكو: وإذا كنتُ قد وضعت هذا الكتاب في موضوع الجنون محاولاً تظهير تلك الأوالات كلّها فإنني لم أفعل ذلك في مناخ لامبالاة... لنقل: بالذات المجنونة.

فارس ساسين: نعم.

ميشال فوكو: الشيء نفسه ءيقال عن الجريمة والجنوح، إلخ. عليه، لا! أعتقد أن هذا المصطلح الذي تشير إليه والذي يصحّ وصفه بأنه ليس مصطلحاً ذهنياً، في الواقع، ليس بالمعطى الجديد. ولا أقول هذا من قبيل رفض التغيير، فقد تغيّرْت. ولكن ثمة حالياً موجة ضاغطة جدّاً هي موجة الاهتداء. يجب أن يكون المرء قد غيّر معتقده. لا، لا، أنا... ربّما أغيّر معتقدي... وقد تغيّرت كثيراً حقّاً، ولكن ما تلاحظه لا يبدو لي أمراً جديداً كليّاً.

فارس ساسين: لا، لا أقول إنه جديد.

ميشال فوكو: جيد، اتفقنا، اتفقنا، اتفقنا.

فارس ساسين: أشير إلى هذه الوقائع بحدّ ذاتها.

ميشال فوكو: اتفقنا، نعم، نعم.

فارس ساسين: أي إلى طريقة ذوقية في مقاربة الأشياء.

ميشال فوكو: نعم، هو ذاك، نعم.

فارس ساسين: يوجد جانب يحضر فيه الوجود، وهذا ليس جديداً. جيّدٌ، أشكرك.

ميشال فوكو: أنا الشاكر.

(ترجمة أحمد بيضون)

[*] جهدت ترجمتنا هذه للحديث للاحتفاظ ما أمكن بخصائص المشافهة التي يشير إليها فارس ساسين هنا على أنها مميّزة لهذا الحديث في نصّه التامّ الذي نشرته مجلة روديو Rodéo الفرنسية. (كلمن)

[1] Ernst Bloch, Das Prinzip Hoffnung, 3 vol., 1954–1959. وقد بدأت الترجمة الفرنسية تظهر عن دار غاليمار في سنة 1976. وصدر المجلدان الثاني والثالث في 1982 و 1991. وقد نقل الأجزاء الثلاثة عن الألمانية فرنسوا ويلمار.

[2] كاظم سامي كرماني طبيب وطبيب نفسي كان من قادة حركة تحرير إيران، مقرّباً من مهدي بازركان وعضواً في الجبهة القومية الإيرانية. وقد عيّن وزيراً للصحة في حكومة بازركان.

[3] المهندس مهدي بازركان هو مؤسس حركة تحرير إيران في سنة 1965 ولجنة الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان في سنة 1977. عيّنه آية الله الخميني أوّل رئيس للحكومة حال عودته إلى طهران ولكنه لم يبق في هذا المنصب إلا بضعة أشهر (من 5 شباط إلى 5 تشرين الثاني 1979)، وذلك بسبب أفكاره الليبرالية والديمقراطية.

[4] أحد آيات الله وكان يعتبر الأوّل بين أقرانه. قال شريعتمداري بفصل المساجد عن الدولة وكان شديد الاهتمام بالمشكلات الاجتماعية والاقتصادية. وبحسب أوليفييه روا، عمد الخميني، حرفياً، إلى ”نزع ثوبه“ الديني. راجع: Sabrina Mervin, Les Mondes Chiites et l’Iran, Karthala-Ifpo, 2007, p. 39.

[5] Le Nouvel Observateur, 14–20 avril 1979, p. 46. أعيد نشرها في: Dits et Ecrits, vol. II, Paris, Gallimard, 2001, p. 780–782.

[6] ”في إرادة الحكومة الإسلامية هذه، هل يجب أن نرى مصالحة أم تناقضاً أم عتبة إلى شيء جديد؟“، في:”A quoi rêvent les Iraniens?“, Le Nouvel Observateur, 16–22 octobre 1978. أعيد نشرها في: Dits et Ecrits, vol. II, op. cit., p. 688–694.

[7] ظهر الكتاب بالإنكليزية في سنة 1978. وصدرت ترجمته الفرنسية في سنة 1980 عن دار Le Seuil تحت عنوان: L’Orientalisme. L’Orient créé par l’Occident.

[8] ”Inutile de se soulever?“, Le Monde, 11–12 mai 1979, p. 1–2. أعيد نشرها في: Dits et Ecrits, vol. II, op. cit., p. 790–794.

[9] ”قد لا ينبغي تصوّر ”العوامّ“ على أنهم القاع الثابت للتاريخ والغرض الأخير لعمليات الاستتباع كلها والبؤرة التي لا تنطفئ تماماً في أي حين لجميع الانتفاضات. قد لا يكون للـ”عوام“ وجود واقعي. ولكن يوجد، على الدوام، في الجسم الاجتماعي، في الطبقات، في الجماعات، في الأفراد أنفسهم، شيء يبقى، على نحو ما، بمعزل من علاقات السلطة: شيء لا يصحّ النظر إليه على أنه المادّة الأولى التي تستجيب أو تقاوم إلى هذا الحدّ أو ذاك، بل هو الحركة النابذة أو الطاقة المعكوسة أو المهرب. ”العوامّ“ لا وجود لهم، على الأرجح، ولكن يوجد شيء ”من قبيل العوامّ“. يوجد شيء من العوامّ في الأجسام وفي النفوس، يوجد شيء من ذلك في الأفراد وفي البروليتاريا.“ راجع: ”Pouvoirs et stratégies“ (entretien avec Jacques Rancière), Les Révoltes Logiques, no 4, hiver 1977, p. 8997.

[10] ”Michel Foucault: Vérité et Pouvoir“, L’Arc, no 70, 4e trimestre 1977. ”La crise dans la tête“, p. 1626.

[11] Selbstbewusstsein وهو ما نقله جان هيبوليت إلى الفرنسية. بـ Conscience de soi ومصطفى صفوان إلى العربية بـ ”الوعي بالذات“.

[12] Hegel: Ph?nomenologie des Geistes (1807)

[13] Sartre: L’être et le néant (1943)

[14] ”La grande colère des faits“, sur Les Maîtres Penseurs d’André Glucksmann, Grasset 1977, dans Le Nouvel Observateur, 9–15 mai 1977. أعيد نشرها في: Dits et Ecrits, vol. II, op. cit., p. 421.

[15] يرد ذكر هذا الكتاب الذي صدر سنة 1975 في الحديث المنشور في لي ريفولت لوجيك وقد سبق ذكره. راجع: Dits et Ecrits, vol. II, op. cit. p. 421.

 




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬