شربل هبر

كانت السينما المصريّة في ازدهار، وكانت بيروت البيئة الأمثل للسينما. عمر كان شابّّاً جميلاً، وكان غيتاره ذو التموّجات أفضل تسجيلات تلك المدينة البهيجة، بكازينواتها الأبّهيّة، وعلب ليلها المتداعية، وبساكنيها الباحثين عن الحبّ. وحينما كانت الراقصات الشرقيّات يشرّفن "جاك هايداواي" بحركات خصورهنّ التي تنضح إثارةً، كان عمر هناك. وعندما صدح صوت أمّ كلثوم في "بيسّين عاليه"، كان عمر هناك. ويوم التقطت الكاميرا الدَوران المخدّر والمسترسل لوِركي ناديا جمال، كانت ناديا تغزل حول عمر.

اسم عمر خورشيد غالباً ما يُربط بهذا النوع من الصور. فبالنسبة إلى المُولَع النوستالجيّ والمحافظ بالسبعينات، شكّل خورشيد التأويل العربيّ الحديث للاعب الطنبورة [الماندولين] اليونانيّة الكلاسيكيّة، مع هدف أوحد في الحياة هو الغناء المتواصل لأناشيد الحبّ الشبابيّ في مجتمع مثقَل بالأخلاق. أمّا المُولَع النوستالجيّ بالسبعينات الذي يفوقه تمرّداً، والذي عاش مرّةً حلم الـ"بيتش بويز"، فقد أحالته موسيقى خورشيد إلى المنتجعات البحريّة شبه الكاليفورنيّة، وأبناء المتوسّط الحارّ، وإلى حياة ليليّة ملأى بالضجيج.

و"غيتار الحبّ"، ذاك الفيلم الذي ظهر في 1973، يشتمل على كلّ العناصر المذكورة أعلاه. وهو ما سيذكره النوعان الاثنان من المولعين لدى السؤال عن خورشيد. إنّه مرجعهم الرئيس. ولسوف يتحدّث أفراد هذين النوعين عن مظهره الجميل وعن سحره الذي لا يُغلَب، وأخيراً وليس آخراً، عن غيتاره الكهربائيّ. فالآلة تلك كانت تمنح الشعور بشيء طفيف من الحدّة لأولئك الذين أرادوا أشياء أكثر من غير أن يخاطروا كثيراً: أولئك الذين هم، بكلمتين، متمرّدون مُحتَوون.

ما كان هؤلاء يعجزون عن التقاطه تكراراً هو الشكل المتقدّم الذي به ألّف خورشيد الأغاني العربيّة الكلاسيكيّة وأعاد تأويلها. فهم كانوا دائماً ما يؤكّدون على الشكل السطحيّ كلاسيكيّاً بدل المضمون الأشدّ تخريباً. وبهذا كانوا يرتكبون الخطأ كاملاً. فقد عجزوا عن التقاط النسمة التجديديّة التي مثّلتها مقاربته لذاك الجنس الموسيقيّ الذي كان سيعاني انحداره الحادّ إبداعاً وتجديداً.

فالفهم السطحيّ لعمل خورشيد يقود إلى بتر تأثيره ووجهة ذاك التأثير. ذاك أن تذكّره السائد، كواحد من بقايا ماضٍ بعيد وسعيد، يحرم موسيقاه قيمتها البارزة، كما يجمّدها سلباً في الزمن بدل أن يجعلها عابرة للأزمنة. فحين يشير معظم الناس إلى "إيقاعات شرقية"، ألبوم خورشيد الذي أنتجته شركة "صوت لبنان" عام 1974، أو إلى إصداراته الأخرى في السبعينات، غالباً ما توصف الموسيقى بأنّها موسيقى روك على طريقة ديك دايل في عزفه الألحان المحليّة لكاليفورنيا، مخلوطةً ومهجّنةً بميلوديّات العود. أي أنّها تقاطُع آخر بين الشرق والغرب لا أكثر. وهذا قد يكون وصفاً ممتعاً إلاّ أنّه ليس الحقيقة كلّها.

ففي نموّها، انفصلت موسيقى خورشيد عن عناصر التأثير الأساسيّة لزمن الطفولة، فغدت كياناً موسيقيّاً ناضجاً ومستقلاًّ بذاته. لقد صارت موسيقى عربيّة بسيكيديليّة حديثة، وهذه حجر الزاوية لأيّة حركة عربيّة ما بعد الروك قد تولد.

لقد أريد لموسيقاه أن تتطوّر، وأن يُعرّف بها، كقاعدة لجنس موسيقيّ عميق وقابل للوصول إليه، لكنّها قاعدة كاملة الاستقلال عن التيّارات الموسيقيّة العربيّة الكلاسيكيّة. لا بل إنّ مواصفاتها السينماتوغرافيّة تجعلها أكثر توكيداً على ما كان ينبغي أن تكونه المتفرّعات المستقبليّة عن ما بعد الروك.

كيف سيرى الأمر شابّ ما بعد روكي يعيش في القرن الحادي والعشرين؟

طبقات صوت السينثيسايزر "موغ" كانت تتأرجح بين الايقاعات العاصية التي يلعبها خورشيد على أورغ ذاك الزمن، حيث تتداحل أصوات الآلآت الايقاعية. وهذه شكّلت مشهد أشجار النخيل وليالي الفحش والمجون وشواطئ المدينة، كما مثّلت أيضاً المعالم الشاهدة على الذبذبات التي سبح فيها بشبق غيتار خورشيد. كلّ هذا بمثابة المرجع الحلم بالنسبة إلى أيّ موسيقيّ روك تجريبيّ.

من الواضح أن خورشيد ببساطة بطل حديث للغيتار. هو ليس عازفاً منفرداً في أيّة حال، لكنّه نحّات صوت، يستخدم صوت الغيتار كمادّة، والذبذبة كأداة أساسيّة في النحت. لا بل هو حريص على تشكيل كامل المحيط الذي تطوّر فيه صوت غيتاره، وهذا بمثابة حجّة أقوى لصالح مغامرته الموسيقيّة الموسّعة.

فترتيبات السِنثيسايزر تتجاوز دور الإيقاع البسيط والتعزيز الميلوديّ وصولاً إلى سيطرة الغيتار الكهربائيّ. فبالقطع ليس الإيقاع والتعزيز هنا بغرض ملء الفراغ الذي يخلّفه التكرار الذي يفتقر الخليط إليه. فبدل أن يكونا عنصرين تابعين، تتداخل طبقات "الكيبورد" مع صوت "فيندر توين ريفيرب" الفضائيّ للمكبّرات كي تبعث الحياة في صوتيّاتحريريّة متهدّلة.

إذاً ماذا لو اعتُرف بعمل عمر خورشيد تبعاً للأسباب الفعليّة التي تحمل على الاعتراف به، بدلاً من الأسباب الظاهريّة؟، وماذا لو أنّ الكلاسيكيّ لم يثقل بظلّه على الحديث المتمرّد في معظم التصوّر الشعبيّ عن موسيقاه؟، وماذا لو استطاع نحّات الصوت أن يهزم المؤلّف التقليديّ فيه؟، وماذا لو لم يمت عمر في حادث سير وأتيح له الوقت الكافي كي يزجّ المزيد من الطراوة والفسحات في مؤلّفات للمستقبل؟.

لربّما، والحال هذه، كنّا أحرزنا مشهداً روكّيّاً عربيّاً أكثر تجديداً، أواخر الثمانينات وعلى مدى التسعينات، ومعه، بالتأكيد، أكثر من قبضة صغيرة من فِرق ما بعد الروكّ العربيّ التي نلقاها الآن محشورة ما بين القاهرة وبيروت. أو أنّ واحدنا كان ببساطة سيحصل على مزيد من الغيتار الكهربائيّ في اصطفافات البوب العربيّ ليومنا الحاليّ، وسيكون هناك لاعب غيتار جميل يقف وراء أيّة ديفا للبوب الشرقيّ.

هناك شيء واحد أنا واثق منه: كنّا لنمتلك تسجيلات سينمائيّة أفضل في العالم العربيّ الراهن.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬