علي جازو

كان ينبغي تسريحي من خدمة الجيش لداوع صحية، لكن طبيب العسكريين لدينا، وهو ضابط أسمر، لم يتخطَ الأربعين، برتية نقيب ذي ثلاث نجوم صفراء على كتفه، سخر مني عندما أخبرته عن طبيعة مرضي. قال: أنتَ في الجبل، أنظر حولك إلى كمية الثلج التي هطلت ليلة أمس، في الربيع سترى مدى الوعورة وأنت تسير بين أطنان الوحل والصخور. إنك تخدم في فوج من أفواج الفرقة العاشرة، وهي فرقة قتال شرس. القتال والجبل لم يذكراني بغير التهريب المبجَّل. هنا لا توجد خدمات ثابتة. كلُّ جندي هنا خدمته ميدانية، وكي أفسر لنفسي على الأقل كلماته الواضحة كلَّ الوضوح، ينبغي أن تفضي نتيجة التفسير إلى الفرار لا غير. أحد المحامين صديق رائعٌ وفيٌّ كريمٌ عمليٌّ موضوعيٌّ، وحين الضرورة التي لا تبقي من الكرم غير الرشوة، هو ذو منطق محكم سديد، يراعي كلَّ توازنٍ ممكن، ويظل يسترشد بمثل رعويّ بدويّ دارج، لكن ينمُّ عن حكمةٍ دون لبْس: ”إذا ربْعَكْ جَنُّو عَقْلَكْ ما يِفيْدَكْ“، ويتمُّ لفظ حرف القاف الثقيلة من كلمة ”عَقْلَكْ“ الكونية كما تلفظ g ساكنة مسكوكة كالذهب ساطعة ومبريّة داخل كلمة ugly وهي من أفضل كلمات الانكليزية وقعاً وتهذيباً على الإطلاق. صديقي المحامي لا يكذبُ على زبائنه أبداً، يرشو الموظفين دون استثناء، يكرمهم كما يقول عادة، ينفق على الشرطة كذلك، خاصة ذوي الرتب المتدنية، فهم أحق بالإكرام وأكثر سهولة في النفاذ من جحور القوانين كجرذان هلعة رشيقة تعدو من قمامة إلى قمامة بلمح البرق، يرشو القضاة أيضاً، القضاة اللامعين ذوي الخدود السميكة كمجلدات الفقه التراثية، يضحك. ضحكته تشبه الصراخ بسبب ضيق منخريه. ألا يمكن للسُّكْر أن يكون دليل عافية في حال كهذه؟ لم لا يكون فشلي المستمر طريق حياتي الوحيدة اللائقة؟ داخل قفص خشبي، مصبوغ بألوان العلم الوطني المسكين، كان بؤسُ شرطي حارس البرلمان يضرم أساه في عيني. عيناه في مستوى ارتفاع ورق شجيرة البرتقال القريبة من المدخل. كرات البرتقال المرحة العذبة مغطاة بحبات مطر صغيرة، بنقاط كالزجاج المغسول للتو، شفافة. لونها شهيٌّ لأنها مبللة. بَلَلُها ينعش لونَها، لونُها يبهجُ عينيَّ. عليَّ الاهتمام بحال حذائي الآن. لا يصلح للشتاء. جلدُهُ من وَبَرٍ، أو قماش له ملمس وَبَرٍ يمتص الماء، يكوِّمُ الغبار. مللْتُ تنقيع الجوارب في الماء كلَّ يوم، بلا صابون، أغسلها. أحياناً أزيل بفردة جورب كحلي ممزق بقعاً بيضاء كنتف الجليد الخفيف يعلو طبقات هشة نافذة براد مثلجة، عن حذائي. حلقي جاف. أشرب كأس ماء كبيرة. أشرب أخرى، أفرغ ثالثة في جوفي دفعة واحدة.

***

أنظرُ إلى وجه صديقتي. نظراتُها مطفأة، يغريني يباسُ شفتيها. تنحني، تجلسُ قربي على مقعدٍ خشبي أخضر. أتخيّلُ صدرها عارياً. يا للنعيم الواقف زاهياً أمام صدر فتاة عار، يا للنار العسلية ذات اللهب الخافت حول كرتين صغيرتين تنتهيان بحلمتين كالكرز كالمشمش كأرض الدانمارك! يا لسخف التشبيه! أتذكر حلمةَ فتاة دانماركية الآن. هذا مضحك سخيف. ماءُ البَحْرة التي تتوسط الحديقة مخضَرٌّ بسبب العفن. أنسى الأسماء، أكتبُ رسالةً إلى حسين، فأخاطبه باسم عمر. وجهُ الماء راكدٌ يشبه نظرةَ عينها المطفأة. عرفتُ الآن لماذا أغرِمْتُ بشفتيها. أتذكر كلمات أمي: ”متى تتزوجُ. لقد كبرتَ، وكان من الأفضل أن تقول لي لقد تعفنتَ، ذلك أدقّ. لا تنفعُ للعمل، لا تعرف كيف تكسب المال حتى تتزوج، وتنفق“. سيحلُّ وقتُ النَفَق يا أمي، سيحلُّ قريباً. كلما جلستُ إلى امرأة أتخيلها زوجة. أي واحدة تصلح بالفعل. المطلَّقة البيضاء الناعمة، جليسة ليلةَ أمس النحيلة المنكمشة كعود ذابل. سيدة رقيقة، نهدان صغيران. لطالما أغرتني النهود الصغيرة! كان ذلك واضحاً من فتحة كنزتها الزرقاء عند الرقبة. جلد أصابعها رخو أبيض كالثلج. ماذا إذا كانت رقيقة إلى حدَ الهشاشة، حدّ الخوف من ضعفها! كيف يمكنني العيش مع واحدة رخوة هشة ضعيفة؟ أحتاج واحدة قوية، صاحبة جسد متين. ما يخالفني في الجسد والمزاج هو ما يناسب تصوري عن الزوجة المفترضة. واحدة صغيرة الحجم، نشطة. راتب المطلقة، بسبب عملها في المفوضية الأوروبية ممتاز لشخص مثلي لم يعش يوماً واحداً من تعب يده. لم نعثر يوماً على نتائج أعمال المفوضية الأوروبية. أذكر مرة أنهم جلبوا أدونيس إلى دمشق برفقة عازفين طليان. كان ذلك مخيِّباً بالفعل، فنحن نريد من الأوروبيين حقيقة عملاً ومالاً نقدر بهما بعد الانصراف من أمسية أدونيس على مرافقة نساء عاريات الأكتاف إلى قلب بيوتهن الحصينة الهادئة في المالكي أو أبو رمانة أو مشروع دمر أو قصر الشعب، لم لا، أليس قصراً للشعب، وأنا واحد من أبنائه. حسناً لم يكن ذلك سوى لغْوٍ ضروري. هذا كلُّ ما نريد من الشعوب الأوروبية الكريمة. تباً لآمال كهذه تشبه آمالَ العبيد! تطلب الطبيبة سيجارة، تأخذها مني، تدخن، تنظر في دخانها. إنها عذبة لأنها تنظر، لأنني أنظر إليها وهي تنظر في دخانها وقلبها في آن. تضيء شمسُ الظهيرة وجهَها، ركبتَيْها، حذاءَها الأسود ذا الكعب القصير. تضع يدها على ركبتها، فمُ سيجارتها المشتعلة إلى الأسفل، تنفض رمادها القليل. تقول: ”أكرهُ الآباء. أكره الأطباء، الطبيبات، الأمهات. لو شهدتَ آلامَ أطفال المشفى، لو رأيت أجسادهم الضعيفة، وسوء التعامل معهم، لبصقتَ في وجوه أصحاب المهن الشريفة. إنهم لا يستحقون قرشاً واحداً. أفكر بالأزواج الجدد، بالأطفال القادمين الذين هم أجنّة الآن داخل أرحام أمّهاتٍ غبيّات“.

تصمتُ، تصمتان معاً كعينَيْن. ترفعُ السيجارة التي كادت تنطفئ عن فمها، ترميها قرب حذائها وتطيلُ النظرَ في خيط دخان أبيض يترافع وسط ذرات ضوء مغبَرّة: ”بعد ساعتين سأجوع من جديد“. أقول في نَفْسي. أمدُّ يدي إلى جيب بنطالي متظاهراً بالبرد، أقلّدُ حركةَ ورقة نبات مرتعشة. أعرف أنني أفشل في التقليد. أتمطّطُ، أملأ صدري بالهواء البارد. في الحقيقة كنتُ أتلمَّسُ النقود، كميةَ نقودي. أخمّنُ مقدارَ ما بقي لدي. جيبُ بنطالي من قماش أبيض عكر خشن، النقود المعدنية أكثر من الورقية. نقودي قليلة. إذا أخذتُ المكروباص المزعج من جسر الثورة، سأدفع خمس ليرات فقط، مثل التسعيرة القديمة قبل طيران سعر المازوت. تنظرُ إليَّ من زاوية عينها، تضيِّقُها، كأنها تتلصّصُ أو ترتابُ أو تودُّ تفحّص ملامح وجهي دون أن أنتبه. تقفُ، تشير إلى أنها ذاهبة إلى مدخل الحديقة. كشكٌ مسقوف بواقٍ مطري أحمر تحت أغصان شجيرة خضراء، هناك يمكنها الاتصال مع المشفى الخاص، مشفى أطفال نظيف جداً: ”بدي أحكي معون، في شغل هنيك، كل ساعة بستين ليرة، وعلى كلّ طفل نسبةٌ“. لو كانت الساعة بمئة وثلاثين ليرة صافية عافية، لكان الوضع أفضل بكثير. حسناً فليفهم اليابانيون الذين لا يملّون من دعم الآفات الصحية في بلدنا، أن دناءةَ الرواتب لم تبقِ الشرفَ لأحد. النسبة تعني نقوداً أكثر. تباً لي ولها وللنقود والمشفى والمفوضية الأوروبية ووكالات الدعم الإنساني التي لا توظف أحداً غير الذين لا يحتاجون الدعم. تباً لمرض الأطفال والجمعيات التي تكذب وهي تتوسل نقوداً لمعالجتهم من السرطان والتهاب الكبد والسكري والتوحّد. تدير لي ظهرها. بنطالها جديد، أخذتْهُ من سوق البالة من باب الجابي، هناك ملابس جيدة بسعر مقبول. تدير لي ظهرها، لا تلتفتُ أثناء سيرها، أرفع مبسَمَ سيجارتي إلى شفتي، ترتعش يدي اليسرى، أحسُّ بوخزٍ مؤلم في صدري، جهة قلبي، ينقبضُ محيطُ عيني، بسبب تحديقي المستمر. عندما أحدّقُ أنسى عيني، حتى إذا كنت أنظر في حذائي. يأخذني التحديقُ المتقلص، لذلك ربما تكثر التجاعيدُ حول عيني. قريباً سأحتاج إلى نظارة أيضاً. ينبغي عليّ العثور على عمل، أي عمل. الجينز لا يناسب صديقتي. بناطيلها المخملية أفضل بكثير. أما التي من قماش كتاني، إذا كانت سوداء خاصة، فتبدي كيف يمكن للحم وركَيْها أن يلمع، ماصاً أثرَ الشمس، متموِّجاً خلفها، وإذ تمضي خارج محيط نظرتي، يتركُ التموّجُ أثراً مديداً في عيني، فلا أملُّ من النظر إلى أي شيء حينها. يسترُ المخملُ الأسود، خاصة، ضآلةَ جسدها، يمنحها بعض الامتلاء المرغوب، في الورك، في الفخذين، وفي المؤخرة. مؤخرتها تثيرني. عندما نتأمل مؤخرات البشر فترة طويلة مستمرة، لا يبقى منهم أي شأن بشري: يا للبوابات القمرية، المؤخّرات بواباتٌ قمرية. هذا غريب حقاً، غريب ومضحك. المشفى الخاص نظيف، يقدم للأطباء وجبة إفطار مجانية. بيضٌ مسلوق في أوعية بلاستيك صغيرة، مقسمة أدراجاً مقعرة، مربى مشمش، عصير، حليب، جبنة فرنجية، مرتديلا، لبنة. المشفى الخاص لا يدخله غير أطفال الأغنياء المرضى. ينبغي علي العثور على عمل. أخجلُ لكنني أفكر بأن أطلب منها وضعَ بعض من فطور المشفى في حقيبتها، تخبئه لي إذا زاد عن جوعها. إنني أتلف نفسي بالطواف الغبي، بالصحبة الجاهلة المتحمسة كضياء الشمس. يمرُّ بائعُ ”شَعْرِ البنات“ من أمامي. حذاؤه مفلوش، إحدى فردتيه مفكوكة الرباط. بالكاد يرفع قدمه عن الأرض. شَعْرُ البنات الحلو بلون لسان القطط. ضوء الشمس يحرق بشرتي. يتقشّر الجلدُ عنها، يطفح بقعاً بيضاء منفرة. أتحمل حرارة الشمس حتى إذا تقشر جلدي كلّه. شتاء آخر جاف لعين. تخلصت من وزني الزائد، من شحم بطني. خوفي من البرد يجعلني أتحمل حرارة الشمس. أكره مؤخرتي، قمري المدوَّرُ البدين الغبي، إنها ثقيلة، يضطرب مشيي بسببها. رأسي إلى الأمام، إلى الأسفل، مؤخرتي تجافي حركة رأسي أثناء المشي، كأنها ليست مني. تسبّبُ لي مؤخرتي مشاكل عديدة، خاصة عندما أمررها بصعوبة بين صفين متقاربين من كراسي مقهى المركز الثقافي الفرنسي الصفراء كالموز حيث يحلو للشباب الأمل وتبادل النكت. أيّ أملٍ يمكن أن يفلح في هذه الأرض البور المفتتة بين نزوع محلي فاشل وضراوة تقليد الأجانب اللطفاء، وهم لطفاء لأنهم يحصلون على نقود تكفيهم لاستئجار منزل جيد في حي المهاجرين بعشرين ألف ليرة في الشهر. طبعاً سيبدون اللطفَ، بلا شك. فليسمحوا لنا إذن باستئجار غرفة في قلب باريس بأربعة آلاف ليرة سورية منيعة. لو قدَّمَ لنا السفيرُ الفرنسي محاضرة عن التعاون الهام والمثمر بين سوريا وفرنسا لطلبتُ منه غرفةً بأربعة آلاف في عاصمة النور والرماد، في قلب باريس، في لوعاتها المتفجرة. وصلَ بائع شعر البنات إلى الجهة الظليلة من الحديقة. لا تضربه الشمسُ التي لم تكن يوماً سوى احتراق أعمى. المطلَّقةُ ذات الراتب الممتاز أفضل من الطبيبة شبه العاطلة عن العمل. كلتاهما صاحبةُ بيت. بيتُ المطلَّقة أنيق، ناعم كلون بشرة صدرها. للطبيبة بيتٌ صغير نظيف. للمطلقة ابنٌ يعيش معها. لا شك سيكرهني إذا عشتُ مع أمه كزوج بلا عمل. عليَّ التفكير بذكاء، بحرص شديد هذه المرة، ينبغي عرضُ الأمر على أصدقاء خبراء مقربين مخلصين، ممن لا أخجل من تقيؤ دناءاتي كلّها في وجوههم. أرمي بسيجارتي المنطفئة إلى أبعد نقطة، أبعد مسافة جديرة برامٍ محترف. كم وددتُ حينها تطويحَ سيجارتي في الهواء تترنّحُ سريعةً، كم رغبتُ في سماع صوت ارتطامها بسور المياه الراكدة. يبهجني الارتطامُ كما لو أنه يمنحني الأثرَ المرخي الذي تخلفه إبرةٌ مخدِّرة.

***

لم أخبرْها أنَّ الحديقة قذرة. هي تراها قذرة، فلمَ أخبرها بما ترى. لكن هل المرء، أيٌّ منّا، في مستوى ما يرى؟ مراقبة ذبابة واحدة تكفي للإحساس بمدى القذارة التي تلهم الذباب على العمل والنشاط كما لو كان الذباب نقابةً للعمل أو اتحاداً للطلبة. إنني أرتاح في كسل جلوسي الطويل على مقاعدها الذبابيّة المشمسة، لأنها قذرة، لا تستطيع إخفاء حقيقتها كمكان للتائهين، للمرضى المنبوذين، الغرباء، الوحيدين يبحثون عن نساء وحيدات، نساء ليومٍ واحد يكفي قذف كلِّ جوعٍ، حرمان، وسَخٍ تحت الآباط وخلف الأعناق، يكفي نزعَ كلّ صدأ، سرعان ما يعود في اليوم التالي أثقل وأكثر حدة وألماً ونفوراً. مع ذلك عليَّ أن أختبئ بطريقة ما، آه لو كنتُ ضوءاً تحت هذه الحصاة! أنْ أختفي بين أوراق الأشجار، أتناثر واتفتت. لكنها الحاجة إلى العمل المهين، إلى صحبة النساء الرقيقات المملة، تدفعك إلى الكلام كملاكم لا ينبغي أن يتعب أو يمل أو يخسر أو يندم أو يتراجع، كما لو أن الصحبة المرغوبة عهدٌ أو دينٌ. الحاجة إلى الظهور الدائم، كمتكلِّمٍ لا يتعثّر بشيء، تضجرني من الكلمات. الكلمات التي لا تتوقف، كلمات لم توهب قدرة أن تضحك قليلاً من مآلها المخزي، تخرج من بين الأسنان كفتات، كجثث ضئيلة، كلمات لا تمزّق غير نفْسها، لا تتألم ولا تصرخ بجوعها.

***

عنيفاً، بلا رحمة، أخضعني المرضُ، لوَّثني كما تلوِّثُ الشمسُ وتُبخِّر عفونةَ جيفةٍ، سوّاني مثل ترابٍ، أخفاني لأتلوّى بين حصياته الناعمة كخيط عشب رفيع، خانعاً أزحفُ تحت قدميه. كانت أنانيتي المنحطّة أقوى من ندمي المشتعل في وجهي الأعمى كجزاءٍ وحشيّ، مثلما هو الغباءُ أكثر انتشاراً من رغبات الشرِّ الصريحة التي يسديها الغباءُ خدماتٍ مجانيّة كالعويل، وما استطاعتْ خيباتُ فشلي المتكررة منعي من المداومة عليه، دوامَ المدمِنِ الهائج، رغم الضعف الذي سيلازمني كحقيقة وحيدة عليّ تحمُّلُها رغم كلّ شيء، فماذا يملك المرء من عزاء سوى هذه الكلمات التي تدور بين شفتيه خيطاً إثر خيط حتى تخنقه. إنّ الإغراءَ غير المحدود للخيبة والعطالة العاجزة، رماني الى حدّ فقدان قدرتي على سلوك أيّ مخرج. عليَّ قتلُ أوهامي لأتخلصَ من عنف ذاكرتي، من أشباحي المتكاثرة كالفطْرِ حول رأسي، وكسلي وفظاظة قلقي وتردّدي الأجوف. إنها أوهامُ الحبِّ المعْدِية العنيدة كالصخر، ومثلُها طموحاتُ الحياة الكريمة المخملية، الرخيصة المقلقة التي يجري تداوُلها وسحْقُها كأيّ كلام اعتباطي رذيل، يخرجُ من الفم ليُنسى على الفور معتماً ومختنقاً. كنتُ بحاجة متفجّرة إلى إنقاذ خيالي، حياتي الوحيدة الممكنة، من فم الواقع النّهم. لم أكن سوى سافلٍ مريض، منعَهُ الخجلُ من الصراخ: أنا مريض، هذه هي حقيقتي الوحيدة. أنا مريض بحبّي للمرض الى حدّ الموت. ينبغي النظرُ بقوة إلى ما أنا عليه. أن أحدّق ملءَ عيني داخل الظلام الذي أنجبَ فمي وأنا أتكلّم. تحتاج الحياة، حياة امرئٍ مثلي، وربما كلِّ واحد قادر على التنازل عن نفسه في أي وقت، إلى قوة في المشاعر، قوة خلْعٍ مجنونة ولا مبالية، لا كما اعتدتُ سنواتٍ مريرة البحثَ السّقيمَ عن توازنٍ تالف مجلوب عنوةً من تفكير نظريّ مجرّد. إنّ التوازنَ المنطقيّ المدَّعَى بضرورته وصحّته التي تحفظ الانسجام بين البشر، الذين هم بالأساس مرغمون على العيش معاً مثل أي قطيع آخر راضخ وخانع، ليس سوى طريقة تفكير مزيَّفة جلبَتْها المغرياتُ الجوفاء؛ خواءُ العقلية الموضوعية التي فضلت على الدوام النفاقَ على الصدق والغدرَ على الحبّ. إنّ بلداً لم يقدر أنْ يدمّرَ عاداتِ شعبه الميتة بلدٌ لم يعرف المرضَ الحقّ. تخليْتُ عني كما يجدر بخائن يترك عشيقة رائعة. هذا جزءٌ من طبيعة جَلْدٍ متكتمة نازفة، قوية كالغباء وذات اضطراب حميم هائج ومقنَّع الى حدّ عدم القدرة أو الرغبة في التفكير بالأسباب التي تدفع من انغلق على نفسه إلى سحقها كما لو كانت النّفسُ حشرةً. لم يكن ذلك إرغاماً أو خضوعاً لحاجة سرعان ما تتبدد وتظهر كم هي واهية وملحة كغريزة شرهة ممزقة. فقط أردتُ أن أتكلمَ وحدي، فمحَوْتُ نفسي لئلا تردَّ عليّ، ولا تأمرني بشيء، أي شيء. كنتُ منقسماً ومشتتاً وضعيفاً. أدركتُ أنني لا أصلح لشيء. كان عليّ أن أخفي مرضي بكل السبل التي لا أعرف عنها شيئاً سوى التواري والتأجيل؛ هكذا لا أدري إلى متى. لكنني أعلم أنني لستُ سوى وهم، سوى فكرة، طيف ضئيل، خيال جنسي مشوش ومنفر. يعتقد الناس أنهم ينجحون، أو أنهم يجب أن ينجحوا، ليصلوا إلى السعادة، إلى قلب السعادة الأعمى؛ هناك سيقفون محنطين جامدين كما لو أنهم أنهوا أعمالهم الجديرة بآلات خربة، مثلما تتجمد الساعات والذكريات داخل هناءة الرضا المرتخية كخصية لم تعد فيها قطرة مني واحدة. مع ذلك، عليَّ أن أهدأ بكلّ الظروف، بأي ثمن. كلّ الظروف، هذه، ليست كلّ شيء أبداً، فلمَ فتحتُ فمي داخل سجن وجهي القذر، وتحدثتُ عن الظروف كلّها، لا شكّ إن الجدار الذي يرتفع ثلاثة أربعة أمتار فوق الديوانة التي استلقي عليها الآن، في هذه الظهيرة الصيفية الرخوة اللزجة، ينبغي دون شك أن يسقط عليّ ويدمِّر رأسي على الأقل. تبّاً، بصقتُ على الطاولةِ الخشبِ الخفيضة، حيث وضعْتُ، لاحقاً قرب لطخة بصاقي العكرة الجافة، يداً ممدودة مفتوحة الأصابع، كما لو أنها يدُ مجهولٍ بلا ذراع. تبْغُ الحمراء الطويلة القديمة جيّدٌ، رائع، خاصة إذا كان طرياً غير مرصوص. أشتري علبتين كلَّ يوم، ثم أسرع إلى المنزل، وأنتظر وحيداً أكاذيب التلفزيونات والصحف. هذي آثارُ الضجر الأحمق وتبعات الخمول المشتركة. غيرَ بعيدٍ عن اللطخة المدهشة، ثمة ورقة. على الورقة بضع مقاطع من قصيدة مرتبكة، كُتِبَتْ بخط صغير واضح ورديء:

We have so bad, too huge shut roots

,Like black sharp opened knives

But never small new leaves

.Flow outing from our hard hands

.How far words overd, dark waved lips

.No tree any more. No love. No smile

.It's shamed drunk blood. It's burned blindness home

.I hope both, Water, and Me, fallen absent

قراءتها المتسرعة، مرة تلو أخرى، جعلتْ قلبي يسقط في الإهانة اليائسة من جديد. عمري اثنان وثلاثون. وحيد، دون عمل، وعليّ أن أدبّر حالي كيفما كان. ”كيفما كان“ كافية وحدها ليفجِّرَ المرءُ رأسَه. إنها تعني القبول بأي حلّ، أو انتظار كلِّ شيء يشبه أيَّ شيء، كما لو أن حياة المرء هنا فراغ خانق، حيث يمكن لما حدث ويحدث أن يدخل هذا الفراغ دون إعاقة ودون جدوى معاً. أخبرُ أبي أنني أعمل، أبحثُ عن عمل، سأجدُ عملاً جيداً قريباً جداً. في الحقيقة أفكّر بالأمر فقط، أفكّر دون أن أحرّك ساكناً. لقد تمّ تعليق الزمن، كما تعلّق ببرود أعصاب ذبيحة للتشريح أو البيع، وداخل عرْيِ وانسلاخِ هذا الضّيْقِ المرفوع أمام العين كإشارة حيّة ومنقضية، يجب العثور على دوافع ما، حتى إذا كانت غير موجودة، تؤكّد سلامةَ مرور الوقت، ومن يعثر على عمل أمام هكذا حال ثابتة ومتجمدة ومأكولة في آن، لا يجد غير تخمة خواء ثقيل. طبعاً لا يمكنني نقل هذه الصورة إلى أحد، والأجدى بي نحْتُها غزيرةً حادّة في تجويف عيني، حتى إذا ما طرأَ وهمٌ من أوهام الفوضى السارية، ألجأ إليها، فلا أسقط ولا أتزحزح. لكن المرءَ يجوعُ ويرغبُ، يريدُ ويطمحُ، ولا يمكن لأي مرآة، مهما بلغت من الصفاء والامتلاء أن تكون طعاماً أو مسكناً لأحد. أقول، عن غباء تحكّمِ مني، إن مئة ليرة تكفي لليوم الواحد، وعليّ إثبات عنادي الطائش ضدَّ ولعي بخساراتي المهيمنة، كما لو كان العنادُ نشيداً خَرِفاً يكرّس فشلاً وراثياً. قضيتُ قرابة ثلاثة أشهر على الحال ذاتها، ولن أقول إنها بائسة، فالحقيقة أنني كنتُ أفكّر، ولم أجد وقتاً لتأكيد البؤس من عدمه. خسرتُ بعض وزني، فقدتُ الكثيرَ الأهمَّ منّي ومن وزني معاً، وكان ذلك جيداً، سيما أنني أقبلتُ، بعد ذلك، بشهية عارمة الى حدّ الإنهاك، على حملات عاطفية زاخرة وخرقاء، دعَمَها تحمُّسي الهائجُ وغطَّتْها بالراحة المرتخية النيئة بساطةُ تكلُّمي، وتدفُّقُ مشاعري، وهدوئي الضعيف، وكان نحولي الفاترُ البطيء مغرياً ومفيداً لنساءٍ كريمات كالنّدى يجدنَ، عادة، في الشحوبِ الثقافي المتمارض، ورقّةِ الجسد المطحون مكاناً لائقاً في نبضات لحمهنّ السائح العزيز. ينبغي العودة إلى ”كلّ الظروف“ الساحقة، إلى جدار الموضوعية - الحطام الذي يحجب القلق، يخرسه كما تلقمُ أمٌّ غافية مرهقة ضرعَها لتسدَّ فمَ طفل باكٍ، وحيث ثمة برهانٌ يفحمُ الانفعالَ ليحوِّلَ الغضبَ العادلَ إلى رمادٍ في لحظة ضئيلة كالدموع. إن ”كلَّ الظروف“ هذه هي الرمادُ الذي ينبغي النظر فيه بموضوعية باردة مثله، أي نزعه عن النفس التي تنفعل وتتخبط، وجرّه غصباً إلى تصحيح النظر، ياه، يا لها من كلمة: تصحيح النظر، كأنما المرء آلة.

***

لا أدري من أين جاؤوا بها. تبّاً، لعناتٌ ولعنات! الموضوعيّة كائنٌ منيع، مغلق، وضعٌ لا يُطاق أبداً. الموضوعية طريقة تفكير شائعة لقبول الوضاعة وتأجيل المرء قتلَ نفسه.

أتذكّرُ أمّي الآن؛ بيدٍ مبللة ذابلة، أعطتني تفاحة، منذ سنتين، في باكر صباح خريفي، وحينما عادتْ إلى المطبخ وهي تحدّث نفْسَها في الممر النظيف العاري متأففة عن تمزق كيسين من الرزّ الموزع حديثاً، جرّاءَ روح الإسعاف الخانعة، ودعم الحكومة الوسخ للرزّ والسكّر والشاي، لمحتْ حذائي القديم: حذاؤكَ القديم هذا، عدتَ تلبسه من جديد. إنه ثقيل. قالتْ. نعم، هو كذلك، أجبتُها. لم أرفع رأسي عن التفاحة الكبيرة التي غطَّتْ فمي وعيني. ألمسُ فمي الآن، شفاهي جافة من كثرة التدخين، ربما أيضاً غليظة ومتشققة. لم تعدْ يدي تحسُّ، كأنها ليست لي، أو ثمة ثقلٌ بليدٌ، كثقل حذائي المهترئ ذاك، يمنع انتقالَ ملمس شفتي إلى أصابعي. لم لا تكون الأصابعُ عيوناً؟ لا شكّ أن الموضوعية لا تقبل بذلك أبداً. تباً لها. قدماي تتنمّلان، تثقلان عليَّ، فيغدو سيري عذاباً صاعداً من رؤؤس أصابعي إلى جفنيّ اللذين طالما وجدا في التراب والإسفلت مكانَهما الحزين اللائق. لكي يتخلص أحدُنا من الوقاحة والغرور معاً، عليه ألا يرضى عن نفسه في شيء، وفي الآن نفسه أن يحتقر الموضوعية والقوانين علناً كما تسحَقُ المطارقُ الحديدية الضخمة لموظفي البلدية حديدَ المنازل الممنوعة. منازل ينبغي دفع رسوم باهظة حتى يسكنها أناسٌ فقراء خائفون كما تلجأ حيواناتٌ مذعورة إلى جحور غائرة مظلمة، وكما تجبِرُ القوانينُ المعتوهة المبجَّلة بشراً سيئي التربية والغايات على نهْشِ بعضهم ككلابٍ سافلة مصنوعة من مزيج نادرِ العوزِ والشراسة. الأصابع ليست عيوناً فقط، إنها آذانٌ كذلك، ومرايا كالصمت. أنظرُ عبر النافذة، بعدما أعدتُ يدي مستلقيةً كورقة نباتٍ مقصوفة على صدري، أرى أغصانَ شجرة توت ضخمة متشابكة، وخلفها، ترتفعُ ممتدةً سلسلةٌ من أبنية ملطخة بالغبار، فارغة. هناك أيضاً ثمة نوافذ، وبعد سنة أو أشهر تكون عيونٌ خلفها، أصابعُ وشفاهٌ. غير أنّ تلك العيون والأصابع ينبغي أن تكون لأناس لديهم المال الكافي، بعد تجاوز عثرات أنظمة البناء المكلفة، حتى يملأوا فراغَ النوافذ بها ويغلقوها على أنفسهم. يا للرضا الذي يعقِبُ النجاحَ في تدبير المال الذي يعرف كيف ينفذ بمرونة ويسْر إلى المخابئ المعهودة للسماسرة والمرتشين. يقول لي صاحبي: ينبغي أن تعثر على عمل. أنا لا أنفع لأي عمل، لا أريد. يردُّ: وكيف تعيش؟ هكذا دون عمل. أخفض رأسي علامة خجل متصنع: نعم، هكذا دون عمل. العيش لا يحتاج إلى إرادة ولا تخطيط، قدر ما يحتاج إلى استسلام الى حدّ المرض. أتريد أن تمرض، تريد أن تموت. أنت لا تحبُّ الحياة. كدتُ أسقط مغشيّاً عليّ من عبارة: أنتَ لا تحب الحياة! تُرَى كيف يمكن للحياة أن تُحَبَّ أو لا تُحَبّ. أنتَ تتحدث بطريقة حقيقية، موضوعية، غير أنك لا تحس كيف يمكن لحلم أو كابوس أن يطبق عليك كلَّ حياتك، أن يغدو تنفسك نفسه اختناقاً متواصلاً. أنا لا أعيش في جسدي ولا في الشوارع أو البيوت. إنني أحيا الكلمةَ - الجرحَ. هذا يكفيني، كلمة واحدة تكفي حياتي كلّها: الموت.

***

كنتُ كئيباً، عيناي عينا دائخ، لم أرَ غير ما أكره. لا يشغلني شيء سوى موتي. يحدث هذا ما إن أفتح عينيّ. لمَ، حقاً، ينبغي حبّ الحياة. ثمة افتراض مزعوم يضفي على الحياة سماتٍ كاذبة. يقال مثلاً: الحياة أمر جميل، الحياة حلوة. عن أي عالم يتحدث هؤلاء؟ أريد فقط أن أرى هذا العالم الجميل. صحيح أنني رخْوُ الإرادة، شكّاك بسبب البلادة لا الحذر، لكن من حقي، رغم ضعفي وترددي في كلّ شيء، أن أفهم هذا العالم الجميل، أن ألمسه لمسَ اليد. أركبُ سيارة أجرة، فيكذبُ عليَّ السائق، مدّعياً أن الصّرافة التي معه نفدتْ، وحينما أفكّرُ للحظة، لحظة واحدة خاطفة، أن أصرخَ بأعلى صوتي: أنتَ تكذبُ يا أخي لتسرق مني خمساً وعشرين ليرة هي ربعُ مصروفي اليومي، أو استنجد بشرطي مرور، سرعان ما تطفو من حولي صورُ كلّ الذين لا يثقون بالشرطة، بل يتحاشون أي تعامل معهم، كما لو أنهم غرباء مريبون أو لصوص قساة القلب. والحقيقة أن الهربَ من رجال الشرطة إلى سائقي الأجرة أفضل من الاستنجاد بالشرطة ضدّهم. إن من يعيش على الكذب يتحالف بقبحٍ مع زعم أن الحياةَ أمرٌ جميل، حتى لو لم تكن سوى اضطراب وتخبّط أسماكٍ مهدَّدة على وجه مياه لزجة قذرة. أولئك هم أنفسهم لا يملّون من النّصح، كما لو كانوا خبيري نفوسٍ محطَّمة، إنْ لم يكونوا هم أنفسُهم من يحطِّمها. سرعان ما تقلبُ العاداتُ الجامدة أحاسيسَ آنيّة منفعلة، تقلبها لدرجة أنك لا تتكلّم عما تحسُّ قدر ما تحسُّ بما لم ترَ، حينها لا تجدُ غير اللّغْو على فمك، ولأنّ على المرء أن يتكلّمَ على كلّ حال، كما لو كان الكلامُ والحياةُ سواء، تصير الكلماتُ نفْسُها أقنعةً أليفة مهرِّجة، حتى إذا ما حاول أحدٌ نزعَ لحمِ الألفة المضحكة، يحسُّ أنه سينزع معها لسانَ حياته.

طبعاً الناس يفضِّلون العيش بألسنة متكلِّمة طليقة على التكلم بألسنة محبوسة مقطوعة تقطر دماً وألماً. إنهم لا يتحملون الفزعَ ولا يطيقونه، وأنا لا أطيق من لم يكن لسانُه مرآة عذابه وقلبه. هذا ظرفٌ ضئيلٌ وضيعٌ من ”كلّ الظروف“ التي لا تُطاق، ومع ذلك ينبغي أن تحيا معها، تتكيَّفَ وتنسجمَ وتتوازن، كما لو كانت كلُّ الظروف عائلتَكَ الوحيدة، مسكنَ روحكَ المحتقَرة، ونسَبَكَ الإجباريّ كالتجنيد الشبيه بعقاب شامل، كفوضى الضرائب، والحبِّ القائدِ المهين. عمري اثنان وثلاثون. لم أدبِّرْ نفسي بعد، غير أنني قادرٌ على تدميرها فوراً. لكنَّها اتصلتْ، وتم لقاءُ حُبٍّ عاصف بعد يومين فقط. يا للسرعة الرشيقة! ستٌّ وعشرون سنة، عينان بلمعانِ عسلٍ داكن تحت ضوء شمس خفيفة - يا للنعيمِ المصطفَى! وكان صوتُها بدايةً متألقة، تلتْها أسابيع من السخف المتبادل، وضعياتٌ حميمة لذيذة، تخلَّلها قليلٌ من معوّقات متوقعة، مديدة أحياناً، بسبب الطابع القمري الجادّ والمبهَم والمستمر لأجساد النساء الولعات. قالت: كم تبدو عجوزاً، لم أنتَ شاحب، أحبُّكَ، آه، يا إلهي، قالتْها وهي ترخي جسدها في نبرة فمها: أحبُّكَ، وحينها تماثَلَ تمطُّطُها اللَّدِنُ مع حبُّها لي. أدركتُ على الفور أن العاطفة القوية، حينما تتبدى في الرغبة الجنسية المحضة خاصة، نوع من التمطّط الرخو الضعيف، لكن المغري الى حدّ أن المرء يودُّ لو يغرق في التمطّط وهو يتلوّى بين الشفاه التي لا تني، رغم الرخاوة، تحملُ جسدَها كلَّه عبر كلماتها. هكذا بيسْرٍ أخفى شبقاً دفيناً، كما لو أن الأمرَ صدْفةٌ جرى التخطيطُ لها بأمانةٍ مخلصة، انتصرتْ اللحظةُ المناسبة. مضتْ أربعُ سنوات منذ آخر لقاء. حينها كانتْ لمسةٌ فاترة، تحت الشمس، مسروقةٌ كنظرةٍ سريعة من سيارة متهوِّرة إلى ظلِّ طفلٍ قصير، على الرصيف، وضعتُ كفي داخلَ كفّها وكانت شجيرةُ ياسمين لطيفة، ترتفعُ بطيئة رقيقة على مدخل بنايةٍ من حجرٍ حائلٍ إلى صُفْرة قاتمة، من ثلاثة طوابق متقاربة الشرفات، هناك مدَّتْ أغصانُ وريقاتِ الياسمين ظلّاً صغيراً متقطِّعاً إثْرَ نُسَيْمات خفيفة، تموجَّتْ على صدرها الممتلئ شحماً مدهشاً، تحت قميص أبيض رقيق، غير أنها غيّرتْ رأيها، لاحقاً، بعد أربع سنوات، في ظهيرةٍ من آب حارقة، وبينما لم تفلحْ شفراتُ المروحة الرمادية الضخمة في تلطيف هواء الحجرة الواسعة: أنتَ أنانيّ، مُملّ وبليد. يأسُكَ يأسُ الضعفاء، لا يمكنني أن أستمرَّ معك على هذه الحال. أنا لا أحبّ الضعيفَ الخائف. قلتُ في نفسي: يأسي اعتراض، صمتي اعتراضٌ على كلامك، اعتراضٌ على الكلام نفسه. لم أشأ أن أحوِّلَ حماسةَ نفورها الطارئ إلى مهزلة جفاءٍ جديد غير ضروري، لذلك احتفظتُ بصمتي أو عضَضَتُ على لساني كما يُقال. كان عليَّ أن أهدأ، وهاهي أسئلةُ البدايةِ العاطفية المتلكِّئة تكرّرُ هواءَها الصعبَ بجرعاتٍ أثقلَ سخفاً مما كانت. لم تمُتْ كلُّها، غير أن ما يهمّني هي تلك الأسئلة التي يتمُّ دفنُها على مرأىً من المرء، تلك التي سرعان ما تُنسَى، كما لو أنها لم تكن تخصُّ أحداً. عندما كنّا في مدخل البناية، ذاكَ النهار، قالت: هذه هي المرة الأخيرة، اعتنِ بنفْسِكَ. كيف يمكن للمرء أن يعتني بنفسه دون امرأة! تباً، تحلُّ النصائحُ القاتلةُ محلَّ المرارةِ التي سرعان ما تعود ملطَّخَةً بوحْلِ النصائح. ”اعتنِ بنفْسِكَ“ خارجةً من فمٍ ليس سوى قناعٍ عاديّ لفصل المرء عن قلبه. ”اعتنِ بنفْسِكَ“ هذه تشبه تماماً نصائحَ الضباط في الجيش: كلُّ شيء لنا، إلا الرياضة فهي لكَ. اركُضْ. لكنْ إلى أين يا إلهي، إلى أين؟! حتى الاستنجاد بالآلهة التي قزّمتْ خيرَ كلماتِ البشر وعكَّرتْها إلى عداواتٍ أضرمت النارَ في الأفواه التي أبدعت الكلمات، أو بالبشر الذين قبلوا الإهانة المزدوجة خانعين، أمرٌ بلا طائل. لكن، رغم كل شيء، عليّ أن أهدأ. قلتُ سأخرج إلى الشارع، علّي أرى أين أنا.

ضاعتْ مني وظيفةُ الدبلوماسي المرموق، وضاعتْ كذلك مهنةُ المحاماة ”المستقلة الشريفة“، التي أضطر أحياناً إلى التظاهر بقيامي بها، لئلا يضيع مني راتبُ التقاعد الجزيل. فمنذ اليوم الأول الذي أقسمتُ فيه قسمَ المهنة الرائع: ”أقسِمُ بالله العظيم أن أزاولَ المهنة بشرف واحترام“ إلى آخر تلك المهزلة أمام قاضي محكمة الاستئناف اللطيف، وحينما أخبرتْني لاحقاً، كمن يدلي بمعلومة سرية نادرة وهامة، رئيسةُ ديوان المحكمة، تلك المرأة البدينة والمتعاونة بسبب شلال الهدايا الخصبة المتعاقبة: ”مبروك، لقد ضمنْتَ الراتبَ التقاعديّ، خلال أشهر قريبة سيتم رفعُهُ إلى عشرين ألف ليرة، اليومَ أخبرني محامٍ سيتقاعد بعد ستة أشهر، ثم إن إعانة الوفاة وصلتْ إلى المليون“. وصلتْ إلى المليون؟! هذا يعني أنني أحمل موتي معي كما لو أنه مليون ليرة. سأظلّ أحملُ مليون ليرة إلى أن أموت، وبموتي فقط يمكنني التمتع بمليون شيء. إلهي أخبرْني عن ثمن الموت. كان عليّ الموتُ حينها على الفور، لكنني نجوتُ من المباركة القاتلة الرحيمة بأن قضمْتُ رؤوس أظافري وأنا أهبط الدرج إلى البهو القبيح، وأتخيل اللحظة التي أصلُ فيها إلى البيت وأغلق بابَ غرفتي عليّ. منذ ذلك اليوم، الذي ينبغي احتراماً له تقديمُ اقتراح إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بخفضِ سنِّ التقاعد إلى اليوم الأول من المباشرة في الوظيفة، أقسمتُ أن أهربَ من المهنة إلى الأبد، طبعاً مع ضرورة الحفاظ على راتب التقاعد، مما كان يدفعني أحياناً إلى القيام بدور المحامي الخانع لئلا تلجأ النقابةُ الكريمة آسفةً، غيرَ آسفةٍ، إلى فصلي بسبب عدم مزاولة المهنة الراقية. اقتربتُ من حانوت جاري، حيث أفضل أنواع الدخان الأجنبي الذي لا ندري أين ومتى يصنع، والكحول المهرَّب مرصوفاً في زجاجات لامعة، وقرْبَ بابه، كانت سيارةُ جيبْ وازْ عسكرية متينة. شعاعُ شمس الضُّحى المنعكس على واجهتها الأمامية العريضة استقرَّ لحظة في عيني، وشعرتُ بسحر ذلك الاستقرار العابر القوي، خلْتُهُ سيبقى هناك خالداً.

***

اللقاء الحديث القلق الذي يبدأ كحطام بين الفراغ الخاوي والاستقرار الحارق، من القوة بحيث تدوم آثاره المنفعلة أطول من مدة اللقاء الوجيز. حقاً، إنّ حماسة المهربين، وسرعتهم في العمل ودأبهم على إنجاز أعمال يومية مربحة، تخلبُ النّظر. ليتني كنتُ واحداً منهم. أخذتُ علبتَيْ دخاني، بعدما منحتُ ابتسامة جامدة للبائع الشاب النحيل ذي العينين الصغيرتين والفم الأحمر الشبيه بفم مراهقة بالغت في صبغة الروج الدهنية. عدتُ إلى البيت فوراً، وانعكاسُ ضوء واجهة الجيب واز يغرّدُ داخل فمي كأغنية حماسية لا يقوى قلبُ المرء على نسيانها لفرط ما هي سخيفة ومطربة، الى حدّ رغبتي ألا أنطق بحرف طيلة النهار الجميل هذا. وفي طريق العودة، التي لا تزيد عن مسافة ثلاثة شوارع قصيرة قذرة، أوقفني عجوز بيده كيس نايلون فيه قطع صابون مربعة صغيرة. بدا كمتسول أكثر منه بائعا جوالا. قال مبتسماً كما يجدر بكلّ محتال: خذ ست قطع بمائة وخمس وسبعين ليرة. مئة ليرة تكفي، هكذا خمّنْتُ ردّي في ما إذا كنتُ مساوماً فطناً. خذْها بمائة وخمسين، صابون بلدي ممتاز. كيف يكون بلدياً وممتازاً في نفس الوقت؟! صدّقْته، دائماً أُخدَعُ بسبب الشفقة؛ كأنما عليّ القبول بنصيبي من فقرٍ كالخزْي، وأخذتُ الصابون الذي سرعان ما رميتُه اليومَ التالي. كان عليّ أن أرمي نَدَمي معه كذلك، ندمي الأحمق المستمر؛ فهو لا يختلف في شيء عن رداءة الصابون المغشوش. المرءُ يكذب، الغبيّ الساذجُ يصدّقُ، والصامتُ الكئيبُ العاطلُ وحده ينجو من الصدق والكذب. كفاني ما رأيتُ، وما كان ينبغي عليَّ خروجٌ بعد ذلك. لا شكّ أن الإرادة الطيبةَ ومساوئَ الرضا الحصين وصروفَ الغباء اليومية، وأشواكَ السرور الدامعة من طينة واحدة محطَّمة. في الليلة التالية بعد رمي الصابون التالف، قبل النوم، وكانت رجلي اليمنى تؤلمني، وكذلك عيناي، عادتْ إلي صورة الرجل العجوز المخادع. ألا يجدر بي خنْقُه إذا رأيته مرة أخرى، حتى إذا كانت المرة الأخرى هذه في قلب الجحيم، وعلى هذه الحال نمْتُ. بعد أسبوع أو أكثر صادفتُ العجوز نفسه، مع كيس الصابون البلدي اللعين. نظرتُ في وجهه، ثم مضيتُ في شأني كأنني لم أعرفه من قبل أبداً.

حالة الضعف والفقر التي دفعت العجوز إلى الكذب والخداع تماثل الخوف الذي يمنعني من الرفض والشكوى، الخوف من البحث عن عمل، أي عمل حالما أعثر عليه أقع في شبكة من النفاق المتنامي، ولا نجاة حينها من مغريات الراتب الدائم، الذي يحفظ لي حياتي حتى الموت دون أن تعني لي الحياة شيئاً، وضروراتِ المعيشة القاهرة المخزية. لم يبقَ لي سوى قلبي، وكان حبّي وهماً مؤنساً دافئاً، لكنه أيضاً كان متماسكاً وقادراً على البقاء حياً رغم المرض والضيق. قالتْ مغريتي التي لا يخلّفُ إغراؤها سوى الخيبة: إنني أضيق بآرائك أكثر من ضيقنا بالفقر الطاحن. كنتُ أودّ أن أقول لها: إنّ أيّ تغيّرٍ في حياتي سيتلفني، إنني ما عدتُ قادراً على استقبال أيّ تغيير. لكنني أمسكتُ لساني في الوقت المناسب مخافة أن تصمني بالجبن وانعدام الطموح؛ فروحُ الشباب الطارئة والمدعومة بإذاعات غبية وعالم الدعايات الوقح الرديء، كلُّها تجعلُ الشبابَ في حماس نهمٍ وطموحٍ مشتعل، سرعان ما يخمد ويُسحَق بسبب الرياء الذي لا يذر أحداً بمنجى عن السّحْق. وضعتُ رأسي على ركبتها اللطيفة، على الدفء الإنساني الحزين، وكانتْ تقلِّبُ صوراً سخيفة في التلفزيون، ثم رفعتُ عيني، التي نادراً ما أرفعها، وعثرتُ على نورِ شامةٍ صغيرة تلمع خافتة أسفل أذنها. كنتُ مسحوراً. يالها من شامة رائعة، يا لصغرها الرقيق الضعيف! هل ستبقى على هذه الحال، لقد كبرتَ، ألا تنظر في وجهك، كم هو متعَبٌ وشائخ. لم أُوْلِ كلامَها قيمة. كنت أفكّرُ في طراوةِ لحم صدرها الضخم، كنتُ غارقاً مثل تعبي ويأسي في ليونة جسمها الدافئ الوثير. أعلمُ أنها عاجزة عن تقديم أي عون لي، ناهيك عن نفسها. كيف أخبرها أنني أرى السجناء في كلّ شارع، وحينما أجلس أحياناً في مقهى رخيص وسخ، بغية هدْرِ الوقت، أتغلَّبُ على قلقي من عبوره الخانق، فأرى العاملين الجادين والموظفين الخائرين. قبولي بنظام العمل هذا ليس سوى قبول بالسجن. لا شكّ أنها لا تقبل قط وصفا كهذا لأناس بسطاء دفعتْهُم الشروط الكاذبة الاجبارية التي أرغموا عليها إلى القبول بأي عمل خشية الإملاق ودفع الحاجة المهينة عنهم. كانت الإهانة تحفر نارَها في كلّ شيء، في النظرات والملابس والخطوات، في الأمكنة وجميع الأوقات. لكنني أعرف أن ردوداً كهذه لن تغير من رأيي شيئاً، وتمسُّكي بالكسل حتى أسناني هو عينُ ثباتي على حالي التي لا أسعى إلى تغييرها ولا مَدِّها بأسباب الطموح الجبانة. أسنانُها صغيرة بيضاء هشّة. وجهُها دهْنٌ مطفَأ ومتقارب متطاول كذروة لهبٍ، بل هي أقرب إلى منظر حبة كوسا ممتلئة رقيقة القشرة، وتذكرتُ للأسف اقتصاديّاتِ الوزيرِ المالي عن امرأة تعيش حياة ممتازة من ثمن بيعها الكوسا، عيناها فارغتان مثل سؤالٍ بلا جسم، أنفُها طريٌّ مهذَّبٌ، اشتهاءٌ مستمرٌّ صامتٌ، وحوضُها واسعٌ عريضٌ مرفوعٌ كالفخامة المتْعِبة التي تحوّل بلاغةَ اللغة الفصيحة إلى بحرٍ من اللّغْو. هذه الفتاة الشابة تملك بريقاً آخر، مغرياً، لا يمكن معرفته من نظرة واحدة. بريقها المؤلم المبهج الصعب يكمنُ بين فخذيها، وهي تصلحُ مادة خصبةً لشبّانٍ مولعين بمتاهات فرويد المحبطة، وهي كذلك لا تخفي متعتَها وتلذّذها عندما ألجأ، بغية بثّ بعض الحرارة في مشاعرها المضطربة بسببِ تعلّقها بي وخوفها عليّ، إلى لَطْمٍ خفيفٍ مداعِبٍ لذلك الشيء الذي يجعلها تتأوّه أحياناً إلى حدّ البكاء. نعم، إنّ اللذة، كحالة من الألم الغريب الصافي، تُبْكي. تظلُّ تنصحني: أخرجْ، ابحثْ عن عمل. أنا أرغبُ، لكن العملَ يقتل رغبتي في كلّ عمل. لم أخبرْها أنني لا أرى غير الموت، فهل آخذُ موتي معي إلى ساعات العمل...؟

 




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬