هلال شومان

ولد آرون شوارتز في 8 تشرين الثاني 1986. هو مبرمج أميركي، ومنظم سياسي وناشط على الانترنت، شارك من عمر مبكر في تطوير الويب عبر مساهمات عدة، كخلق صيغة RSS (وهي صيغة بيانات لنشر التلقيمات، من تطبيقاتها تمكين المستخدم من متابعة آخر أخبار المواقع دون الحاجة لزيارة كل موقع على حدة)، والمساهمة في تأسيس منظمة ”المشاع الإبداعي (منظمة غير ربحية تهدف إلى توسيع مجال الأعمال الإبداعية المتاحة للناس لاستخدامها والبناء عليها على نحو يتوافق مع متطلبات قوانين الملكية الفكرية)، وإنشاء موقع مجتمع الأخبار الإلكتروني ”ريديت“ (موقع من مواقع الويب 2.0 يضيف فيه مستخدموه الأخبار ويصوتون عليها لجعلها تتقدم أو تتراجع في ترتيب الأخبار).

لاحقاً، تركز نشاط شوارتز في أطر علم الاجتماع، التوعية المدنية والنشاط الحقوقي العام. في 2010، أصبح زميلاً باحثاً في مختبر أبحاث ادمون ج صفرا بجامعة هارفرد في موضوع الفساد المؤسساتي، قبل أن ينشئ على الانترنت فريق Demand Progress الذي عُرِف لاحقاً بحملته الناجحة ضد قانون وقف القرصنة على الانترنت (SOPA).

في 6 كانون الثاني 2011، اعتقل شوارتز من قبل شرطة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بتهم تكسير واقتحام، بعد تحميله بشكل منهجي ومقصود مقالات من المجلة الأكاديمية JSTOR، واتهم من قبل المدعي الفيدرالي بتهمتيْ احتيال و11 انتهاكاً تتضمن تهم سوء التصرف والاحتيال عبر الكمبيوتر، متعرضاً لعقوبة تراكمية قصوى تضمنت مليون دولار من الغرامات، و35 عاماً في السجن، ومصادرة الأصول...

في 11 كانون الثاني 2013، وبعد عامين من اعتقاله الأول، وجد شوارتز مشنوقاً في شقته ببروكلين.

هذا هو الاختصار الويكيبيدي الخبري[1] لحياة ابن السادسة والعشرين الذي ملأ خبر انتحاره أوائل 2013 الصحف. لكن، فلنعِد ترتيب الحكاية قليلاً، فحياة شوارتز على قصرها لا تشبه اختصاراً حيادي الروح كهذا.

حياكة الويب الدلالي

يشرح تيم بيرنرز لي، مبتكر الويب، في فصلين أخيريْن من كتابه الأشهر ”حياكة الويب“[2] الصادر في 1999 الاتجاه المرجوّ أن يسلكه الويب. يسمّي تيم بيرنرز لي هذا الاتجاه بالحلم، ويقسمه إلى جزءين. الجزء الأول من الحلم يتضمن أن يصبح الويب وسيلة أقوى للتعامل بين الناس. لقد تخيّل تيم الويب كمساحة معلوماتية لا يكتفي المستخدم بالتبحر بها بل يساهم في خلقها. بمعنى آخر، يختصِر تيم الجزء الأول من حلم الويب المقبل[3] بالتواصل بين الناس عبر مشاركة معرفتهم. القدرة على التفاعل والمشاركة هذه تتضمن مجموعات المستخدمين من كافة الأحجام، تماماً كما يحدث بين الأشخاص على أرض الواقع. لكنّ نقل التفاعل على النحو نفسه من أرض الواقع إلى الويب تحول دونه معوقات قد يكون أسهلها الجزء الأول من الحلم الذي بدأ يحدث منذ 2005، تاريخ انفجار المدونات، وقبلها المنتديات، ومن ثمّ ظهور الشبكات الاجتماعية، ولو كانت حتى الآن حدائق مسوّرة بطلبات تسجيل الدخول.

الجزء الثاني من الحلم[4] يرتكز على قدرات الآلة نفسها: الكمبيوتر والشبكات. بمعنى آخر، متى تصبح الآلة قادرة على استخدام قدرتها التحليلية على فهم أطنان المادة التي ترمى على الويب؟ للوصول إلى هذا الجزء من الحلم، يكتب بيرنرز لي أن الخطوة الأولى يجب أن تتضمن وضع المادة على الويب بصيغة معينة يمكن للآلة أن تفهم طبيعتها، أو أن تقدر الآلة على الأقل أن تحولها إلى تلك الصيغة التي تفهمها.

إذا ما تحقق ذلك، يمكن تسمية الويب عندها بـ ”الويب الدلالي“. عندما يحدث ذلك يمكن للكمبيوترات المتصلة بالويب الدلالي أن تمتلك القدرة على توصيف المادة، ومن ثم التدخل، والاستنتاج منطقياً. يبدو الأمر مملاً للوهلة الأولى وغير مختلف قبل التبحر في إمكانية أن يحدث ذلك على مستوى كامل الويب، حين تصبح إمكانية وصل المعاني الكثيرة ممكنة. باختصار، عندما يمكن للكمبيوترات عندها أن تتواصل فيما بينها بغض النظر عن اللغة والطريقة التي يتم التعبير فيها عن مضمون المادة المرميّة على الويب.

تعقّب المعلّم

تبع آرون شوارتز تيم بيرنرز لي في حلم الويب الدلالي. قرأ كتابه وهو لما يبلغ الرابعة عشرة. وفي 2001، حين كان شوارتز في الخامسة عشرة من عمره، كتب تحت إشراف جايمس هاندلر، أحد أبرز المروجين والمنشئين لفكرة الويب الدلالي، ورقة قصيرة عن الموضوع تحت عنوان ”الويب الدلالي: شبكة من المحتوى للمدينة الرقمية“[5]. تلفت الورقة إلى أهمية قدرة الكمبيوتر المتصل بالويب على تحديد مستوى الثقة بين المستخدمين لتحدد تباعاً مستوى الثقة بالمضمون المطروح على الويب وصولاً إلى القدرة على تحقيق الويب الدلالي كاملاً. اللافت للنظر أنه من أصل ستة مراجع للورقة المبسّطة، هناك ثلاثة مراجع لتيم بيرنرز لي نفسه أحدها كتاب ”حياكة الويب“ نفسه. وضمن المراجع الثلاثة هذه، هناك مقالة مكتوبة بالتعاون بين هاندلر وبيرنرز لي صدرت في مجلة العلوم الأميركية هي أولى الأوراق التي بحثت في هذا الموضوع.

هذه الورقة لشوارتز ستليها ورقة أخرى عن خدمة مقترحة من خدمات الويب الدلالي. لكنّ هذه المساهمات لن تبقى معزولة في حيزها النصي. فالصبي كان قد بدأ عند بلوغه عامه الثالث عشر في التجريب التقني عبر بناء ما سماه بـ ”شبكة المعرفة“، واستمرت تجاربه ليكون جزءاً من الفريق الذي توصّل إلى تأليف النسخة الأولية من صيغة البيانات RSS. في عام 2000، سيربح بعمله ”شبكة المعرفة“ جائزة آرس ديجيتا في دورتها الثانية. وبالإضافة إلى الجائزة المالية، سيحصل شوارتز على رحلة من يومين إلى حرم معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

سيستمر عمل شوارتز المهتم بالويب الدلالي سواء عبر الكتابة النظرية أو التطبيقات العملية في برمجة الخدمات الكثيرة التي ساهم بإطلاقها على الويب. في كتابه ”الويب المبرمج لآرون شوارتز: عمل غير مكتمل“[6] الذي صدر بعد وفاته، يعترف آرون أنه من السهل السخرية من الرؤية المستقبلية للويب. فوالده مثلاً، عندما يسمع منه عن السيناريوات الممكن حدوثها عند تحقق هذا الحلم، يتندر عليه: ”لماذا على محمصة الخبز أن تعرف عن أسعار الأسهم المالية؟“.

يكتب آرون أن ”العلاقة قد لا تبدو مجدية الآن، وقد تبقى غير مجدية فيما بعد. لكن الويب الدلالي قائم على فكرة الرهان. الرهان بأن إعطاء العالم وسائل التعاون والتواصل قد يفتح الباب لاحتمالات قد لا نستطيع التفكير بإمكانياتها الآن. تبدو الفكرة مجنونة بعض الشيء. لكنّ المرة السابقة التي راهنّا فيها على شيء مماثل انتهينا فيها بالحصول على الويب. لنرَ إن كنا نستطيع فعل الأمر مرة أخرى“.

يوميات ضائعة

في الرحلة الجائزة إلى حرم المعهد الذي سيشهد بعد ثلاثة عشر عاماً قضيته الأخيرة، معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، سيحاول آرون أن يلتقي بتيم. وبعد ثمانية أعوام، في 2008، سيعثر بالصدفة على كتاب يوميات أضاعه، ويجد فيه توثيقاً للقاء الأول، فيعيد صفّ اليوميات المكتوبة بخط اليد على مدونته الالكترونية تحت عنوان ”حياتي مع تيم“[7]. فيها يقول: ”في الصف السابع، طلب منا العمل على مشروع حول الرجال العظماء الذين صنعوا أمريكا، أو شيء من هذا القبيل. اختار الأطفال الآخرون قادة الحقوق المدنية والساسة وحتى العلماء. وكوني مهووساً بالتكنولوجيا، اخترت بطلي: تيم بيرنرز لي، مخترع الويب“.

أراد شوارتز أن يجيب عن بعض الأسئلة في الفرض. استطاع أن يجيب عن بعضها بالبحث على الويب، أو عبر زيارة موقع بيرنرز لي، وبقيت بعض أسئلته بلا إجابات، فلم يجد بداً من أن يتصل ببيرنرز لي رغم أن الموقع كان يعلن بصراحة عدم رغبته بتلقي أية أسئلة مشاريع مدرسية حول الويب.

كان أحد الأسئلة: ”كيف تعتقد أن عملك قد شكّل أميركا؟“. ردّ بيرنرز لي بقي مع شوارتز لفترة طويلة: ”كنت رجلاً إنكليزياً يعيش في فرنسا ويعمل في سويسرا. الأمر غير ذي صلة بأميركا“. مصدوماً، عاد الصبي ذو الثلاثة عشر ربيعاً إلى أستاذه منتقداً ”تمحور الفرض حول أميركا“.

سيبقى سؤال أميركا مع شوارتز، ويدفعه للقراءة أكثر في السياسة وعلم الاجتماع، وسيبقى يحاول اللحاق ببطله.

عند زيارته حرم معهد ماساتشوستس، سيمر آرون قرب مكتب تيم ويسأل عنه لكن الأخير سيكون على سفر. سيحضر بعدها مؤتمراً في كامبرديج لاتحاد الويب الذي يديره تيم. وسيحظى بحديث سريع معه في نهاية محاضرته وبصورة يحيط فيها تيم كتف آرون الأيسر بساعده الأيسر. لن يمر وقت طويل قبل أن يتحدث آرون مع تيم فعلياً، بعد بدئه لنشاطاته مع مجموعة RSS وتتابع مساهماته في اتحاد الويب. ذات يوم، عندما يرى تيم آرون في الرواق، يعرفه، فيناديه: آرون!، ويقترب ليقول مشجعاً إياه: ”أقدر كل العمل الذي تقوم به. إنه عمل عظيم. هل تعتقد أن باستطاعتك مساعدتي في مشروع صغير؟“، ثمّ يعرض عليه مشروعاً من مشاريع الاتحاد بعد جواب آرون الإيجابي المتحمس.

بعد أيام، في المؤتمر نفسه، يقف آرون حاملاً صينية الطعام ومفتشاً عن مكان للجلوس، عندما يعرض عليه تيم مكاناً قبالته إلى الطاولة التي يجلس إليها. سيعود تيم ليراه مجدداً في نهاية اليوم الأخير، لحظة قدوم أم آرون لتقله إلى المنزل. سيتدخل تيم ويقول للأم: ”آرون يقوم بجهد ممتاز. لكنّي قلق قليلاً. المرة الماضية على العشاء، كل ما تناوله كان القليل من الأرز!“.

يكتب آرون في التدوينة نفسها، أنّ المرة الأخيرة التي رأى فيها تيم، كانت حين تقدم لجامعة ستانفورد. كان والد آرون في كامبريدج. أصر الوالد على طلب رسالة توصية منه لملف دخول ابنه في الجامعة. حصل الوالد عليها، وقبل شوارتز في الجامعة.

لكنّ شوارز لن يبقى لوقت طويل في الجامعة. سيتركها بعد سنة واحدة، ويكتب أنه لم يجد في ستانفورد ”المناخ الفكري“ الذي كان يتوقعه.

عصابة النفاذ المفتوح

في 2008، يقوم شوارتز مع أفراد آخرين بكتابة والتوقيع على ”مانيفيستو حرب عصابات النفاذ المفتوح“[8] (Guerilla Open Access Manifesto). هذا المانيفستو سيحدد خريطة الطريق التي سيسلكها شوارتز وصولاً إلى قضيته الأخيرة الأشهر. يشير البيان إلى التالي: ”المعلومات هي القوة. وكما كل قوة، هناك من يريد أن يحتفظ بها لنفسه. الإرث العلمي والثقافي الذي نُشر عبر القرون في المجلات والكتب، يرقمن بازدياد، وتحبسه مجموعة من الشركات الخاصة (...) هناك من يصارع لتغيير هذا الواقع. حركة النفاذ المفتوح صارعت بلا هوادة لضمان أن لا يعطي العلماء حقوق النشر الخاصة بهم لآخرين، وبدلاً من ذلك نشر أعمالهم على الانترنت تحت شروط تسمح لأي شخص أن ينفذ ويصل إليها. ولكن حتى في أحسن السيناريوات. هذا سيطبق على الأعمال المنشورة في المستقبل. إذ أنّ كل ما نشر حتى الآن قد ضاع.

هذا ثمن عالٍ ليُدفَع. أن تضطر الأكاديميات أن تدفع المال لقراءة عمل الزملاء؟ أن تُمسَح مكتبات كاملة ضوئياً ويُسمَح فقط للناس في غوغل أن يقرأوها؟ أن تعطى المقالات العلمية لجامعات النخبة في العالم الأول لا لأطفال جنوب الكرة الأرضية؟ هذا غير مقبول“.

في المانفيستو، يتطرق شوارتز للرأي الآخر حول عدم جدوى مناقشة هذا الموضوع. هذا الرأي يمكن اختصاره بالتالي: ”الشركات تحبس حقوق التأليف والنشر، وتحظى بأموال طائلة بفرض رسوم للنفاذ إلى هذه الأعمال. كل هذا قانوني بامتياز، ولا نستطيع فعل أي شيء حياله“.

خيار شوارتز هو خيار المواجهة الحتمية بحسبه: الهجوم.

ولشرح خياره في خطوات عملية، يوجه شوارتز حديثه إلى من يملك امتياز الوصول إلى هذه المعلومات من طلاب وأمناء مكتبات وعلماء. بحسب شوارتز، لا يمكن أن يبقي هؤلاء هذا الامتياز المعرفي لهم فقط. أخلاقياً لا يستطيعون. ولديهم واجب مبادلة كلمات السر مع زملائهم، وتنزيل ما يريده أصدقاءهم من مقالات.

أما هؤلاء الذين ينتظرون خارج هذه المأدبة المعرفية فلا يقفون بلا أي عمل. ”لقد كنتم تتسللون من الثقوب وتتسلقون الأسوار، وتحررون المعلومات التي حبسها الناشرون وتتشاركونها مع أصدقائكم“، يكتب شوارتز.

لكن المشكلة أن ”كل هذا العمل يدور تحت جنح الظلام، تحت الأرض. يدعى ذلك سرقة أو قرضة، كأن مشاركة المعرفة هو المعادل الأخلاقي لنهب سفينة وقتل طاقمها. مشاركة المعلومات ليست غير أخلاقية. على العكس، إنها واجب أخلاقي (...) ليس هناك من عدالة في اللحاق بقوانين جائرة. حان وقت الظهور في الضوء، لاحقين بالتقليد العام للعصيان المدني، لنعلن معارضتنا للسرقات الخاصة للثقافة العامة. علينا أن نأخذ المعلومات، أينما كانت مخزّنة، أن نصنع نسخنا منها ونتشاركها مع العالم (...) علينا أن نبني مخازن بيانات سرية وان نضع كل ذلك على الويب. علينا تنزيل المجلات الاكاديمية ورفعها من جديد على شبكات مشاركة المعلومات (...) مع كثير منا حول العالم، لن نرسل رسالة قوية لمعارضة خصخصة المعرفة فقط، بل سنجعلها شيئاً من الماضي. فهل ستنضمّ إلينا؟“.

لاحقاً في العام نفسه، سيقوم شوارتز بتحميل 2.7 مليوني وثيقة من وثائق المحكمة الفيدرالية العامة من قاعدة بيانات سجلات المحاكم الالكترونية التي يديرها المكتب الإداري لمحاكم الولايات المتحدة الاميركية، لجعلها متاحة للعامة بلا تكلفة. جذبت هذه الخطوة انتباه مكتب التحقيقات الفيدرالي، لكنه لو يوجه أية اتهامات لشوارتز لأن الوثائق كانت فعلاً عامة.

هذا الجنون النظري في الظاهر، والذي يتعفف عن قراءة واقع منظّم لصالح خيار مواجهة جذرية، سرعان ما سيوضع موضع التجربة في أكثر من موقع، أشهرها حملة مواجهة قانون وقف القرصنة على الانترنت، ومعركة شوارتز الأخيرة بتحميل آلاف المقالات من المجلة الأكاديمية JSTOR. لكنّه خلال هذه الرحلة القصيرة من 2008 وحتى 2013، سيصبح أكثر قراءة لتعقيدات الواقع، مستفيداً من براغماتية مرحلية من دون أن يغادر الإيمان بالهدف الأعم: معرفة مفتوحة، ويب مفتوح، والاستثمار أكثر في محاولة الوصول إلى الويب الدلالي ومعاندة الرقابة المحتملة القادمة من أفكار قضائية ونظامية تقليدية.

النظر إلى أوراق شوارتز ومقالاته وتدويناته، بعد اهتمامه بعلم الاجتماع والسياسة، يبدو مكملاً لفكرته حول العالم المفتوح للويب هذه المرة في إطارات أخرى. لكنّ شوارتز يتفادى القراءة المثالية العاطفية ويفرد مساحة أساسية لفكرة فهم الواقع ومحاولة الانضمام للصراع الداخلي داخل النظام القائم واقتناص الفرص من الداخل. ففي معرض الكلام عن نجاح حملة مناهضة قانون وقف القرصنة على الانترنت ”سوبا“ (SOPA) التي قام بها مع فريق Demand Progress في ندوته[9] بمؤتمر ”حرية الاتصال“ في 2012 (F2C2012)، يشير إلى أن اهتمامه بحرية الوصول للمعلومات بدأ في أيلول 2010 حين عرف عبر صديق عن قانون ”التزوير وانتهاك الحقوق على الانترنت“ (COICA). حين تعمق أكثر في القانون عرف خطورة الآتي. سيرفع تعريف المعركة للمستوى التالي: ”هناك معركة قائمة الآن، معركة لتحديد كل شيء يحدث على الويب من المنظور التقليدي الذي يفهمه القانون. هل مشاركة فيديو على //بيت تورنت// يشبه السرقة من متجر شرائط الفيديو؟ أم إنه يشبه إعارة شريط الفيديو إلى صديق؟ هل إعادة فتح صفحة الويب نفسها مراراً وتكراراً شبيه باعتصام سيبيري سلمي، أم أنه شبيه بتهشيم عنيف لواجهات المحلات الزجاجية؟ هل حرية الاتصال مثل حرية التعبير أم أنها مثل حرية القتل؟“.

يصف شوارتز الطرق التي تطرح فيها القوانين في الكونغرس. يتحدث عن لقائه بعضو كونغرس تلاشت ابتسامته النموذجية فجأة من على وجهه لتقدح عيناه شرراً ويأخذ يصرخ أمامه عن ”ناس الانترنت الذين يضعون أي شيء هناك! يجب أن تكون هناك قوانين تحكم الانترنت. يجب أن يكون الانترنت تحت السيطرة!“. يشرح كيف تطورت مواجهة قانون ”سوبا“ بدق الأسافين بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، والتعاون المرحلي مع الشركات العملاقة لنفي القانون، قبل أن يصل إلى خلاصته: لا تدعوا هوليوود تعيد كتابة الحدث بالقول إن الشركات العملاقة هي من منع هذا القانون. وجود الشركات كان جزءاً من هذا الحراك، وليس كله.

والباحث عن صوَر شوارتز على غوغل، سيجد صورة متكررة له، يظهر فيها لابساً تي شيرت أحمر كتب عليه: ”برنامجي المجاني يدير شركتك“ (غير المجانية، يقصد). هناك صورة أخرى له وسط رواق مكتبي يحمل كتابه المفضل: ”المتاهات الأخلاقية:عالم مدراء الشركات“ لـروبرت جاكال.

المشهد الأخير

في 11 آذار 2013، وفي المقالة المطولة[10] التي كتبتها الصحافية لاريسا ماكفاركوهار عن آرون شوارتز، نقرأ عن وصف شريكته تارين للمشهد الأخير: ”كانت الغرفة مظلمة. فتشت عنه في السرير، ثم وجدته معلقاً من النافذة بحزامه. صرخت وهرعت نحوه. كان لابساً الثياب نفسها ولم يخلع معطفه. اتصلت بـ 911، ولم أعد أستطيع تذكر عنواننا. كنت أصرخ (...) لم أجرب أن أنزله أو ألمسه. بعد دقيقة، قلت، يجب أن أساعده. ماذا لو كان ما يزال حياً! لم أكن مؤمنة فعلياً انه ما زال حياً لكن الجزء التحليلي في دماغي كان يقول: حتى لو كانت أبعد الاحتمالات أنه حي الآن، لكنه لن يبقى حياً بعد دقائق ثلاث. عليك أن تفعلي شيئاً! ركضت ولمست وجهه. لم يبدُ لي بارداً، كان على الأرجح أكثر دفئاً من حرارة الغرفة، لكنها لم تكن الحرارة المعتادة للجسد أيضاً. استسلمت وعدت إلى الخارج. لم أحاول أن أنزله أو أي شيء من هذا القبيل، مع أني لست متأكدة لماذا لم أفعل ذلك“.

توضح تدوينات شوارتز أنه كان مهتماً بثلاثية باتمان التي أنجزها الكاتب والمخرج كريستوفر نولان. ينهي تدوينته الأخيرة[11] بالموقع عن فيلم ”الفارس الأسود“، الجزء الثاني من الثلاثية، بالتالي:بفضل باتمان، لا يتحلل المجتمع إلى حرب نفعية يتصارع فيها الجميع، كما كان يبدو أنه يتوقع، لكن أحداً لا يستمتع بالمحاكمات. وهكذا، يُترَك السيد (بروس) واين بلا حلول. ومع انعدام الخيارات، لا عجب أن تنتهي السلسلة بانتحاره المنظّم“.

إثر موته، سيشتعل الويب. سيقوم كثيرون بمبادرة رمزية على تويتر، بتغريد روابط لمقالات أكاديمية يستطيعون الوصول إليها مع هاشتاغ#pdftribute ، وسيصنعون موقعاً لقنص كل التغريدات المحتوية لهذا الهاشتاغ ولروابط المقالات الأكاديمية التي شاركها المغردون مع متتبعيهم (http://pdftribute.net/)، ثم لن تلبث المرثية الاحتفالية أن تتوسع عالمياً حتى تفارق الشاشة ويرسَم شوارز على الجدران العامة.

في اليوم التالي لانتحاره، في 12 كانون الثاني 2013، سيغرد الأب الروحي تيم بيرنرز لي على تويتر[12]: ”مات آرون. يا مشردي العالم، لقد خسرنا شيخاً حكيماً. أيها القراصنة من أجل الحق، لقد قل عددكم واحداً. أيها الأهالي، لقد فقدنا طفلاً. فلنبكِ“.

[1] http://en.wikipedia.org/wiki/Aaron_Swartz

[2] http://www.w3.org/People/Berners-Lee/Weaving/

[3] Weaving the Web, By Tim Berners-Lee and Mark Fischetti, Chapter 12

[4] Weaving the Web, By Tim Berners-Lee and Mark Fischetti, Chapter 13

[5] http://blogspace.com/rdf/SwartzHendler

[6] مُسِحت النسخة المجانية عن موقع الناشر بعد فترة من رفعه مجاناً على http://www.morganclaypool.com/doi/pdf/10.2200/S00481ED1V01Y201302WBE005

[7] http://www.aaronsw.com/weblog/mylifewithtim

[8] http://archive.org/stream/GuerillaOpenAccessManifesto/Goamjuly2008_djvu.txt

[9] http://youtu.be/Fgh2dFngFsg

[10] http://www.newyorker.com/reporting/2013/03/11/130311fa_fact_macfarquhar?currentPage=all

[11] http://www.aaronsw.com/weblog/tdk

[12] https://twitter.com/timberners_lee/status/290140454211698689

 




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬