محمد أبي سمرا

تتكاثر في مرويات خليل خالد الفغالي (من مواليد 1934 في ضيعة المريجة، وسجلت رواياته في 2010) حكايات وأخبار عن رجال - شخصيات، يكشف تكرارها عن ملامح من نمط العيش والعلاقات بين الأهالي في قرى ساحل المتن الجنوبي في النصف الاول من القرن العشرين. تتناول هذه الحكايات والاخبار القبضايات، أزلام رجال السياسة المحلية وزعمائها، المفاتيح الانتخابية، شبكة علاقات هؤلاء جميعاً بالإدارة العامة والمؤسسات القضائية والأمنية وكبار موظفيها من جهة، وبالأهالي من جهة أخرى. تحضر في المرويات أيضاً أخبار عن علاقات القبضايات في ما بينهم، خلافاتهم، ومنازعاتهم المفضية أحياناً الى جرائم قتل وثارات شبه مافيوية يتبادلونها، فتودي ببعضهم الى السجون. ولنواطير البساتين وأقنية الري في القرى، للباعة الجوالين، والطيّاح من قطّاع الطرق الهائمين على وجوههم فراراً من مطاردات العسكر العثماني في عشايا الحرب العالمية الاولى وغداتها. حضورهم في المرويات التي تشكل شخصياتها هذه، اضافة الى الرواة أنفسهم، منعقد أو بؤرة لتراث شعبي حكائي، لم يتوقف الأدب الشعبي والفولكلور اللبنانيان عن النهل منهما واستلهامهما ومحاكاتهما.

نثر الحياة اليومية

لكن مرويات الفغالي في حوادثها وشخصياتها ولغتها، تروي المادة الحية أو نثر الحياة اليومية من ذلك التراث، قبل تحوّله وصناعته مأثورات وحكايات وصوراً فولكلورية. فالراوية - الحكّاء هو شاهد عيان لحوادث الحياة اليومية، سمع أخبارها من رواة مثله، عرفهم وكانوا من أسلافه من الحكَّائين أيام كان الزمن الاجتماعي ونمط العيش في القرى الساحلية بطيئين، وتكاد تقتصر فيهما وسائل التواصل والترفيه وفنونها على تراوي الحكايات والأخبار وصناعتها في جلسات الأهالي البيتية أو في لقاءات الرجال في مقاهٍ محلية، كانت تسمى ”خمارات“ في القرى المسيحية، مثل المريجة وحارة حريك. الحكايات والأخبار تلك كان مدارها ومِدادها حياة الأهل والجيران، حوادثها وعلاقاتهم اليومية، وحوادث بارزة أقدم عهداً، حصلت في قراهم أو في قرى وبلدات مجاورة وبعيدة، تجمعهم بأهلها صلات وأواصر كثيرة، متفاوتة متشابكة: نسب أو قرابة أو مصدر هجرة وانتقال، انتماء الى منطقة أو ناحية أو جوار، والى هوية أهلية مشتركة في موطن أو كيان أهلي - جغرافي في مخيلتهم الاجتماعية المشتركة.

الموطن أو الكيان الذي يحضر في المرويات، هو جبل لبنان عموماً وقرى ساحل المتن من أنطلياس الى كفرشيما ووادي شحرور منذ عهد المتصرفية، على ما يتردد في كثير من مرويات الفغالي وسابقيه من الرواة الذين ينقل عنهم، أمثال قيصر أسعد موسى الحاج عساف (أبو اسعد) الذي روى له، في 1969، حكاية تعود حوادثها الى 1912.

كانا جالسين - ناقل الرواية (الفغالي) عن راويها الأصلي والمشارك في فصولها (أبو أسعد) - أمام بيت عم الثاني في المريجة، ومعهما، الى زوجة الراوي الأصلي، شخص رابع هو يوسف البستاني، الملقب بالصيداني (أصله من صيدا)، وكان على دراية بـ”بخّ البلح“، أي تذكير (من ذكر، ويلفظ حرف الذال فيها دالاً في اللهجة العامية) أشجار النخيل وتقليمها (قصّ سعفاتها وتشذيبها) كي تثمر. العملية هذه تتطلب خبرة زراعية وفي تسلق أشجار النخيل قبل انعقاد زهرها، لتلقيحها بغبار يحمل حبيبات طَلْعِ ذكر النخل، وإلا تنعقد ثمار الاشجار انعقاداً لا حيل فيه، فتسمى ثمارها ”صيص“ في هذه الحال، ولا يستفيد منها أصحابها.

البيت الذي انعقدت الجلسة أمامه كان يقع على شارع يسميه أهالي المريجة ”المهمول“، بعدما سبق لشاب من الضيعة يدعى ميشال عطا الله، أن استلهم هذه التسمية من حال الشارع المهمل، المحفّر، غير المعبد بالإسفلت، بالرغم من كونه الطريق الوحيدة التي كانت تربط الحدث ببرج البراجنة والمريجة التي كانت قد غادرت قرويتها في وقت انعقاد الجلسة (1969)، وصارت بلدات - ضواحي لبيروت. لكن سكان هذه الضواحي ”الاصليين“ وذاكرتهم كانوا لا يزالون مقيمين على تراثهم القروي، على ما تشي الجلسة والجُلاَّس وما يتراوونه من أخبار وحكايات قديمة، قد تكون استعادتها كناية عن إصرارهم على إقامتهم في زمن اجتماعهم المحلي القديم الآفل.

زوجة الراوي أبو أسعد، ماري، سألت زوجها قائلة: هناك اخبار كنت اسمعها قديماً في الضيعة عن إقدامك مرة، برفقة سمعان سابا، على سلب شخص من آل سيبان، قدم من زحلة الى المريجة، حاملاً لاقاربه فيها سلة عنب وصندوق تفاح، فقمتما ليلاً، على الطريق بين الحدث وبرج البراجنة، بسلبهما السلة والصندوق. وفقاً لناقل الحكاية عن ”بطلها“ وراويها الاصلي، استوى الراوي (أبو أسعد) في جلسته، ثم بادر، بعدما صمت الحاضرون كأنما على رؤوسهم الطير، الى رواية الحادثة على النحو الآتي: كنت في يوم من العام 1912 مع شخص يدعى سمعان سابا (لقبُ عائلية الدارج في ضيعتنا بو نكد)، فذهبنا مساء الى خمارة داوود عوكر بين كروم الزيتون والبساتين في مزرعة الليلكي الخالية بعد من العمران، وشربنا كأسين من العرق.

رواية آخر من حارة حريك، هو ميشال الابيض (مواليد 1930، وسجلت روايته في 2004، حيث يقيم في بناية يملكها في الرابية)، يصف خمارات مماثلة عرفها في ضيعته، حينما كان في الاربعينات يتردد اليها: كانت الخمارة غرفة امامها مصطبة، يقصدها ”الشوفيرية“ (سائقو السيارات وبوسطات النقل العمومي والشاحنات)، فيجلسون مع غيرهم من زبائنها على كراسٍ واطئة صغيرة من خشب وقش، ويقدم لهم صاحبها كؤوساً من العرق، يتراوح ثمن الكأس ما بين 5 و10 قروش. يذكر الابيض خمارتين في حارة حريك، كانتا خارج دائرة السكن القديم في الضيعة: واحدة منهما في الرويس، لصاحبها حنا بطرس دكاش الذي كان يحضّر العرق في خمارته، ولُقب، لقوته، ”عرق هاغانا“ (تيمناً بالعصابات اليهودية المسلحة المعروفة بهذا الاسم في فلسطين). كانت الخمارة هذه تحوي دكاناً صغيراً في ركنها، وفي ركنها الآخر طاولة للمقامرة، وكان كثيرون من زبائنها وزبائن الخمارة الاخرى في بئر العبد، لصاحبها يوسف غنيمي، من شيعة برج البراجنة الذين لم يكن في ضيعتهم خمارة قط ويمتنعون، بل يُمنع عنهم الخمر في ديارهم، فيقصدون خمارات جيرانهم من مسيحيي الحارة والمريجة، حيث يكثرون من شرب العرق، حتى السكر، فيضطر جلاَّسهم المسيحيون، في الأمسيات المتأخرة، الى مساعدتهم في الوصول الى بيوتهم. لكن أصحاب الخمارات أخذوا يمتنعون عن تلبية طلبات زبائنهم هؤلاء، تلافياً لبلوغهم السكر الذي يلحّون بعده، على غير هدىً، في طلب كؤوس اضافية، غالباً ما لا يستطيعون تسديد ثمنها، فتحصل مناكفات واحياناً شجارات بينهم وبين اصحاب الخمارات.

الراوي أبو أسعد، بعد شربه مع رفيقه سمعان بو نكد، كأسين من العرق في خمارة الليلكي في ذلك المساء من 1912، خرج من الخمارة ”بحجة نفسه“ اي ليقضي حاجته، وكان يرتدي لباساً ”عربياً: شروال وغمباز“. وحين التفت نحو الطريق، أبصر في وسطه سمعان يعارك رجلاً، فسارع في ”تحصيل“ (رفع) شرواله، ثم ”دكّه بالشملة“، اي حزمه على وسطه بزنار من الصوف غالباً، وركض لنجدة رفيقه، حاملاً في يده الخيزرانة التي انهال ضارباً بها على الرجل المتعارك مع سمعان، فجرحه في وجهه، قبل أن يهرب الرجل مدمَّى الوجه.

وتابع أبو أسعد روايته لجلاَّسه المستمعين: بعد وقت قليل علمنا ان الرجل الغريب من آل شيبان، وقادم من زحلة، ترك في الطريق سلة عنب وصندوق تفاح، هارباً الى بيت انسبائه آل الطويل في المريجة. لدى مروره امام الخمارة، وبحجة انه لم يلقِ تحية المساء، اعترض سمعان بونكد سبيله، ربما طمعاً بسلبه ما يحمله، ما دام عابراً غريباً لن يهّب لنجدته احد. لكن آل الطويل، وهم أصحاب حظوة وعزوة في المريجة، علموا من صاحب الخمارة بما حدث، ومن اعتدى على نسيبهم، فقدموا شكوى بالفاعلين للضابطية التابعة لمديرها الامير حارث شهاب في ديوان متصرفية جبل لبنان في سرايا بعبدا. وسرعان ما قبضت شرذمة من عسكر الضابطية على المعتدين، فحكم عليهما بالسجن لمدة سنة، وفقاً لاحكام القانون العثماني المتعلقة بما يسمى جريمة ”ضرب وتشليح“.

أمضى المتهمان محكوميتهما، وبعد خروجهما من السجن، هاجر سمعان بونكد الى اميركا، فيما حمل غلُّ السجن قيصر أسعد موسى الحاج عساف (أبو أسعد)، وشعوره بالغبن الممزوج باعتداده بنفسه وفتوته، على ما يمكن تسميته الميل الى ”القبضنة“ والمشاكسة. كأنه في هذا يؤكد فكرة رائجة عن ان السجن مدرسة لتربية هذا الميل المؤدي الى انجاب الطيّاح الهائمين، المتعودين على دهم عابري الطرق المقفرة وسلبهم.

هؤلاء تكثر عنهم الاخبار والمرويات في الأدب الشعبي اللبناني، ويعود تكاثرهم الى الحقبة الاخيرة من عهد السلطنة العثمانية، لا سيما في سنوات الحرب العالمية الاولى التي فرضت السلطنة إبانها التجنيد الاجباري والاحكام العرفيّة، فشدّدت حملات الدهم والمطاردة لملاحقة المتخلفين عن التجنيد، والفارين منه، لاعتقالهم واقتيادهم الى جبهات الحرب. وروى منصور الرحباني ان والده حنا عاصي، بعد عودته من مصر الى موطنه، فرّ من انطلياس، هارباً من حملات التجنيد والدهم، وصار من الطيّاح السلابين في ظهر البيدر. لكن ما ان انتهى عهد السلطنة العثمانية واحكامها العرفية وتجنيدها، حتى أقام مقهى على فوار انطلياس، فأخذ يتردد اليه صحبه من قدامى الطيّاح الذين ظهرت في شخصياتهم ملامح الاعتداد بالرجولة وقيمها الذكورية. وفي جلساتهم في مقهى الفوار كان الطرب والعزف على البزق حاضرين، الى تراويهم حكايات عنترة والزير سالم وابو زيد الهلالي. والمقهى وساحة الضيعة وشخصيات تلك الجلسات يتكاثر حضورها في مسرح الأخوين رحباني، امثال ”هولو“ و”راجح“ والمختار وسواهم، فيما صوّر فيلم ”سفر برلك“ الرحباني ما يفترض انه حال اللبنانيين مع التجنيد الاجباري العثماني.

أطياف الزمن العثماني

بعد خروجه من السجن اشترى الراوي (أبو أسعد) مسدساً من تاجر سلاح مشهور يدعى عبدو الأنكيدار الذي كان محله في زاروب بوسط بيروت يعرف باسمه هذا. امام شبان المريجة ومعهم اخذ الراوي يستعرض مسدسه ويتباهى به، في لقاءاتهم في الخمارة، فأطلق مرة من على مصطبة الخمارة طلقات عدة تجريبية، وضع مضاريفها الفارغة في جيب سترته من الطراز العربي (السوكا)، فعثرت على المضاريف تلك شرذمة من العساكر الخيالة طوّقت منزله ودهمته بعد منتصف الليل.

كان الضابط اليوزباشي الأرثوذكسي حليم بك شقير على رأس الخيالة الذين اقتادو أبو أسعد مكبلاً الى سرايا الشويفات، مروراً بصحرائها. في حضور الأمير توفيق ارسلان (والد الأمير مجيد، وزير الدفاع في حكومات لبنانية استقلالية كثيرة) المعين حديثاً قائمقاماً على المتن في نهايات عهد متصرف جبل لبنان الأخير، أوهانس باشا، بدأ اليوزباشي التحقيق مع المعتقل قائلاً له: هاتِ أخبرنا - أنت صاحب السوابق في السطو والسلب وعثرنا في بيتك على مسدسك ومضاريف رصاصاته الفارغة - كيف هاجمت مع رجالك موكب الأمير قبلان أبي اللمع وسلبته ومرافقيه ساعات جيوبهم، وسلبت نساء الموكب حليَّهنَّ الذهبية؟ وذلك قرب مجرى النهر اليابس (مثلث خلدة اليوم)، فيما كان موكب عربات خيل الأمير، القائمقام الأسبق، في طريقه الى قصر الأمير الإرسلاني في خلدة، لتهنئته بتنصيبه قائمقاماً جديداً. قال المتهم إن لا علم له بالحادثة، فأحضر الخيالة في النهار التالي زوجته وقريبتها المقعدة البسيطة فنّي حنين التي وعدها المستنطق اسكندر خالد (من بحمدون) بأنه سيخلي سبيل قريبها في حال إقرارها بفعلته، فأقرت بها. لكنها لاحقاً، بعد ظهور الفاعل الحقيقي والقبض عليه وتبرئة قريبها، سُئلت عن سبب فعلتها، فقالت: هيك (هكذا) قلّي (قال لي) المستنطق، أنا شو خصني؟ (ما علاقتي بالأمر؟).

كانت أخبار الحادثة قد شاعت وانتشرت بين الناس في قرى الساحل، قبل ان تؤدي مصادفة حصلت بعد ايام، الى اكتشاف الفاعلين. كان إبن كفرشيما، سعيد وهبي (والد الفنان فيلمون وهبي)، بائع الكشّة الجوال خلف كديش (حصان هرم) يحمّل عليه أقمشة ومستلزمات الخياطة لبيعها في ساحات قرى الساحل، قد أوقف الكديش في ساحة عرمون، فتحلقت حوله بعض نسائها بينهن زوجة المختار، عندما أبصر فجأة ثلاثة أو أربعة رجال مسلحين ملثمين يركضون وسط الساحة ويختفون سريعاً في ناحية منها. ثار لغط بين البائع والنسوة عن هوية المسلحين، فقالت زوجة المختار: ناس يأكلون الدجاج، وناس يقعون في السياج. هني (هم، أي المسلحين) عملوها (قاموا بها)، وغيرهم المعتر (العاثر) صار بالحبس، فاستنتج البائع الجوال أنها تقصد مرتكبي حادثة سلب موكب الأمير قبلان ابي اللمع، والسجين البريء المتهم بها زوراً وبهتاناً. لذا سارع البائع الى إبلاغ الضابطية في سرايا الشويفات، بما رأى وسمع في ساحة عرمون، فدهمت القرية شرذمة من الخيالة عثرت على المسلحين مختبئين في أحد بيوتها، وقبضت عليهم، فانكشفت دوافع الحادثة: كان الفاعلون من أتباع نسيب بك جنبلاط، أحد اقطاب الزعامة أو الفرضية الجنبلاطية المناوئة للزعامة أو الفرضية الإرسلانية. وكان هدف البيك الجنبلاطي من دفعه رجاله الى الهجوم على موكب الأمير اللمعي، الانتقام من خصمه الإرسلاني الأمير توفيق، القائمقام الجديد، الذي حاز منصباً كان البيك الجنبلاطي يطمح الى حيازته، وأحبط المتصرف طموحه هذا. مدفوعاً بإحباطه أراد نسيب بك جنبلاط بفعلته أن يبرهن للمتصرف أنه أخطأ في اختياره، وأن خصمه القائمقام الجديد عاجز عن حفظ الأمن في القائمقامية.

أُطلق سراح أبو أسعد. أما رجال نسيب بك جنبلاط فقُبض عليهم، لكن أحدهم تمكن من الفرار الى مدينة بيروت، وهي آنذاك عاصمة ولاية عثمانية خارج صلاحيات سلطات المتصرفية، فكُلّف شاويش من ضابطية بعبدا باقتفاء أثر الرجل الهارب. تمكن الشاويش (وهو من آل الشويفاتي في حارة حريك) من الاهتداء الى الرجل، فقتله في سوق بيروت العمومي للبغاء. وقيل إن الرجال الآخرين المشاركين في الهجوم على موكب الأمير قبلان أبي اللمع، أعدموا تنفيذاً لحكم قضائي صادقت عليه السلطات العثمانية في اسطنبول. وحين سئل الراوي أبو أسعد ان كان صدر حكم ما على نسيب بك جنبلاط بصفته محرضاً على الهجوم، جاوب: من يستطيع جلب البيك الى محكمة! عمل من هذا النوع يثير العصبية الجنبلاطية الدرزية، وقد يؤدي الى فتنة تحرق الجبل.

فنون بلا تاريخ

مضت مئة سنة على هذه الحادثة، لكن الحوادث اللبنانية لا تزال تتكرر على المنوال نفسه، في دوافعها وأدوار شخصياتها ومجرياتها وردود الفعل عليها، وفي ما يعقبها من محاكمات وأحكام قضائية. كأن زمن الاجتماع السياسي اللبناني مقيم على آليات اشتغال لا تتغير ولا تتبدل مبانيها وعواملها الداخلية إلا على نحو طفيف وشديد البطء. تتبدل مناسبات الحوادث، ظروفها ومسارحها والاستقطابات العصبية الأهلية التي تبعثها وقوتها وحجمها، وتتبدل القوى والهيئات والمؤسسات الاجتماعية التي تشارك فيها، وكذلك الأسلحة والذرائع والمسوغات التي تستعملها القوى والجماعات، لكن هذه التبدلات كلها تكاد لا تغير في نفوس اللبنانيين، أفراداً وزعماء وجماعات، إلا تغيرات طفيفة وشديدة البطء مما توارثوه وتعودوا عليه من اساليب التدبير وأشكاله: تدبير علاقاتهم ومؤسساتهم الاجتماعية والحكومية والسياسية، وسوس خلافاتهم ومنازعاتهم وتسابقهم المحموم على حيازة الالقاب والمراتب والمناصب والقوة والسلطان، والاستيلاء عليها وإلحاقها بعصبياتهم الأهلية. أما تراوي اللبنانيين الحوادث، روايتها والتأريخ لها، فتظل بدورها حبيسة تلك الآليات والمباني التي تتحكم بمنازعاتهم، فلا تخرج الرواية التاريخية للحوادث من احتباسها العصبي، إلا في قليل من الروايات.

في الربع الثالث من القرن العشرين (1950 - 1975)، قبل غرقهم حتى الاستنقاع المدمر طوال 15 سنة في حروب اهلية - إقليمية ملبننة، أخذتهم موجة محمومة من الزهو والاعتداد بأنفسهم جراء ما أصابوه وأصابهم وتراكم لديهم من أسباب التمدن والارتقاء الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي والمهني، وفي متع العيش، فاستغرقت فئات واسعة من نخبهم الثقافية والفنية والسياسية والاجتماعية ونجومها استغراقاً صَلِفاً في مديح تميزهم وتميز بلدهم، طبيعة وجغرافيا ومناخاً وتفتحاً وانفتاحاً اجتماعيين، وفي مديح حريته وحريتهم، كأن هذا كله من صنيع قوة أزلية أسطورية، ووهب لهم وحدهم منذ الأزل، ولم يصنعوه بأنفسهم.

الحق أن تلك الحقبة اللبنانية التي سُميت ”ذهبية“، عرفت نصيباً لا بأس به من التفتح والازدهار في ميادين التعليم والثقافة والفنون والإعلام والحراك الاجتماعي، لكن سرعان ما جرت صناعة رواية نمطية، صنمية ومتبجحة، فقيرة وشبه خرافية، لتلك الحقبة ”الذهبية“ ونجومها. وفيما كانت الفنون الغنائية والمسرح الغنائي تستلهم التراث الشعبي وتعيد صوغه في حلّة فولكلورية، حضرت تلك الرواية النمطية، وغاب التأريخ الفعلي للثقافة والفنون والتراث الفولكلوري، كما غابت السير الاجتماعية - الثقافية للمثقفين والمغنين والمغنيات وصُنَّاع المسرح الغنائي الاستعراضي، إلا على نحوٍ نجومي، صنمي وتبجيلي باهر وفقير. وقد يكون الغائب الأكبر في هذا السياق هو التأريخ السوسيوثقافي لتكوّن الفنون الغنائية والاستعراضية الفولكلورية اللبنانية ونجومها مابين الحربين العالميتين وبعد الحرب الثانية، من أمثال وديع الصافي، صباح، الأخوين رحباني، فيروز، نصري شمس الدين، فيلمون وهبي، صبري الشريف، وليد غلمية، روميو لحود، توفيق الباشا، زكي ناصيف، وسواهم المتحدرين غالباً من بيئات عاميّة وتراثها الشعبي الذي قدمت المرويات والحكايات السابقة شذرات منه، ومن شخصياته ومسارحه ولغته وحوادثه وزمنه الاجتماعي الحي: القرى الساحلية وساحاتها ودروبها وخماراتها، الطيّاح والقبضايات والباعة الجوالين، الرواة والحكائين، اضافة الى الزجالين والقوالين الغائبين عن هذه المرويات.

ألا تبدو هذه الشخصيات ومسارحها ولغتها، صنيعة زمن اجتماعي عامي، همّشه التأريخ الاجتماعي النمطي الرسمي، ما أدى الى تبلّده وتصنّمه، والى بقاء الزمن الاجتماعي العامي الحي وثقافته وفنونه، بلا تأريخ يروي الحكاؤون الموشكون على الانقراض بعضاً من شذرات حوادثه من دون أن تغيب عنها الحياة المادية ولغتها العامية الفجّة، قبل أن تخرسها وتميتها فصاحة التاريخ الرسمي الميت؟

حماة السقي والنواطير

الناطور من أشخاص الحنين في الأغاني اللبنانية وفي لوحات المسرح الغنائي الاستعراضي اللبناني في الربع الثالث من القرن العشرين. هو في صور الحنين الفولكلوري تلك، شخص مرسوم بألوان مائية رقيقة زاهية، وجوّاب دروب وبساتين وحقول ومزارع و”حفافي“ أقنية ري. في خيمة ”المنطرة“ يُمضي ناطور الأغاني واللوحات الفولكلورية أوقاتاً من نهاراته ولياليه وحيداً أو مع رجل ”برّي“ مثله من الرعاة أو المكّارين العابرين. ضوء فانوس شحيح أو ظلال من ضوء القمر والنجوم البعيدة، تنير خيمته في عتمات الليالي.

لكن الناطور في المرويات العامّية غيره في هذه الصور واللوحات. من هذه المرويات في قرى الساحل يطلع النواطير رجالاً اشدّاء، غالباً ما يبدأون عملهم وافدين أو طارئين على دوائر الاجتماع القروي، فيؤهلهم دورهم وعملهم ”البرّيان“ وإقامتهم على تخوم تلك الدوائر، للانتقال الى أعمال وأدوار اخرى في خضمّ تغير نمط العيش والعلاقات الاجتماعية.

في مرويات خليل الفغالي وميشال الابيض يستمد النواطير حضورهم من الوظيفة الحيوية التي يوكّلهم بها الأهالي في نمط حياتهم القروية الزراعية: حماية البساتين، الاشراف على توزيع مياه الري من الاقنية، ومراقبة تدفقها وجريانها فيها، ووصولها، في مواقيت معينة الى اراضي السقي، من سفوح الجبل (الحازمية، الحدت، وكفرشيما). كان عمل النواطير يتطلب نوعاً من الرجال الاشدّاء في مجتمع كانت القوة العضلية او البدنية من اعمدة اعماله ومهنه وقيمه وعلاقاته العاميّة.

لا يخفى تأثير شخصية الناطور ودوره وحضوره في مجتمعه الزراعي وقيمه، على نشأة الفغالي وميوله منذ طفولته التي ارتسم فيها الناطور مثالاً له ولسواه من امثاله. فإبن عم والده، المدعو مسعود، والمولود عام 1888 في المريجة، كان من فتّوات مرفأ بيروت منذ عشايا الحرب العالمية الأولى حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، قبل تعيينه ناطوراً على بساتين السقي في المريجة وتحويطة الغدير، وصولاً إلى كروم الزيتون في صحراء الشويفات، فانجذب الفغالي الفتى الى شخصية قريبه ودروه، وحكاياته ورحلاته: شاربان مفتولان، على خصره مسدس وخنجر وجناد من الخرطوش، وبندقية صيد معلقة بكتفه. اثناء رحلاتهما معاً في الحقول والبساتين، افتتن الفتى بحكايات الناطور القديمة، ايام كان يهرّب في قاربه الصغير مهاجري جبل لبنان من المرفأ الى البواخر في عتمات الليل، كما يهرّب اسلحة المهاجرين العائدين من أميركا الى لبنان. تبدو هذه الصور كأنها مستلة من فيلمي الأخوين رحباني ”سفر برلك“ و”نجمة بنت الحارس“. لكن اللافت فيها هو خبر الفغالي عن اكتساب قريبه مسعود دور الفتّوة خارج ضيعته المنقطع عنها طوال عمله في المرفأ. هذه الواقعة تتكرر ايضاً في مرويات ميشال الأبيض: بنية النواطير البدنية القوية التي تمكّنهم من القيام بعملهم ”البرّي“، تصدر عن ميل فطري وعن عامل آخر اجتماعي: نشأة هؤلاء الرجال وإقامتهم خارج دوائر الاجتماع، وعلى تخومه، كأنهم من الطفّار أو الطيّاح التائهين في المرويات الشعبية اللبنانية في عشايا الحرب العالمية الأولى وغداتها.

في وجه من وجوهها، تشير هذه المرويات والصور المتكررة في الفنون الفولكلورية، الى أن النواطير وأصحاب المقاهي والخمّارات فيها، غالباً ما يشرعون في أعمالهم هذه بعد عودتهم من رحلات تشرد وفرار، للاقامة والاستقرار والتوطن، أو بعد هجرتهم للاقامة في موطن جديد، لكن على تخوم دوائر السكن في مجتمع محلي اخذ ينحو نحو الاستقرار، وبدأت تنشأ فيه أعمال وأدوار جديدة ومتجددة، بعيد الحرب العالمية الاولى. هذا ما تنقل صورةً عنه ومثالاً له السيرة العائلية لآل الأبيض الذين توطنوا في السقي على تخوم دوائر السكن في حارة حريك.

روى ميشال الأبيض ان والده الياس، المولود مطلع القرن العشرين في فالوغا بأعالي المتن، اصطحبه من موطنه الأول هذا، رجلٌ من آل الدكاش (كبرى عائلات حارة حريك وأقدمها توطناً فيها) كان يصطاف وعائلته في فالوغا، وشغّله في كرخانة للحرير في الحارة بعيد الحرب الأولى. بعد مدة قصيرة اشترى عامل الكرخانة الشاب ”عودة“ (قطعة ارض صغيرة، يكني اسمها عن عودة من مهجر للاستقرار في موطن) على طرف بساتين سقي الحارة الشرقي الخالي من السكن، فأنشأ فيها كوخاً، واخذ يزرع العودة، ثم سرعان ما استقدم زوجته وبكر اولاده من فالوغا لإقامة زراعية دائمة في السقي، حيث أنجب سبعة اولاد، منهم الراوي المولود عام 1930. في الاثناء كان الياس الأبيض قد استقدم ايضاً الى موطنه الجديد إخوته الثلاثة مع ابنائهم الذين تزايد عددهم، فصار لكل من الاخوة الثلاثة ما بين خمسة أولاد وسبعة. هكذا نشأت ”ديرة“ زراعية عائلية مع توسّع أملاك آل الأبيض، بعيداً من دوائر السكن في الحارة: ”على باب البوغاز (الخلاء الذي تعبره الرياح قوية باردة في الشتاء) حيث ساعدتنا كثرتنا على التصدي للغرباء، بالرغم من كوننا أصغر عائلة في الحارة“. الغرباء هؤلاء، هم طلائع عشيرة آل المقداد النازلين من جرود جبيل، الى الطرفين الشماليين لكل من برج البراجنة (الشيعية) وحارة حريك (المسيحية)، في مطالع العشرينات، وفقاً لرواية رستم المقداد المولود في حي آل المقداد العشائري لجهة الحارة في 1944. ميشال الأبيض الذي أبى ان يذكر من هم ”الغرباء“، اكتفى بالقول انهم من ”خارج“ الحارة، وكانت تحصل ”بيننا وبينهم مناوشات“، مشدداً على موقع اقامة عائلته الموسعة في ”الخلاء على الحدود ما بين الحارة والرويس وبرج البراجنة. وهذا ما نشَّأنا على أدوار التصدي والمنازلة التي تتطلب الشدة والسطوة والبأس“. راوي آل المقداد شدّد على ذلك ايضاً: ”كان رجال آل الأبيض بطّاشين لا يرحمون“، قال رستم، من دون ان يتكتّم عن انه كان من المعدن نفسه: ”شيخ شباب“ عشائري في الحي العشائري على طرف حارة حريك، غير بعيد من ”ديرة“ آل الأبيض العائلية التي سميت حي الأبيض في مواجهة حي المقداد.

لم يقل راوي آل الأبيض ان الدور الذي تصدّت له عائلته ونشأت عليه، ذوداً عن حارة حريك المسيحية، ولحيازة الانتساب اليها والتأصل فيها، شبيه بأدوار الحاميات العسكرية في الثغور التي يتكرر حضورها في التراث العربي الاسلامي، ومنها التراث العثماني المتأخر زمناً، والذي كانت ظلاله لا تزال ماثلة في الاجتماع اللبناني.

الدور هذا جعل آل الأبيض أصحاب ”صولات وجولات“ في موطنهم الجديد، أو ”ديرتهم“ - الحامية التي استمدت إسمها من كنيتهم العائلية. الدور العائلي نفسه هو الذي أهّل عمّ الراوي، حليم، بكر إخوته الوافد من فالوغا، ليعيّن ناطوراً على بساتين الحارة وأقنية مياه الري فيها، لأنه كان ”صاحب أدوار ومراجل وقبضنة“، تعضدها شكيمة رجال العائلة الموسعة وشبّانها في السقي، على تخوم المجتمع الذي وفدوا اليه، وأقاموا نواة سكنية خارج مركزه السكني الأقدم عهداً، ودافعوا عنه، وعملوا في مهن تتطلب جهداً عضلياً أكسبهم قوة وبأساً أقرب الى فطرة الطبيعة.

والد الراوي، بعد انهيار الاعمال الزراعية والصناعية المتصلة بالحرير، عمل ”مورّق بناء“: تطيين جدران البيوت والمباني وسقوفها بالاسمنت. هذه مهنة، الى سواها من أعمال البناء، كالطرش والدهان، راجت وانتشرت بين أبناء الفئات العامية في حارة حريك والمريجة، وعمل فيها اثنان من إخوة الياس الأبيض وأولادهما، فصاروا من ملتزمي أعمال ”التوريق“ في المباني الجديدة، الى جانب الزراعة وتربية الأبقار وبيع حليبها. بعدما كانت والدة الراوي تنقل على رأسها الخضر في مواسمها لبيعها في سوق بيروت للخضر - مروراً بقصقص على حدود المدينة، حيث كان يدفع الباعة ”دخولية“ ليُسمح لهم باجتياز الحدود - صار والده صاحب مزرعة أبقار (40 - 50 رأساً) من كبريات مزارع الحارة.

قبضايات مافيا محلية

في مطلع الأربعينات كان الراوي ميشال الأبيض لا يزال في العاشرة من عمره، عندما أخذ عمّه الناطور يتعاطى تجارة السلاح في بطانة رجل يدعى إميل الخوري، وحمايته. في مخيلة الراوي تبدو صورة الخوري أقرب الى نوع من رجال مافيا محليين، يكثر حضورهم في مرويات الفغالي المشغوف برواية أخبارهم. وهي أخبار تكشف عن نشوء هذا النوع الجديد من الرجال في أدوارهم وشبكات علاقاتهم على مسرح الحياة العامة المحلية وفي كواليسه في قرى الساحل وأحياء بيروت. تحوي هذه الشبكات رجالاً - وسطاء متنوّعي الأدوار، أبرزهم من يسمّيهم الكلام اللبناني الدارج: ”المفاتيح الانتخابية“ و”قبضايات الأحياء“. ظهر هؤلاء الوسطاء في سياق تحوّل هجين في بنية العلاقات الاجتماعية - السياسية مع قيام دولة لبنان الكبير، وبلغ ذروته في عشايا استقلال لبنان وبداياته، بعدما تركت سلطات الانتداب الفرنسي إدارة الحياة السياسية وتسيير دفة الحكم والادارة العامة في الدولة الناشئة، لأقطاب الجماعات اللبنانية وزعمائها السياسيين. مع تفلتهم من قبضة المندوب السامي والادارة الفرنسيين، أخذ هؤلاء الأقطاب والزعماء من دهاقنة السياسة الأهلية يتنافسون ويختصمون على بناء عصبيات وشبكات أهلية وشعبية في النسيج الاجتماعي للجماعات والمناطق، لتكون – وفقا لسيرة الفغالي الاجتماعية ومروياته - ركيزة زعاماتهم ومعاركهم وأحلافهم في الانتخابات النيابية. لعب الأدوار الأبرز في هذه الشبكات والعصبيات، أقطاب العائلات ووجهاؤها وأعيانها المحليون، المخاتير وأعضاء المجالس البلدية، الموظفون الإداريون، الفتوَّات و”مشايخ الشباب“ والقبضايات في القرى والبلدات وأحياء المدن، العاملون في مهن النقل ومواقف السيارات. وفي ظل ضعف المنظمات والهيئات الحزبية المستقلة عن النسيج الأهلي العصبي، استعمل دهاقنة السياسة تلك الشبكات المتنوعة جسوراً لتجييش الأهالي، وفي إثارة هياجهم في الأحياء والشوارع، وتهدئتهم خدمةً لحاجاتهم ونفوذهم.

كان هنري فرعون وحبيب أبو شهلا ورياض الصلح وسواهم، من أقطاب هذه المنافسات والمعارك،الانتخابية، فيما كانت قرى الساحل منقسمة معسكرين في ولائها الانتخابي: كتلوي ودستوري. الأغلب أن فرعون كان صاحب النفوذ الأوسع في تكوّن تلك الشبكات، بسبب شبكة مصالحه وأعماله الواسعة، لا سيما قوة نفوذه في أعمال ميدان سباق الخيل وبين مُلاَّك الخيول، ناهيك بقدرته المالية الكبيرة وتمويله المعارك الانتخابية للكتلة الدستورية.

آل الأبيض وإميل الخوري في حارة حريك من محازبي هذه الكتلة. روى ميشال الأبيض أن الخوري كان يستيقظ من نومه في الحادية عشرة ظهراً، فيجد في صالون بيته جمعاً من الناس ينتظرون خروجه من غرفة النوم ”مطقّماً“(يرتدي بذلة إفرنجية وربطة عنق، ويعتمر طربوشه المائل)كي يطلبوا منه انواعا شتى من الخدمات. يأتي هؤلاء المنتظرون الى بيته، تقودهم اعتبارات وعوامل متنوعة متداخلة: عضويته أو عضوية أخيه في مجلس حارة حريك البلدي، نفوذه وسطوته وصيته بين أهاليها، حظوته لدى أقطاب وزعماء سياسيين في الحكم يؤمّنون له شبكة علاقات بكبار الموظفين في الادارة العامة ومتوسطي مراتبها، وبالجهاز القضائي وبضباط في قوى الأمن والجيش. رجال من أمثال الخوري غالباً ما لا تُعرف لهم مهنة وعمل علنيان محددان، سوى الظهور المتدرج على مسرح الحياة العامة المحلية الذي تختفي دائماً في كواليسه شبكة علاقات رمادية ومتشعبة، بدونها لا قيامة لذلك المسرح وأدواره العلنية، ولا قيامة لما يسمّى في لبنان علاقات وحياة سياسية قوامها الخطوة والولاء والاستزلام والمحسوبية والشقاق والأحلاف العائلية والأهلية.

لاتغيب أخبار الخوري وامثاله عن مرويات قدامى الحكّائين العاميين في قرى الساحل. فهو كان صاحب دور فاعل على ذلك المسرح الرمادي وفي كواليسه، وصولاً الى بيروت وبلدات الاصطياف كعاليه وبحمدون، ما بين الاربعينات والخمسينات. دوره ذاك هو نسخة جديدة ومتطورة لدور آل الأبيض وناطورهم عندما كانوا ”حامية“ محلية على تخوم حارة حريك أيام كانت ظلال الزمن العثماني وتقسيماته السلطانية الادارية (متصرفية جبل لبنان، ولاية بيروت) لا تزال ماثلة في العلاقة ما بين الجماعات اللبنانية، وفي علاقاتها الداخلية. وما انضمام الناطور الأبيض الى حاشية الخوري وبطانته، الا مرآة لسطوع نجم الأخير كشخصية شبه مافيوية يشير اليها مشهد حضوره في صالون بيته. هذا ما يؤكده الراوية الفغالي بقوله: اميل الخوري ”فرخ قبضاي“ ظهر في حارة حريك في بدايات عهد الاستقلال، وكان هنري فرعون وليّه وحاميه، وراعي شبكة علاقاته ونفوذه في الادارة العامة لقاء تجيير الخوري حظوته وسطوته المحليتين لصالح القطب النيابي الكاثوليكي الابرز، والذي كان ”شيخ الشباب“ المافيوي الطابع في الحارة، يستقوي به ويتجرأ على اطلاق النار من مسدسه في الهواء ترويعاً، أو مصيباً خصومه عندما تدعوه الحاجة والظروف. في المقابل كان وليّ أمر الرجل المافيوي، يتكفل تخليصه من تبعات افعاله، ويمده بأسباب الحظوة التي تمكّنه من تلبية طالبي خدماته في صالون بيته: تصريف معاملاتهم في الادارة العامة، تخليصهم من احكام قضائية، مساعدتهم في ارتكاب مخالفات والتملص من القوانين، السعي في حيازة ابنائهم وظائف حكومية... الى آخر قائمة هذه الأعمال والادوار الرمادية التي غالباً ما تسيّر شؤون الادارة العامة اللبنانية ومعاملاتها الصغيرة منها والكبيرة.

لكن كيف تكوّنت شخصية الخوري كـ ”فتوّة“ مافيوية محلية؟

روى ميشال الابيض ان والد الخوري عاد من مهجره الاميركي بعيد الحرب العالمية الاولى، فأنجب ما يزيد على ستة ابناء، احدهم فتح مقهى على شاطئ الجناح، فأخذ يلفي اليه المقامرون. آخر يدعى أديب عمل وفقاً لرواية الفغالي في شبكات تهريب اليهود الى فلسطين اثناء الحرب العالمية الثانية، قبل نشوء دولة اسرائيل، فاختفى وقيل انه قضى غرقاً في البحر. أما اميل فكان مشاكساً شرس الطباع منذ فتوته الاولى تلميذاً في مدرسة الغبيري الرسمية التي اسسها وأدارها والد الفغالي، فلم يستطع المدير المدرّس أن يكبح جموح الفتى الى استعداء التلامذة وضربهم، حتى انه طعن احدهم بسكّين، فطُرد من المدرسة.

ومثل الراوي نفسه، سرعان ما اقتنى الخوري مسدساً في مطلع شبابه. لكن على خلاف الراوي الذي تكفل والده المفتش التربوي العام، رعايته وكبح جموح فتوّته وتخليصه من التمادي في جنوحه والتورط في شبكات القبضنة المافيوية، لا يبدو أن والد الخوري سعى في الحد من جنوح ابنه وتورطه في تلك الشبكات ، فصار مقامراً، واخذته شبكة قبضايات برز فيها وتصدّرها ما بين ملاهي بيروت الليلية وملاهي الاصطياف في عاليه وبحمدون، حيث كان حنا يزبك - وهو صاحب ”مشيخة شباب“ في المزرعة - يملك اكثر من ناد للمقامرة. كانت هذه النوادي ملفى لأمثال اميل الخوري.

الطامح الى السطوة في هذا الوسط ودوائره، كان يجمع حوله ”عزوة“ من الاتباع والمريدين، ويتجرأ على المشاجرة واطلاق النار من مسدسه ترويعاً لخصومه، او مصيباً احدهم اصابة قاتلة احياناً. وبما ان هذه النوادي وشلل قبضاياتها المقامرين كانت في حماية الزعماء السياسيين الذين تصدّرهم هنري فرعون في هذا المجال، فإن من تحظى شلّته بسطوة قوية، غالباً ما يصير صاحب ”قميص“ في ميدان سباق الخيل: تحظى خيوله بالحق في المشاركة في السباقات. هذه حال متري العقدة، الطرابلسي المولد، المقيم في المزرعة، الذي كان جندياً في الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الثانية، فأصابته رصاصة في رجله تسبّبت له بعرج دائم.

في مطلع عهد الاستقلال شغّله حنا يزبك حارساً على مدخل ملهاه وناديه للمقامرة في بحمدون، فقتل العام 1959 توفيق الشميساني (سكّير ومقامر وصاحب عصبة من أمثاله) طعناً بسكّين في قلبه، لأنه شاكس العقدة في الدخول الى الملهى. قام يزبك بتسليم القاتل الى العدالة، فحُكِم عليه بـ15 سنة سجناً و15 سنة أخرى ”ألبند“ (كلمة تركية تعني النفي أو الإبعاد). لكن حُماة حنا يزبك من السياسيين، تمكنوا من إخراج العقدة من السجن بعد سنتين، فصار صاحب ”قميص“ في ميدان سباق الخيل، وأثرى.

نكايةً بقتيله وأهله، أخذ العقدة يتقصّد الجلوس أمام مقهى مطلّ على بيت الشميساني في المزرعة. وهذا ما حمل شقيق القتيل، حسن الشميساني - وهو شرطي في سلك شرطة بيروت – على قتل العقدة برصاصات من مسدسه الوظيفي، أطلقها عليه في مقهى قصر العدل القديم (مجلس الانماء والاعمار اليوم)، ثم سلّم نفسه للشرطة العدلية. في بدايات عهد الرئيس فؤاد شهاب، حُكِمَ حسن بالاعدام، فحصلت في بعض أحياء بيروت الاسلامية تظاهرات احتجاج تصدّرها أخوة الشميساني ووالدته وشبكة من كانوا في ”مشيخة شباب“ توفيق، قتيل العقدة في بحمدون. كانت اقوى التظاهرات في الطريق الجديدة، حيث حمل بعض المتظاهرين أسلحة حربية، وأشعلوا إطارات الكاوتشوك في الشوارع. في المقابل خرج شبّان المزرعة المسيحيون من أتباع العقدة في تظاهرات مماثلة، كان الراوي الفغالي - إبان خدمته في جهاز التحري - شاهداً عليها، فأبصر بين المتظاهرين المسلحين عناصر من الحزب السوري القومي، وشاباً فلسطينياً يعرفه: شقيق مصارع معروف آنذاك يدعى جورج ديراني.

لكن مقتل إميل الخوري في الملهى - النادي البحمدوني نفسه قبل سنوات من الجريمتين الموصوفتين، لم يثر تظاهرات، لأن قاتل الخوري أثناء سهرة مقامرة صيفية، قُتِل في اللحظة نفسها، وكان مسيحياً: إنه إبن شقيقة صاحب الملهى، فرج الله يزبك الذي ما إن استل مسدسه حول طاولة القمار، حتى استل الخوري مسدسه ايضاً، فأطلق كلاهما رصاصات أردت المقامرين فوراً.

على خلاف الفغالي الذي كبح والده جماحَ جنوحه وتهوره في فتوّته بأن تدبّر أمر دخوله الى سلك شرطة بيروت، ساقت الأقدار أمثاله وورّطتهم في أدوار شبه مافيوية أدمنوها حتى القتل، فتحول الشرطي المنتقل الى سلك التحري شاهداً على تلك الأقدار، وراوية شغوفاً لأخبار شخصياتها.

مفاتيح انتخابية

على خلاف الفغالي أيضاً، لم يكن ميشال الأبيض شاهداً محايداً على أدوار تلك الشخصيات وأقدارها. فهو صار مفتاحاً انتخابياً في حارة حريك وعضواً في مجلسها البلدي، بعد مقتل الخوري وتراجع دور تابعه حليم الأبيض، الناطور المتعاطي تجارة السلاح. في فتوّته عمل ميشال الأبيض مخلّص معاملات السيارات في ”النافعة“. وهذا عمل تقوم به شبكات عصبوية وسلكية تعرَّف الأبيض الشاب الى أحد اقطابها في الخمسينات: القبضاي البيروتي أبو سعيد الجنّون الذي كان ”شيخ شباب“ في محلة قصقص، ومن أتباع رئيس الوزراء عبدالله اليافي، ومن مفاتيحه الانتخابية.

كان الجنّون قد تأهل لدوره هذا في فتوّته، أيام كان، في العقد الثاني من القرن العشرين، من مخلّصي معاملات الدخول الى مدينة بيروت (الولاية) على مدخلها الجنوبي في قصقص. على ذلك المدخل كان على ناقلي الخضر من قرى الساحل، ومهرّبي سواها من السلع الى المدينة وأسواقها في الحرب العالمية الاولى خصوصاً، أن يدفعوا ”دخولية“ وإتاوات لأمثال الجنّون الذي أثرى لاحقاً من تخليص المعاملات في ”النافعة“، وشيّد بناية من طبقتين ليصطاف في العبادية.

وروى الأبيض ايضاً ان تجارة جريس الطيار هذه، وهو تاجر العلف في طرف حارة حريك لناحية الشياح، لم تكن مصدر ثرائه، بل هو اثرى من كونه مفتاحاً انتخابياً للكتلة الدستورية، ومن محاسيب عِمادها الرئيس بشارة الخوري. بواسطة شقيق الرئيس – الملقب ”السلطان سليم“ كناية عن قوة نفوذه في الإدارة العامة - ضمن الطيّار، طوال 10 سنين، التزام تنظيف مجرى نهر بيروت من الحصى والرمول التي تراكمها فيه السيول في فصول الشتاء. كانت طنابر الطيّار التي تجرّها الخيول والبغال تنقل الحصى والرمل من مجرى النهر، فيبيعها الملتزم من مشيّدي البيوت في قرى الساحل والبنايات في بيروت. هكذا جمع ثروة كبرى اشترى بجزء منها أراضي واسعة في الشياح والحارة، وعلى الحدود بينهما بدأ بتشييد كنيسة، لإظهار وجاهته وتثبيتها.

في عهد الرئيس كميل شمعون الذي والاه الطيار، حاول شقيق الامير مجيد ارسلان، الامير نهاد، ان يلتزم تنظيف مجرى نهر بيروت. أُقيمت لذلك مناقصة، فتحولت مبارزة حامية بين الطيّار والامير نهاد الذي كان صياداً ماهراً، ويضع مسدسه على خصره في اثناء المبارزة. بين التهديد والوعيد رست المناقصة اخيرا على مبلغ فلكي تجاوز الـ 60 الف ليرة لبنانية، لم يدفعه الملتزم على الأرجح. اما كنيسة الطيّار (وهذا اسمها الفعلي) فلم يكتمل بناؤها على طراز معماري مبالغ في حداثته، الا بعيد حرب السنتين (1975 - 1976) على يد جوزف الطيّار، بعد وفاة والده جريس. لم تفتح الكنيسة ابوابها الا لماما، وهدمت في مطلع الثمانينات، من دون ان يصلّي فيها احد، لأن مسيحيي الحارة لم يبق أحد منهم في دياره تقريباً. أما معمل ”لافروتا“ الذي انشأه الطيّار الابن على أملاك والده الواسعة، على مسافة قصيرة من كنيسة مار مخايل في الشياح، فنُهب وأحرق في بدايات الحرب. هذا مصير محطة المحروقات التي انشأها ميشال الابيض في حارة حريك، من دون أن ينتبه في روايته للعلاقة بين ما اصاب محطته ومشهد الفلسطينيين عندما كان يرى جموعاً منهم في بدايات لجوئهم الى مخيم برج البراجنة على تخوم الحارة: في كل صباح ما بين مطلع الخمسينات وبدايات الستينات، كان يخرج من المخيم ما يزيد على 80 رجلاً وشاباً فلسطينياً ليتوزعوا عمالاً مياومين وقوة عمل رخيصة في بساتين الحارة وورش البناء. هذا فيما كانت لمخفر الامن اللبناني سطوة عرفية غاشمة، بالغة الشدة والقسوة والعنف، ولا رادّ لها من قانون ولا من مجير، على اللاجئين في المخيم.

دركي لبناني واحد من رجال المخفر، كان يُشاهد وهو يوقف من يشاء من الفلسطينيين، ويقتادهم خلفه في اي وقت، وسط فرح الغالبية الساحقة من أهالي الحارة (المسيحيين) وابتهاجهم وافتخارهم بما يفعله الدركي اللبناني، ووسط احتقارهم وازدرائهم الفلسطينيين.

قد لا يكفي هذا تفسيراً شافياً لما فعله الفلسطينيون واتباعهم لاحقاً، في حارة حريك، بعدما امتشقوا سلاحهم ”ثائرين“ و”مقاومين“، فحرروا المخيّم، مغنين: ”كلاشينكوف بيخلّي الدم شلال“. لكن الدماء سالت شلالات طوال 15 سنة، من دون أن تحرر شيئاً، لا في لبنان ولا في المخيمات. ثم ان الدماء تخثرت وفي صديدها استنقعت البلاد: لبنان بلا دولة، وغارق في حرية كارثية. المخيمات معازل للبؤس والمهانة. ”الوطن الفلسطيني السليب“ ازداد بعداً، وقد لا يبقي منه الاستعمار الاستيطاني الاسرائيلي اليهودي والعنصري سوى معازل بشرية شبيهة بالمعتقلات.

حي المقداد

نشأ حي آل المقداد العشائري الشيعي على طرف حارة حريك الشمالي الغربي لجهة الغبيري، قبل إقامة مخيم للاجئين الفلسطينيين على طرفها الجنوبي الغربي لناحية برج البراجنة عقب حرب 1948 في فلسطين. واذا كان المخيم أقيم في تاريخ محدد، فتزايد بعده سكانه، فإن حي المقداد نشأ وتوسع وتزايد سكانه تدريجاً في مطالع العشرينات.

يصعب تخيل نشوء هذين التجمعين السكنيين المسلمين، ”الغريبين“ والعشوائيين، على طرفي الضيعة الساحلية ”المستقرة“، من دون إثارتهما مخاوف سكانها ”الأصليين“، خصوصاً المسيحيين، وإشعارهم بالضيق والحصار في مجتمعات تتكون من جماعات أهلية محلية قِوام اجتماعها وتاريخها هويات متنازعة تنشأ عن هجراتها وتوطّنها وتجذرها في حيز جغرافي، وعن عوامل أخرى أساسية تتصل بالإرث الثقافي والديني والعرقي وأشكال التنظيم الاجتماعي، وبالنزاع على الأرض والحدود والتصدر والسلطان.

من موطنهم في قرية لاسا (جرود بلاد جبيل)، وصل أوائل المهاجرين من عشيرة آل المقداد الى قرى الساحل (الحدث، برج البراجنة، حارة حريك، الشياح) بعد سنوات قليلة من نهاية الحرب العالمية الأولى. وصلوا حاملين عدة الفلاحة (نير وسكة حراثة ومحراث) وأخذوا يعملون في حقول تلك القرى وبساتينها فلاحين موسميين كما يقيمون ما بين الخريف والربيع، ويعودون الى قريتهم الجردية في بدايات الصيف.

نشوء دولة لبنان الكبير هو ما سمح لهم بتلك الهجرات الموسمية، أيام كانت بساتين قرى الساحل وحقوله تموّن بيروت بالحمضيات والخضر. مثل كل هجرة وإقامة موسميتين طلباً للعمل والرزق، نشأت عن الهجرات المتواترة لأبناء العشيرة أشكال من الاقامة الدائمة أو المتصلة. فحين وفد والد رستم المقداد (الراوي) من لاسا للعمل فلاحاً في قرى الساحل مطالع الأربعينات، كان قد مضى أكثر من عقد على إقامة فلاحين من عشيرته مع عائلاتهم على نحو دائم في ”تخاشيب“ وغرف إسمنتية زراعية في تجمعين: واحد على طرف برج البراجنة الشمالي، وآخر على طرف حارة حريك الشمالي أيضاً. هذا الأخير - وهو ما عُرف بـ ”حي بيت المقداد“ - كان كرم زيتون تشارك رجال من العشيرة في شرائه العام 1930 من ابرهيم صالح علامة وجريس الطيار، فوزعوه قطعاً في ما بينهم، وأخذوا يبنون عليها مساكن اسمنتية من غرفة أو اثنتين، لإقامتهم على مثال السكن القرابي العشائري. أحمد ضاهر المقداد هو صاحب الفكرة المؤسس والمبادر، مع إخوته الثلاثة، الى شراء الكرم، قبل ان يتوسع توافد المهاجرين الجدد من العشيرة، ويتجاورون في إقامتهم جبوباً جبوباً، فتزايد عدد الغرف وتلاصقها وتكوكبها على نحو بدائي وعشوائي في الحي الناشئ والمتمدد الى الأراضي المجاورة له. ظل التمدد مستمرا حتى صدر في 1964 قانون لبناني عام لمسح الأراضي وترتيبها، فنظم استعمالاتها والبناء عليها. حدَّ هذا القانون من توسع الحي، لكنه لم يحلْ دون تزايد المساكن في داخله، بعد طفرة قوية من التوسع والبناء إبان حوادث 1958 التي أطلقت أيدي أبناء العشيرة في تشييد غرف ومساكن متلاصقة متداخلة. طفرة البناء الفوضوي تلك انتقلت طلائعها آنذاك من الحي العشائري الى شاطئ الاوزاعي والجناح، وكان أبو طعان المقداد هو البادىء في ذلك الانتقال.

أدى توسع الحي الى تجاور مساكنه وتداخلها مع بيوت السكان ”الأصليين“ وأملاكهم. وفي أواسط الأربعينات تفاقم تناسل الثارات العشائرية بين أجباب آل المقداد ورجالهم في حييهما على تخوم كل من حارة حريك وبرج البراجنة. كانت بواعث الثارات نزاعات عشائرية أبرز أسبابها قيام رجال وشبان من هذا الجب أو ذاك بخطف نساء من أجباب أخرى، والزواج منهن رغماً عن أهلهن فتوسعت الثارات، وأخذ رجال من العشيرة يترصد بعضهم بعضاً ويتكامنون مسلحين بالمسدسات والبنادق ويطلقون منها، هنا وهناك في المنطقة، نيران ثاراتهم المتأججة.

المحلة التي سميت المشرَّفية (بعدما أنشأ رجل من آل مشرّفية الدروز محطة للمحروقات في ناحية منها، وكان سكانها ومُلاّكها من المسيحيين) شهدت الكثير من كمائن الثأر وحوادث إطلاق النار في 1947. روّعت هذه الحال الأهالي من السكان ”الاصليين“، وأثارت مخاوفهم وحفيظتهم، فتنادى وجوه من عائلاتهم، مسيحيين ومسلمين، الى الاجتماع للنظر في الأمر. قرَّ رأي المجتمعين على كتابة عريضة تطلب العمل على ترحيل آل المقداد أو أبناء لاسا من حيّهم العشائري. وما ان وصلت العريضة الى بلدية برج البراجنة، حتى قام رئيس مجلسها البلدي (أبو عزات السباعي) والوجه الأبرز نفوذاً في آل عمار (حسين درويش عمار، والد النائب لاحقاً محمود عمار) بتمزيقها قائلين: ”آل المقداد سند لنا - نحن المسلمين الشيعة - مهما تقلّبت الأحوال والظروف“.

ربما في العام نفسه (1947) بادر القاضي عبد الكريم سليم الى اقناع والد رستم المقداد بنقل قيد نفوس عائلته من سجل القيد في لاسا الى سجل قيد النفوس في حارة حريك، وساعده في ذلك. بعدها، وفي سنة واحدة، تفشَّت في الحي حمى نقل قيد نفوس أبناء العشيرة الى الحارة، لكن من دون ان ينقطعوا عن موطنهم الأول في قريتهم الجردية التي اشتروا فيها املاكاً اضافوها الى أملاكهم القديمة، وشيدوا عليها بيوتاً ومنازل جديدة اظهرتهم في حال مادية ومعيشية أفضل بكثير من جيرانهم ابناء قرية مقنة المقيمين فيها من دون هجرة الى الساحل.

لكن رستم المقداد كان استهل روايته مقتطفات من سيرته وسيرة الحي، معتداً بانتسابه وأهله الى الساحل، لا الى الجرد: ”نحن مقيمون هنا أباً عن جد. فجدتي وجدي مدفونان هنا في مقبرة الطيونة، لكنني عبثاً حاولت العثور على قبرهما الذي يعود الى ايام الحرب العالمية الأولى“. إنهما جداه لأمه إبنة عائلة الحاج من السكان ”الاصليين“ الشيعة في حارة حريك والشياح، وفي أملاكهم الزراعية عمل والده الشاب فلاحاً، قبل زواجه من احدى بناتهم، وانجابه منها 18 ولداً. عندما كان أهل زوجته يدعونه الى أكلة سمك، كان الفلاح الجردي يقول لهم: ماذا؟! تريدون ان تطعموني حراذين؟! لكن اطفال آل المقداد ونساءهم، وكذلك اطفال السكان ”الاصليين“ الشيعة، كانوا يلمّون البزاق من الحقول في أعياد البربارة، ويبيعونه من جيرانهم المسيحيين.

إلى عمله فلاحاً، صار والد الراوي بقّاراً يملك 12 رأساً من البقر، يعلفها في عودة يزرعها لآل سليم، ويؤويها الى زريبة تلاصق غرفة ومطبخاً لإقامة العائلة في الحي. على تتخيتة المطبخ أخذ ينام رستم وبعض من اخوته بعد تزايد عددهم، فيما كانت أمه وسائر نسوة العشيرة يبعن حليب البقر من ”حلاّبة“ يجمعون الحليب لتسويقه في بيروت. وظلت الأبقار حاضرة في الحي حتى مطالع السبعينات مع بقايا من نمط الحياة الزراعية: ضمان قطع ارض من الملاك وزراعتها خضراً، أكياس اللبنة والزبدة معلقة في العودات بأغصان اشجار توت، هي من مخلفات تربية دود القز وصناعة الحرير الآفلة قبل ثلاثة عقود.

1958: ظهور فتوّات شيعية

لم تقوَ المدارس وأنظمتها على حمل رستم المقداد وإخوته الـ 18 على تجاوز المرحلة الابتدائية من التعليم لا في مدرسة أهلية مجانية (”عبد الهادي“ لمؤسسها ومالكها حميد دكروب، النائب لاحقاً عن الجنوب) القريبة من حيّهم السكني، ولا في مدرسة رسمية (”الغبيري“ المعروفة بـ”مدرسة الحرش“ لقربها من حرج الصنوبر ما بين بيروت وقرى الساحل). في مدرسة الغبيري ضرب رستم مدرساً من آل حلاوي، فحُرم من التقدم الى الامتحانات الرسمية للشهادة الابتدائية (السرتفكا)، وطُرد من المدرسة. قبل ذلك عبثاً حاول والده وخاله (علي أحمد الحاج، وكيل أملاك الوقف الاسلامي في المنطقة، والمشيدة مدرسة الغبيري الرسمية على قطعة ارض موقوفة) الحد من مشاكسته المدرّسين واعتدائه على التلامذة، ومن نفوره من التعليم وهربه المتكرر من المدرسة. بعد طرده شغّله والده سنتين أو ثلاثاً في مشغل حداد سيارات في وادي ابو جميل بوسط بيروت.

حوادث 1958 وأخبارها ألهبت مخيلته وغذّت ميله الى الفتوّة والفتوّات. وهو يؤرخ بهذا الميل وبمثالاته لمنعطفات سيرته: ”كنت اعمل في الوادي عندما قام الشرطي حسن الشميساني بالثأر من قاتل أخيه، فقتل متري العقدة“. قال كأنه يروي خبراً من يوميات حياته، ثم تابع كخبير مجرّب في حوادث الفتوّات والقبضايات وشبكاتهم الأهلية، وفي ما تجرّه نزاعاتهم من تبعات: ”فهبّت أم حسن الشميساني - بعد الحكم القضائي على ابنها بالاعدام - مستنكرة، فجيّشت عصبية أهالي الأحياء، منادية: هبّوا يا مسلمين، فأوقفت تظاهرات في بعض أحياء بيروت الاسلامية، قابلتها تظاهرات في احياء مسيحية بيروتية مجاورة، تنفيذ حكم الاعدام بالشميساني“.

لا يبدو ان حوادث 1958 الطائفية والأهلية في احياء بيروت وفي لبنان، شكّلت منعطفاً في سيرة رستم المقداد، بقدر ما فتحت ميله إلى الفتوّة على أفق ودور جديدين في شبكة جديدة للفتوّات والقبضايات التي أدت تلك الحوادث الى استنهاض شبكاتهم وتجديد ادوارها وتوسعها على مسارح الحياة العامة للجماعات الأهلية المحتقنة والمتعصبة في خضم الانقسام والتوتر السياسيين الأهليين المحتدمين، والمؤديين الى أعمال مسلحة في كثير من المناطق اللبنانية.

اللافت في حالة المقداد انه كان لا يزال فتىً لم يتجاوز الرابعة عشرة في أثناء حوادث 1958، لكن رواياته وأخباره عنها شديدة الالتصاق بها، كأنه عاش في خضمها في قرى الساحل. ”فقبلها - قال - كنا نسمع أخباراً عن وجود محازبين شيوعيين من دون ان نعرف أحداً منهم. كانوا ينشطون في الخفاء، تحت الأرض، كما كان يُقال عنهم آنذاك. واحد منهم فقط، هو خليل علامة من أبناء الطيونة، كان يتردد اسمه وتتردد أخباره دائماً على مسامعنا: اعتقل، حقق معه رجال جهاز الأمن العام، ضربوه وعذبوه، ثم أخلي سبيله“.

لكن حال الشيوعيين في المنطقة اختلفت تماماً في حوادث 1958 وبعدها: ”صرنا نعلم من هم الشيوعيون الذين أخذوا ينشطون في العلن. أشهرهم إسبر البيطار الذي فرَّ من خدمته العسكرية في الجيش اللبناني، والتحق بالثوار، وأخذ يدرب شباناً منهم في مدرسة الغبيري الرسمية وفي أحياء بيروت الاسلامية“. أما المحازبون السوريون القوميون الاجتماعيون في الساحل ”فكان حضورهم الشبابي والأهلي قوياً في الأربعينات، قبل قيامهم بمحاولتهم الانقلابية وهجومهم المسلح على مخفر الغبيري وسنترال الهاتف في برج البراجنة، وإعدام زعيمهم أنطون سعادة العام 1949، فخفت ذلك الحضور الى أن تلاشى تماماً في 1962، عقب محاولتهم الانقلابية الثانية في عهد فؤاد شهاب الرئاسي الذي جرَّد عليهم حملة مطاردات واعتقالات واسعة“.

المعروف أن الرئيس كميل شمعون كان واسع النفوذ بين وجوه من العائلات الشيعية المحلية والمفاتيح الانتخابية في برج البراجنة (آل عمار خصوصاً) والغبيري والشياح (آل الخليل والحاج)، في عهده الرئاسي (1952 - 1958). لكن حوادث 1958- وهي جيّشت الشارع الاسلامي (السني البيروتي خصوصاً) ضد العهد الشمعوني في نهاياته، على قاعدة العروبة الناصرية الجماهيرية - قد تكون لجمت ولاء العائلات الشيعية الشمعوني في الساحل وكتمته، في أثناء ذلك التجييش الذي لقي أنصاراً في أوساط عائلات شيعية أخرى (السبع والحركة) تنافس العائلات الشيعية الشمعونية على التصدر والنفوذ المحليين. غير أن الانكفاء الشمعوني الشيعي سرعان ما انقلب الى عكسه بعد 1958، على قاعدة سعي العهد الرئاسي الشهابي وجهاز مخابراته العسكرية (الشعبة الثانية) في تقويض ركائز الزعامة الشمعونية وتهميشها، عبر قيام الشهابية باستمالة قطبي النزاع الأهلي في الشارع: ”حزب الكتائب اللبنانية“ الواسع النفوذ في الاوساط المسيحية، و”حزب النجادة“ في الشارع الاسلامي البيروتي الذي برزت فيه بقوة لافتة أثناء حوادث 1958، زمر وعصب عامية مسلحة في الأحياء على رأسها فتوات وقبضايات ومفاتيح انتخابية من بطانات الزعامات البيروتية النافذة (صائب سلام خصوصاً).

لتقليص نفوذ هذه الزعامات البيروتية وسواها في المدن السنية، ولشل قوتها في تحريك عراضات ”الغوغاء“ في الشارع، علاجاً لحوادث 1958 وذيولها، عمد ضباط من جهاز ”الشعبة الثانية“ الشهابي الى استمالة فتوات الأحياء وقبضاياتها و”تجنيدهم“ مع زمرهم وعصبهم المحلية، اضافة الى قيام الجهاز نفسه بإبراز وجوه من زعماء الصف الثاني في المدن السنية.

لمواجهة هذه ”الخطة“ الشهابية، عمدت الزعامة الشمعونية المحاصرة مسيحياً بـ ”حزب الكتائب“ وبـ ”المد الناصري الشعبي“ المعادي لها إسلامياً، الى اعتماد الأسلوب الشهابي نفسه: الاعتماد على وجوه محلية وفتوات وقبضايات في الاحياء المسيحية المدينية وفي القرى الساحلية، خصوصاً وجوه العائلات الشيعية الموالية لها في تلك القرى، على قاعدة مجابهة نفوذ الفتوات والقبضايات في الشارع السني البيروتي.

”هذا ما ادى الى ظهور فتوات وقبضايات شيعة وبروزهم في قرى الساحل“، قال رستم المقداد بفخر واعتداد، مشيرا الى نشأته وبروزه في عدادهم: عباس الحاج (قريب امه)، عكيف وحمزة السبع (ربما كانا مناوئين لشمعون في حوادث 1958) حسن حرب، علي جواد الخليل، وسواهم من برج البراجنة. قد يكني بروز هؤلاء عن بدايات تحول القرى الساحلية ضواحي لبيروت، على ما يشير مسرح تكونهم وعملهم كفتوات وقبضايات: سوق الخضر في بيروت، ومحطات النقل ومواقف سيارات السرفيس في الوسط المديني. فبعدما كان ”معلمو“ سوق الخضر - اي فتواته وقبضاياته النافذون - من السنّة والمسيحيين، وفقاً للمقداد، كرّست حوادث 1958 وذيولها نفوذ ”معلمين“ شيعة، تصدّرهم عباس الحاج، وشق طريقهم في السوق ومواقف السيارات، ضد استفراد الفتوات والقبضايات السنّة المدعومين من صائب سلام، قبل ان يستميلهم جهاز ”الشعبة الثانية“ الشهابي. من هؤلاء: منير فتحه (كردي) وعصبته في سوق الخضر، وآخرون في أحياء بيروتية، من امثال شخص من آل الفيومي، وآخر من آل بيضون، اضافة الى فاروق شهاب الدين ومحمود علوان في المصيطبة وبرج ابي حيدر والبسطة.

”قبل ظهور عباس الحاج - روى المقداد - لم يكن لجماعتنا (اي الشيعة) أي وجود في سوق الخضر. مدعوماً من كميل شمعون في مجابهة السنّة بعد 1958، قام الحاج وفتواته باثبات وجودهم في السوق، عبر مشاجرات عنيفة مع فتحه وزمرته. وفي البسطة - حيث كان الشيعي يتهيب المرور خوفاً من محمود علوان (صاحب ناد رياضي لكمال الاجسام) وسطوته – قام عباس الحاج وشبانه بضرب علوان نفسه وكسر تلك السطوة. ثم أثبتنا وجودنا في مواقف السيارات بوسط بيروت، فصار كل منا يحمي واحداً منها. وفي 1964 صرت معلماً في تجارة البطيخ المصري المنقول بالمراكب الى مرفأ بيروت، ومنه الى سوق الخضر، حيث غدوت شيخ شباب ومسدسي دائماً على خصري، فأحصِّل حوالى 3 آلاف ليرة في السنة. وبعدما كثرت المنافسات والصراعات بين معلمي تجارة البطيخ وشبكات فتواتها وقبضاياتها، وكادت مرة ان تؤدي الى مذبحة ما بين السنّة والشيعة (بعدما انضم الينا، نحن الشيعة، حسن الشميساني، بعد خروجه من السجن)، حاولنا أن نؤسس شركة مساهمة تجمع اعمالنا، سنّة وشيعة. لكن هذه المحاولة لم تتجاوز الكلام العابر“.

توكيداً منه على انتشار شبكات الفتوات وعلى نشاطها ونفوذها في الأحياء البيروتية وسواها من أحياء الضواحي في الستينات، قال المقداد: عندما كان شخص ما يتعرض لنشل (سرقة) محفظة نقوده الصغيرة من جيبه مثلاً، كان يكفي أن يُعرف في اي مكان أو حي أو شارع، نُشلت منه المحفظة، كي يصار الى تعيين الفتوة أو شبانه الذين قاموا بتلك العملية. أما الحادثة الختامية التي رواها المقداد لشرح صلة الفتوات وزمرهم بأقطاب السياسة وزعمائها، فتتعلق بقيام ”معلمي“ تجارة البطيخ وفتواتهم في سوق الخضر، بضرب رجال من ”فرقة الـ16“ أمام البرلمان في ساحة النجمة، بعد محاولة عناصر الفرقة إبعاد شاحنات بطيخ أوقفها تجاره وسط الساحة احتجاجاً منهم على استيراد البطيخ المصري وكسره أسعار الانتاج المحلي العدلوني. اعتقل رجال الأمن المعتدين عليهم واقتادوهم الى مخفر ساحة البرج، حيث حاولوا التكاثر عليهم لضربهم ثأراً منهم لكرامتهم المهانة، فما كان من الضابط المناوب في المخفر، رامز كنج (من الشياح وتجمعه صلة محلية ببعض فتوات تجارة البطيخ) إلا أن هدّد عناصر فرقته الأمنية، قائلاً لهم: من يمدّ يده الى أي منهم سوف أكسر يده. وبعد ساعات على الحادثة وصل الى المخفر كل من صائب سلام، عبدالله اليافي، محمود عمار، عادل عسيران، وكاظم الخليل، فاصطحب كل من هؤلاء الزعماء السياسيين ”معلم البطيخ“ التابع له مع زمرته من الفتوات

عشيرة على الساحل

في نشأته فتوةً لعب رستم المقداد دور صلة وصل او جسر ما بين حي المقداد العشائري الشيعي وشبكة الفتوات الناشئين والمنتمين لعائلات شيعية من السكان ”الأصليين“ في حارة حريك والغبيري وبرج البراجنة. فهو فتى من 18 أخاً، من أمٍ هي إبنة إحدى العائلات الموسعة والمنتشرة في هذه القرى الساحلية التي لعب قريب أمه، عباس الحاج، دوراً مؤسساً ورائداً في نشأة فتواتها الشيعة. وإذا كان الفتوات الشيعية قد ظهروا في عشايا حوادث 1958 وفي خضم شقاقها الأهلي الطائفي، فإن نشوء حي المقداد العشائري كان قد سبق له ان أثار في محيطه السكني ”المستقر“ فوضى واضطراباً ومخاوف بثّت شقاقاً أهلياً في ما يسمى ”التعايش“ او ”الوئام“ ما بين أكثرية السكان ”الأصليين“ المسيحيين وأقليتهم الشيعية في حارة حريك. ذلك لأن وجوه عائلات تلك الأقلية وأعيانها، تغاضوا عن الاضطراب والمخاوف التي أثارتها في الحارة حوادث التكامن الثأري العشائري المسلح بين آل المقداد. بل هم تستروا على تلك المخاوف مستهينين بتبعاتها على نسيج اجتماعهم وعمرانهم المحليين، استهانتهم بمشاعر أقرانهم وجيرانهم وأبناء قريتهم المسيحيين، معتبرين أن الحي العشائري الناشئ سيكون ”سنداً لهم“، ويمكّنهم في قابل الأيام وتقلبات ظروفها من الاستقواء، كأقلية محلية، على الأكثرية المسيحية. وهذا ما حان موعده إبان حوادث 1958 الأهلية الطائفية التي فاقمت مخاوف المسيحيين، وفي خضمها وبعدها ظهر الفتوات الشيعة، لكن لمجابهة الفتوات السنّة على المسرح المديني البيروتي، تحت راية الزعامة الشمعونية.

تشكل هذه المنعطفات والتقلبات المتناسلة في ولاءات الجماعات المحلية اللبنانية وأحلافها وشقاقها، وفي استقواء هذه الجماعة على تلك، مكوناً تاريخياً ”تحتياً“ بارزاً من مكونات الحياة السياسية الأهلية وصراعاتها في لبنان.

الفولكلور اللبناني رسم للشقاق والانقسامات الأهلية بين حارات القرى صوراً نمطية، لاهية وبريئة كما في حكايات الأطفال. ومن هذه الحكايات استحضر أيضاً شخصيات شبحية غريبة (أمثال راجح الكذبة وهولو الهارب طافراً في عتمات الليل) جعلها الباعث الوحيد للشقاق الفولكلوري بين الأهالي الذين يعيشون في وئام هانئ. أما ”هولو“ أو ”راجح“ حارة حريك، أي حي المقداد العشائري، فكان حضوره في المجتمع المحلي ثقيلا وليس فيه شيء من الخفة الفولكلورية البريئة اللاهية، وبعث في ذلك المجتمع ما يشبه ”حرباً أهلية باردة“ مستترة ومستمرة. وفي سياق هذه الحرب يبدو ميل رستم المقداد الى الفتوة والقبضنة وليداً طبيعياً وعضوياً في حي سكني هاجر أهله من الجرد الى الساحل حاملين قيم تراثهم العشائري بعاداته وتقاليده وعلاقاته. وهذه الأخيرة باشروها في الحي الجديد الذي أنشأوا عمرانه العشوائي العشائري وسط بيئة محلية سبقتهم بعقود كثيرة في التوطن والاستقرار وتنظيم اجتماعها وعلاقاتها وأسباب معاشها، على مثال مختلف عن المثال العشائري المنكفئ على عصبياته وثاراته.

فالاستيطان المسيحي والشيعي في قرى الساحل، أقله منذ ما بعد حوادث 1840 - 1860 في جبل لبنان، أنشأه مهاجرون فلاحون هاجروا منفردين، ثم مع أسرهم وأقاربهم على مدى زمني طويل وبطيء، في سياقات تفكك لحمات العلاقات الاقطاعية في مواطنهم وقراهم الجبلية السابقة التي وفدوا منها الى الساحل، فاستوطنوه وأقاموا فيه عمران قراهم الجديدة على مثال مخالف تماماً للمثال العشائري المقدادي في حيهم الساحلي.

الحق أن الاستيطان او العمران الساحلي القروي أو الريفي - خصوصاً المسيحي في قرى غير بعيدة من مدينة بيروت المتوسعة خارج قلبها ووسطها وأسوارها القديمة قبل صيروتها عاصمة لدولة لبنان الكبير وبعدها - يحتاج الى دراسات وأبحاث سوسيو - أنثربولوجية تظهر دوره في العمران والاجتماع والثقافة اللبنانية الحديثة: هل نشأ عن ذلك العمران الساحلي وعن توسعه واتصاله بالمدينة، نمط من عمران هجين وثقافة هجينة شكلا صلة وصل أساسية ما بين مجتمع جبل لبنان والعمران والاجتماع البيروتيين في خضم توسعهما وتجددهما وخروجهما الهجين من العلاقات التقليدية القديمة؟

الأكيد أن هذا العمران الريفي الساحلي مكوّن أساسي من مكونات الاجتماع اللبناني الهجين (عكس الأصيل) والمحدث. قبل تدفق الهجرات الريفية الكبرى والسريعة على المدينة (بيروت) وضوا حيها، كان الاجتماع الريفي الساحلي - المنقطع عن مصادره ومواطنه الجبلية السابقة والمستوطن في تجمعات سكنية محلية اخذت تندرج في الزمن الاجتماعي اللبناني وانقساماته وتسوياته التجمعية الطائفية الأوسع التي نهضت عليها دولة لبنان الكبير - مختبراً لنمط عيش بلدي جديد على ضفاف بيروت، متصل بها ومنجذب اليها، وشكلت بلداته دوائر لاجتماع ونمط عيش لبنانيين ينحوان نحو خلط الريفي بالمديني، أو نحو ريفية متمدنة، هي المصدر الاجتماعي للثقافة والأدب اللبنانيين ”المحليين“ ومخيلتهما. والأدب هذا مع ما سمي ”الأدب المهجري“ هما ما أطلقت عليه صفة ”المدرسة الأدبية اللبنانية“ التي شكلت الفنون الفولكلورية - من مرويات وزجل وشعر عامي وأغانٍ واسكتشات إذاعية ولوحات مسرحية استعراضية - جزءاً أساسياً منها. ومن ملامح تلك المدرسة الأدبية استغراقها في استلهام لغتها ومخيلتها وجماليتها وقيمها الأخلاقية والفنية، أي ما يسمى ”خطابها الأدبي“، من صور الحياة الريفية، لتحويلها إلى ما يشبه مثالا أو طوبى لبنانية تغنَّى بها اللبنانيون وغير اللبنانيين. وبرغم أن تلك الصور وهذه الطوبى صنيعة ما داخلَ الحياة الريفية من تجدد وتمديُن وحداثة تنظيمية، فإن مدرسة الأدب اللبناني لم تتوقف عن هجاء المدينة واجتماعها وقيمها ونمط العيش فيها، في مقابل تمجيد الحياة الريفية والافتتان بها بوصفها مصدر ”الطهر“ و”البراءة“ و”الخير“ و”الحب“ و”الجمال“ و”الحنين“، في مقابل قسوة المدينة، قبحها ولإنسانيتها، وبوصفها مصدراً لـ ”الغربة“ عن النفس والذات، وللاستغراق في الأنانية والخبث والشر.

هجرة آل المقداد وحيهم العشائري كانا نوعاً جديداً من الهجرات ومن نشوء الأحياء السكنية في القرى أو البلدات الساحلية. في وجهٍ من وجوهها قد تشبه هجرتهم هجرة آل الأبيض بوصفهم ”حامية“ أهلية لمسيحيي حارة حريك. لكن تلك ”الحامية“ ذابت واندمجت في نسيج حارة حريك الاجتماعي، بينما إنكفأ حي المقداد على علاقاته العشائرية، وبعث اضطراباً وشقاقاً أهلياً في نسيج المجتمع المحلي وفي علاقات جماعاته الطائفية، قبل أن توسّع حوادث 1958 ذلك الشقاق، وتفعّل أدوار الفتوات والقبضايات وشبكاتهم على قاعدة الشقاق نفسه، لكن انطلاقاً من قلب المدينة.

بعد إشارته الى ريبة مسيحيي الحارة ونفورهم من نشوء الحي المقدادي ومن طبيعة علاقات أهله ونمط عيشهم ومعاملتهم كدخلاء ومثيري شغب وعنف وخوف، ومن مرتبة اجتماعية أدنى، روى رستم المقداد في فخر واعتداد مسيرة نشأته وأمثاله كفتوات وقبضايات أقوياء الشكيمة والنفوذ الناشئ عن القوة العضلية وعن الاقبال على المشاجرات والعنف. كأن سيرته كفتوة تستبطن نظرة مسيحيي الحارة الى أهل الحي العشائري وتشكل رداً عليها في آن واحد. هذا قبل أن يستغرق في وصف نمط العيش ”الجميل“ في حارة حريك وصفاً يوحي بأنه ”غريب“ عنه، برغم إقامته وعيشه الى جواره، بل في وسطه: ”كانت الحارة ضيعة نموذجية بنظافتها ورقة العيش ونعومته فيها، كأنها منتزه لمن يرغب في التنزه والترويح عن نفسه. ومن يريد أن يتمشى الى جانب صديقته في الهواء الطلق، كان يقصد شوارع الحارة ودروبها بين البيوت المتباعدة. سكان تلك البيوت كانوا يحبون هناء العيش أكثر منا نحن أبناء حي المقداد، فيعملون في أيام الاسبوع من الإثنين الى الجمعة، ويتركون يومي عطلة السبت والأحد للراحة والمشاوير. وفي ظهيرات العطل الاسبوعية وأمسياتها يمدون الموائد التي لا تخلو من كؤوس العرق“.

فتنة الدبكة الثقيلة

فيما كان نمط العيش الساحلي هذا يشهد احتضاره في الستينات، كانت المخيلة أو الحساسية الفنية الفولكلورية ترسم بماء الحنين وأطيافه وألوانه الشفافة صور العالم الريفي اللبناني وزمنه، كأنها طالعة من أحلام يقظة رومنطيقية تبعث حزناً أليفاً، معزياً ومؤاسياً، حيال زمن هارب أو ”هروب الزمن“، وفقاً للغة الأخوين رحباني في صوت فيروز. وطوال ربع القرن اللبناني السعيد (1950- 1975) استمتع اللبنانيون بخفة تلك الصور وصوتها (الملائكي) ولغتها التي أرتهم ماضيهم الريفي أو القروي سعيداً وجميلاً ويبعث على الحنين. كثيرون تخيلوا أو توهموا أن ذلك العالم البريء الطالع من الأغاني واللوحات الاستعراضية، هو مادة تاريخهم الذي لم تكتب فصوله أصلاً إلا بوصفه أقرب الى حكايات ومرويات شعبية فولكلورية منه الى تأريخ فعلي حي والى حوادث التاريخ ومآسيه. كأنهم في هذا اطمأنوا الى طيفيَّة ماضيهم وبراءته الفولكلورية المتخيلة، وعزفوا عن التأريخ وعن استنطاق مادة التاريخ الفعلية الحية، مستعيضين عنهما بصور أحلام اليقظة والحنين.

جزء كبير من مادة المخيلة الفولكلورية ومسرحها الغنائي الاستعراضي، مستمدة صورها من نمط العيش في القرى الساحلية ما بين انطلياس ووادي شحرور، مروراً بجل الديب، الزلقا، الدكوانه، فرن الشباك، الشياح، عين الرمانة، حارة حريك، المريجة، الحدث، وكفرشيما. وهذه القرى هي التي نؤرخ جزئيا هنا لبعض مرويات أهلها، ومنهم رستم المقداد الذي روى الحادثة الآتية:

بعيد إجبار الرئيس بشارة الخوري على التنازل عن رئاسة الجمهورية في 1952 عقب ما سمي ”ثورة بيضاء“ ضد عهده الرئاسي المجدّد له، وانتخاب كميل شمعون، أحد اقطاب ”الثورة“، رئيساً جديداً، وقفت حسنة عمّار (زوجة يوسف عمار، الشيعي الشمعوني الهوى والولاء، وأحد أعيان آل عمار، وصاحب اسطبل للخيل) على شرفة منزلها وأخذت تزغرد فرحة بفوز شمعون بالرئاسة. عندما سمعتها شقيقة جريس الطيار (الثري المسيحي، وصاحب الأملاك، والمفتاح الانتخابي للشيخ بشارة الخوري) خرجت الى شرفة منزلها على مدخل حي المقداد الناشئ حديثاً، وقالت لها: حسنة، حسنة: لشو (لماذا) عمْ (شرعتِ) تزلغطي (تزغردين) لشو؟! راح بشارة وإجا (جاء رئيساً) كميل، مش (ليس) محمد أو محمود أو حسين.

رسخت هذه الحكاية في ذاكرة الراوي منذ طفولته، لأن تداولها شاع في المجتمع المحلي آنذاك، شيوع المأثورات الشعبية على الأرجح. وهي، على الأرجح ايضاً، من تلك الحكايات - المأثورات (الوقائع؟) التي يُروى أن منح الصلح صاغ منها قوله المأثور عن علاقة المسيحيين بالمسلمين في لبنان: ”ما لكم لنا ولكم، وما لنا لنا وحدنا“، يقول المسيحيون للمسلمين، توكيداً على ما سمي ”أرجحية“ مسيحية في تركيب دولة لبنان الكبير، وتقاسم مقدّراتها والأدوار فيها ما بين الطرفين. أما في واحدة من أغاني الفولكلور الشائعة على نطاق شعبي واسع، فانقلب ”التزريك“ (المكايدة) بين المرأتين، دعوة شبانٍ من الطوائف اللبنانية وشاباتها الى ”التآخي“ في حلقات الدبكة الفولكلورية: ”مرحبتين مرحبتين/ وينن (أين هم) هالدبّيكي وين/ وين معروف وين محمود وين الياس وين حسين؟“، غنت صباح (إبنة وادي شحرور، وإبنة أخ شحرور الوادي، أحد أشهر الزجالين اللبنانيين) في مطالع الستينات. على إيقاع كلمات هذه الأغنية دبكت آنذاك فرق دبكة كثيرة، وقت ازدهار صناعة الفنون الفولكلورية ورواج عروضها على نطاق شعبي واسع في لبنان.

كلمات أغنية ”الشحرورة“ الشقراء (صباح) قد تكون كُتبت للمساهمة في ما شاعت تسميته آنذاك وحتى اليوم: ”درء الفتنة“، ”نبذ الفرقة“، ”لمّ الشمل والتآخي“. وذلك في بدايات العهد الشهابي الرئاسي (1958 - 1964)، عقب حوادث 1958 الطائفية الدامية في نهاية عهد الرئيس كميل شمعون الذي شاءت ”الأقدار السياسية“ العروبية (الناصرية) واللبنانية (الملبننة) أن ينهي عهده بما تعارف اللبنانيون على تسميته حتى اليوم ”فتنة طائفية“، فزادوا عليها، أخيراً، كلمة مذهبية، بعد حروب أهلية طويلة مدمرة، وبعد ظهور الشقاق الأهلي الكبير ما بين أهالي المذهبين الاسلاميين الكبيرين، السنة والشيعة، عقب اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في 14 شباط 2005.

في الستينات اللبنانية وزهوها الفولكلوري، الاجتماعي والثقافي، واستقرار المجتمع النسبي، استمر اللبنانيون على عاداتهم في تحويل التاريخ ومآسيه حكايات فولكلورية لردم محطاته الدامية، ولتحويل الصراعات الاجتماعية والسياسية نكايات وعداوات تُعالج على قاعدة ما يسمونه ”لا غالب ولا مغلوب“، و”تبويس لحى“ و”عفا الله عما مضى“، غير مدركين أن هذا مرآة لعجزهم عن بناء مجتمع سياسي ودستوري متماسك، وعن التأريخ، ظانين أن السياسة يمكن تصريف شؤونها الرسمية والعلنية على مثال فولكلوري في الانتخابات البرلمانية وتشكيل الوزارات وإدارة دفة الحكم والمؤسسات العامة، تاركين المنازعات والنعرات والشقاقات الأهلية ومكائدها ونكاياتها وأحلافها تستنقع وتعسُّ متناسلة في المجتمع، وفي كواليس المسرح السياسي العلني، لتفضي الى حروب أهلية مدمرة.

على المسرح الفولكلوري في تلك الحقبة الزاهية، تشابكت أيدي صبايا وشبان لبنانيين من طوائف وبيئات مختلفة يتصدرهم المسيحيون، فدبكوا على مسارح كثيرة، مفتونين بأنفسهم، بتفتحهم وانفتاحهم، بنمط عيش جديد واعدٍ وأدوار جديدة أبعدتهم من عالم الأهل التقليدي، القديم والثقيل، الذي تحوّل فولكلوراً تحت أضواء مسرحية باهرة فتنت مخيلاتهم في المدينة والأرياف المقبلة على التمدين. لكن خطواتهم ”الراقصة“، الخالية من خفة الرقص، المستغرقة في استعراض خبطات الأقدام الرجولية الثقيلة على خشبات المسارح، كانت تنطوي على ظلال عنف رمزي مصدره تقاليد الاعتداد الريفي الجبلي بالرجولة وقوتها البدنية: ”خبطة قدمكم عَ الارض هدَّارة/ إنتو (أنتم) الأحبّة وإلكن (لكم) الصدارة“، غنت فيروز في الحقبة نفسها، مستعيدة تراث ”الجبل“ اللبناني و”حروب مقدّميه“ أيام الإمارة الشوفية. وهو تراث يوازي ”العراضات“ أو ”الهرجات“ في الأحياء المدينية التقليدية، قبل تحولها، بدورها، فولكلوراً ثقيل الوطأة في تراثه وعنفه اللفظي والرمزي اللذين استعادتهما المسلسلات التلفزيونية المحدثة، وأشهرها المسلسل السوري الدمشقي ”باب الحارة“ الذائع الصيت في أواخر العقد الأول من الألفية الثالثة.

كراهية الفلسطينيين

عندما غنت كل من صباح وفيروز تينك الاغنيتين، واشتعل شغفاً بأغنية فيروز وبالدبكة على ايقاعها جمهور مسرح ”مهرجانات بعلبك الدولية“ ومسرح ”معرض دمشق الدولي“ في 1966، لدى عروض مسرحية ”فخر الدين“، لم يكن عبدو دكاش (ابن اكبر عائلة في حارة حريك والأقدم توطناً فيها) قد تجاوز السنة الأولى من عمره. في 2004 وفي منزل هُجِّرت عائلته اليه في الحدث منذ اواسط الثمانينات، روى انه في طفولته وفتوته في الحارة، مع كثيرين من اطفالها وفتيانها، كانوا في حالة عداوة وعراك دائمين مع امثالهم الفلسطينيين في مخيم برج البراجنة المجاور: ”لقد ولدنا في حال عداوة وعراك دائمين مع امثالهم الفلسطينيين في مخيم برج البراجنة المجاور: ”لقد ولدنا ونشأنا على كراهية غريزية للأولاد الفلسطينيين، كأننا رضعناها مع حليب أمهاتنا. فعندما وعينا وتصلب عودنا قليلاً، وأخذنا نخرج من بيوتنا لنلعب ونطيّر طيارات الورق من على تلال الرمل المقابلة لمخيمهم، صاروا، هكذا ، اعداءنا، من دون ان نفكر في الامر، فرحنا نقذفهم بالحجار وبحصى النقّيفات التي نحملها. هم لم يكونوا يطيّرون طيارات ورق. ولكنهم، برغم احتقارنا اياهم، كانوا اشداء، فأخذت تنشب بيننا وبينهم معارك سلاحها الحجار والنقّيفات“.

فيما كنت استمع الى رواية عبدو وهي مقتطفات من سيرة طفولته، والآن فيما اكتب هذه السطور - انا صاحب الوعي اللبناني الشقي المستريب بصور الحنين الجميل والبريء في الفنون الفولكلورية –، شطح بي الخيال فجأة الى صور من ذلك الحنين الرحباني في اغنية فيروز: ”طيري يا طيارة طيري/ يا ورق وخيطان/ بدّي ارجع بنت زغيري (صغيرة) على سطح الجيران“. كأنني في هذا الشطح لا اكذّب تلك الصور ولا اسخر منها (على طريقة زياد الرحباني الفجّة والبدائية في مذهبه المستمد من الواقعية الاشتراكية، لصناعة فولكلور كلامي لجيل يساري فتيّ ورث يساريته عن اهله)، بل اطل من نافذة ذلك الحنين لأبصر كم هي مضاعفة مرارة وقائع العيش الحي وحوادثه التفصيلية المأسوية. كأن اتساءل مثلاً: اين هم الآن، في اي من البلاد، وكم آلمتهم وقائع العيش، اولئك الصبايا والشبان الذين لمحتهم يرقصون ويدبكون على ايقاعات تلك الاغاني، متشابكي الايدي على مسارح مدارس ونوادٍ كثيرة في حارة حريك والشياح وبرج البراجنة وعين الرمانة وفرن الشباك والغبيري في الستينات والسبعينات؟! اين هم، وماذا بقي من صور في ذكرياتهم عن ”الفرقة الشعبية اللبنانية“ التي صار بعضهم من اعضائها الراقصين، وطُبع اسمها هذا (الى جانب اسم الراحل صبري الشريف، الفلسطيني المتلبنن، وأحد رواد صناعة الفولكلور اللبناني، والذي أقام في حرج الكفوري بمحلة بدارو، قريباً من مكتب الاخوين رحباني) على بطاقات حضور مسرحيات ”فيروز“ والاخوين في ”مسرح قصر البيكاديللي“؟ وهي البطاقات التي فقدت واحدة منها ذات مرة اثناء مشاركتي في تظاهرة طالبية طيّارة في وسط بيروت، فذهبت مساء الى البيكاديللي، حيث صادفت منصور الرحباني على مدخلها، فاستوقفته وقلت له خائفاً منكسراً انني أضعت بطاقتي في التظاهرة، فأمسك يدي مبتسماً وأدخلني الى الصالة، فأمضيت فيها ساعتين مسحوراً، كما في احلام يقظة سعيدة حزنها آسر ومطهر من مرارة الوقائع والتاريخ.

بعد سنوات قليلة احترف عبدو دكاش هوايته: العزف على الطبلة، فأخذ يعزف عليها مرافقاً المغنية ساميا كنعان في حفلاتها الغنائية. ”ساميا كنعان من حارة حريك“، قالت ام عبدو فرحة متباهية بابنها وبأن المغنية المشهورة آنذاك من الحارة التي تباهت المرأة ايضا بانتسابها اليها. فهي قدمت اليها للمرة الاولى من مسقطها وموطنها الاول، قرية عين ابل الجنوبية، عروسا الى حفل زفافها العام 1954 في كنيسة حارة حريك، فأعجبها نمط العيش ”الجميل“ في الضيعة الساحلية، مقارنة بذلك الذي خبرته في قريتها الجنوبية. فجأة قاطعها ابنها مستدركاً كراهيته وعداوته الطفليتين الغريزيتين للاطفال الفلسطينيين، فاستعاد وقائع اخرى، ظاناً انها تعارض الاولى، لكن من دون ان يعي تفسيراً لذلك التعارض، كأن الوقائع المتعارضة لا تحتاج الى تفسير، وغير قابلة للمساءلة، فقال: ”كان شبان ورجال ونساء كثيرون من آباء الاولاد الفلسطينيين وامهاتهم واخوتهم الكبار، يشتغلون في ارضنا وحدائقنا وبيوتنا، وتقوم علاقات يومية بينهم وبين اهلنا“. لكن (ن.س) - لم يشأ الافصاح عن اسمه، وهو احد رواة سيرتهم في الحارة حيث ولد العام 1952 ونشأ في عائلة متوطنة منذ بدايات القرن العشرين في ناحية من سقيها سمّيت باسم عائلة من قدامى المقيمين فيها: صفير - نسب كراهية الفلسطينيين الى حساسية اهلية مسيحية عامة لابست اقامة مخيمهم على حدود الضيعة. ”كان اهلنا - قال - يحرّضوننا لنضرب اولادهم بالأحذية (كناية معنوية من الراوي عن العنف الممزوج بالاحتقار)، كلما صادفنا ولدا منهم في مكان، ولو في بستان يقطف منه نبات الحميضة البري الداشر، ليقتات به. وحين كانت سحنة ولد او خلقته تنبئ بأنه قد لا يكون من الحارة، كنا نوقفه ونستنطقه صارخين في وجهه: شو (ما هو) اسمك ولاه؟ فاذا اوحى اسمه ولهجته بأنه فلسطيني، كنا نبادر فورا الى الاعتداء عليه، فنضربه ونسحقه. وحدهم اولاد ابو نادر الفلسطينيون (والدهم صاحب طنبر: عربة يجرها حصان لنقل الخضر) كنا نصاحبهم، لأنهم مسيحيون“.

فجأة تذكر الراوي مشهداً يعود الى حوادث 1958 الطائفية، استحضرته ذكرى كراهية الفلسطينيين والعنف الذي كاد اولاد الحارة يمارسونه ضد اولادهم: ”كان والدي جالساً على كرسي صغيرة من قش امام بيتنا وسط البستان: جريدة النداء (صحيفة الحزب الشيوعي اللبناني) ومسدسه ظاهران في جيبي بنطلونه الخلفيتين. فجأة ظهر في طرف البستان رجل يركض في اتجاه البيت صارخاً مستجيراً: دخيلكم بدن يقتلوني (يريدون قتلي)! وظهر خلف الرجل (في العقد الخامس من عمره، فمه خال من الاسنان تقريباً) شبان سبعة او ثمانية يحملون بنادق صيد. استل والدي مسدسه ودسه في طيّات الجريدة، بعدما قال الرجل لاهثا ان اسمه ابو محمد، ويعمل بائعا جوّالا للمكانس، وان الشبان الراكضين خلفه يريدون قتله لأنه مسلم. اوقفه والدي خلفه وشهر مسدسه في وجه الشبان الذين قال احدهم، شاتماً الرجل الغريب: عطينا ياه يا سركيس، عطينا اياه بدنا نقتلوا. بعدما صرفهم والدي عرفنا ان الرجل المسكين كان من ركاب بوسطة قادمة من صيدا، اوقفها مسلحون مسيحيون في الحدث، ولما علموا ان بائع المكانس مسلم، ارادوا انزاله من البوسطة، فأبى خائفاً، مما حملهم على تهديده ببنادقهم، قبل ان يطلق احدهم النار عليه، فأصاب خطأً شخصاً مسيحياً. ووسط ذعر الركاب وتدافعهم للخروج من البوسطة، تمكن ابو محمد من الفرار، وظل الشبان المسلحون يطاردونه وسط البساتين وصولاً الى بيتنا“.

1958: أسلمة الضاحية

في 1945 نجح خليل خالد الفغالي في امتحانات الدخول الى سلك شرطة بيروت، فأُلحق شرطياً في الفوج الدرّاج او السيّار، وانتقل بعد مدة الى سلك الامن العام. اثناء حوادث 1958 شكل الامير فريد حارث شهاب، المدير العام للأمن العام، مفرزة خاصة من رجال السلك لحراسة قصره في بلدة الحدت، فكان الفغالي في عدادها الى جانب عبد الحفيظ بعدراني، محي الدين بيضون، فيليب ابو انطون، انطون محاسب، عقل ابي عقل، وعثمان العرب. سأل الفغالي (الراوي) الامير فريد: سيدنا، ليش المفرزة ما فيها ولا متوالي (شيعي)، اين التوازن؟!، فجاوبه الامير بقول مأثور شائع: لأن الشيعة ألف قلبة ولا غلبة (ينقلبون ولا يؤمن جانبهم).

اضافة الى حراستها قصره، كان الامير يكلّف عناصر المفرزة القيام بتزويد مخافر الدرك في ساحل المتن الجنوبي معلومات تتوافر لدى مديرية الأمن العام، فتترجم المخافرُ المعلومات الى مهام يومية، منها حملات دهم المطلوبين واعتقالهم. لكن مهام الدهم والاعتقال وسواها من حوادث شتاء 1958 وربيعه (المشهورة بـ ”ثورة 1958“)، كانت قليلة في ساحل المتن الجنوبي، قياساً الى كثافتها في بيروت. المريجة لم تشهد سوى حادثة واحدة هي مقتل اثنين من فتيانها، كانا عائدين مع ثالث الى الضيعة من ساحة البرج، فاختطفهم مسلحون من الكرد قرب جبانة الباشورة. واحد من الفتيان من آل متى، كان اهله مهاجرين في مصر، فعادوا الى لبنان واستردوا الجنسية اللبنانية. آخر آشوري اصمّ، والده يعمل ماسح احذية في ساحة البرج، وثالث من آل الزيات. وحده آشوري نجّاه صممه من الاعدام. فحين نادى الخاطفون المحتجزين ليخرجوا من مكان احتجازهم، خرج الفتيان متى والزيات، فأطلق المسلحون الكرد عليهما النار وأردوهما. ويبدو ان حميّة الخاطفين على القتل كانت قد همدت، حين اكتشفوا، لاحقاً، ان الثالث لم يخرج، لأنه لم يسمع نداءهم باسمه، فأطلقوا سراحه، وعاد الى المريجة.

اهل القتيلين واقاربهما وبعض اهالي المريجة، تجمعوا في الساحة بعد الحادثة غاضبين عازمين على القيام بعمل ثأري ما ضد مسلمين في الضيعة، لكن الاهالي المسيحيين منعوهم عن ذلك. في الاثناء مرت في الساحة سيارة يقودها شاب غريب عن الضيعة، فأوقفه الاهالي الغاضبون، وعندما علم شقيق احد القتيلين انه مسلم سني من آل الهبري، شهر عليه مسدسه قائلاً له انه سوف يقتله ثأراً لشقيقه، لكن الراوي (الفغالي) سارع الى اطلاق النار من مسدسه في الهواء تخويفاً للجمهرة المحتشدة، ثم ركض مع صديقه جريس ابو زيد، وخلصا الشاب الهبري من بين يدي شقيق القتيل، ودفعاه الى سيارته لينطلق بها مغادراً الساحة. ما ألمّ به من رعب فيما هو ينطلق مسرعا على غير هدى، افقد السيارة توازنها فكادت تصدم طفلاً يقف على طرف الجمهرة، قبل ان تصطدم مقدمتها بجذع شجرة الزنزلخت في ناحية من الساحة.

حادثة اخرى من حوادث 1958 في الساحل تعرض لها الراوي مع زميليه في سلك الامن العام، حبيب مرتضى وفريد شمعون، عندما كانوا مارين في سيارة مرتضى الستروان في شارع عبد الكريم الخليل بمحلة الغبيري متجهين نحو تقاطع بئر العبد. كان الوقت ليلاً، والمنطقة لا تزال عامرة بالبساتين وطرقها خالية تماماً، فقفز من بستان رجال مسلحون واعترضوا السيارة، وضرب احد المسلحين مقدمتها بقبضته، بعدما توقفت، وصرخ بركابها ان ينزلوا منها. كان عدد المسلحين سبعة او ثمانية، يحملون بنادق من نوع المعدلة ومسدسات. ما ان خرج من السيارة سائقها مرتضى وزميله شمعون، حتى نزع المسلحون منهما مسدسيهما، قبل خروج ثالثهم، الراوي، الذي أدخل احد المسلحين سبطانة بندقيته من نافذة السيارة، ووضع فوهتها في صدره، صارخاً: نزال ولاه، اذا ما بتنزل يخلي لحمك يلزق بالطراحة (المقعد). كانت لهجتهم بعلبكية، والارجح انهم من سكان حي المصبغة البعلبكيين في الغبيري. وهذا ما اكده سلوكهم وتعاملهم مع عناصر الامن العام الثلاثة، بعدما علم احدهم بأن سائق السيارة بعلبكي من آل مرتضى، وابن السيد عبد الكريم مرتضى الذي كان قائمقاماً، وانتقل منذ سنين كثيرة مع اسرته للاقامة في الريحان في الجنوب، وفقد اولاده - ومنهم حبيب نفسه - لهجتهم البعلبكية. وهكذا صرخ المسلح برفاقه. يا شباب معهم ابن السيد عبد الكريم، لازم نتركهم، فما كان من المسلح الذي وضع فوهة بندقيته في صدر الراوي ان اخرجها من نافذة السيارة وتراجع الى الخلف مردداً: له له له، كأنه يؤاخذ نفسه على ما فعله وتلفظ به. ثم كشفت المحادثة الودية التي جرت بينهم وبين مرتضى أن واحداً منهم وربما آخرين هم من آل المقداد ومن بلدة لاسا في جرود جبيل. وعلم الراوي ايضا ان شقيقة المسلح المقدادي (تدعى زينب) كانت تعمل صانعة (خادمة) في بيت اهله، فاعتذر المسلح منه ومن عبد الكريم مرتضى، واخلوا سبيل رجال سلك الأمن العام الثلاثة الذين لم يكتبوا تقريراً للسلك بما حدث.

لاحقاً، في 1962، تذكر الراوي هذه الحادثة، فيما هو يستمع الى كلام النائب الجنوبي ووزير التربية آنذاك، سليمان الزين الذي كان ايضاً عضوا في المجلس الاسلامي في بيروت، قبل انشاء المجلس الشيعي الاعلى. النائب والوزير الزين التقى مصادفة الراوي في مكتب مفوض عام الأمن العام ورئيس دائرة بيروت وجبل لبنان للاستقصاء والمداهمات، المفوض عمر النويري الذي تلقى مكالمة هاتفية من رئيسه المدير العام للأمن العام توفيق الحلبود، فاضطر الى مغادرة مكتبه، تاركا فيه النائب والوزير، قائلاً له انه سيتركه مضطراً لقليل من الوقت مع خليل (الراوي) لكي يسلّيه، مضيفاً: انه من افضل مفتشي التحري عندي، قبل ان يلتفت الى خليل ويقول له: اقعد هنا، سلّيلي معالي الوزير سليمان بيك الزين، انا راجع.

فور خروج المفوض من مكتبه، دار بين الوزير والمفتش هذا الحوار:

الوزير: منين انت يا سيد خليل؟

المفتش: من برج البراجنة.

الوزير: من بيت مين؟

المفتش: من بيت خالد.

الوزير: هل هناك بيت خالد في البرج.

المفتش: نعم.

الوزير: انتم سنة ام شيعة؟

المفتش: كوكتيل، معالي الوزير.

هنا اشار المفتش القديم في روايته الى انه تكتّم على طائفته المسيحية ما دامت كنيته العائلية (خالد) التي لم يضف اليها الفغالي، تتيح له ذلك. وهذا ما حمل الوزير الزين على القول له: ان شاء الله سوف نؤسلم لكم الضاحية قريباً.

لم يكن المفتش قد سمع بعد بكلمة الضاحية تُطلق على قرى ساحل المتن الجنوبي، أو أنه كان قد سمع بها (وأدارها حمصية، اي هبلْ، بحسبه)، وأتاحت له ندرة تداولها ان يسأل مستغرباً: الضاحية؟ شو يعني الضاحية؟ فقال الوزير: ساحل المتن الجنوبي سوف نؤسلمه كله، ونشيل المسيحيين منه. يا اخي في ثورة 1958 هلكنا كميل شمعون. لقد كان يأتيه السلاح من العراق وتركيا (ايام حلف بغداد) الى مطار بيروت الذي ظل مسيطراً عليه، فلم يقدر الثوار على احتلاله، فيما كان الرئيس عبد الناصر يقول: احتلوا المطار، احتلوا المطار. كمال جنبلاط حاول، لكن هجومه من الجبل فشل، بسبب الزنار السكاني المسيحي في ساحل المتن الجنوبي حول المطار. وسط دهشة المفتش ورغبته في ان يسمع المزيد، اخذ يقول: كيف ستؤسلمون الساحل يا معالي الوزير، كيف، دخيل عرضك فشّلي قلبي، قل لي كيف؟. سوف نأتي بالمسلمين ونسكنهم في الساحل ليصير محيط مطار بيروت مسلما، فسرّ الوزير، فسأله المفتش مجدداً: اي اسلام، من اين تأتون بالاسلام، ما دام مسلم بيروت يحلف بغربته ما ان يصل الى حرج بيروت؟!. هنا افصح الوزير: الاسلام الشيعة من بعلبك والجنوب. وامعاناً منه في التفسير والشرح، تابع الوزير: ايام كانت الريجي (شركة حصر التبغ والتنباك اللبنانية) في منطقة النبعة (في ساحل المتن الشمالي، والضاحية الشمالية لبيروت، لاحقاً)، قلة من عمالها الشيعة اقاموا قربها في النبعة، ونقلوا اليها سجلات قيد نفوسهم. واليوم، بعدما نقل كميل شمعون الريجي الى الحدت، صار عمالها الشيعة مضطرين الى التنقل يوميا بين الحدت والنبعة. لذا سوف نسهّل عليهم ونشجعهم على السكن والاقامة في مناطق قريبة من الريجي، وسوف يتكاثرون. ولذلك انشأنا جمعية اسمها جمعية بناء المساجد، والرئيس جمال عبد الناصر دعمها، اطال الله عمره. والجمعية هذه ستشجع الشيعة على شراء املاك المسيحيين، وتتكفل ببناء مساجد لهم عندما يتكاثرون. ولأن المسيحي لا يطيق الاقامة قرب الشيعي، سوف يهشل. وبعد 10 - 12 سنة يصير محيط المطار شيعياً.

في هذه اللحظة دخل المفوض عمر النويري الى المكتب، مكتبه، فتوقف الحديث بين الوزير والمفتش الذي لم يكن قد سمع بأن هناك جمعية تسمى جمعية بناء المساجد. ثم انه لم يجرؤ على كتابة تقرير عما سمعه من الوزير الى جهاز الاستقصاء والتحري الذي يعمل فيه في سلك الامن العام. لقد أخافته طائفية الموضوع، وخاف اكثر من ان يحمله المفوض النويري، رئيسه في السلك، على محمل طائفي، في حال قيامه بكتابته في تقرير لا بد ان يجلب له المشاكل في وظيفته، وقد يؤدي الى فصله من السلك، فقرر الابتعاد عن الشر، وأن يغني له، على ما روى مردداً المثل العامي الشائع. هذا بالرغم من ان اقوال الوزير اقلقته، وحملها على محمل الجد، مستعيداً بعضاً من حوادث 1958، جازماً بأن ساحل المتن الجنوبي ما قبلها كان خلواً من السكان الشيعة الا في ضيعة برج البراجنة، لكنه سرعان ما تذكر ان شخصاً اصله من الشويفات يدعى ميشال اسبر صعب، ويقيم في تحويطة الغدير، اخذ يعمل اثناء حوادث 1958 وغداتها، سمساراً في تجارة الاراضي، متعاوناً مع شخص شيعي يعمل على تشجيع بعلبكيين على شراء قطع ارض في كروم الزيتون، ويرغّب ملاكها المسيحيين على بيعها. ثم تذكر ايضاً شخصاً آخر يدعى ابو عساف الحاج عساف، هو من اتى بأول شخصين شيعيين واسكنهما مع عائلتيهما في ناحية من الليلكي، قريباً من سكة القطار. هكذا اخذت هواجس المفتش تنبعث قوية، فيستعيد السيناريو الذي سمعه من الوزير الزين، كلما انتبه الى تكاثر توافد الشيعة وسكنهم في جنبات قرى الساحل وعلى تخوم بساتينها في تخاشيب (اكواخ خشبية) وغرف اسمنتية صغيرة مبنية على عجل، يقيم في الواحدة منها ما بين 5 و 8 اشخاص من العمال. وأكبر تجمع وأقدمه لمثل هذه التخاشيب والغرف المتلاصقة المتحولة بناء غير متناسق من طابق او اثنين، نشأ في حي المصبغة ما بين الغبيري والشياح.

على ايقاع توسع السكن البعلبكي، خصوصا في تحويطة الغدير وحول المريجة الضيعة، تزايدت هواجس مسيحييها، مما حمل مفتش الامن العام على رواية ما سمعه من الوزير الزين لوالده المفتش العام في وزارة التربية الذي اصطحب ابنه، في واحدة من زياراته الصرح البطريركي في حريصا، لإخبار سيد بكركي، البطريرك الماروني مار بولس بطرس المعوشي، بما رواه الوزير الشيعي. حدث ذلك عام 1964 في مطلع عهد الرئيس شارل حلو. وفيما كان البطريرك يستمع الى الحكاية، اخذ يفرك يديه مضطرباً، فأشار عليه والد الراوي ان يطلع رئيس الجمهورية على الامر، فقال البطريرك: وماذا يستطيع الرئيس ان يفعل، يجب على المسيحيين ألا يبيعوا ارضهم.

حمل المفتش التربوي العام قولة البطريرك كرسالة، وجعل يبثها بين أهل المريجة. وفي نهاية قداس أحد من العام 1965 وقف في كنيسة مار الياس في الليلكي، وطلب من الأهالي عدم مغادرتها، ثم أغلق بابها، وخاطبهم قائلاً: في الحرب العالمية الاولى تعرضنا للجوع، ولولا عبد الهادي العرب ابن برج البراجنة، لكان نصف أهل الضيعة ماتوا جوعاً، لكننا لم نغادر أرضنا. اليوم، يا جماعة الخير، يجب ألا نبيع بساتيننا وبيوتنا. هنالك مخطط لإخلاء الضيعة من أهلها المسيحيين وانتزاعهم من أرضهم التي بيع قسم كبير من كروم زيتونها في الليلكي وفي تحويطة الغدير. وإذا كانت أراضي السقي (البساتين المروية) وأراضي الضيعة قد سلمت من البيع، فمن الآن وصاعداً يجب أن نصمد ونمتنع عن بيع شبر واحد. هلّل أهل الضيعة لكلام المفتش التربوي مرددين: يسلم تمك (فمك) يا أستاذ، والله الحق معك يا أستاذ. لكن كلام الأستاذ في الكنيسة، سرعان ما كان يذهب أدراج الرياح خارجها، ما أن تُعرض على الملاك اسعار مغرية لبيع أرضهم. والحق أن السماسرة كانوا في معظمهم من المسيحيين الذين يرغّبون ملاك الاراضي بالبيع، ويتعاونون مع سماسرة من الشيعة يؤمنون زبائن لشرائها. وارتفاع الاسعار وإغراؤها تكفلا بإدخال الشقاق ما بين ابناء العائلة الواحدة من الملاك. فإذا صمد أحد الملاك ورفض بيع أرضه، فإن زوجته أو ابنه هذا أو ذاك يروح يرغّبه تارة، وتارة يندّمه ويحرضه من دون توقف، حتى يستسلم أخيراً، دفعاً لنقّ زوجته وتحريض أولاده الطامحين الى تغيير نمط حياتهم الزراعي، والارتقاء بها وتجديدها في مكان ومنطقة أخريين. هذا فيما كان تزايد نزول المهاجرين البعلبكيين على أطراف الضيعة، وطبيعة عيشهم المختلفة وطباعهم الشرسة واستسهالهم العراك، على خلاف أهل الساحل المسالمين، من العوامل الاضافية المرجحة لاستسلام الملاك لرغبات نسائهم وأولادهم في بيع أراضيهم.

لكن العامل الاجرائي الحاسم الذي سهل كثافة البناء العشوائي على الاراضي الزراعية المباعة وشجع المهاجرين الجدد على هذا البناء وسهله عليهم، كان عاملاً يتعلق بالفوضى الضاربة في إدارة العمران والبناء وتنظيمهما، من دون تخطيط ومن دون الحصول على تراخيص بالبناء لقاء حصول عناصر الدرك وضباطهم في مخافر برج البراجنة والمريجة وحارة حريك على رشاوى مالية من المقبلين على البناء.

غير أن هذه العوامل مجتمعة لم تكن لتضاهي قوة العامل المستجد ما بعد حزيران 1967: ظهور المقاومة الفلسطينية وسلاحها في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وفي طليعتها مخيم برج البراجنة المتاخم لحارة حريك والمريجة. ومن ثم خروج السلاح الفلسطيني عن نطاق المخيمات وانتشاره، بل حصاره، السكن المسيحي بدبيب خوف مقيم، أين منه خوف المسيحيين من شراسة البعلبكيين؟!




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬