بول كروغمان

[1]

في الأزمنة العادية، لا تشكل غلطة حسابية في ورقة اقتصادية حدثا يستحق الاهتمام بما ان العالم الأوسع لا يهتم بذلك. لكن اكتشاف خطأ كهذا في نيسان 2013 - وهو في واقع الامر، خطأ في ترميز ورقة عمل صحبه عدد من الثغرات في التحليل - لم يصبح حديث ممتهني الاقتصاد فحسب، بل تصدر العناوين. وفي نظرة استعادية، ربما يكون الخطأ هذا قد غير مسار السياسة الاقتصادية.

لماذا؟ لأن الورقة موضع الحديث هي ”النمو في زمن الدَيْن“ التي وضعها الاقتصاديان العاملان في هارفرد، كارمن رينهارت وكينيث روغوف، والتي حازت سمة مرجعية ومعيارية في النقاش حول السياسة الاقتصادية. ومنذ بدأ تداول الورقة هذه راح ”المتقشفون“ - المنادون بالتقشف المالي وبتقليصات حادة في الانفاق الحكومي - يشيرون الى نتائجها المزعومة للدفاع عن موقفهم والهجوم على نقادهم. وتقابلت مجددا الاقتراحات التي ادلى بها جون ماينرد كينز ذات مرة والقائلة ان ”فترة النمو الكبير وليس فترة الانحسار هي الزمن المناسب للتقشف“ - وأن على الاقتطاعات الانتظار الى ان تتحسن قوة الاقتصادات - مع ما اظهره رينهارت وروغوف من ان الانتظار سيكون كارثيا، وأن الاقتصادات ستنحدر من قمة الجرف ما ان تفوق مديونية الحكومة التسعين في المئة من الناتج المحلي الاجمالي.

وقد يكون الأثر الفوري لـ [ورقة] رينهارت - روغوف على النقاش العام اكبر من أي ورقة سابقة في تاريخ الاقتصاد. وقد ذُكرت التسعين في المئة كحجة حاسمة لمصلحة التقشف استخدمتها شخصيات تمتد من بول رايان المرشح السابق الى منصب نائب الرئيس الذي يرأس لجنة الموازنة التابعة لمجلس النواب، الى أولي رين كبير المسؤولين الاقتصاديين في المفوضية الاوروبية، وصولا الى هيئة تحرير صحيفة ”واشنطن بوست“. لذا، فإن الكشف عن ان نسبة التسعين في المئة ناجمة عن خطأ في البرمجة، واغفال معلومات وتقنيات احصائية غير ملائمة، جعل فجأة من عدد مهم من الأشخاص البارزين يظهرون بمظهر المغفلين.

بيد ان الغموض الحقيقي يدور حول السبب الذي جعل رينهارت - روغوف يؤخذان على محمل الجد، ناهيك عن تكريسهما مرجعين اقتصاديين. في البدء، اثار النقاد شكوكا قوية حول منهجية الورقة وخلاصاتها، كانت كافية لتدفع الجميع الى التوقف. يضاف الى ذلك ان رينهارت -روغوف كانا في واقع الأمر المثال الثاني على ورقة استقبلت كدليل قاطع لمصلحة اقتصادات التقشف، ليسقط بعد ذلك امام التدقيق الحصيف. جرى امر مشابه شبها كبيرا، لكن أقل مشهدية، بعدما فُتن المتقشفون بورقة البرتو أليسينا وسيلفيا أرداغنا التي رمت الى اظهار ان التقليص الكبير في الانفاق الحكومي لن يكون له سوى تأثير ضئيل على النمو الاقتصادي بل قد يساعد على توسع الاقتصاد. وجلي أن التجربة كان ينبغي ان تستدعي بعض الحذر.

إذاً لماذا لم يظهر حذر أكبر؟ جرى توثيق الرد في بعض الكتب التي نعرضها هنا والتي يشير بعض آخر منها، عن غير قصد، إلى الاكاذيب في السياسات وفي النفوس: كانت قضية التقشف ولم تزل من القضايا التي يريد كثر من النافذين تصديقها، ما يحملهم على تلقف كل ما يبدو تبريراً. سأتحدث عن ارادة الايمان هذه لاحقا في هذه المقالة. لكن من المفيد أولا تتبع التاريخ الحديث للتقشف كنظرية وكتجربة سياسية.

1

في البدء كانت الفقاعة. توجد كتب عديدة جدا عن الافراط في اعوام الفقاعة الاقتصادية - في الواقع، كتب أكثر من اللازم. وكما سنرى، فإن إلحاح التعامل مع التفاصيل الباهرة اثناء الفقاعة، بدلا من محاولة فهم آليات الانهيار، مشكلة متكررة في الاقتصادات والسياسات الاقتصادية. وحتى الآن يكفي القول انه مع بداية 2008، كانت اميركا وأوروبا تتجهان نحو السقوط. لقد باتتا معتمدتين أكثر مما ينبغي على سوق المساكن التي شهدت ارتفاعا شديدا في حرارتها، في حين أن ملاكي المساكن كانوا منغمسين في الديون وكان قطاعهم المالي يشكو من نقص في رأس المال تمدد أكثر مما يحتمل.

كل ما لزم لانهيار بيوت اوراق اللعب هذه كان وقوع صدمة سلبية، وفي نهاية المطاف جاء انهيار الاوراق المالية الأميركية القائمة على المشتقات المصرفية ليؤدي هذه المهمة. وبحلول خريف 2008، كانت فقاعتا المساكن على جانبي المحيط الاطلسي قد انفجرتا وحُبس كل اقتصاد شمال الاطلسي في عملية ”تقليص نسبة الدين الى الناتج المحلي الاجمالي“، وهي عماية سعى دائنون كثر إلى تقليص ديونهم عبرها، أو أرغموا على ذلك.

لماذا يشكل ذلك مشكلة؟ بسبب الاعتماد المتبادل: انفاقك هو دخلي، وانفاقي دخلك. وإذا حاولنا معا تقليص ديننا عبر تخفيض الانفاق، انحدرت مداخيلنا معا، وانحدار المداخيل سيزيد من سوء مديونيتنا المتبادلة فيما ستنتج بطالة على نطاق واسع.

راقب دارسو تاريخ الاقتصاد العملية تتطور أمامهم في 2008 و 2009 برجفة باردة مألوفة لأنها كانت وبوضوح من ذات نوع العملية التي نجم عنها ”الركود الكبير“. وبالفعل، وضع مؤرخا الاقتصاد باري ايتشغرين وكيفن أورورك جداول صادمة تُظهر ان السنة الاولى من انهيار 2008 - 2009 في التجارة والانتاج الصناعي، قابلة للمقارنة تماما مع السنة الاولى من الانهيار بين 1929 و 1933.

هل كان ”ركود كبير“ ثان على وشك ان يبدأ؟ النبأ الطيب هو اننا نملك عددا من الميزات الايجابية لمصلحتنا لم يكن يملكها أجدادنا، أو هكذا اعتقدنا، ما ساعدنا على الحد من الاضرار. بعض الميزات الايجابية قد تصفونها بالبنيوية وقد أنشئت على النحو الذي تعمل به الاقتصادات الحديثة ولا تتطلب عملا خاصا من قبل صانعي السياسات. آخرون قد يكونون من المثقفين ويقولون: أكيد اننا تعلمنا شيئا ما منذ الثلاثينات ولن نكرر أخطاء اجدادنا السياسية.

على الجانب البنيوي، ربما تكون اكبر ميزة ايجابية لنا عن الثلاثينات طريقة عمل الضرائب وبرامج التأمين الاجتماعي - وكلاهما أكبر بكثير مما كانا عليه في 1929- ”كمثبتات آلية“. فالاجور قد تتدهور، لكن الدخل الاجمالي لم يتدهور بالنسبة ذاتها، لأن جباية الضرائب تقلصت بشدة من ناحية، ولأن تمويل الحكومة للضمان الاجتماعي ولبرنامج الرعاية الصحية ”ميدكير“ وتعويضات البطالة وغيرها، استمر، من ناحية ثانية. أسفر ذلك عن أن وجود دولة الرعاية الحديثة ارسى ارضية للانفاق الكلي، ما حال دون بلوغ اللولب الهابط للاقتصاد اعماقا بعيدة.

من الجانب الثقافي، يعرف صناع السياسات تاريخ ”الركود الكبير“ كقصة تحذيرية؛ بل إن بعضهم مثل بن برنانكي كان من كبار دارسي ”الركود“ في حياتهم السابقة. وقد تعلموا من ميلتون فريدمان حماقة ترك المصارف تدير انهيار النظام المالي والرغبة في تعويم الاقتصاد بالمال في أزمنة الذعر. وتعلموا من جون ماينارد كينز أن الانفاق الحكومي في ظل ظروف الركود قد يكون فاعلا في خلق فرص العمل. وتعلموا من التحول الكارثي الذي قام به فرانكلين دي. روزفلت نحو التقشف في 1937، أن التخلي عن المحفزات المالية والنقدية باكرا قد يكون خطأ كبير جدا.

نتيجة ذلك، ترافقت بداية ”الركود الكبير“ مع سياسات كثفت الانهيار - الزيادات الكبيرة في معدلات الفائدة ومحاولة اللجوء الى احتياطات الذهب وتقليص الانفاق، في محاولة لاضفاء التوازن على الموازنة- فيما تميز العامان 2008 و 2009 بسياسات توسعية نقدية ومالية، خصوصا في الولايات المتحدة حيث لم يكتف الاحتياط الفيدرالي بتخفيض كبير على معدلات الفائدة، بل دخل الى الاسواق مشتريا كل شيء من الاوراق التجارية الى الديون الحكومية الطويلة الاجل، وذلك في وقت دفعت فيه ادارة أوباما الى اقرار برنامج تخفيض ضريبي وزيادات في الانفاق يصل الى 800 مليار دولار. الاعمال الاوروبية كانت اقل درامية - لكن في المقابل يمكن المحاجّة بأن دول الرعاية الاوروبية الاقوى قلصت الحاجة الى تعمد التحفيز.

وحذر بعض الاقتصاديين (بمن فيهم الكاتب) منذ البداية من ان هذه الاعمال المالية والنقدية، ورغم الترحيب بها، كانت صغيرة جدا بالنظر الى حدة الصدمة الاقتصادية. وبالفعل، كان جليا منذ 2009 أنه رغم تثبيت الوضع، فإن الازمة الاقتصادية أعمق مما اعترف به صناع السياسات، والأرجح انها ستبرهن قدرتها على البقاء أكثر مما تخيلوا. لذا كان على المرء ان يتوقع جولة جديدة من المحفزات للتعامل مع القصور الاقتصادي.

ما حصل فعلا كان انقلابا مفاجئا.

2

يقدم لنا كتاب نيل أروين ”ذي ألكيميست“[2] [”الخيميائي“] مكان وزمان التحول المفاجئ الذي قامت به الدول المتطورة من التحفيز الى التقشف. الزمان هو اوائل شباط 2010؛ أما المكان فغريب بعض الشيء لوقوعه في مستوطنة إيكاليوت الكندية في الدائرة القطبية الشمالية حيث عقد وزراء المالية في ”مجموعة السبع“ واحدا من اجتماعاتهم الدورية. في بعض الأحيان (غالبا بالأحرى) لا تزيد القمم هذه عن كونها مناسبات احتفالية، وقد عجت القمة تلك بالمراسم ايضا، بما فيها تقديم لحم فقمة نيء في العشاء الاخير (امتنع الضيوف الأجانب جميعهم عن تناوله). بيد أن أمرا ذا مغزى حصل هذه المرة. يكتب أروين ”في عزلة البرية الكندية، اتفق قادة الاقتصاد العالمي على ان التحدي الماثل أمامهم قد تغير. وأن الاقتصاد يبدو في طريقه الى التعافي؛ وان الوقت قد أزف ليحولوا انتباههم بعيدا عن دفع النمو. لا مزيد من الحوافر“.



(الرسم الرقم 1: الدول المتطورة: الانفاق الحكومي الحقيقي)

كم كان هذا التحول حاسما؟ يظهر الرسم الرقم واحد المأخوذ من تقرير ”المشهد الاقتصادي العالمي“ (World Economic Outlook) الصادر مؤخرا عن صندوق النقد الدولي، كيف سلك الانفاق الحكومي الحقيقي في الازمة هذه بالمقارنة مع حالات ركود سابقة؛ وفي الرسم، تعتبر السنة صفر هي السابقة على الركود العالمي (2008 في الانهيار الحالي)، ويقارن الانفاق بمستوى سنة الاساس. ما ترونه هو ان الاعتقاد المعمم عن اننا نعاين انفاقا حكوميا منفلتا من عقاله اعتقاد زائف- على العكس، فبعد ارتفاع قصير في الانفاق في 2009، راح الانفاق الحكومي ينحسر في كل من الولايات المتحدة واوروبا، ويقبع الآن في موقع اكثر انخفاضا من المنحى الطبيعي. كان التحول نحو التقشف حقيقيا للغاية وكبيرا جدا.

في الظاهر، كان ذلك تحولا شديد الغرابة في السياسة. فالكتاب المدرسي المعياري في الاقتصاد يقول ان الاقتطاع من الانفاق الحكومي يخفض الطلب العام، ما يفضي بدوره الى تقليص الناتج والبطالة. ربما يكون ذلك أمرا مرغوبا لو كان الاقتصاد يشهد ارتفاعا في حرارته وصعودا في التضخم. في المقابل، قد تجوز موازنة الآثار غير المرغوبة لتقليص الانفاق الحكومي. وفي وسع المصارف المركزية (مجلس الاحتياط الفيدرالي، والمصرف المركزي الاوروبي أو نظرائهما في أماكن أخرى) تقليص معدلات الفوائد، بما فيها الانفاق الخاص. بيد أن أيا من هذه الشروط لم يكن متوفرا في مطلع 2010 او في الوضع القائم الآن. تعاني الاقتصادات الكبرى الآن ركودا عميقا، في غياب أي اشارة الى ضغط تضخمي.

في غضون ذلك، باتت معدلات الفوائد على القروض القصيرة الأمد، وهي عموما تحت سيطرة المصرف المركزي، قريبة من الصفر، ما يترك حيزا ضئيلا لموازنة تقليص الانفاق الحكومي. لذلك، يبدو ان كتاب الاقتصاد الاساسي يقول ان كل التقشف الذي شهدناه سابق جدا لأوانه وانه كان الأجدى ان ينتظر اكتساب الاقتصاد المزيد من القوة.

السؤال، إذن، لماذا كان القادة الاقتصاديون على هذا القدر من الاستعداد لرمي كتاب الاقتصاد المدرسي، من النافذة؟.

أحد الاجوبة ان كثرا منهم لم يصدقوا أبدا ما جاء في الكتاب. فالمؤسسة الثقافية والسياسية الالمانية لم تلجأ كثيرا الى الآراء الاقتصادية الكينزية، والامر ذاته بالنسبة الى الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة. وفي حمّى ازمة اقتصادية حادة - على غرار تلك التي شهدها خريف 2008 وشتاء 2009 - أمكن الى حد ما إسكات تلك الاصوات المتمردة؛ لكن ما ان هدأت الامور حتى عادت الى الدفع دفعا شديدا.

جواب آخر شامل أكثر سيظهر لاحقا: الأسباب السياسية والنفسية الكامنة وراء كراهية العديد من الشخصيات المؤثرة لمقولتي الانفاق في حالة العجز والمال السهل. ومرة جديدة ما ان خفت حدة الأزمة، حتى ظهر مجال أوسع للانغماس في المشاعر هذه. يضاف الى تلك العوامل الكامنة، بعدان متلازمان شابا الوضع في مطلع 2010: الازمة الجديدة في اليونان، وظهور ما بدا كبحث اقتصادي عالي النوعية وصارم يساند الموقف التقشفي.

حلّت الازمة اليونانية صدمةً على الجميع تقريبا، وليس آخرهم الحكومة اليونانية الجديدة التي استلمت مهامها في تشرين الاول 2009. وأدركت القيادة الآتية حديثا انها تواجه عجزا في الموازنة - لكنها لم تعرف إلا بعد وصولها الى الحكم ان الحكومة السابقة كانت تزور الدفاتر والحسابات، وأن العجز وكتلة الديون المتراكمة اعلى كثيرا مما تخيله احد. وراحت الانباء تنتشر والمستثمرون يفرون، في اليونان اولا، ثم في الاجزاء الاوسع من اوروبا التي وجدت نفسها امام نوع جديد من الازمات - ليس امام مصارف متعثرة بل امام حكومات متعثرة، غير قادرة على الاقتراض من الاسواق العالمية.

هي ريح سموم لم تجلب أمرا طيبا لأحد، لكنها كانت بركة على مناهضي الكينزية. لقد حذروا من مخاطر الانفاق وسط العجز؛ وبدا ان الكارثة اليونانية جاءت لتُظهر مدى الخطر الذي ينطوي عليه التهور المالي. وحتى اليوم، على كل من يجادل ضد التقشف المالي، ناهيك عن الحاجة الى جولة جديدة من الحوافز، ان يتوقع التعرض للهجوم باعتباره يحاول جعل اميركا (أو بريطانيا، في حالات مشابهة) يونان ثانية.

وإذ قدمت اليونان القصة التحذيرية الجلية المستمدة من العالم الواقعي، يبدو ان رينهارت وروغوف قدما الرياضيات. وبدا ان ورقتهما البحثية لم تظهر فقط ان الدين يؤذي النمو، بل ايضا ان ثمة ”عتبة“، أو نوعا من النقطة التي تؤدي دور الزناد، عندما يتجاوز الدين التسعين في المئة من اجمالي الناتج المحلي. تجاوز النقطة هذه يفضي الى جمود النمو الاقتصادي، على ما تشير اليه ارقامهما. كانت اليونان مَدينَة، بطبيعة الحال، بما يزيد عن الرقم السحري. وبكلمات أوضح، تدير البلدان المتقدمة، بما فيها الولايات المتحدة، عجزا كبيرا في موازناتها وتقترب من العتبة المذكورة. وإذا جمعنا اليونان مع رينهارت - روغوف، نحصل على ما يشبه القضية المتكاملة والدقيقة التي تنافح عن التحول الفوري صوب التقشف.

لكن ألن تكون هناك عاقبة سلبية لتحول كهذا نحو التقشف في اقتصاد ما زال يعاني ركودا بسبب التقليص في الانفاق الخاص؟ لا داعي للقلق، تقول ورقة بحثية اقتصادية مؤثرة أخرى بعنوان ”التغييرات الكبيرة في السياسة النقدية: الضرائب مقابل الانفاق“ التي وضعها البرتو اليسينا وسيلفيا ارداغنا.

واحد من الامور الطيبة في كتاب مارك بلايث ”التقشف: تاريخ فكرة خطرة“[3] هو الاسلوب الذي يتبع فيه صعود وانحدار فكرة ”التقشف المتوسع“، او الاقتراح القائل ان تقليص الانفاق سيقود عمليا الى ناتج أعلى. وبحسب ما يُظهر المؤلف، فإن الاقتراح هذا وثيق الصلة بمجموعة من الاقتصاديين الايطاليين (الذين يطلق عليهم تسمية ”صبية بوكوني“) قدموا اقتراحاتهم في سلسلة من الاوراق التي راحت بمرور الوقت تزداد صخبا وتتراجع نوعيا، الى ان تجمعت في التحليل المنشور في 2009 من اليسينا وارداغنا.

في الخلاصة، شنّ اليسينا وارداغنا هجوما جبهيا شاملا على المقولة الكينزية القائمة على أن الاقتطاع من الانفاق في اقتصاد ضعيف يفضي الى مزيد من الضعف. وعلى غرار رينهارت وروغوف، ساقا دليلا تاريخيا ليثبتا وجهة نظرهما. ووفقا لإليسينا وأرداغنا، يتبع توسع الاقتصاد عادة الاقتطاع الكبير من الانفاق في البلدان المتقدمة وليس الانكماش. علّة ذلك، على ما يشيران، هو ان التقشف النقدي الحاسم يخلق الثقة في القطاع الخاص، والثقة الزائدة هذه تزيد أهميتها عن اي دفعة يسفر عنها انفاق حكومي صغير.

وبحسب ما يوثق مارك بلايث، انتشرت الفكرة هذه مثل النار في الهشيم. وقدم أليسينا وأردانغا شرحا خاصا في نيسان 2010 امام مجلس وزراء الاقتصاد والشؤون المالية الاوروبي؛ وسرعان ما وجد هذا التحليل طريقه ليصبح بين المفردات الرسمية للمفوضية الاوروبية والمصرف المركزي الاوروبي. وفي حزيران 2010، قلل جان تريشيه، رئيس المصرف المركزي الاوروربي في حينه، من أهمية المخاوف من ان يؤدي التقشف الى الحاق الأذى بالاقتصاد:

”في ما يتعلق بالاقتصاد، الفكرة القائلة ان اجراءات التقشف يمكنها التسبب بالاختناق غير صحيحة... في الواقع، يمكن في هذه الظروف لكل شيء ان يساعد في تعزيز ثقة الملاكين والشركات والمستثمرين ودوام التمويل العام، أن يكون طيبا لتمتين النمو وخلق فرص عمل. وأعتقد اعتقادا راسخا أن سياسات تعزيز الثقة في الظروف الراهنة ستدفع الانتعاش الاقتصادي ولن تبطئه، لأن الثقة هي العامل الرئيس اليوم“.

هذا كلام أليسينا - أرداغنا من دون لبس.

بحلول صيف 2010، اتخذ التمسك بالتقشف بصفته صراطا مستقيما شكله التام، وبات مهيمنا على الدوائر السياسية الاوروبية وذا تأثير على الجانب هذا من الاطلسي. لكن كيف سارت الامور في ما يقارب السنوات الثلاث التي انقضت منذ ذلك الحين؟

3

يصعب عادة الإتيان ببرهان واضح على آثار السياسة الاقتصادية. تغير الحكومات في العادة سياساتها مترددة، ويعسر التمييز بين آثار انصاف الاجراءات التي اتخذتها من بين كل ما يجري في العالم. على سبيل المثال، كانت الحوافز التي اقرها اوباما مؤقتة وصغيرة مقارنة بحجم الاقتصاد الاميركي، ولم تزد أبدا عن الاثنين في المئة من اجمالي الناتج المحلي، وأثرت على اقتصاد مر بتذبذبات اكبر أزمة مالية في ثلاثة أجيال. كم هو سيّئ أو جيد ما جرى في 2009 و 2011، وهل يمكن ارجاع ذلك الى الحوافز؟ ما من أحد يعلم علم اليقين.

رغم ذلك، فالتحول الى التقشف بعد 2010 كان حادا جدا خصوصا في الدول الاوروبية المدينة، حيث فقدت تدابير الحذر المعتادة الجزء الاكبر من قوتها. فرضت اليونان اقتطاعات في الانفاق وزيادة على الضرائب بلغت 15 في المئة من اجمالي الناتج المحلي؛ فيما بلغت نسبة الاجراءات هذه في أيرلندا والبرتغال حوالى الستة في المئة؛ وخلافا لجهود التحفيز التي بُذلت من دون حماس، دامت التخفيضات هذه بل تكثفت عاما بعد عام. إذن، كيف عمِل التقشف في حقيقة الأمر؟



(الرسم الرقم 2: التقشف والنمو)

الجواب هو ان النتائج جاءت كارثية - تماما كما كان المرء ليتوقع من الكتاب المدرسي للاقتصادات الكبرى [الماكرو]. يُظهر الرسم البياني الرقم 2 على سبيل المثال ما الذي حدث مع مجموعة مختارة من الدول الاوروبية (تظهر كل واحدة منها على شكل مَعينِ). يشير المحور الافقي الى الاجراءات التقشفية - تخفيض الانفاق وزيادة الضرائب - ونسبتها من اجمالي الناتج المحلي، بحسب ما قدرها صندوق النقد الدولي. ويبين المحور العمودي النسبة المئوية الحقيقية للتغيير في اجمالي الناتج المحلي. وعلى ما هو ظاهر، عرفت البلدان التي ارغمت على اعتماد تقشف قاس، هبوطا حادا للغاية، وهو هبوط متناسب الى حد ما مع درجة قسوة اجراءات التقشف.

وقد جرت محاولات لتفسير النتائج هذه، خصوصا في المفوضية الاوروبية. لكن صندوق النقد الدولي نظر بحزم الى المعطيات، ولم يكتف بالاستنتاج ان للتقشف أثرا اقتصاديا عكسيا كبيرا، بل أصدر ما يرقى الى مستوى الاعتراف بالخطيئة لتقليله من خطر هذه الآثار[4].

لكن هل يوجد أي بديل للتقشف؟ وماذا عن أخطار الافراط في الاقتراض؟

في مطلع 2010، عندما كانت الكارثة اليونانية جديدة على أذهان الجميع، كانت أخطار الافراط في الاقتراض واضحة للعيان؛ بل بدا أنها افدح خطرا بحلول 2011 عندما انضمت أيرلندا واسبانيا والبرتغال وايطاليا الى صف الدول الملزمة بدفع معدلات فائدة مرتفعة. بيد ان أمرا غريبا وقع في البلدان الاخرى ذات معدلات المديونية العالية، بما فيها اليابان والولايات المتحدة وبريطانيا: فرغم العجز الكبير والديون المتزايدة تزايدا سريعا، فإن بدلات الاقتراض ظلت شديدة الانخفاض. الفارق الحاسم، على ما حدد الاقتصادي البلجيكي بول دوغروي، يبدو في ما اذا كان لهذه البلدان عملتها الخاصة واقترضت بهذه العملة. البلدان هذه لا يمكن ان تعاني من نفاد الاموال لأنها قادرة على طباعتها متى احتاجت، وفي غياب خطر انحسار السيولة، تكون الدول المتقدمة قادرة قدرة واضحة على تحمل مستويات مرتفعة من دون ان تعاني من الازمة.

وبعد ثلاثة اعوام من التحول نحو التقشف، يبدو ان آمال دعاة التقشف ومخاوفهم لم تكن، معا، في مكانها. لم يفضِ التقشف الى ازدياد الثقة؛ ولم يؤد العجز الى الازمة. لكن ألم تتأسس حركة التقشف على ارضية من البحث الاقتصادي الجدي؟ في الحقيقة، تبين انها لم تكن كذلك- فالبحث الذي ذكره التقشفيون حفل بالثغرات العميقة. اول ما انهار كان مقولة التقشف التوسعي. وحتى قبل ظهور نتائج تجربة التقشف الأوروبي، كانت ورقة أليسينا - ارداغنا قد سقطت بعد التمعن فيها. وأشار باحثون في ”معهد روزفلت“ إلى أن أيا من الامثلة المزعومة عن تقشف يفضي الى توسع الاقتصاد لم يحصل فعلا في وسط الانهيار الاقتصادي؛ ووجد باحثون من صندوق النقد الدولي أن قياسات اليسينا وأرداغنا للسياسة النقدية تمت بصلة بعيدة الى التغييرات الفعلية في السياسة. وكتب بلايث ”في أواسط 2011، راح الدعم التجريبي والنظري لمقولة التقشف التوسعي يتقلص. وببطء ومن دون صخب، جرى سحب مقولة ان التقشف يمكن فعلا ان يدفع الاقتصادات، عن المسرح العام“.

ورقة رينهارت - روغوف صمدت مدة أطول، رغم الأسئلة الجدية التي ظهرت باكرا حول عملهما. وفي وقت مبكر، في تموز 2010، شخّص جوش بيفنز وجون آيرونز من ”معهد السياسة الاقتصادية“ (Economic Policy Institute) خطأ جليا - سوء تفسير للمعلومات الاميركية لما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية - ومشكلة مفهومية حادة. رينهارت وروغوف، وبحسب ما أشارا، لم يقدما اي برهان على ان العلاقة التبادلية تجري بين ارتفاع الدين وانخفاض النمو وليس بالعكس، في حين ان برهانا آخر يشير الى ان العكس هو الاقرب الى الصحة. لكن انتقادات كهذه لم يكن لها تأثير تقريبا؛ وبالنسبة الى التقشفيين، قد يقول قائل منهم ان رينهارت - روغوف كانا قصة جيدة الى حد لا يجوز التحقق منها.

لذا، جاء تسليط الضوء في نيسان 2013 على اخطاء رينهارت وروغوف ليشكل صدمة. ورغم تأثير الورقة، لم يتح رينهارت وروغوف الوصول العام الى المعلومات التي استندا اليها - ولم يتمكن الباحثون المشتغلون على معطيات يمكن مقارنتها بمعلومات رينهارت وروغوف، من الخروج بنتائجهما ذاتها. في نهاية المطاف، سمحا لتوماس هرندون، الطالب المتخرج من جامعة ماساتشوستس - امهرست بالاطلاع على ورقة حساباتهما - ووجدها شديدة الغرابة بالفعل. كان هناك خطأ واحد في الترميز، ولم يؤثر سوى تأثير طفيف على استنتاجاتهما. والأهم ان منظومة المعطيات اخفقت في ان تشمل تجارب عدد من البلدان الحليفة - كندا ونيوزلندا واستراليا والتي خرجت من الحرب العالمية الثانية مثقلة بالديون لكنها مع ذلك تمكنت من تحقيق نمو قوي. كما انهما استخدما نموذجا قديما في القياس يجعل من كل ”فترة“ من الدين المرتفع تحتسب بذات الاسلوب، سواء جاء عام واحد من النمو السيء او سبعة عشر عاما من النمو الجيد.

حتى من دون الاخطاء والثغرات هذه، ستظل هناك علاقة سلبية متبادلة بين النمو والدين - لكن هذه ربما كانت، والأرجح انها كذلك، مسألة النمو المنخفض المفضي الى الدين المرتفع، وليس العكس. واختفت ”العتبة“ المحددة بتسعين في المئة، ما زعزع القصص المخيفة التي استخدمت لتسويق التقشف.

وليس مفاجئا ان يكون رينهارت وروغوف قد حاولا الدفاع عن عملهما؛ بيد ان ردودهما كانت في أفضل الأحوال ضعيفة، وتتسم بالتهرب في أسوئها. تجدر الملاحظة انهما تابعا الكتابة بأسلوب يوحي أن وصول الدين الى تسعين في المئة من اجمالي الناتج المحلي يشكل نوعا من عتبة تبدأ الامور السيئة عندها بالوقوع، من دون أن يقولا ذلك صراحة. في الواقع، وحتى لو تجاهل المرء مسألة السببية - سواء كان النمو المنخفض يسبب ارتفاع الدين أو العكس - فإن آثار ارتفاع الدين الظاهرة على النمو، لنقلْ من 85 الى 95 في المئة من اجمالي الناتج المحلي، ضئيلة عموما، ولا تبرر الذعر من الدين الذي أثر تأثيرا كبيرا على السياسة.

عند النقطة هذه، تبدو اقتصادات التقشف في صورة شديدة السوء. اثبتت تكهناتها انها خاطئة تماما؛ ولم تفقد وثائقها الاكاديمية التأسيسية وضعيتها كوثائق مكرسة فحسب، بل باتت مواضيع للتهكم. لكن، وكما ذكرت، لم يكن ينبغي لأي من هذه الأخطاء (باستثناء الخطأ في برنامج ”اكسل“) ان يشكل مفاجأة: كان يجب ان تطلب أسس الاقتصادات الكبرى [”الماكرو“] من الجميع توقع ما جرى، فعليا، والاوراق البحثية، التي ساءت سمعتها الآن، كانت تنطوي وبوضوح على ثغرات منذ البداية.

يطرح هذا السؤال البديهي: لماذا حاز اقتصاد التقشف على هذه القبضة القوية على نخبة الرأي العام، في المقام الاول؟

4

يحب الجميع المسرحيات المنطوية على حكمة. وتحمل [العبارة الانجيلية من رسالة القديس بولس الى اهالي روما] ”ثمن الخطيئة الموت“ رسالة مُرضِية اكثر بكثير من جملة ”الامور الحقيرة تحصل“. نبغي كلنا استخلاص المعنى من الاحداث.

عند تطبيق العثور على المعنى الاخلاقي أو الحِكَمي على الاقتصادات الكبرى، تخلق الحاجة هذه عندنا جميعا ميلاً نحو تصديق القصص عن آلام الانهيار الذي سببته تجاوزات النمو الكبير الذي سبقه - وربما يجعل من الطبيعي رؤية الألم ضروريا، كجزء من عملية تطهّر لا مفر منها. وعندما دعا أندرو ميلون هربرت هوفر الى ترك ”الركود الكبير“ يمضي في مساره، كنوع من ”التخلص من نتن“ النظام، كان يقدم نصيحة وجدت (وما زالت تجد) صداها النفسي عند كثر من الناس، بغض النظر عن مدى سوئها كنصيحة اقتصادية.

في المقابل، تتكئ الاقتصاديات الكينزية أساسا على الموقف القائل ان الاقتصاديات الكبرى ليست مسرحية تحمل حكمة - وان حالات الركود هي في العمق نتيجة سوء اداء تقني. وثمة موقف شهير أعلنه كينز عند تعمق ”الركود الكبير“ ويقول ”لدينا مشكلة في مولد الطاقة“ - ما يعني ان المشكلات الاقتصادية تشبه تلك التي تعاني منها سيارة اصيبت بعطل صغير لكنْ حيوي في نظامها الكهربائي، وتكمن مهمة الاقتصادي في تحديد طريقة اصلاح المشكلة التقنية تلك. عمل كينز الرئيسي ”النظرية العامة في التشغيل والفائدة والمال“ (The General Theory of Employment, Interest and Money) جدير بالاهتمام - وثوري - لعدم قوله تقريبا أي شيء عما يجري اثناء فترات النمو السريع. كان منظّرو دورة الاعمال السابقون لكينز يحبون البقاء طويلا عند التجاوزات الجلية التي تقع اثناء الاوقات الطيبة، لكنهم يكتفون بقول كلام موجز عن السبب الدقيق لاتاحة هذه الاوقات الطيبة علة ظهور للاوقات السيئة وما الذي ينبغي فعله عند حصول ذلك. قلب كينز هذه الاولوية؛ جل تركيزه كان على كيفية بقاء الاقتصادات راكدة، وماذا يمكن فعله لتقليل ركودها.

أرغب في المحاجّة في أن كينز كان محقا بنسبة عالية في مقاربته، بيد أن ما من شك في ان كثرا يجدون مقاربته غير مرضية، من الناحية الشعورية. لذا علينا ألا نُفاجأ اذا وجدنا ان الكثير من تفسيراتنا الشعبية لمشكلاتنا الراهنة ترجع، سواء أدرك كتابها ذلك ام لم يدركوه، الى اسلوب ما قبل - كينزي غريزي يستحسن الاقامة عند تجاوزات فترات النمو السريع بدلا من النظر الى الاخفاقات اثناء الانحدار.

تتعين رؤية كتاب ديفيد ستوكمان ”التشوه العظيم“[5] وفق هذه النظرة. وهو صرخة بالغة الطول ضد التجاوزات بمختلف أنواعها والتي تراكمت لتنجم عنها، بحسب ستوكمان، أزمتنا الحالية. في عين ستوكمان، التاريخ جملة من ”الفورات“: ”فورة من الاقتراض غير المبرر“، ”فورة من تخفيض معدل الفائدة“، ”فورة من الهندسة المالية الهدامة“، ”فورة من طباعة الاوراق النقدية“ ايضا وأيضا. وفي عالم ستوكمان، يعود كل الشر الاقتصادي الى الخطيئة الاصلية المتمثلة بالتخلي عن الذهب كمعيار. أي ازدهار نعتقد اننا مررنا به منذ 1971، عندما تخلى نيكسون عن آخر رابط مع الذهب، او ربما منذ 1933 عندما ابعدنا روزفلت عن الذهب للمرة الأولى، كان كله وهم مكتوب له ان ينتهي وسط الدموع. وبطبيعة الحال، فكل سياسة ترمي الى التخفيف من وطأة الانهيار الحالي، ستزيد الامور سوءا.

كتاب ستوكمان غير مهم في ذاته. وباستثناء بعض الصفعات الموجهة الى الجمهوريين، فهو يتألف أساسا من الرطانة العادية لمناصري الاعتماد على الذهب. لكن الاهتمام الذي حصده الكتاب والاساليب التي ضرب فيها على الاوتار الحساسة عند أناس كثر، بمن فيهم بعض الليبراليين، كلها تشير الى قوة الحاجة الى رؤية الاقتصاد كمسرحية تنطوي على حكمة اخلاقية، بعد ثلاثة اجيال من محاولة كينز ان يرينا ان الاقتصاد ليس شيئا من هذا القبيل.

المسؤولون الواسعو النفوذ ليسوا في منأى عن هذه الحاجة بحال من الاحوال. في ”الخيميائي“، يحلل نيل اروين الدوافع التي حملت رئيس المصرف المركزي الاوروبي جان- كلود تريشيه على المنافحة القاسية عن سياسات التقشف:

اعتنق تريشيه وجهة نظر، رائجة خصوصا في ألمانيا، تضرب جذورها عميقا في نوع من الاخلاقية. لقد انفقت اليونان الكثير جدا وحصلت على قليل جدا من الديون. وعليها ان تقلص انفاقها وان تخفض العجز. وإذا أظهرت الشجاعة الملائمة والعزم السياسي، ستكافئها الاسواق بتخفيف تكاليف الاقتراض. لقد خصص قدرا كبيرا من الايمان لقوة الثقة...

وإذا أخذ في الاعتبار هذا الضرب من المواقف المسبقة، هل من عجب حينها في أن تكون افكار كينز الاقتصادية قد القيت من النافذة بينما جرى تكريس أليسينا - أردانغا ورينهارات - روغوف على الفور؟

هل الحاح التقشف مجرد مسألة نفسية إذن؟ لا، هناك قدر لا بأس به من المصلحة الذاتية. وعلى نحو ما لاحظ مراقبون كثر، فإن التخلي عن تقديم الحوافر المالية والنقدية قابل للتفسير، إذا رغبتم، على انه اعطاء المتمولين الاولوية على العمال. فالتضخم ومعدلات الفائدة المنخفضة سيئة بالنسبة للمتمولين حتى لو اتاحت المزيد من فرص العمل؛ والتقليص الكبير للعجز الحكومي في مواجهة البطالة الواسعة قد يعمق الركود، لكنه يزيد من ثقة حاملي الاسهم في انهم سيحصلون على اموالهم التي دفعوها كاملة. ولا اعتقد ان شخصا مثل تريشيه كان يخدم بوعي وخبث المصالح الطبقية على حساب الرفاه العام؛ لكن لم يكن عاطلا أن شعوره بالاخلاقية الاقتصادية تطابق، من دون شك، أولويات المتمولين.

تجدر الملاحظة ايضا انه في الوقت الذي تبدو فيه السياسة الاقتصادية، منذ الازمة المالية، فشلا بائسا وفق أكثر المعايير، فإنها لم تكن بهذا السوء بالنسبة للاغنياء. لقد تحسنت الأرباح تحسنا قويا رغم بقاء البطالة الطويلة الامد عند مستويات غير مسبوقة؛ واستعادت مؤشرات الأسهم عافيتها على ضفتي الاطلسي وعادت الى مستويات ما قبل الازمة رغم تآكل قيمة متوسط الرواتب. وقد يكون من المبالغة القول ان من يحتل طبقة الواحد في المئة من الاكثر ثراء يستفيد في الحقيقة من استمرار الركود، لكن هؤلاء لا يشعرون بالتأكيد بألم شديد، وربما لهذا صلة بإرادة صناع السياسات الحفاظ على مسار التقشف.

5

كيف أمكن لذلك ان يحدث؟ هذا هو السؤال الذي طرحه أشخاص كثيرون منذ أربع سنوات؛ وما زال يُطرح اليوم. لكن ”ذلك“ [الازمة] تغير.

قبل أربع سنوات، كان الغموض يتناول كيف أمكن لهذه الازمة المالية الرهيبة ان تقع، مع هذا القدر الضئيل من التحذيرات المسبقة. وتشمل الدروس القاسية التي يتعين علينا تعلمها هشاشة التمويل الحديث، وحماقة الثقة بقدرة المصارف على اصلاح نفسها، وأخطار افتراض ان الترتيبات المالية الحاذقة قد قضت على مشكلات المجازفات القديمة أو حتى قلصتها.

قد اتفق مع ذلك - حتى لو بدا الأمر اسداء خدمة لنفسي (لقد حذرت من فقاعة الاسكان، لكن لم يخطر في بالي مدى اتساع الانهيار الذي سيلي انفجارها) - على ان الفشل في توقع الازمة كان خطيئة صغيرة نسبيا. فالاقتصادات كيانات معقدة ودائمة التغير؛ وكان مفهوما ان عددا محدودا من الاقتصاديين لاحظ كيف تسبب الاتساع في الاقراض القصير الامد وتحويل الاصول الى اوراق مالية، على غرار الأوراق الفرعية لقروض الاسكان، في اعادة خلق الأخطار القديمة التي وُجدت ودائع التأمين والتنظيمات المصرفية من اجل السيطرة عليها.

سأجادل في ان ما جرى بعد ذلك - الطريقة التي أدار بها صناع السياسات ظهورهم لكل شيء تعلمه الاقتصاديون عمليا حول كيفية التعامل مع حالات الركود، والاسلوب الذي صادرت فيه نخبة أصحاب الرأي كل ما يمكن استخدامه من أجل تبرير التقشف - هو خطيئة أكبر كثيرا. لقد شكلت الازمة المالية في 2008 مفاجأة، وحلت بسرعة عالية؛ لكننا علقنا في نظام من النمو البطيء والبطالة المرتفعة ارتفاعا محبطا مستمرا منذ أعوام. وطوال هذا الوقت، ظل صناع السياسات على تجاهلهم لدروس النظرية الاقتصادية والتاريخ.

هي قصة رهيبة، لأنها في الاساس تسببت في معاناة هائلة بنتيجة تلك الاخطاء في السياسة. كما انها تدعو الى القلق العميق لمن يودون الاعتقاد ان المعرفة تمكّنهم من صنع تغيير ايجابي في العالم. والحدود التي استخدم فيها صناع السياسات ونخبة أصحاب الرأي التحليل الاقتصادي، في حال استخدامه، تشبه الكيفية التي يستخدم فيها المخمور عمود الانارة، أي للاتكاء عليه وليس للاستنارة. لقد جرى الاحتفاء بالاقتصاديين واوراقهم البحثية الذين قالوا للنخبة ما ارادت سماعه، رغم كثرة البراهين على أخطائها؛ وجرى تجاهل النقد، بغض النظر عن انهم كانوا على صواب في الغالب.

وأحيت كارثة رينهارت - روغوف بعض الآمال بين النقاد في ان المنطق والبرهان بدآ في نهاية المطاف يكتسبان أهمية. لكن الحقيقة هي انه من المبكر جدا القول ما اذا كانت قبضة التقشف الاقتصادي على السياسة ستتراخى تراخياً ملموسا ام لا من جراء هذه الكشوفات. حتى الآن، الرسالة الأكبر المستخلصة من الاعوام القليلة الماضية، تظل عن ضآلة الفائدة التي يجلبها الفهم.

[1] عن ”ذي نيويورك ريفيو اوف بوكس“، 6/6/2013 c. 2013 The New York Review of Books/Distributed by The New York Times Syndicate

[2] The Alchemist: Three Central Bankers and a World on Fire Neil Irwin

[3] Mark Blyth, Austerity: The History of a Dangerous Idea

[4] Olivier Blanchard and Daniel Leigh, ”Growth Forecast Errors and Fiscal Multipliers,“ IMP Working Paper, January 2013.

[5] David Stockman, The Great Deformation




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬