رستم محمود

(إلى الحورو كبرائيل كورية... نُبلك يفيض علينا، ولو من أقبية الظلام).

على رغم اختلاف سرديات سكانها، المتخيلة والمروية والمكتوبة على حد سواء، عن دروب ومسارات تكوّن مدينة القامشلي في بدايات العقد الثالث من القرن الماضي، فإنها تُجمع على أن الباعث التكويني لتحول التلة ”السورية“ المقابلة لمدينة نصيبين التركية إلى مدينة في ما بعد، هو تمركز الحامية الفرنسية فيها وقتئذ. فجل الخرائط والاتفاقيات التي أبرمت بين الإمبراطورية العثمانية والحلفاء إبان الحرب العالمية الأولى، لا سيما معاهدة مودروس، ولاحقاً بين الدولة التركية الحديثة والسلطات العسكرية الفرنسية المستعمرة لسوريا، وبالذات منها معاهدة سيفر واتفاقية لوزان، كانت تعتبر مدينة نصيبين التاريخية جزءا من الكيان التركي التقليدي، لا الكيان السوري الحديث التكوين.

لقد تأسست مدينة القاملشي في ظلال تلك الحامية الفرنسية المقابلة لمدينة نصيبين، حيث أنشأ الجنود الفرنسيون قاعدة عسكرية لهم بدأ بناؤها في وتم تخطيطها يوم (أغسطس) 1926 على يد الملازم الأول تيرييه، ثم نمت على مدى قرن لتغدو المدينة الأكبر في عموم الإقليم الشمالي الشرقي لسوريا، والمدينة الأكبر حجما في عموم البلاد بعد مدنها الأربع الداخلية والتاريخية، دمشق وحلب وحمص وحماة. أما الفريد والمثير في العالم العميق لهذه المدينة، فهو استبطانها طيفا اجتماعيا ملوّنا، كرديا عربيا سريانيا أرمنيا آشوريا، إسلاميا مسيحيا يهوديا يزيديا، وكذلك شرخاً جيوسياسياً وإيديولوجياً قلقاً للغاية، في المثلث الحدودي السوري التركي العراقي.

لقد مثلت هذه المدينة تعبيرا ومؤشرا على التحولات العميقة في البنية المجتمعية والسياق السياسي لعموم المنطقة المشرقية المحيطة بها.

لكن قبل الولوج في سرد تفكيك المراحل والموجات الأربع، المتراكمة والمتراكبة، التي كونت مجتمعة البنية والبيئة المجتمعية لهذه المدينة، نفتح قوسا كبيرا لتسجيل ملاحظتين بارزتين:

• بالرغم من بقاء الشمال السوري منطقة ملتهبة للتصارع الرمزي بين القوميات الشتى، الكردية والعربية والسريانية والأرمنية والسورية، والتركية بشكل غير مباشر، فإن أيا من أدبيات هذه التيارات القومية لم يتعرض لسيرة تكوّن مدن الشمال السوري الحديثة التأسيس. والتفسير الأقرب للدقة لاستيعاب ذلك التغاضي، يكمن في التناقض الجوهري بين السيرة الموضوعية، في التأسيس والمسار والتحول، لهذه المدن، وبين طبيعة وطبائع الذهن القومي. فسيرة المدن تكشف وجود مجتمعات متخالفة وملونة ومضادة للصفاء، توالي مصالحها وتتكيف مع مسيرة التطور الطبيعي، مجتمعات غير متمركزة على أي شكل من التفكير أو الوعي أو السلوك، ولا تستبطن أية رسائل للتاريخ والمستقبل، مجتمعات خاضعة لظروف الاقتصاد والتعليم والتنمية وشكل الدولة، تتواتر وتتغير صورتها عن ذاتها وعن هويتها ونزعاتها الجمعية، بين فينة وأخرى. كل تلك التفاصيل تتعارض جوهرا مع مرامي الصفاء والتماهي التي تبتغيها الذهنية القومية، لأنه صفاء وتماهٍ يكونان عتبتها الأولى نحو أشكالها المتخيلة من الهندسة المجتمعية.

• لم تتخل مجتمعات مدن الشمال السوري، بالرغم من حداثة تكوينها، وتشابه ظروف وأنماط حياة الطبقات الاجتماعية التي انتقلت إليها، عن نزعتها المحافظة في استحواذ واستملاك ”الرأسمال الرمزي“ للمدينة. فقد كان ثمة تصارع دائم على عائدية المدن بين كل جماعاتها الأهلية، طال هويتها واستملاكها الرمزي، ولم تنزع أية مخيلة جمعية للاعتراف بالعائدية المجتمعية الجماعية الملونة والمركّبة لها، وهو تعبير واضح عن عمق النزعة العصبوية في مخيالات تلك الجماعات.

يهود البدايات

ما لا يعترف به عموم الذاكرة الجمعية حول تأسيس المدينة، ولا ينكره في الوقت ذاته، هو أن يهود مدينة نصيبين، كانوا أول جماعة أهلية عبرت الحدود الرمزية وقتئذ، وقد نزحوا جنوبا ليسكنوا على مقربة من موقع تمركز الحامية الفرنسية.

الدليلان اللذان لا يمكن دحضهما حول كون يهود مدينة نصيبين أول من سكن ذلك السهب الممتد، هما: أولاً، شواهد مقابر المدينة. فالمقبرة اليهودية التي تقع على كتف نهر الجقجق في حي ”قدور بك“ تكشف عن تواريخ وفيات تلي السنوات الأولى لتمركز الحامية الفرنسية، بعضها يعود إلى نهاية العشرينات، وهي تواريخ لا تسبقها أية شواهد مماثلة أخرى في المقابر الإسلامية والمسيحية. وثانياً، تموضع الأحياء اليهودية في المدينة. فهي كانت تشغل معظم وسطها، في المنطقة المحيطة بـ ”شارع الحمّام“ و”سوق عذرا“، وهي دلالة على أن باقي الجماعات الأهلية تمركزت فيما بعد، حول الأماكن الأولى التي شغلتها العائلات اليهودية المبكرة.

التفسير الأقرب إلى المنطق لفهم أسباب نزوح يهود مدينة نصيبين جنوبا، يكمن في طبيعة المهن التي كانت منتشرة في أوساطهم في ذلك الوقت: تجار صوف وسمن وحبوب وسلع يومية، وكذلك صاغة وحرفيون بسطاء. وقد كانت شبكة علاقة ”زبائنهم“ وثيقة الصلة بالسهب ”البدوي“ جنوب مدينة نصيبين، وحين رُسمت الحدود جنوب تلك المدينة بالضبط، تم قطع ذلك الشريان الإقتصادي، ما دفعهم إلى النزوح جنوبا للحفاظ على ذلك الترابط الاقتصادي. وما يجب الإشارة إليه في هذا الإطار، أنه كان ثمة ما يشبه تقاسما متفقا عليه لـ”مناطق النفوذ الاقتصادي“ بين البيئات اليهودية هناك. فمثلاً، بينما كانت بيئة السهب الجنوبي لمدينة نصيبين، ”الجزيرة السورية“، من حصة يهود نصيبين، فإن البيئة الاقتصادية لجبال ”طور عابدين“ الشمالية الشرقية كانت مرتبطة بـ”يهود مدينة مدياد“، والبيئة الاقتصادية للجبال الشمالية والغربية، ”جبال الأومرية“، مرتبطة اقتصاديا بيهود مدينة ماردين. لذا كان من الصعوبة بمكان أن يعيد يهود مدينة نصيبين ترتيب شبكة نشاطهم الاقتصادية التي قطعت مع رسم الحدود جنوب مدينة نصيبين.

التفسير الآخر، يكمن في تحولات المجتمع السياسي لمنطقة جنوب شرق تركيا وقتئذ، بُعيد حرب الاستقلال وقمع الانتفاضات الكردية. فالمجازر الدموية التي طالت قرى السريان المسيحيين في جبال طوروس القريبة، ”مجازر السيفو“، قبيل ذلك بقرابة عقد، كانت قد تراكبت مع فاشية اجتماعية كردية تجاه جيرانهم المسيحيين، وهي كانت محافظة ومسيّرة من قبل أجهزة الدولة العثمانية. لكن تلك النزعة المناهضة للآخر، المسيحي واليهودي، لم تنطفئ جذوتها مع عهد الكمالية الأول. فالمسيرة الكمالية في عهدي حرب الاستقلال وقمع الانتفاضات القومية الكردية (1920 - 1926)، كانت بحاجة دائمة للتمفصل مع البيئة الكردية المحافظة، أي زعماء العشائر ورجال الدين. فتلك البيئة كانت تمدها بعديد المقاتلين في حروب الاستقلال الطويلة، وكذلك كانت مضادا نوعيا لطموحات القوميين الأكراد، وسدا أمام تمدد نفوذهم في البيئة الكردية. وكان للتماهي الذي حدث بين الدولة المركزية والمحافظين الأكراد في ذلك العقد، أن شكل حساسية غير مريحة ليهود المدن الذين كانوا اجتماعيا واقتصاديا ينتمون إلى الطبقة الأعلى في ذلك المحيط، حيث شكل الحضور العسكري الفرنسي القريب، مظلة الحماية لهم.

• لقرابة ثُلثي قرن (1921- 1995)، كان الحضور اليهودي في المدينة ينقسم إلى حيزين منفصمين تماماً:

• اندماج وتفاعل ”حياتي“ تام مع كل العوالم الاجتماعية للمدينة: فحي اليهود وسط المدينة لم تكن تنطبق عليه أي من السمات ”التقليدية“ للغيتو اليهودي التاريخي، كما أن الطبقة التجارية اليهودية الوسيطة كانت الأوسع انتشارا واستحواذا على سوق المدينة المركزي، فيما كانت طبقة الحرفيين اليهود، من صاغة وحلاقين وخياطين... الخ، التي صعدت مع جيل الاستقرار الثالث في المدينة، محل الثقة العميقة لكل محيط المدينة الاجتماعي. كذلك كان تعامل المؤسسات الرسمية، التربوية والبيروقراطية، مع يهود المدينة، يتطابق مع تعاملها وباقي السكان.

• ولكاتب هذه السطور تجربة حياتية مديدة في حي اليهود، حيث كان يتساوى مستوى القبول أو النبذ مع ما هو قائم في سائر حيّزات المدينة، فيما شكّل القليل من الأخيلة الاجتماعية حولهم كجماعة، جزءاً من عموم الأخيلة-الأوهام المتبادلة بين معظم الجماعات المتزاحمة، الحديثة التجاور. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن صعود المناهضة ”الفاشية“ الاجتماعية السورية لـ”يهود البلاد“ بعيد حرب حزيران (يوينو) 1967، لم يلق ما يوازيه في مدينة القامشلي، لأن النزعتين، الدينية الإسلامية والقومية العربية، كانتا ضعيفتين للغاية في عوالم ”الأقليات“ التي كانت تمتلئ بها القامشلي.

• وكان التفاعل الرسمي الحقيقي، الأمني المخابراتي، مع الجماعة اليهودية بالغ الحساسية والحذر، فكان ثمة مستوى عال من خصوصية التعامل السلبي. فرغم التكاذب الرسمي المتبادل بين الطرفين، حيث كانت النخبة الأعيانية الدينية والاقتصادية ليهود المدينة تجهد لإظهار كل أشكال المحاباة لرأس النظام الحاكم، فإن المؤسسة الرسمية كانت تعتبر نفسها ”الحامي الحنون“ لهذه الطائفة ”الأقلوية“. لكن الحياة العامة اليومية لليهود كانت سجينة التعاطي الأمني -الاستخباراتي، فكل التعاملات التجارية التي تخص الشوؤن العقارية اليهودية، كانت تمر عبر دائرة بيروقراطية أمنية تسمى ”دائرة شؤون أملاك اليهود“، حيث لم يكن يُسمح بشراء أو بيع اليهود أية بقعة عقارية بدون موافقة تلك الدائرة التي تتبع فرع المخابرات العسكرية في المدينة. كما أن جل نشاطهم التجاري كانت تسجله تقارير اسبوعية أو شهرية، وكان واجبا على الكثيرين منهم أن يكتبوها بأنفسهم. وكان الأمر الأكثر خصوصية في التعامل الأمني مع اليهود يتم عبر ما يسمى ”الموافقة الأمنية“، وهي التي كان يجب الاستحصال عليها للكثير من الشؤون ”الجمعية“ لدى مجمل السكان، كإقامة الأعراس أو افتتاح الأفران أو السفر إلى خارج البلاد. إلا أن اليهودي كان مجبرا على الاستحصال على تلك الموافقة لممارسة الكثير من الشؤون الخاصة أيضا، كحضور السينما مثلا، أو مغادرة المدينة.

كان لحالة يهود مدينة القامشلي أن تكشف الثالوث الفظيع الذي حكم العلاقات السورية والشرق أوسطية مع ”المسألة الإسرائيلية-الفلسطينية“. فمن جهة ثمة تفاوت هائل بين الظاهر الرسمي وبين المستبطن الفعلي لتعامل الأنظمة العربية مع هذه المسألة. الأمر الآخر يتعلق بطبيعة عضوية الجماعة اليهودية في مجتمعات المنطقة، حيث لم تكن تملك من الخصوصية المجتمعية ما يفوق امتلاك غيرها من الجماعات الأهلية لتلك الخصوصيات، وكذلك كان مستوى تفاعل وقبول الجماعات الأخرى لها، وفي السياق نفسه كان حال الأخيلة المتخيَّلة عنهم . وقد كانت هذه الاعتبارات مجتمعة ملامسات مجتمعية كاشفة لحجم الأكاذيب والأساطير التي خلقت حولهم فيما بعد، حيث تم الخلط بين السياسي والمجتمعي والثقافي بتقصد واضح، كالمزج الواعي بين الصهيونية والجماعة اليهودية...

في صيف 1995 صدر قرار رئاسي سوري، سُمح بموجبه ليهود البلاد، للمرة الأولى!، بمغادرة البلاد. وخلال أقل من شهرين، كانت المدينة قد خلت منهم تماما باستثناء عائلة واحدة، هي عائلة المختار ابو ألبير.

وكان كاتب هذه السطور شاهدا على لحظات مغادرة اليهود أحياءهم وجيرانهم وأصدقاءهم. فالدموع كانت تُغرق عيونهم، وقبضات أيديهم تشد على أيادي الأصدقاء الذين تسلموا منهم مفاتيح بيوتهم ومحلاتهم، حيث سُمح لهم بإيداعها وإيجارها للأصدقاء، وكان محظرا عليهم أن يبيعوها بأي شكل من الأشكال.

سريان وأرمن

بسنوات قليلة حوّلت الحامية الفرنسية طبيعة وجودها العسكري المحض نحو أشكال متعددة وحديثة من النشاطات والخدمات. فقد تم تخطيط المدينة بشكل رسمي، وأُحدثت مؤسسات الأمن والضبط العام الأولى، فيما الحامية الفرنسية تقدم الخدمات الطبية والتربوية والبيروقراطية، كما أن محطة القطار الرئيسية التي كانت تربط المنطقة بمدينتي الموصل وحلب، كانت متمركزة في البلدة وقتها.

وطوال عقدي الثلاثينات والأربعينات من القرن المنصرم، كانت ثمة ثلاث طبقات اجتماعية محيطة بالمدينة مستعدة لملء الفراغ البشري في تلك البقعة التي كانت تشهد تنمية بالغة الحيوية. وقد شكل النازحون السريان أكبر كتلة بشرية في تلك المجموعات التي استقرت هناك. فعشرات الآلاف من سريان جبال باكوك والتلال المحيطة بمدينة ماردين، كانوا قد نزحوا نحو القرى السريانية في السهب الممتد جنوب الخط الفاصل بين البلدين، بُعيد حملات القمع التي طالتهم قبيل ذلك بسنوات. وقتها، لم تكن العائدات الاقتصادية لتلك القرى قادرة على تلبية متطلبات النازحين الجدد، فعمدوا الى الاستقرار في الأحياء المحيطة بمركز المدينة: الوسطى، الآشورية، الأربوية، الغربية.

شكل الأرمن الجماعة الأهلية الأخرى التي سكنت المدينة بكثافة في تلك العقود. وكان للاستقرار الأرمني بُعد سوسيو-سياسي: فالأرمن كانوا قد ”تشردوا“ بكثافة في البراري والحواضر السورية الداخلية، عقب فرمانات الترحيل التي طالت مئات الآلاف من أرمن المناطق الشرقية من الأمبراطورية، وهو ما بدأ في 1915. هؤلاء ”المشردون“ في الكثير من البلدات الداخلية السورية، كانوا يميلون بشكل لاواع للاستقرار على تخوم مناطقهم الأصلية التي نزحوا منها، حيث كان يملؤهم ”وهم“ وأمل العودة الى قصباتهم السابقة. وقد سكن أرمن المدينة في أحياء متداخلة مع الأحياء اليهودية، في الخط الجنوبي من البلدة وقتها.

في تلك العقود الأولى، كانت ثمة طبقة أعيانية كردية، من بشوات وبكوات وزعماء عشائر، قد نزحت الى المدينة من مناطق جنوب شرق تركيا، بُعيد فشل ثورة الشيخ سعيد بيران في 1925، ثم بُعيد محاكمة الاستقلال التركية الشهيرة عام 1937، والتي طالبت باعتقال عشرة آلاف زعيم مناطقي كردي. لم تكن تلك الطبقة قادرة على الاستقرار في المحيط الريفي الكردي حول المدينة، تبعا لطبيعة الخدمات والمستوى الاجتماعي الذي كانت تشغله من قبل، وهي بالأصل كانت قادمة من بيئات مدينية وشبه مدينية. كانت عائلات قدور بك وعارف بك وزازا وغيرها نماذج عن تلك العائلات التي استقرت في المحيطين الشرقي والغربي من المدينة.

وقد ظهر فرقان جوهريان في طبيعة الجماعتين السريانية والأرمنية في العقود الأولى لاستقرارهما. فبينما كان الأرمن الأكثر استحواذا على الخبرات والمهارات الفنية الحياتية، صاغة وخياطين وميكانيكيين وفنيي بناء... الخ، لأنهم كانوا بالأساس نازحين من المناطق ”العثمانية“ الأكثر تمدنا، من أقليم أرمينيا الغربية ومناطق البحر الأسود، كان السريان، في فترات نزوحهم الأولى، ذوي بنية أشبه بالبنية الاجتماعية للقرويين الأكراد المحيطين بالمدينة، لأنهم بالأساس كانوا من القرى الجبلية المحيطة بها والتي ضمت خليطا منهم ومن الأكراد. لكن الفارق الأهم في هذا المقام، كان علاقة الاغتراب التي تضرب الأرمن مقارنة بالسريان الذين كانوا جزءاً من التكوين الاجتماعي التقليدي. فالأخيرون كانوا يجيدون التخاطب والتعاطي مع الجماعات الأخيرة المجاورة لهم.

وذلك إنما كان دافعا لانهماك الجماعتين الأرمنية والسريانية في مجالين متمايزين. فبينما انخرط الأرمن في تكوين الورش والوحدات الصناعية الصغيرة ”البدائية“، خصوصا منها تلك المتعلقة بالصناعات الزراعية، حيث شهدت السهوب العذراء المحيطة بالمدينة نهضة زراعية نوعية، انخرط السريان في مجالين متمايزين عن ذلك تماما، فعملت طبقة معتبرة منهم في المؤسسات التعليمية، وكان للمؤسسة الكنسية السريانية الأرثوزكسية، العميقة الجذور والتقليدية، دور بالغ في ذلك. وقد غدت تلك الطبقة السريانية، في ما بعد، جزءاً تكوينيا من هيكلية مؤسسات الدولة التي نمت في الفترة ما بعد الاستعمارية. أما الشق الآخر من سريان المدينة، فشكلوا شبكة الخدمات اليومية للمدينة الناشئة، وهم أصحاب الأفران والمطاعم والقصابون وعمال البناء... الخ.

لكن التفارق في شكلي النشاط الاقتصادي لم يمنع أرمن وسريان المدينة من تأسيس الممارسات والمؤسسات المدنية الأولى بالتعاضد، وهي استندت على الدور الاجتماعي لكنيستي الجماعتين. فقد نشأت نوادٍ رياضية وفرق كشفية وموسيقية وجمعيات خيرية... إلخ، وإن بقيت على الدوام محصورة الفعل داخل الجماعة نفسها فحسب.

وعلى قاعدة التكوين الاقتصادي الأولية تلك، رُسمت ملامح حضور الجماعتين الأهليتين في متن المدينة في ما بعد. فقد شكل الأرمن ”جماعة قومية“ واجتماعية شبه مغلقة، لتمايزهم اللغوي ولعمق شعورهم القومي، المستمد بجزء قوي منه من مظلومية الذاكرة الجمعية ومن كيان الدولة الأرمنية الذي كان يمدهم بشحنات من النزعة القومية، وهو ما لم يكن دافعاً للعزلة عن مجمل المجال العام للمدينة فحسب، بل أيضاً للعزلة في عموم البلاد. فقد كان الحضور الأرمني في معظم النزعات الإيديولوجية والسياسية و”الثقافية“ التي لفت مدينة بالغة التنوع كالقامشلي، شحيحا للغاية.

وعلى العكس تماما، فسريان المدينة انخرطوا بحيوية في كل مستويات النشاط العام، بدءاً من تشكيلهم لتنظيمهم الحزبي السياسي القومي الأول ”المنظمة الآثورية الديمقراطية“ عام 1957، مرورا بانخراط حيوي نسبي في الحركات السياسية الايديولوجية، الشيوعية والقومية السورية والقومية العربية، وليس إنتهاء بمشاركتهم بكثافة في المؤسسات البيروقراطية التي أدارت عموم المركّب الاقتصادي الاجتماعي في ما بعد.

ومع بداية التسعينات، طرأ شكلان من النكوص على حضور مسيحيّي المدينة في متنها العام. فقد حل تراجع في حجمهم الديموغرافي النسبي، جراء ثنائية نزيف الهجرة التي طالت فئة الشباب منهم، وتقلص نموهم السكاني النسبي مقارنة بالجماعات الأهلية الأخرى في المدينة، أي الأكراد والعرب. وتمثّل الشكل الآخر لنكوص الدور المسيحيّ في ”انسحابهم“ من الكثير من أحياء المدينة الطرفية نحو حيّ واحد، صافٍ وشبه مغلق اجتماعيا وثقافيا، هو حيّ الوسطى.

وثمة نقطتان جعلتا مسيحيّي القامشلي يمثلون نموذجا مصغرا لحالة مسيحيّي المنطقة:

• أن الأنظمة الشمولية كنظامي البعث في سوريا والعراق لم تهضم إلا شكلين من وعيهم وسلوكهم الجمعيين: فإما أن يكونوا خارج عوالم وتحولات قواعدهم المجتمعية، ويكون ولاؤهم وانشغالهم في ما فوق ”أوطانهم“ التي يعيشون فيها، وهو ما حصل مع الجماعة الأرمنية في القامشلي، الشيء الذي قد يدفع تلك الأنظمة الى منحهم شكلا مغلقا من ”الحرية“ المجتمعية الداخلية، أو أن تقبل هذه الأنظمة بالحضور المسيحي ”الميكانيكي“، أي بوصفهم بيروقراطيين وماليين وموظفين في مؤسساتها، دون وعي وحضور وخيارات جمعية، أي أن تذيب شخصيتهم الجمعية الحرة، وتستبدلها بشخصية بديلة مزيفة ومحابية لهذه الأنظمة وكذبها الظاهر، فتسود أشكال من الذمية المقنّعة، على ما كان حال العلاقة بين جهاز الدولة وسريان المؤسسات الرسمية في المدينة، أي السريان البعثيين.

أما الشكل الذي كان يجمع بين وعي حقيقي بالهوية والميول الجمعية، وبين تفاعل حقيقي مع المجتمع المحيط بهم وقضاياه، على ما كانت خيارات المنظمة الآثورية الديمقراطية، فهذا ما طاله من التهميش والتشكيك والقمع والإلغاء ما طال غيره من تنظيمات ”الديمقراطية الشعبية“ في البلاد.

• وأيضاً نتج نكوص المسيحيّين في المنطقة، دوراً وحضوراً، عن مركّب سياسي-اجتماعي يطال البنية السكانية لمجتمعاتنا: تقلص حيوية المدن وخياراتها وسكانها مقابل فيضان المحيط الريفي عليها، وتعمق النزعات الراديكالية التي لفحت القاعدة الأوسع من المجتمع. وهكذا بتنا إما أمام نزعات قومية لا تخفي أبعادا دينية في أمكنة خبيئة من وعيها، أو أمام نزعات دينية مستبطنة لأبعاد قومية. وقد جمع مسيحيو المنطقة بين مناهضة هذين التحولين الثقافيين.

الفيضان الكردي

باستثناء حالات متفرّقة وأولية تتصل بطبقة الأعيان الكردية في الفترة التأسيسية للمدينة، فإن الوفادة الكثيفة للأكراد من جميع أطراف الريف المحيط بالمدينة نحو المركز، هو ما يمكن التأريخ له بمرحلتين مركّبتين:

• موجة الستينات والسبعينات، وهي طالت مجموعتين كرديتين مختلفتين تماماً: أبناء طبقة ملاكي الأراضي الريفية الذين كانوا ينزعون لكسب المزيد من الرأسمال الاجتماعي عبر اكتساب المزيد من التعليم الذي لم يكن متوفرا في الريف، وهؤلاء استقروا في الأحياء المركزية في المدينة وتحولوا إلى متن الطبقة الكردية ”العليا“ فيها، كما أنهم عبّروا فعليا عن الهوية السكانية السيميائية-الكردية للقامشلي في ما بعد. والمجموعة الأخرى وكانت من الذين حُرموا مكاسب عملية الإصلاح الزراعي منذ بداية الستينات، لأنه تم سحب الجنسية منهم في ذلك الوقت (1962)، فحُرموا تالياً من جميع أشكال التملك. هؤلاء استقروا في شبه ”قرى“ كانت محيطة بالمدينة وقتها (الهلالية، العنترية، قناة السويس... الخ)، ثم أصبحت جزءا من الأحياء الطرفية في ما بعد. ولم تمتلك الأجيال المتعاقبة من أبناء هذه المجموعة أية ميول للانخراط في الأدوار الاجتماعية، بسبب الحرمانات تلك بما فيها الحرمان من تقديمات المؤسسات التعليمية والاقتصادية والرعائية. هكذا تحولوا إلى الطبقة الأشد بؤساً في المدينة ليشكلوا، مع أكراد آخرين مثلهم، قاعدة شعبية للحركة القومية الكردية، خصوصا تشكيلاتها اليسارية.

• موجة التسعينات وما يليها، وهي التي شهدت الموجة الأوسع وثبتت الملامح الديموغرافية والثقافية - الهوياتية الكردية للمدينة. وقد نتج هذا عن تراكب عوامل ثلاثة:

فأولاً، حين لم تتجاوز حملات الإصلاح الزراعي عملية توزيع الأراضي، ولم يعد في وسع عائدات زراعة الأراضي مجاراة تحولات الزيادة السكانية في الريف الشمالي لسوريا، نزحت موجات كبيرة منهم نحو المدن، وتحولت لاحقا وقودا مبتسرا لاقتصاد الخدمات ووجعاً يضاف إلى أوجاع الطبقة السورية المسحوقة اقتصاديا.

وثانياً، كان هناك النمو الاجتماعي الذي اصاب الشريحة الأوسع من الريف الكردي آنذاك. فقد نشأ وعي قومي كردي يجد في التعليم حاجة ماسّة، مع بنية دولتية شبه مركزية ترعى المؤسسة التعليمية بشكل مقبول. هذان العاملان اللذان بدآ يفعلان فعلهما مع بداية الستينات، ظهرت نتائجهما العملية مع بداية التسعينات، والتي اقتصرت على الأكراد فلم يتأثّر بها عرب الجزيرة السورية بالمستوى نفسه. هكذا بقيت البنية التقليدية من عشائر وطرق دينية فعالة للغاية في أوساطهم، فيما استطاعت السلطة السياسية السيطرة على البيئة الريفية العربية إيدلوجياً وببعثنة المجتمع، بسهولة أكبر من قدرتها على اختراق البيئة الكردية. وعلى العموم دفعت هذه التنمية المجتمعية الكثيرين من الأكراد إلى النزوح نحو المدن ذات الخدمات الأوسع.

لكن العامل الأكثر فاعيلة لفراغ الريف الكردي، وهجرة مئات الآلاف إلى المدينة، فتمثل في السياسات الزراعية للدولة مع بداية التسعينات، حيث احتكرت كل عمليات شراء المنتجات الزراعية، وثبّتت الأسعار لعقود وعقود، بالرغم من موجات التضخم المتعاقبة التي أصابت جميع المنتجات والخدمات المقدمة الى الريف، كما رفعت بالتدريج الدعم عن المحروقات، وتُوّج الأمر بشبكة الفساد الفظيعة التي طالت تقديم رخص الآبار المائية العميقة، والتي أفرغت، في غضون عقد واحد، الحوض المائي الباطني للجزيرة السورية.

وبمقارنة سريعة مع الريف الكردي العامر في الجانب التركي من الحدود، يمكن إدراك الدور الفظيع الذي مارسته السياسات الحكومية السورية غير المنضبطة وغير الحساسة لحاجات الطبقات المسحوقة من المجتمع، وكيف أمكنها أن تدمر البيئة السكانية للريف، وتدفع بملايين المفتقدين لأي شكل من المهارات أو التحصيل العلمي، نحو عشوائيات المدن الداخلية، ليشكلوا طبقة البؤساء السوريين.

مع بداية التسعينات، كان الأكراد يشكلون الكتلة السكانية التي تزيد بحجمها عن مجموع باقي الجماعات الأهلية في المدينة، وباتوا يسيطرون على أكثر من نصف السوق التجارية المركزية العامرة في وسطها، كما بات يظهر لهم حضور كثيف في المؤسسة التعليمية والبيروقراطية للمدينة، موازٍ ومزاحم للحضور السرياني التقليدي. ومع الانفتاح الذي عرفته العلاقات السورية التركية، تعمق ذلك الحضور الكردي، عبر قدوم أقارب الأكراد السوريين من أكراد المناطق المجاورة في تركيا، بحيث عجّت المدينة بهم وبمنتجاتهم مع مطالع الألفية الجديدة. لكن ذلك كله لا يعني أن الأكراد استطاعوا الحصول على أي شيء من السلطة الفعلية. فقد بقي الجهاز الأمني الذي كان واسع الانتشار في المدينة، في يد الجماعة الأهلية الأقرب إلى التركيبة الطائفية لرأس النظام. كما أن السلطة الرمزية بقيت بعيدة بسبب قوميتها العربية وتعبيرها عنه عبر المؤسسات ”الحديدية“ للدولة، كما عبر البعثيين العرب هناك.

لقد ظل الأكراد خارج سرب السلطتين الفعلية والرمزية للقامشلي، فيما مالت نخبتهم السياسية القومية إلى خطاب ينسب المدينة الى هوية كردية.

وينطوي تاريخ الوجود الكردي في مدينة القامشلي، حيث شكلوا أغلبيتها السكانية منذ عدة عقود، على دلالتين واضحتين في ما خصّ ”عقل الدولة”و“روح الجماعات“ في منطقتنا.

فالدولة يمكنها أن تمارس كافة اشكال السلوك وأنماط الهندسة المجتمعية والتحويلات الديموغرافية ورسم الخطط الاقتصادية وآليات الاستنساب، أما المعيار الوحيد لحركتها فيكمن في ضمان بقاء سيطرتها وهيمنتها على المجتمع بمعزل عن رغبته ومصالحه. الدولة كل شيء والمجتمع لا شيء.

أمّا في ما خصّ”روح المجتمعات“، فيُلاحظ في حالة الأكراد أنهم كلما عانوا زاد ميلهم للاستحواذ حين يكونون قادرين، وهو ما حمله، في مكان مستتر، خطاب ووعي قوميان مسيطران على تيار عريض من سكان المدينة. فالقامشلي، بحسب ذاك الوعي القومي الكردي، مدينة كردية محضة، وهي، لدى أوساطهم الأكثر قلقاً وجذرية، مدينة كردية محتلة من قبل غير الأكراد.

عرب البؤس

تماشياً مع خطاب منافق عن المشاركة عصف بالجماعات الأهلية في سوريا مع بداية عهد البعث، فإن ما يشبه التراضي حكم العلاقة الاستقرارين المتوازيين الكردي والعربي في الجزيرة السورية. فكما اُعتبرت القامشلي مدينة للاستقرار الكردي، استقرّت الفئات الريفية العربية في سهوب الجزيرة في مدينة الحسكة، التي تبعد مسافة 90 كلم جنوب القامشلي. لكن عرب الريف الأقرب إلى الأخيرة، لم يسعهم إلا النزوح إليها، وهم كانوا آخر الجماعات التي فعلت واستقرت فيها.

وشكل عرب المدينة الأغلبية والهوية السكانية لجنوبها فحسب، أي حارة طي، التي كانت أكثر أحيائها بؤسا على الإطلاق، فليس فيها حدائق عامة أو مدارس ثانوية أو طرق معبدة أو مستوصفات حكومية، فلم يعرف ذاك الحي أياً من منجزات العصر الحديث، وتُرك البؤس يلفّه من كل أطرافه، ولا يزال.

واليوم لا يُعرف إلى اين ستمضي حكاية المدينة، لكن المحزن أنني كنت واحداً من أفراد آخر الأجيال التي شهدت ذاك التنوع الاجتماعي. اليوم حلّت القطيعة بين الجماعات وأصبحت المدينة قسمين. الاطفال الكرد لم يعودوا يعرفون إلا أن القامشلي مدينة كردية خالصة، بفضل ”نضال“ الاحزاب الكردية، كما حفظ الأطفال العرب ”الرسالة الخالدة“ للأمة العربية عن ظهر قلب. كذلك لم يتبرع احد لأطفال الارمن أو يقف في ذكرى شهدائهم، بعدما اصبحت لهم مدارسهم الخاصة وحيهم الخاص وسط المدينة. ولئن هاجر اليهود، فإنّ أحداً لا يبكي في جنازات السريان، وهم أيضاً لا يبكون في جنازة أحد.

 




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬