فؤاد محمد فؤاد

حي ميسلون في حلب وحي أقيول متجاوران تقريباً، لكن أحمد قال إن عليه أن يقطع مسافة 450 كلم ذهاباً وإياباً ليصل إلى دارة أمه التي تقع في أقيول على مسافة 400 متر فقط من منزله، لحضور جنازتها. يقع منزل أحمد في ما بات يعرف بحلب الغربية، ويتطلب الوصول إليه من منزل العائلة في أٌقيول أن يسلك الطريق العسكري الذي تسيطر عليه قوات النظام السوري. أي أن على أحمد أن يعبر من حيّه في ميسلون، قرب المدينة القديمة، أقصى الغرب من حلب، ليستقل حافلة تأخذه في التفاف حول نصف الدائرة جنوبي المدينة للوصول إلى مدينة السفيرة في الجنوب الشرقي من حلب على مسافة 30 كم، ومن ثم الولوج جنوباً نحو بلدة خناصر وبعدها أثريا التي تقع على تخوم البادية، فالسلمية فمدينة حماه، قبل بدء رحلة العودة البوليسية عبر الطريق الدولي العائد من حلب للوصول إلى بلدة الزربة التي تقع على مسافة 40 كلم جنوب غربي حلب حيث تبدأ سيطرة كتائب المعارضة المسلحة. ثم تضطر بعدها الحافلة إلى أن تقوم بالتفافة أخرى نصف دائرية، ولكن هذه المرة من الغرب مروراً بالشمال فعودة إلى شرقي المدينة والدخول إليها عبر أحيائها الفقيرة للعبور إلى المدينة القديمة حيث الحي الذي يضم أم أحمد، المرأة التي مضى على موتها اكثر من 24 ساعة قبل أن يصل إليها ابنها ليلقي عليها النظرة الأخيرة الجافة الدموع ويواريها التراب على عجل. فرائحة الجثة قد بدأت تعبق في المكان الغارق في العتمة حيث لا تأتي الكهرباء إلا ساعات قليلة كل عدة ايام.

لكن ثمة معبرا آخر يصل بين حلب الشرقية وحلب الغربية، وهو يحمل أسماء عدة أوّلها اسمه الجغرافي الذي يشير إلى مكانه: ”معبر بستان القصر“ وذلك لوقوعه في حيّ بستان القصر، الذي ضم سابقاً، في ما أصبح يعرف بفترة ما قبل الثورة أو ما قبل الأزمة أو ما قبل الحرب، سكان الطبقة الوسطى الدنيا، معلمين وحرفيين صغارا ، أصحاب دكاكين وورشات عمل صغيرة، خريجي جامعات شبان متزوجين حديثاً وموظفين منسيين في دوائر حكومية. حي ”بستان القصر“ المحدث كان صورة عن بؤس بقايا الطبقة الوسطى المنهارة في المدن الكبيرة.

على أي حال سرعان ما انطوى هذا الاسم الجميل للمعبر ليحمل الإسم الآخر الملتبس: معبر ”كراج الحجز“ والذي يشير إلى الوظيفة المنوطة بأحد معالم الحي حيث تتواجد مساحة واسعة من الأرض تخصّ البلدية وقسم شرطة المرور يتم فيها احتجاز السيارات المخالفة بانتظار قدوم اصحابها لتسوية أوضاعها، وغالباً ما تنتهي المفاوضات عبر رشوة معتبرة (هي طبعا أقل من قيمة المخالفة الحقيقية وقيمة الزمن الذي تتعطل فيه سيارة ”السائق العمومي“ عن الخدمة) بإطلاق سراح المحتجزة وعودتها إلى حياة السيارات الطبيعية.

بمرور الزمن - زمن الثورة، والأزمة، والفوضى، وعمقاً في الحرب وقوانينها، وتبادل استعراض القوة، وزمن المحادثات الإقليمية، والدولية، والسلاح الكيماوي، وصواريخ السكود، والبراميل المتفجرة، والقناصة...، بدأ المعبر يأخذ أسماءه الجديدة من تراكم الجثث اليومي في الأمتار المئة الفاصلة بين حي المشارقة من جهة، حيث تتمركز قوات النظام، وبستان القصر من جهة ثانية حيث تقع حواجز مسلحي المعارضة، ليصير اسمه الأشهر ”معبر الموت“؛ الموت الذي يأتي محمولاً على رصاصات قناصة تابعين للنظام يتمركزون على سطح المبنى الشاهق المسمّى ”القصر البلدي“ (وكان مجمّعاً يضم بلدية حلب ودوائرها ومقر الحكومة المحلية ومستقر المحافظ)، أو على سطح مبنى الإذاعة المحلية الرابض على مسافة أقل من كيلومتر من موقع المعبر. لكن اسماً جديداً طرأ بعد أن اعتاد الناس الموت وبعد أن أصبح الجوع أشد فتكاً من تمدد أجساد مضرجة بالدم على اسفلت مثقوب بالطلقات والقذائف: ”معبر رفح“، تيمّناً وتشبّهاً بالمعبر الذي حمل الاسم الأصلي والفاصل بين السلطة الفلسطينية وشبه جزيرة سيناء المصرية، وذلك في إشارة إلى الواقع المزري للقاطنين عند طرفي المكان.

أمير، 23 سنة، الناشط في بداية الثورة، والذي كان يعمل في محل للموبايلات، ترك مسكن أهله الذين اعترضوا على مشاركته في التظاهرات وتعريض نفسه للخطر، فانتقل إلى شرق المدينة الذي سيطرت عليه الكتائب المقاتلة، وسرعان ما وجد نفسه يصارع من أجل التواصل مع اهله عبر الانترنت احياناً - قدر ما تسمح به الكهرباء - ، واحياناً أخرى نادرة عبر الهاتف الأرضي، وأحيانا أخرى أكثر ندرة عبر شبكة الاتصالات الخلوية التي عانت من أعطال متعمدة كانت الغاية منها جعل الحياة أصعب: ”مسافة الكيلومتر التي تفصلني عن منزل أهلي لا يمكن عبورها“: ليس هذا مجازاً، هذا حرفياً ما يحدث عند إغلاق المعبر.

عند فتح المعبر - الخاضع لعوامل وأمزجة كثيرة - يعبر حوالى 100 ألف شخص يومياً في الاتجاهين. ”لقد اعتاد الناس القذائف والقنص، واخترعوا طرقهم الخاصة للمناورة على هذه المسألة (...) بإمكانك أن تعتاد كل شيء، حتى الموت، فما إن يسمع الناس أن المعبر قد فتح حتى يسارعوا للعبور، شيء مضحك. يغامرون وكأنهم يتذوقون طعاماً يعرفونه، لكنهم يأملون أن يجدوا له مذاقاً آخر“، يقول أمير ويضيف ”إعتاد الناس ايضاً انقطاع الاتصالات والماء والكهرباء. الغريب انهم يتدبرون أمورهم من دونها. دائماً يتدبرون أمورهم“.

يقدّر عدد القتلى من مجتازي المعبر، على يد القناصة وبرصاصهم، بحوالى خمسة وعشرين شخصاً في اليوم. وهنا ”يمكنك من الحالات الأولى القادمة إلى المشفى القريب من المعبر، من جهة المعارضة، أن تتوقع الحالات اللاحقة“ يقول الجراح البريطاني دايفيد نوت الذي تطوع للعمل في مشفى الزرزور في حي السكري القريب من بستان القصر: ”أمضي كل عام شهرا تقريباً متطوعاً في احدى مناطق النزاع في العالم، واكاد أقول إنني صرت افهم مزاج القناصة. إنه نموذج متكرّر في كل مكان. يحدث ذلك عندما تطول الحرب وتصبح عبثية - لا غالب ولا مغلوب، فقط مراقبة ثم ضجر ثم قنص“. ثم يتابع الطبيب الانكليزي: ”يحدث ان تأتي إصابات في الصدر الأيمن، وهذه تتكرر على مدى اليوم، لكنها تصبح دليلا على أن إصابتها ستكون في الجهة اليسرى من الصدر في اليوم الثاني (...) أصعب الحالات حين تكون الاصابة الأولى لإمرأة حامل، عندها ادرك أن اليوم سيكون سيئاً بما يكفي. يختار القناص المرأة البارزة الحمل في اشهرها الأخيرة، فهي التي يستطيع تمييزها من المسافة البعيدة (...) في إحدى المرات استهدف القناص إمرأة تجرّ طفلين كلا منهما بيد. قتل الأول ولم تكد تلتفت حتى أصابت رصاصة أخرى الطفل الثاني. وقفت المرأة تولول وتصرخ: اقتلني انا أيضاً، اقتلني أنا أيضاً. لكنه لم يفعل“.

”إنها لعبة لتمضية الوقت والإثارة وغالباً ما يكون الرهان على علبة سجائر (...) كنت في سراييفو وفي مناطق نزاعات كثيرة في العالم ورأيت الكثير من إصابات القناصة، لكن ما يحدث في سوريا هو الأسوأ. فهي المكان الوحيد الذي يُستهدف فيه الطاقم الطبي ليمنع من تقديم خدماته للمصابين“.

وثمة فيديو يظهر الجراح البريطاني ومجموعة من الأطباء المحليين يقومون بعملية قيصرية لإمرأة مصابة بطلق ناري في البطن. فوّهة الإصابة واضحة، والرحم المصاب واضح أيضاً. ”لكن ما إن اخرج الجراح الجنين مكتمل النمو تقريباً من الرحم حتى بدا ميتاً. سأستخدم هذا الفيديو لأغراض تعليمية (...) من غير المعتاد حدوث حالات كهذه... لكنها الحرب وأنا ارغب في ان يتعلم الآخرون كيف يمكن التعامل مع هذه الإصابات“. يكمل الطبيب بانفعال قليل: ”على أي حال، لقد عاشت الأم“.

الدكتور ز.س الحمصي/ الأميركي المتطوع ايضاً لأسبوعين في احد مشافي حلب الميدانية تسلّم قائمة الطلبات واللوازم من الطبيب الحلبي الذي يدير المشفى:

• خيطان جراحية دقيقة للأوعية الدموية ويفضَّل قياس 5 /صفر.

• علبة جراحة وعائية.

• مضادات حيوية واسعة الطيف.

• مبعدات عريضة.

• و...أكفان.

”هناك نقص شديد في الأكفان. يموت الناس يومياً بأعداد كبيرة ولا توجد لدينا أكفان كفاية. احياناً نضطر لدفن القتيل بشرشف سرير المشفى... هذا ليس لائقاً أبداً“. لم يكن هناك أي دراما أو انفعال في صوت الطبيب. كان هادئاً وبارداً وحيادياً كمشرحة.

تختلف دينامية العبور بحسب التطورات العامة للحرب احياناً، ولكن في أحايين أخرى كثيرة تكون محكومة بالجهة المسيطرة على المعبر، حيث يُعمد إلى عرقلتها لفرض ضرائب جديدة على عبور البضائع، أو للضغط على سكان مناطق النظام. قد يتوقف العبور تماماً أو قد يكون سلساً رغم القنص أو محفوفاً بمخاطر كبيرة خاصة عندما تأتي الأوامر فجأة بايقاف العبور دون أن يتلقّى الناس العلم بذلك.

”كنا نعبر في إحدى المرات لشراء الخضار... إنها رخيصة مقارنة بالقسم الذي يسيطر عليه النظام. وقفنا متجمعين في آخر نقطة مستورة عن القناص، ثم كان علينا أن نندفع راكضين مسافة مئة متر تقريباً. سمعنا صوت القنص لكننا طبعاً تابعنا الركض بأقصى سرعة. أصيبت إمرأة متقدمة في السن. ما إن وصلنا إلى النقطة الآمنة على الطرف الآخر والتفتنا، حتى رأيناها ممددة على الأرض وحولها بقعة دم صغيرة. أدرك أحد الرجال الواصلين أن من سقطت هي زوجته، صرخ بها ثم بدأ يزحف عائداً إليها. كان الهدوء شديداً ونحن نراقب المشهد. ثمة من بدأ يزحف خلفه ليعينه على الجر. في المتر الأخير قبل ان يصل إليها انطلقت رصاصة أخرى أصابت رأسه مباشرة... لم يتحرك بعدها“. ”قد يكلفك صحن السلطة حياتك في حلب“، لم يجد صديقي ما يختم به حكايته إلا هذه العبارة.

لكن البشر يستمرون في العبور ما دام المعبر مفتوحا.

من يعبر من الطرف الواقع تحت سيطرة النظام إلى الطرف حيث سيطرة المعارضة غالباً ما يأتي من أجل الطعام. الخضار والفواكه والوقود متوافرة نسبياً وبأسعار أرخص بكثير من مناطق سيطرة النظام. في الاتجاه المعاكس يعبر موظفون وموظفات، معلمون ومعلمات، طلبة جامعيون، ومغامرون من اجل لقمة العيش، حاملين بضائع من طرف المدينة الشرقي إلى طرفها الغربي من أجل حفنة ليرات يربحونها من فارق الأسعار.

سارة، التي يعيش اهلها في مناطق المعارضة، تعبر كل يوم إلى الجامعة. ”هناك قنص يومي لكن - الحمد لله- أسوأ الأيام هو يوم الجمعة حيث لا يوجد دوام في الجامعة (...) لا أعرف لماذا يوم الجمعة؟ ربما لأن الإزدحام فيه شديد ويجد القناص كل ما يرغب فيه“، تكمل ساخرة. أما أبو ياسين المسؤول العسكري لمنطقة بستان القصر من قبل المحكمة الشرعية فيقول: ”هناك 72 قناصاً يستهدفوننا، ولكن معظم الاصابات بين المدنيين“.

تسيطر على معبر بستان القصر الهيئة الشرعية، وهي مزيج من أعضاء تابعين لجبهة النصرة وللواء التوحيد ولأحرار الشام، وهي من لها القرار في إدارة المعبر وفتحه او إغلاقه.

على عرض الشارع في طرف المعبر الشرقي ثمة لافتة قماشية بطول 6 امتار تنصّ على منع ”خروج المواد التموينية والأدوية والمحروقات والزيوت ومستلزمات الأطفال والحليب ومشتقاته واللحوم والخبز... منعاً باتاً“، وتحمل توقيع ”اللجنة التنفيذية للمعبر“. وتبرر الهيئة قرارها بمنع تسريب البضائع من الطرف (المحرر) المتوافر بأسعار ارخص إلى طرف النظام، كون المنع يشكل عنصر ضغط على ”الموالين“ بحرمانهم من الاستفادة من توفر المواد الأساسية. لكن على الطرف الآخر يشتكي سكان المناطق الشرقية بأن بضائعهم تتكدس دون ان تجد لها مصرفاً، وبالتالي يحرمون من دخل هم بأمس الحاجة إليه. وغالباً ما تشكل المنتجات الزراعية كالخضار والفواكه التي ترد من الريف المجاور لمدينة حلب والمسيطر عليه من كتائب المعارضة المسلحة، المادة الرئيسية التي تنقل إلى قسم المدينة الغربي.

إضافة لنقلهم البضائع والمحروقات فإن البشر كقوة عمل يعتبرون مادة أساسية للانتقال. فالمدينة الصناعية تقع في المنطقة ”المحررة“ بينما تقع الدوائر الحكومية وبقايا مؤسسات الدولة في مناطق النظام. كذلك هو حال الجامعة والمدارس التي لا تزال تدار بالنظام الرسمي والتي تضم أعدادا كبيرة من المعلمين والمعلمات المعتبرين رسمياً موظفين لدى الدولة ويتلقون رواتب واجورا لقاء ذلك، وهم بالتالي مضطرون في حال وجود سكنهم في المناطق المحررة إلى ان يعبروا المقلب الآخر لممارسة عملهم الذين سيحرمون من اجره في حال توقفهم عن الذهاب. طلاب الجامعة التي ما زالت محاضراتها قائمة هم ايضاً من عناصر هذا العبور السيزيفي اليومي من المناطق المحرّرة (كما تسمي الكتائب المعارضة المسلحة مناطقها) إلى المناطق المُطهّرة (كما يسمي النظام المناطق التي يستعيدها أو يسيطر عليها).

هناك تشابه ما في آلية العبور بين الطرفين. من يأتي من الطرف الذي يسيطر عليه النظام إلى طرف المعارضة عليه أن يقطع حواجز أمنية وعسكرية مستهدفة من الجيش الحر بالقذائف. لكن الاعتقال قد يكون مصدراً آخر للرعب إذا ما التبس اسم العابر واسم شخص آخر وارد في القوائم الطويلة التي يحملها عناصر الحاجز، او أن بطاقته الشخصية تحمل مكان ولادة أو قيد نفوس غير مرغوب فيه، كأن يكون من أبناء الريف الحلبي (وهم كثر)، أو أن يصادف كونه من مواليد درعا أو دير الزور (ماذا تفعل بحلب؟)، أو أن تكون البطاقة ذاتها بالية بسبب القدم أو سوء الاستعمال (ماذا يعني هذا؟)... كل هذا محكوم بمزاج عنصر الحاجز او وضعه النفسي، أو قد يرجع إلى حصول انفجارات قريبة ترفع من التوتر العصبي وتجعل من جميع العابرين مشتبهاً بهم.

عند الوصول إلى معبر بستان القصر لا بد من السؤال عن وضع القنص قبل الانضمام إلى الكتلة البشرية المتراصة المستعدّة للاندفاع بسرعة عبر شارع الموت ”بغية ارباك القناص، فهو لن يستطيع ان يركز على شخص بعينه، وربما يفقد شهيته للقنص، أو يصبح احتمال ان تموت منخفضا نسبة لكونك واحدا من مئات العابرين، وهو بالتأكيد احتمال أقل من أن تموت عابراً لوحدك“، يقول زهير الذي يصرّ على شراء الخضار من سوق بستان القصر الذي هو ”أرخص وأجود“ كما يقول، مرفقا ذلك بابتسامة مرتبكة.

لكن الوضع لن يقف عند هذا الحد إن كنت قد قررت التجول في المنطقة المحررة. فقد تكون ضحية إحدى القذائف الكثيفة التي يطلقها النظام يومياً أو أحد البراميل المتفجرة من آن لآخر. لكن الطامة الكبرى هي إن كان حظك عاثراً للدرجة التي يتصادف ذلك مع ارسال قوات الدفاع الجوي صواريخها السكود البعيدة المدى من وسط سوريا أو جنوبها لتسقط على الأحياء السكنية خالطةً بلوكات الأبنية الهشة بلحم سكانها، ماسحة عن وجه الأرض مناطق وبشرا وأحلاما.

”بستان القصر“ (اسم يوحي بالرفاهية والدعة) هو ما يلي المعبر مباشرة، حيث يسد الحاجز الأول كامل الطريق ما خلا فتحتين تسمحان بعبور من نجا من رصاص القنص مشياً، ثم يأتي حاجز آخر مؤلف من حافلتي نقل عام موضوعة إحداهما فوق الأخرى، مثقوبتين بآلاف مؤلفة من الطلقات ومكدستين بأكياس رملية للتمترس (مفردات الحرب المتكررة). بعدهما ينفتح فجأة عالم سحري من أصوات الباعة وجلبة المشترين وزعيق سائقي سيارات الأجرة الخبراء بالطرقات المستحدثة، القادرين على نقلك من النقطة هذه حيث كراجات النقل العام التي انتقلت مسافة 30 كم إلى خارج المدينة، ومنها إلى بعض المدن المتاح الوصول إليها. باعة متنوّعون: خضار وفواكه، قداحات ودخان، وقود وحلويات، ألبسة مستعملة على البسطات بل حتى ما اختفى من ذاكرة السوري من زمن بعيد: بوابير الكاز ومصابيح الكيروسين.

ما ميز ”بستان القصر“ منذ بداية الثورة هو نشاطه السلمي المدني، وهو استمر على هذه الحال حتى بعد العسكرة والتسليح وحتى بعد دخول الكتائب المسلحة المنطقة ومحاصرتها النشطاء الذين حاولوا في البداية الاستمرار بالتظاهر، ولكنْ هذه المرة ضد أسلمة الثورة (النصروية). لكن ”العلمانيين“ باتوا ”كفرة“ كما يتهمهم ”تنظيم الدولة“ أي ”الدولة الاسلامية في العراق والشام“ - داعش- كما اصطلح على تسميتها. وتعتبر الدولة الإسلامية منطقة بستان القصر ”علمانية“ رغم عدم وجود أي شيء يدل على ذلك، سوى أن الأنشطة المدنية فيها كثيرة ويتجمّع فيها الناشطون الذين تطغى أفكار التجديد والثورة على كلامهم. وهي لهذا موعودة بـ ”الفتح“ - كما تسمي داعش سيطرتها على منطقة ما، و”الدولة“ لا تخفي نيتها ولا رغبتها في العمل على ذلك. وهي لهذا الأمر ترسل دوريات بين الحين والآخر لفرض وجودها - وهي رسالة ليست فقط موجهة إلى السكان وإنما ايضاً إلى الهيئة الشرعية.

يقول نشطاء من ”بستان القصر“ إن الهيئة الشرعية التي تدير جميع الأراضي المحررة، لا تستطيع الوقوف في وجه ”الدولة“، وهي لذلك تسترضيها بتطبيق قراراتها على أمور جزئية كثيرة هي على الأغلب في غير صالح السكان المحليين أو من نزح إليهم من الريف او من طرف المدينة الغربي. من ذلك، قيام الهيئة مؤخراً بجباية مبالغ مالية من أصحاب البسطات بحجة تنظيم الشارع. والجباية هنا تُحصّل من أصحاب البسطات والمحلات على حد سواء وإن بتسعيرة مختلفة، وهذا ما تسبّب مرّة في اندلاع إشتباك بين بعض الباعة ودورية من الهيئة أدى إلى مقتل طفلة أحد عناصر الدورية.

فُتح المعبر وأغلق عشرات المرات لأسباب مختلفة كان آخرها التهريب الذي كان (ولا يزال) يجري بين المنطقتين، حيث يقوم المهربون بتمرير المواد الغذائية والمحروقات التي منعتها الهيئة الشرعية من المرور لجهة سيطرة النظام، خاصة في الفترة التي انقطعت فيها السُبل بمناطق النظام وتمثّلت بحصار اقتصادي رفع أسعار كلّ شيء خاصة المواد الغذائية أضعافا مضاعفة. لكن ”التهريب“ ليس الأصل: الأصل في الجباية المفروضة على مرور البضائع أن يحصّل مقاتلو فصائل الهيئة دخولهم - أو بالأحرى- بعض دخولهم التي تأتي بقيّتها من مصادر باتت متنوعة، من بينها إعادة تشغيل بعض المعامل المتوقفة بعد أن بيع مخزونها من المواد المصنعة سابقاً قبل الحرب، وبعد أن ارتأت الهيئة أنه بدلاً من بيع المواد الأولية المتبقية فإن من الأفضل تشغيل هذه المعامل بما تبقى من الفنيين المتواجدين في المدينة، ومن ثم بيع المنتوج لصالح الهيئة.

يقول الدكتور ”هـ“ صاحب احد المعامل الدوائية الكبيرة في ريف حلب: ”مع اشتداد القتال أوقفتُ الانتاج لكن كان لدي من المخزون المصنع ما قيمته ثلاثة ملايين ونصف المليون من الدولارات، ومن المواد الأولية حوالى سبعة ملايين دولار. بعد أن استولى المقاتلون على المعمل وتمركزوا فيه، قاموا ببيع المنتوج المخزّن لصالحهم. ثم مع اشتداد الضغط الاقتصادي وتقطّع التمويل وإصابة بعض الآلات بأضرار نتيجة المواجهات مع النظام - الذي قصف المعمل في إحدى المرات جواً- اتصلت بي بعض قيادات الهيئة وطالبتني بالتعاون لإصلاح خط الانتاج وارسال الفنيين - الذين كانوا لا يزالون يتلقون اجورهم مني - لتشغيل المعمل. الاتفاق كان أن أصلح الآلات على حسابي ويصنّعوا هم المواد الأولية المخزّنة ويبيعوها لصالحهم، مقابل أن يحرسوا المعمل ويحموه من السرقات أو التخريب... لم تكن خياراتي كثيرة“.

محاولات عديدة قامت بها مجموعات مدنية او المجلس المحلي في المنطقة ”المحررة“ من حلب بغية تحسين الخدمات العامة. من ذلك جمع النفايات وترحليها من قبل موظفين سابقين لدى النظام، وبشاحنات خاصة، إلى أحد مقالع الرخام القريبة حيث يستعمل حالياً كمقلب للقمامة، ورشّ الشوارع بالمبيدات الحشرية بعد أن اشيع احتمال عودة ظهور الملاريا. كذلك تدخلت ”البلدية المؤقتة“ هذه على مستوى البنية التحتية بتشكيل فريق تقني لشبكات المياه والكهرباء، حيث فاوضت البلدية ”الرسمية“ على الصيانة للشبكة المشتركة بين الطرفين. لكن الاستيلاء على المحطة الحرارية لتوليد الكهرباء من قبل ”تنظيم الدولة الاسلامية“ أدى إلى تفاقم كبير في مشكلة الكهرباء. كان الوضع قبل تلك السيطرة متمثلاً باتفاق بين النظام والجيش الحر عبر وسيط (مبادرة أهالي حلب) يقضي بأن يؤمن الحرُّ الوقود، في حين يشرف النظام على تشغيل المحطة، الأمر الذي نُسف بعد سيطرة الدولة على الأخيرة. ”صرنا نرى الكهرباء ساعة في اليوم، ساعتين في يوم السعد“، يقول غالب أحد سكان حي الفردوس في شرقي حلب. ”والماء نخزّنه“ والمضخات تعمل على الكهرباء ”أي بموافقة الدولة“: ”نهرب من دولة النظام لنقع في أيدي دولة داعش... من تحت الدلف لتحت المزراب، مو هيك كان المثل؟ أم الأفضل: كالمستجير من الرمضاء بالنار؟ ولو انني لا اعرف ما هي الرمضاء“ يقول غالب متهكماً.

عندما يغلق المعبر فهذا يعني أن على الجميع ان يبقوا حيث هم. من جاء من مناطق النظام عليه ان يتدبر امر مبيته في شرق المدينة والعكس بالعكس. السيدة ”س“. القاطنة في منطقة حي السبيل بقسم المدينة الغربي كانت تشتري الخضار عندما صدر قرار إغلاق المعبر: ”اضطررت للنوم لأكثر من اسبوع في بستان القصر، في بيوت أناس لم أعرفهم قبل قدومي إلى هنا، لكنّهم أكرموني وأمّنوا لي مستلزمات المنامة بسبب قرار إغلاق المعبر، وكنت أحاول شراء بعض الخضار واللحوم من بستان القصر (...) الطبخة اليومية أصبحت تعتمد على المعكرونة والبرغل وبعض الخضار المتوفرة بشكل قليل وغالي الثمن“.

في فترة ما من الصيف الفائت قام بعض النشطاء والشباب في منطقة شرق المعبر بمبادرة أطلق عليها اسم ”مبادرة تنظيم كراج الحجز“. هدفت المبادرة إلى حل مشاكل المعبر وتسيير أمور المدنيين هناك، وذلك عبر تشكيل كادر جميع عناصره من المدنيين والناشطين من المنطقة. مهمة فريق العمل الذي انقسم مجموعتين كانت مراقبة المواد الخارجة وكميتها، والعمل على ترسيم المواد التجارية وتحصيل ضريبة بقيمة 2% على خروجها، على أن يعود الريع لعوائل الشهداء في ”بستان القصر“. قلة الخبرة ووجود السلاح والرغبة في الإستئثار بالعوائد المالية أضعفت المبادرة تدريجياً وسرعان ما قضت عليها.

لم يتغير الوضع على الأرض في حلب منذ نهاية صيف 2012 تقريباً. المناطق التي استولت عليها كتائب المعارضة المسلحة وتلك التي ما زالت في أيدي قوات النظام لم تتغير كثيراً وربما لم تتغيّر أبدا. صحيح أنه ما زالت هناك هجمات بالطيران أو المدفعية من قبل القوات الحكومية التي مسحت احياء بكاملها، وصحيح بالمقابل سقوط قذائف الهاون على بعض احياء من مناطق سيطرة النظام (وإن اقل بكثير لدرجة عدم القدرة على المقارنة)، إلا أن المحصلة النهائية على الأرض ان الحدود تكاد تكون واضحة بل مستقرة.

والأنكى أن القناصة المطلون على المعبر لم يملوا بعد. يوم واحد فقط مرّ إثر إعادة فتح المعبر في أواخر تشرين الثاني 2013 دونما قنص، لكن سرعان ما استؤنف القنص في اليوم التالي بشهية مفتوحة.

ماذا يعني هذا؟ هل هناك عدم قدرة على الحسم العسكري؟ ولكن كيف خرج اكثر من 60 % من المدينة من أيدي النظام خلال أقل من اسبوعين ليستمر الوضع على حاله مذّاك؟ أم هل ادرك المعارضون المسلحون أن لقمة حلب أكبر من تُبلع أو يتم السيطرة عليها فاكتفوا بما انجزوا، والباقي عبارة عن ”توجيه ضربات غير منقطعة لمواقع النظام“ بتعبير تجمّع ألوية ”فاستقمْ كما أمرتْ“ رداً على الهجمات بالبراميل المتفجرة على المدينة أواخر 2013؟

ليس من وضوح بعد للوضع الذي ستكون عليه حلب، ولا على أيّ شكل ستكون في القريب العاجل أو في أقله القريب المنظور. وليس واردا بعد، في حديث المفاوضات أو التقاسمات أو ترتيبات المنطقة، التفكير في موقع حلب من كل هذا، أو في واقع حلب بعد كل هذا. لم يكن في تاريخ المدينة القريب أو الموغل في القدم شيء من هذا ليقاس عليه. لم تفد ذاكرة الكبار ولا بطون الكتب في استخلاص إجابات شافية عن معنى العبور الدموي هذا بين موضعين، وبالطبع لم تفد ايضاً في معرفة الجواب عن مصير المدينة. لم تنقسم حلب قبلاً. ”قومة“ حلب في 1850 استمرت اسبوعين فقط، وسرعان ما تبين فيها من هو المحرّض ومن هو المنفذ.

***

حلب الشهباء الآن سوداء وساكنة. ليس من نقرة عود، لا قدٌ يميس، لا كأس ساقٍ... لاندامى... ولاغناء.

لم تكن حلب يوماً على هذا القدر من الحزن.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬