حازم صاغيّة

HazemSaghieh

بين الأبراج وكلّ من الدين والميثولوجيا علاقة حبّ معقود على كراهية. فليس سخاءً في الترميز أن توصف الأبراج بأنّها صواريخ أطلقها البشر مبكراً في اشتباكهم المديد مع الله. والوصف هذا لا يمتّ إلى مبالغات علم النفس الشعبيّ في استقائه الدلالات البعيدة من تشابه سهل بين الصور.

والحال أنّ البشر الأوائل لم يجدوا لإعلاء ذواتهم وإطالة أجسامهم خيراً من الأبراج، فيما تلك الذوات والأجسام كانت مطالَبة دوماً بأن تصغر وتتصاغر وتنام على ضيم أزليّ. فالبرج الوسيلة التي تنطح السحاب فتصير ناطحة سحاب، كما يراودها اختراق السماء والانغراز، عموداً أو قضيباً، فيها. والنطح، كما هو معروف جيّداً، فعل عدوان يتأتّى عن قرن الثور،
آلة عدوانه.

ذاك أن التراتُب الفاصل بين الأعلى السمويّ والأدنى الأرضيّ مُحكَم ونهائيّ لا يتّسع لحِراك يُعلي الأدنى أو يُدني الأعلى أو يخلط هذا بذاك. وقد سبق لإله التوحيد أن طلب من عابده المسيحيّ أن يسأله: «علّمني حقوقك»، بدل حقوقي. وهو الأمر الذي وجّهه الآمر إلى «عبيد الله» مراراً في كتب أخرى وبلغات شتّى.

أمّا ما يقدم عليه البرج فيرقى إلى ثورة تخلّ بنظام التراتُب ذاك وتحيل الكون منصّة لاستعراض الفوضى. فـ»أبونا» هو المقيم حصراً «في السموات» على ما يقول المسيحيّون حين يخاطبونه، وهو «العليّ» في الإسلام جُعل وصفه هذا إسماً من أسمائه الحسنى. ولئن طالبنا القرآن بالتسبيح «باسم ربّك الأعلى»، وهو دائماً «رفيق أعلى»، أكّدت صلاة النصارى على أنّ المجد له «في العلى»، أمّا في ما خصّ الطبقات السفلى، بعد أن تُقرّ بالتراتُب وتذعن إلى سكونه، فـ «على الأرض السلام وفي الناس المحبّة».

والمسألة لا تقتصر على مكان إقامةٍ مُنبتّ الصلة بسائر الأمكنة، بل تطاول الوظائف والدلالات كذلك. فما دام «ساكن العالي»، كما سمّته أغنية رحبانيّة تحاكي الصلاة، ليس إلاّ الله، بات الصعود حركةً في المعنى تناظر الحركة التي في الجغرافيا. و»عيد الصعود» المسيحيّ بعد القيامة، أو صعود جسد العذراء مريم إلى السماء، تعبيران من تعابير الفصل الذي لا يُموَّه بين مَن هم فوق ومَن هم تحت. فالحركة هذه تبدو شبيهةً بما يجري في الحروب، حيث يستردّ كلّ من الطرفين المتنازعين جثث قتلاه، فلا يتركها بين يدي عدوّه. أمّا في أزمنة السلم، ففيها شيء من عمليّات لمّ الشمل الأسريّ، أو من إقامة العائلات مقابرها في مكان بعينه فلا تختلط بمقابر عائلات سواها.

ولطالما تكرّرت محاولات الاستحواذ الانسانيّ على هذا المعنى الذي انتصر له الدين، ولطالما كان البرج مركزيّاً في محاولات التجرّؤ تلك. ذاك أن الذين تجرّأوا هم الذين أرادوا بناء أبراج فكريّة أو أبراج فعليّة، وبعضهم لم يُخف التأثّر بالفرز الحاسم بين الأعلى والأدنى. ففي زمن لاحق تحدّث ماركسيّون عن «خطّ لولبيّ للتاريخ» يقيم في مساره التصاعديّ تقدّمٌ أكبر واقتراب أكثر من التاريخ الفعليّ. وقبلهم استعار الخيميائيّون شكل البرج فأعطوه للفرن الذي استخدموه وعُرف بـ»أثانور»، كيما يظهروا أن أعمال التحويل تتّخذ منحى التصاعد: من القصدير إلى الذهب، ومن وسخ الجسد إلى طهارة الروح. هكذا سُمّي «أثانور» هذا «فرن البرج».

وفي ارتكاز البرج على مركز، أو في استوائه مركزاً، ينتزع لنفسه صفة الأصل والمصدر، لا العلوّ فحسب. فكيف متى كان المركز «عالميّاً» على ما سُمّي البرج النيويوركيّ المغدور الذي دمّره شبّان عيّنوا أنفسهم جنوداً لله، ولم يكتموا مرّةً عداءهم لما اعتبروه عتوّاً وجبروتاً أميركيّين؟. والرعد والبرق «الإلهيّان» يدمنان ضرب العتوّ الذي لا يتجسّد كما يجسّده البرج.

ما لا يمزح الله فيه

فمَن يزعم أنّ له تلك الصفات يصل في اعتدائه على وظائف الله إلى حدّ تحويل الطبيعة والتحكّم في مصادر اشتغالها. وهو معنى لم يغب عن شاعر لبنانيّ نسب إلى الجبل الذي ينتمي إليه مركزيّة في الكون تجعله «يلد النور ويعطيه الأنام». كذلك عاش المعنى المذكور ضامراً، ولا يزال، عند الذين اعتبروا الأبراج أفلاكاً، وعند من ربطوا بها قراءة الحظوظ، وعند من أوكلوا إليها الاستطلاع والمراقبة فقالوا «برج استطلاع» و»برج مراقبة»، فضلاً عن تكليفها كشف حركة السفن أو الرصد الاستباقيّ لتحرّكات الأعداء.

وهذا كلّه ممّا لا يمزح الله فيه، هو العليم بكلّ شيء والقدير على كلّ شيء. ومن يراهن على تسويات وحلول سلميّة بين الخالق وعبيده، وهم «من التراب» و»إلى التراب يعودون»، عليه بالميثولوجيا التي توثّق استحالة التسويات. فتلك التي ظهرت في ما بين النهرين جعلت جلقامش، نصف الإله ونصف الإنسان، محكوماً بسقف منخفض، كما تقول لغة الصحافة الحديثة. فقد مُنع من الخلود، الذي هو تعدّي الشرط الأرضيّ، إذ الموت مصير الكائن الحيّ بينما الخلود لله وحده.

وغالباً ما ظهر الملوك والعمالقة المتطاولون على عمل أبيهم وعلى وظائفه الحصريّة. وقد كان لطموحهم الفائض هذا أن جرّ عليهم غضباً ونقمة من سويّة دمويّة. ولا يزال الإجراء العقابيّ الأشدّ تعبيراً عن حظر الصعود إلى الأعلى، ذاك القصاص الذي أُنزل بالملك سيزيف (سيسيفوس)، خادع إله الموت ثانتوس ومكبّله. هكذا جازاه زيوس بأن جعله يرفع صخرة ضخمة إلى الجبل، فلا يوشك على إيصالها حتّى تتدحرج هبوطاً، وهكذا دواليك على امتداد الأبديّة.

وزيوس، كبير الآلهة وحاكم الروح اليونانيّ، الذي سمّاه هوميروس السيّد ووالد الآلهة والرجال، كما لو أنّه يبحث له عن أسماء حسنى، هو من رأى فيه ميرشيا إلياد «النمط البدئيّ لأب العائلة البطريركيّ». وهو، في الحالات جميعاً، كان ذا صلاحيّات مطلقة، ومصدراً لكلّ طاقة نبويّة: كلّ جيّد يأتي منه وكلّ سيّء أيضاً، وهو مسلّح بالعواصف والرعد، منتج للصواعق، يجمع بين كفّيه الغيوم.

وهذا جميعاً يقول إنّ من يبني برجاً سوف ينهدّ على رأسه البرج. أمّا البرهان الذي لا يخطىء فيدلّنا إليه برج بابل الذي اكتسب رمزيّة كونيّة في عبورها الثقافات والأمم. فقد كان يحدو المتمرّدين الأوائل استردادُ الصفات التي رأى فيلسوف ألمانيّ أن البشر مَن أسبغها على الله بعدما انتزعوها من أنفسهم، مودعين أفضل ما فيهم فيه.

فتبعاً لسفر التكوين، شرع نسل نوح، بعد الطوفان، يبني ذاك البرج بغية أن يجمعه مكان واحد من الأرض فلا يتبدّد. وكان قصد البُناة شرعيّاً وعادلاً، أملاه عليهم السعي إلى تجنّب الكارثة بأن يجعلوا العالم كلّه مملكة واحدة في وجه الطبيعة، ثم قالوا: فلنبنِ لأنفسنا مدينة وبرجاً يكون أوجُهُ في السماء، ولنجعل لأنفسنا إسماً. وحيازة الاسم حيازة معنى، ومن ثمّ هو شرط شارط لأيّ استقلال وأيّ وجود.

فالبرج ذاك لم يُبن، إذاً، لعبادة الله، بل لمجد الإنسان و»اسمه». ذاك أنّ هؤلاء إن لم يُسمَّوا شُتّتوا في الخارج هائمين على وجوههم إلى أن يتلقّفهم العدم. بيد أنّ يهوه الإله الذي أغضبته نيّات البنّائين، ومن ورائهم الملك الباني نمرود، نزل بنفسه إلى الأرض غاضباً، فخلط لغاتهم وفرّق الشعب وبدّده في بقاع الأرض جميعاً.

وقد بات البرج المذكور، سيّد الأبراج المشاكسة، لا يرمز إلاّ إلى الاختلاط والتشوّش. بل الاسم نفسه، بابل، مشتقّ من جذر «بلل» العبريّ الذي يعني اللبس. فلئن سعى البشر العصاة وراء الوضوح الذي يجلوه الاسم، عوقبوا بالبلبلة، ولئن حاولوا تجنيب أنفسهم التشتّت، عوقبوا بالتشتيت. وهذا، عموماً، مصير الغرور الإنسانيّ إذ يحاول، عبر البرج، التلصّص على الله أو إزاحته عن عرشه. فهو لا يمكّن من يعتصمون به ولا ينجّيهم من غضب الربّ، إذ «يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيّدة» على ما هدّد القرآن.

وليس بلا دلالة ذاك التعاقب الذي اعتمده «العهد القديم». ذاك أنّ البرج يحتلّ مكانه في نهاية الفصول التي ترسم بدايات الجنس البشريّ، وقبل تناول «البطاركة» بلغة أقلّ ميثولوجيّة وأشدّ كرونولوجيّة. فكأنّه يقع ما بعد إخضاع ثورة البشر في الطور الإنسانيّ الأوّل، حيث المخيّلات الطليقة تبني الإمبراطوريّات العظمى وتنشىء المدن الكبرى. لكنّه يقع أيضاً ما قبل استتباب النظام لله والانتقال، من ثمّ، إلى تسيير «بيروقراطيّ» واثق لشؤون العالم. ولافتٌ للنظر أن يتّسم انصرام حقبة ثوريّة كتلك بظاهرة اجتماعيّة وبكارثة اجتماعيّة في الوقت نفسه.

مصدر السلطات كلّها

وقصارى القول إنّ قصّة برج بابل تشي باستحالة أن يلامس البشر الخالق. فخطّ التماس هذا ممنوع، ما إن ينشأ حتّى تلتهب الجبهات الحربيّة جميعاً ويستعرض الغضب الإلهيّ ذاته. ذاك أنّ ما يبنيه الناس بالتعارض مع باريهم، سوف يتولّى يهوه تشتيت بُناته. أي أنّ الله، من خلال عقاب جماعيّ على خطيئة جماعيّة، اتّبع ما درج البعض على وصف الإمبرياليّة الحديثة به، حين قيل إنّها «تفرّق لتسود».

غير أنّ جدل الأعلى والأدنى لا يقف هنا. فالله، وهو المعنى الذي تكرّره الأديان، لا يلبث أن يعاود تجميع الأمم في السماء بعد أن يكون قد بُتّ لصالحه أمر السلطة والخضوع. وهو يُحلّ عيد العنصرة الذي يلي عيد الفصح اليهوديّ بخمسين يوماً، فيلوح التراتُب والاستتباع واضحين. والعنصرة، من وجه آخر، تردّ إلى العلاقة التي لم تغب مرّة عن ذهن الخالق بين سلطة العلوّ وسلطة العقل واللسان. فعند اليهود يتزامن الاحتفال بها مع نزول الوصايا العشر في جبل سيناء. أمّا عند المسيحيّين فتقترن بهبوط الروح القدس على تلاميذ المسيح وحلولها فيهم. أمّا «تنزيل» القرآن فأوضح من أن يستدعي التأويل. فنحن، هنا، أمام خطّ معاكس تماماً للخطّ الذي يسلكه البرج، بحيث ينتقل المعنى والكلمة من الأعلى إلى الأدنى، ويحلّ التوجيه الأبويّ محلّ المبادرة والتجرّؤ الإنسانيّين. وهذا، بدوره، لا يتحقّق من دون عنف رؤيويّ: ففي يوم العنصرة، يكون كلّ أتباع الله معاً في المكان ذاته، وفجأة يندلع من السماء ضجيج مثل صوت الريح العاتية، فيملأ البيت الذي يقيمون فيه، وتتراءى لهم ألسنة ناريّة تتحرّك في الاتّجاهات جميعاً، قبل أن يحضر لسان يجثم فوق كلّ واحد فيهم. هكذا يتولّى الروح القدس أمرهم ويستولي عليهم بحيث يتكلّمون اللغات التي اختار لهم أن يتكلّموها. فهو، إذاً، مصدر السلطة في تقرير الطول، وأيضاً في تقرير الرأس وما يؤمر به اللسان.

ولأنّ السلطة على هذه الدرجة من السلطويّة والاستئثار، الفعليّين والرمزيّين، بدا صادماً للعالم الموشك على الحداثة أن ينتزع نابوليون التاج الملكيّ من يد البابا، ممثّل الله على الأرض، وأن يضعه بنفسه على رأسه. فالضابط الذي صيّر نفسه إمبراطوراً، في 1804، إنّما هو متطاول على طويل، بالمعنى الذي قصده شاعر من صعاليك العرب آثر أن يستفّ «ترب الأرض» كي لا «يرى عليه من الطول امرؤ متطاول».

والحقّ أنّ السلطات الزمنيّة المطلقة، ولم تكن بعيدة عن الله، أغراها منذ زمن قديم أن تقلّده في ذلك. فبرج لندن الذي بدأ وليم الفاتح بناءه في 1078 ليكون حصناً، ومن ثمّ كقصر ملكيّ وسجن للمساجين من ذوي الدم الأزرق ومن عليّة القوم، سريعاً ما صار موقعاً للتعذيب وقطع الرؤوس، ولكنّه أيضاً صار حديقة للحيوانات ومستودعاً للوثائق الرسميّة ومرصد أفلاك ومركزاً لسكّ العملة، ومنذ 1303 غدا حافظاً لجواهر العرش كذلك. فهو إذاً حاز معظم وظائف الدولة وكان مصغّراً عنها. بيد أنّ الوظيفة القمعيّة ظلّت لقرون أبرز وظائفه بحيث أمسى التعبير الإنكليزيّ «أُرسل إلى البرج» لا يعني إلاّ «سيق إلى السجن». وهذا أيضاً ما استهوى عدداً من الأُسَر الغنيّة والحاكمة في أوروبا القروسطيّة، مترجّحةً في الرقعة الرماديّة بين الإذعان لله وبين استعارة الحماية منه، فضلاً عن تباهيها بصنيعها. هكذا رأينا الأُسر المذكورة تستخدم الأبراج دفاعاً عن مدنها بقدر ما تستخدمها واجهةً لعرض ثرائها وحذلقة حياتها المترفة والمثقّفة. ومن هذا القبيل كان أن علت أبراج بولونيا في إيطاليا القرن الثاني عشر، ثمّ بعد قرون خمسة حُوّلت أندنبره الاسكتلنديّة مدينة لمباني السكن المرتفع، يحيطها سور يعيّن حدودها ويحميها. وقبل ذلك بقليل، في السادس عشر، عرفت مدينة شبام في اليمن، وكانت عاصمة حضرموت، المباني الطينيّة الشهيرة التي استهدفت حماية سكّان المدينة المستقرّين من هجمات البدو.

استحواذ على القمم

وهذا في محاكاته الأفعال الإلهيّة لا يطرح على نفسه تحدّيها أو الحلول محلّها، بل في حالات كثيرة عملت الاستعانة ببيوت العبادة في داخل البرج على طرد مثل هاتين الشبهة والتهمة. والكنائس، بدورها، وجدت أنّها أحقّ من غيرها في الاستحواذ على القمم، بحيث تنتزع أعلى المواقع من كلّ طامع أو طامح وتستردّہ إلى الله وحده. وكان للقديس الإنكليزيّ إلرِد أوف ريافو، في القرن الثاني عشر، رأي مفاده أنّ نظام الرهبنة «المغلقة»، المعروف بالسيستيريكيّة، يُعلي الصمت برجاً ترتفع به الأرواح إلى ربّ العالمين. إذاً يصار، والحال هذه، إلى رفع البشر كي يقفوا بصمتهم، لا بالضجيج والمطالب، بين يدي الله. والصمت قيمة منزّهة في الثقافات الأبويّة جميعاً، معه تضمحلّ أوهام الحلول محلّ الأب ليصير الاحتكاك الجسمانيّ فرصة ذهبيّة لتقبيل اليد وطلب الرضاء.

وفعلاً اتّخذت كاتدرائيّة لينكولن في إنكلترا شكل برج، مطالع القرن الرابع عشر، فكانت المبنى الأوّل في التاريخ الذي يفوق أهرام الجيزة ارتفاعاً، بعد آلاف قليلة من السنوات احتفظ خلالها الهرم المذكور بقصب السبق. ثمّ في أواسط السادس عشر حذت كنيسة القديس أولاف، في تالّين بأستونيا، حذو الكاتدرائيّة الإنكليزيّة، وبعد أقلّ من قرن بُنيت على هذا الغرار كنيسة القدّيسة ماري في ألمانيا، ومن بعدها كنيسة ستراسبورغ في فرنسا. لكنْ هنا أيضاً كان لا بدّ من الحذر. ذاك أنّ الكنائس نفسها ينبغي ألاّ تنخدع بأبراجها فتُغريها بالاستقلال عن مقاصد الربّ. وهذا ربّما كان مقصد الأسطورة الأستونيّة من أن باني كنيسة تالّين، أعلى برج في العالم عهدذاك، سقط من أعلى برجه فيما خرجت من فمه أفعى وضفدع. ذاك أنّ من يجرؤ على الارتفاع نحو السماء لا بدّ أن يجد نصيره في قوى الظلمة.

ولم تكن الحضارة الإسلاميّة بعيدة عن ربط العلوّ بوظيفة ودلالة علويّتين. هكذا نيط بالمأذنة، التي أضيفت بعد عقود على الإسلام الأوّل، دعوة المؤمنين إلى الصلاة. أمّا أن يكون معاوية باني المأذنة الأولى فوق الجامع الأمويّ، أي في أرضٍ فتحها لتوّهم المسلمون، فهذا ما يضيف زهواً بالذات المؤمنة وصنيعها إلى الزهو المسيحيّ بموضوع الإيمان وحده.

وربّما، في النطاق المسيحيّ الأوروبيّ، جاء ما فعله بياتر بروغل «الأكبر»، رسّام النهضة الهولنديّة للقرن السادس عشر، ردّاً منه على تماهي الكنائس مع البرج. فهو رسم لوحتين لبرج بابل، أو بالأحرى لهندسة عمارته، جاعلاً إيّاه يحاكي المدرّج الرومانيّ الشهير الذي رأى إليه قدامى المسيحيّين كرمز لاضطهادهم وللتطاول الدنيويّ المعتدّ بنفسه. وبروغل كان إنسانويّاً، انكبّ على رسم الحياة الريفيّة والفلاّحيّة، فعُدّ أوّل من ينقلها لذاتها، لا بوصفها خلفيّة لرسوم تاريخيّة أو ملحميّة أو دينيّة. وهو أولى اهتمامه لحياة فلاّحي بلده وعاداتهم، ممّا كان نادراً في زمنه ذاك، واصفاً طقوس أهل القرية زراعةً وصيداً وغذاءً ورقصاً وألعاباً ومواسم واحتفالات. وقد ذهب دارسو لوحتيه إلى أنّ بروغل أراد بهما أن يردّ انهيار البرج، لا إلى بلبلة أحدثها الله فجأة، بل إلى صعوبات هندسيّة لم يكن أهل ما بين النهرين قادرين على تذليلها.

وما فعله بروغل، وربّما سواه، أتى مسبوقاً بتجربة معروفة في تقليص مهابة الأبراج والحدّ من حمولتها الفخيمة، أكانت حمولة متجرّئة على الله أو مؤمنة تبتغي الاستحواذ على تلك الفكرة.

فتاريخ الأبراج إنّما عرف أبراجاً مائلة كثيرة أهمّها برج بيزا الإيطاليّ الذي بدأ ينحني بُعيد بنائه في 1173، تبعاً لخطأ شاب الأساس الضعيف الذي استند إليه، كما بسبب اختيار تربة لا تقوى على حمله. لكنّ القرون التالية أطلقت مبادرات لإصلاحه فعُمّرت طوابق جانحة إلى الجهة المعاكسة لجهة الرجحان الأوّل، فإذا بها تميّل البرج في ذاك الاتّجاه المعاكس. ولا شكّ في أنّ ذلك أسهم في أنسنة الأبراج، كما في أنسنة البذخ الأريستوقراطيّ والدينيّ الذي تتوزّعه طوابقها. فالبرج، إذاً، مثلنا نحن البشر، قد يعتريه عوج أو خلل، وقد يُستَشفى أيضاً. لكنّه، وهذا لا يخلو من استنطاق مسخرة باروديّة، ما قد يفشل الأطبّاء قي تطبيبه أو أنّهم يبثّون في جسمه أمراضاً غير تلك التي قُصد المستشفى لعلاجها.

إلاّ أن الأمبراطوريّات الإمبرياليّة أو التي يسوقها طموح إمبرياليّ هي التي أعادت إطلاق الأبراج من خلال ناطحات سحاب شرعت تتوسّع وتعمّ. فمع الرأسماليّة والدروب التي شقّتها إلى العالميّة، وهو ما لم يمدحه كتاب كما مدحه «البيان الشيوعيّ»، شرع الإنسان ينتج الأدوات التي ترسمه مركز الكون وقائد تطوّره. هكذا نشأت الفرصة الأولى التي تتيح له أن ينتفم، بمعنى من التجاوز الإبداعيّ، لأسلافه المشتّتين في برج بابل.

أبراج الرأسماليّة و»العالم الجديد»

الناطحة الأولى كانت بناية «إيكويتابل لايف أشّورنس» في نيويورك عام 1870، ثم بناية «هوم إنشورنس» في شيكاغو في 1885. وكما تفعل الأديان غالباً إذ تستعير منجزات الحداثة فتستخدمها ضدّها، بُنيت، في 1874، ناطحة سحاب للإيمان هي كنيسة القديس نيكولاي في هامبورغ بألمانيا، ثم بني، حتّى 1889، خمسة مبانٍ عباديّة مماثلة، اثنتان في ألمانيا واثنتان في فرنسا وواحدة في الولايات المتّحدة.

لكنّ الثابت أنّ الدين الذي بات يُحتفَل به يومذاك لم يعد الدين، بل التجارة العالميّة. وهذا ما رفدته باريس بمساهمة نُصبيّة هائلة من خلال برج إيفل، مِعلمها المبنيّ بين 1887 و1889 ناهضاً على قوس أُعدّ لاستقبال معرض التجارة العالميّ الذي افتُتح فيها مع المئويّة الأولى للثورة الكبرى. ولم يكن من الافتعال أن يربط الفرنسيّون بين حدث أنجب حقوق الإنسان وحدث واعد بازدهاره.

لكنّ بُناة البرج لم يتسنّ لهم أن يتوقّعوا كلّ تلك المعاني التي حملها أو حُمّلها، على مدى عقود لاحقة. فقد صار إيفل، هذا «الشيء التجاريّ»، من كليشيهات التضارب بين مواقف المثقّفين وحياتهم. ذاك أنّ هؤلاء، وفي عدادهم مهندسو عمارة معروفون، هاجموه بضراوة. بيد أنّ الروائيّ غي دو موباسّان الذي بلغ كرهه له ما لم يبلغه كره سواه، كان يتناول غداءه يوميّاً في مطعم البرج. وحين سئل عن ذلك قال إنّه وهو في داخل البرج يضمن أنّه لا يرى هيكله. وأهمّ من ذلك أنّ برج إيفل الذي انخفض قليلاً بعدما تجاوزه في العلوّ «مبنى كرايزلر» النيويوركيّ عام 1931، بقي أرفع بلا قياس من النازيّين. فعندما احتلّ الأخيرون فرنسا، عطّل عمّال إيفل مصاعده فبات الجنود الألمان يصعدون إلى قمّته سيراً على أقدامهم. وهناك صورة شهيرة لهتلر، الذي لم يصعد، وهو ينظر إلى أعلاه من جواره الأرضيّ الواطىء. فالديكتاتور النازيّ، على ما علّقت عبارة راجت يومذاك، غزا باريس ولم ينجح في غزو برجها. إلاّ أنّ العظمة التي في برج إيفل، ومعها المهابة التاريخيّة، هما نفسهما أخرجاه، بعد منتصف القرن العشرين، من المزاج السائد. هكذا استولت عليه أفلام هوليوود التي تثبّته كليشيهاً سياحيّاً عن عاصمة فرنسا.

أمّا في أميركا، فباتت غلبة الشركات والمصارف على أسماء المباني لا تدع للبس مجالاً. كذلك بدت الرأسماليّة العالميّة تستعرض إنجازاتها الجبّارة وتتشاوف بها، وأمّ الإنجازات كانت الولايات المتّحدة ذاتها.

والراهن أنّ الافتتان بـ»الجديد» كان أحد الأسباب التي جعلت الوجهة الراهنة تعاكس الوجهة السابقة للرأسماليّة وسلعها: من «العالم الجديد» إلى أوروبا فسائر العالم، وليس من «العالم القديم» إلى القارّة التي تفرّعت عنها.

هنا أعطت الحداثة والعصر الصناعيّ للزجاج وللفولاذ موقعاً غير مسبوق في بناء المباني. وبعد كلّ حساب، يبقى أنّ ناطحات السحاب مفهوم صناعيّ جعله رخص الطاقة والموادّ الأوليّة ممكناً. فالمبنى الطويل القامة يتطلّب الكثير منها كيما يستند إليه، فيما يستدعي طوله من الطاقة ما يمكّن من إنهاض موادّ البناء ومن ضخّ الماء إلى ذاك العلوّ الشاهق. ثمّ إنّ الأبراج كتجمّعات سكن وعمل تختصر استخدام مساحات الأرض وتلخّصه، متيحةً تكثيف النشاط المنتج وتبادل إنتاجه واستهلاكه في رقع أصغر، وهذا جميعاً ما يلائم النقل العامّ ويساعد في الاقتصاد وعدم التفريط البيئيّ.

هكذا زجّت الحداثة والصناعة في ميدان الاستخدام عدّةً آليّة كانت ضئيلة الحضور سابقاً، كمثل مضخّات المياه ذات الضغط القويّ، أو أنّها لم تكن موجودة من قبل كالمصاعد. وهو ما ظهر ظهوره الأوّل في 1864، حين بُنيت «أوريال تشايمبرز» في ليفربول ببريطانيا، فكانت العمارة الأولى التي يؤطّرها الحديد بالكامل فيما تُكسى جدرانها بالزجاج. كذلك باتت فكرة المركز أشدّ مركزيّة: ذاك أنّ الغرب مركز العالم الذي توحّده الرأسماليّة للمرّة الأولى في التاريخ، فيما أميركا المركز الناشىء لذاك الغرب. وهذا ما منح، على نطاق الوحدات الأصغر، معنى إضافيّاً وزمنيّاً للإشراف على جوار وعلى محيط يدوران حول المركز ويقصران عنه حكماً. أمّا هويّات المدن فأضحت تُستقى، لا من الوظائف البيروقراطيّة والعسكريّة، ولا من ألوان السكّان أو أديانهم وأصولهم، بل أساساً من جبروتها الماليّ أو الصناعيّ. هكذا كان لنُصب واشنطن المبنيّ في 1884 أن تجاوز كاتدرائيّة لينكولن طولاً. وفي العام نفسه بني «هوم إنشورنس بلدينغ» في شيكاغو، ثمّ، في 1891، نهض «واينرايت بلدينغ» في سان لويس فكان أوّل مبنى يؤطّر بالفولاذ.

وسجّلت تسعينات القرن التاسع عشر طفرة كان مسرحاها الكبيران والمتنافسان شيكاغو ونيويورك، ومنهما تمّ الإقلاع في اتّجاه لندن فميلبورن في أوستراليا. وفي هذه الغضون كانت الحداثيّة الوظيفيّة التي أعلتها مدرسة «الباو هاوس»، في ألمانيا أوّلاً، ثمّ في أميركا، تمكّن الوجهة تلك وتُغني احتمالاتها.

وقد تخلّل هذه القفزة التي قفزها العالم الجديد اعتراض أبدته بعض طبقات العالم القديم ممثّلة بالملكة فيكتوريا. فهذه التي شقّت للرأسماليّة البريطانيّة أعرض طرقها، ظلّت على تمسّكها بعصر الإقطاع وأخلاقه، كما امتزجت إمبرياليّتها التي لا يرقى إليها الشكّ بمقت لليبراليّة لا يرقى الشكّ أيضاً إليه. وقد حدّت فيكتوريا من حقّ المباني في الارتفاع فاستمرّ، حتّى الخمسينات، ما خلا استثناءات قليلة، إذعان المملكة المتّحدة لتلك الرغبة الملكيّة. أمّا أميركا فبقي احتفالها كاملاً غير منقوص بعظمة الإله الجديد وعلوّ قدره. هكذا استقبلت بشيء من الصخب الخلاصيّ «مبنى كرايزلر» و»مبنى إمباير ستايت» اللذين نصرا، في أوائل الثلاثينات، مهدهما النيويوركيّ على شيكاغو وكرّسا الأول عاصمة العالم الأولى.

وفي وقت لاحق صاغ الناقد الفرنسيّ رولان بارت نظام الأولويّات الجديد، فرأى أن «ناطحة السحاب تنشىء الكتلة، والكتلة تنشىء الشارع، والشارع يقدّم نفسه للإنسان».

والأبراج ما لبثت، بعد الحرب العالميّة الثانية، أن انتقلت إلى أميركا اللاتينيّة وآسيا، وبات المستبدّون، كما الكنائس من قبل، يحاولون الاستثمار في هذه النُصب إرواءً لعُظامهم النصبيّ. فبين 1947 و1953 بنى ستالين «الشقيقات السبع» أو «مباني ستالين الطويلة» كما أسماها الروس. وكان فرانكو قد سمح في الخمسينات ببناء الأبراج. غير أنّ الأولى «اليساريّة»، كما الثانية «اليمينيّة»، بدت كالحة وجامدة وصلدة تشبه الزعماء الآباء الذين أنشأوها. أمّا الرأسماليّة الليبراليّة فراحت، هي المشرعة على خارجها والمرحّبة بوفادته إليها، تمزج العمل باللعب، وتتحايل على الجدّيّ. ذاك أنّ المصالح استدعت تدمير مبانٍ عملاقة على نحو أثار أسىً وحزناً معلنين، وغيّر خرائط الأهميّة التي تحتلّها المناطق والمراكز والأسواق. إلاّ أنّ التدمير هذا زاد في الأنسنة التي تقول لنا إنّ المباني تموت أيضاً مثلما نموت نحن البشر، بعدما قالت العمارات المائلة إنّها تمرض وتعالَج. وشعور كهذا كان يخفّف وطأة الطول والجبروت عن بشر يحسّون بضآلتهم حيال ناطحة السحاب، أو يستدعون الخوارق إلى مخيّلاتهم حين يرون هذا الكائن الخارق. ذاك أنّ الصواعق وأفعال الطبيعة المجنونة قد تنتاب الناظر إلى البرج بوصفها وحدها ما يعادله ويناهضه، ووحدها ما يستطيع تدميره وأخذه، هو الناظر، في طريقها. ولربّما نجم الاستدعاء الهيوليّ هذا عن شعور جماعيّ غير موعى بالخطيئة الناجمة عن تحدّي الله. فليُقدم الخُطاة، إذاً، على تدميره، وليُضعفوا وطأته عليهم فيما يعظّمون أنفسهم ثانيةً بعدما عظّموها عندما بنوه. هكذا يمكن لتصريف الذنب ومشاعره أن يتّخذ شكلاً يغاير أشكاله السابقة حاضّاً على الوقوع في التجربة والخروج منها مرفوعي الرأس. وهل يعجز من تحدّى الله عن تحدّي الأبراج؟.

لقد راج الطلب على ما يتغيّر إذ المتحوّل بات وحده الفاتن، أمّا الثوابت، كمثل برج إيفل الفرنسيّ، فزادت الأعناق التي تلوي عنها عاماً بعد عام. ومنذ تسعينات القرن التاسع عشر، كان الناقد الأميركيّ هنري جيمس قد لاحظ كيف أنّ الدلالات والمعاني شرعت تنقلب. فـ «التاريخ»، في ما خصّ ناطحات السحاب، «ليس فقط لا يتوّجها، بل هي لا تملك للتاريخ احتمال وقت وجيه». وربّما جاز القول إنّ الإرهابيّين الذين فعلوا فعلتهم في 11 أيلول 2001 أسهموا في إرجاع الأميركيّين إلى ثبات لم يكن في طباعهم، وإلى إصرار على استعادة ما انهدم بسبب الطريقة التي انهدم فيها.

في غير هذا الاستثناء، وقفت الرأسماليّة وحدها، ووقفت دائماً، تصالح الفرد مع العظمة وتوائم الفرديّ مع العظيم، جاعلةً هذا التاريخ العريض معرضاً لمصالحاتها. ومنذ السبعينات، وعلى أيدي مهندسين كروبرت فينتوري وريكاردو بوفيل وسواهما، تطوّر «مزاج» ما بعد الحداثة وتطوّر معه اللعب الموكل إلى التزيين والحذاقة والدعابة وخلط المراجع التاريخيّة لحقب العمارة واحدها بالآخر. هنا أُعلن موت الوظيفيّة والنخبويّة والجدّ، وبولغ أحياناً في إماتتها. لكنّ المؤكّد أنّ وجهة جديدة جعلت تشقّ طريقها، وهذا فيما كانت الأسواق تطرح لُعَب أطفال تُعرَف بألعاب «الدفاع عن البرج» الذي لطالما احتكره الرجال القساة المدافعون.

دبيّ: اتّصال لا انفصال

لقائل أن يقول إنّ القرن العربيّ الحادي والعشرين بدأ يوم الرابع من كانون الثاني (يناير) 2010: يومذاك افتُتح البرج الهائل في دبيّ، بالتزامن مع الذكرى الرابعة لتولّي الشيخ محمّد بن راشد آل المكتوم حكم الإمارة. وثمّة، بالطبع، من يردّ البداية إلى أحداث أخرى، أكثر سياسيّة، كـ»الحرب على الإرهاب» وحرب العراق، أو حربي لبنان وغزّة، أو ربّما إلى إفلات التفتّت من كلّ ضابط في رقعة تمتدّ من السودان إلى الخليج وصولاً إلى اليمن.

وهذا مألوف في حجج التأريخ ومجادلاته: فهل ولدت الحداثة ومسائلها مع مقاومة أحمد عرابي للإنكليز أم مع المشروع العمرانيّ للخديوي اسماعيل؟، وهل يتشكّل المفصل اللبنانيّ الأكبر من تجربة رفيق الحريري، وفي القلب منها «إعمار بيروت»، أم من الحروب التي كادت تفتك بكلّ ما يقف على قدمين في بيروت؟.

والحال أنّ التأريخ بالبرج كمثل التأريخ بشقّ قناة السويس خاتمةً سعيدة للقرن التاسع عشر وما انبنى عليه من «عصر ليبراليّ». ذاك أنّ تطوّرات كهذه قد تملك ديمومة أبعد وأثراً أعمق إذ تمكث منقوشة في الأرض، تخدش الطبيعة وحياءها، فيما تصنع للبشر علاقات جديدة ينجرّون إليها على غفلة منهم.

ولا يبالغ من يقول إنّنا كنّا دوماً مقسومين مدرستين، واحدةً تمتدّ من اسماعيل إلى دبيّ، مروراً بالحريري، والثانية تمتدّ من عرابي باشا إلى المقاومات والممانعات. ولا يبالغ، كذلك، من يتجرّأ فيطرح فكرة صادمة مفادها أنّ المدرستين هاتين تتواصلان وتتقاطعان أكثر ممّا تنفصل واحدتهما عن الأخرى. صحيح أنّ المدرسة الثانية، ما خلا اعتراضها الناصريّ العابر، تستخفّ بكلّ تعمير، وتستحضر ترسانات الأفكار والخرافات في نقدها، فترى فيه التغريب أو خدمة عليّة القوم ذوقاً ومصلحةً، كما تستنفر مقاتليها، مثلما حصل في لبنان، لهدم الحجر عطفاً على قتل البشر. غير أنّ تعميراً يفتقر إلى وعيه وثقافته، ينتهي إلى تجويف لا تخرج من ثقوبه إلاّ الراديكاليّات العدميّة، آخذةً عليه مآخذ معظمُها حقّ يُراد به باطل، من نوع النُصبيّة المبالغ فيها، وعدم التلاؤم بين الاستعراض والحاجة، والتبديد والهدر والاستدانة بلا رقيب.

على أنّه سبق، على نطاق أصغر بلا قياس من النطاق الدبيانيّ، أن جرّب عرب القرن العشرين حفر أسماءهم، عبر الأبراج، في الطبيعة وفي الزمن. هكذا كان برج القاهرة في الزمالك الذي بني بين 1956 و1961 وارتفع 187 متراً فكان أعلى بـ43 متراً من أهرام الجيزة.

يومذاك كانت الناصريّة توالي التحدّي، مستخدمةً التحديث لصدّ الحداثة الأشمل. فالفترة المذكورة هي التي شهدت تأميم قناة السويس والتصدّي لـ»العدوان الثلاثيّ» ثمّ إقامة الوحدة مع سوريّا التي انفكّت بعد نيّف وثلاث سنوات، أي في العام الذي انتهى فيه بناء البرج القاهريّ.

والتلازم بين هزيمة مُرّة للناصريّة، كالانفصال السوريّ، وبين الاحتفال بالبرج، لم يكن مشجّعاً على التحدّي ولا باعثاً على التفاؤل في صدده. لكنّ الميلودراما المصريّة، وكانت قوميّة يومذاك، ابتذلت رواية البرج ونزعت عنها الزخم الذي يشي به تاريخ الأبراج بوصفه صراعاً متّصلاً مع الله. ذاك أنّ ملايين الجنيهات التي أُنفقت على بنائه جيء بها، حسب الرواية الناصريّة الرسميّة، من الولايات المتّحدة، وكان هدفها رشوة جمال عبد الناصر ودفعه إلى تغيير سياساته والتعاون مع «وكالة المخابرات المركزيّة» الأميركيّة. وتمضي الرواية تلك فتقول إنّ المبلغ حمله «في حقيبة يد» مستشار عبد الناصر يومها، حسن التهامي، آتياً به من واشنطن إلى القاهرة. بيد أنّ «زعيم القوميّة العربيّة» ما إن تسلّم المبلغ ذاك حتّى شعر بالإهانة مقرّراً إنفاقه على بناء برج.

وكان هذر كهذا يتّسع ويشعّ على إيقاع «الله أكبر»، نشيد الناصريّة الأهمّ الذي غنّى تحدّياتها جاعلاً برجها لا يناطح إلاّ... «الاستعمار».

إنّ في الأمر لَكِيتشاً إذاً. وهو ما نعود فنلقاه في دبيّ على هيئة أخرى وبأرقام لا تُقارن بالأرقام القديمة المتواضعة. فما عُمّر في تلك الإمارة الصغرى أطول برج يصنعه الانسان: طوله 828 متراً، مصاعده، وعددها سبعة وخمسون، تعلو وتهبط بسرعة 64 كيلومتراً في الساعة، وفيه أيضاً أعلى مسجد في العالم، يقيم في الطابق الـ 158 منه. وفي هذا، وفي غيره، لا بدّ من عقل مجنون ومن مخيّلة وحشيّة: ذاك أنّ الأرقام الفلكيّة تتساوى ولا تعود عرضة للقياس والمقارنات، إذ الرقم يصير «للرقم» بالمعنى الذي يقال فيه «الفنُّ للفنّ». ولا يكفّ أفعل التفضيل عن التدفّق في ما سُمّي «سوبر ناطحة سحاب» دبيانيّة.

فالكلفة الاجماليّة للمشروع بلغت 1،5 بليون دولار، وهي جزء من الـ20 بليوناً التي كلّفتها «داون تاون دبي» الجديدة التي تشمل البرج. والنُصب هذا، المنتشر صعوداً على 160 طابقاً، والذي استغرق العمل فيه خمس سنوات، مصمّم كي يضمّ تسعة فنادق ومواقف سيّارات بمساحة ثلاثة هكتارات وما لا يقلّ عن 19 برجاً سكنيّاً صغيراً من 1044 شقّة سكنيّة، ومركزاً تجاريًّا ضخماً هو أكبر مراكز التسوّق في العالم، وبحيرة اصطناعيّة ذات مساحة تبلغ 12 هكتاراً، ومدينة ملاهٍ مساحتها ضعف مساحة «عالم ديزني» في فلوريدا. وفي البرج سوف يقيم ما يزيد على 800 شركة وسوف تُخصّ المكاتب بـ49 طابقاً. وحسب الرواية الرسميّة، بيعت الشقق السكنيّة الخاصّة كلّها بعد ثماني ساعات على إنزالها إلى السوق، علماً بتقدير ثمن المتر المربّع الواحد، في آذار (مارس) 2009، بأكثر من 43 ألف دولار.

والبرج سوف تتزيّن دواخله بأكثر من ألف قطعة فنيّة، فضلاً عن أعمال برونزيّة يتمثّل فيها 196 بلداً من العالم. أمّا فندقه الأهمّ الذي سيحتلّ 15 طابقاً من الطوابق الـ39 الأدنى، فسوف يزيّنه جورجيو أرماني، المصمّم الشهير. ولسوف يعيش هناك 25 ألف شخص، فيما يستطيع البرج، في أيّة لحظة، أن يستوعب 35 ألفاً.

ولا يتوقّف تيّار المدهش والعجيب: فهو يمكن أن يُرى من بُعد 95 كيلومتراً، ولغسل شبابيكه البالغ عددها 24384 شبّاكاً، التفّت من حوله طرق أفقيّة كلّ منها يحمل آلات وزنها 1500 كلغ قابلة للتحريك صعوداً وهبوطاً. أمّا في الأوضاع الطبيعيّة، حين تكون سائر وحدات الصيانة جاهزة للعمل، فيتطلّب تنظيف واجهته الخارجيّة 36 عاملاً يعملون ما بين ثلاثة أشهر وأربعة. وللبرج نافورة هي أعلى مثيلاتها في العالم، يبلغ طولها 275 متراً، ويضيئها 6600 ضوء و50 بروجيكتوراً ملوّناً، فيما تقذف الماء بطول 150 متراً في الهواء.

ولمّا نهض هذا المشروع على مقربة كيلومتر واحد من الصحراء، لم يبق لمراسل «الغارديان» البريطانيّة ستيف روز، وهو يقف مواجهاً هذا النُصب العملاق، إلاّ أن يسأل: «لسنا متأكّدين ما إذا كان ملهاة أو مأساة أو قصّة سورياليّة مهلوسة من نوع ما».

فإذا ما أخذ البعض على المجمّعات التجاريّة أنّها تلخّص تجربة البشر مع المكان، حيث تتجمّع السوق والكاراج والسينما والمطعم في مكان واحد، فإنّ نقداً كهذا يحظى بوجاهة أكبر في دبيّ الصغرى. فكيف وأنّ الأرض المسطّحة والضيّقة الرقعة تجعل البرج لا يطل إلا على برج، كما تقدّم البلد وأرضه كأنّهما ذريعة للأبراج.

لكنّ أسباب التباهي تبقى، مع هذا، كثيرة متنوّعة، بعضها مصدره دبيّ نفسها وبعضها الخليج، وهناك بالتأكيد الإسلام. فلئن نطحت ناطحة عبد الناصر الاستعمار، معوّلةً على دعم الله، فإن ناطحة دبيّ تشاركها البحث عن خصوم أرضيّين. يتّضح هذا لا في بناء أعلى مساجد العالم فحسب، ولا في اعتماد القباب ذات الشكل البصليّ المستوحاة من هندسة العمارة الإسلاميّة، أو زهرة زنبقة الصحراء المعروفة في الخليج، بل كذلك في مواصفات أخرى تتناثر هنا وهناك. فالبرج «غلب» برج «تايبه 101» علوّاً، وكان الأطول حتّى تلك اللحظة، مثبتاً سبقه في زمن العولمة. لكنْ لأنّها عولمة تستنطق جذور «الأصالة» العتيقة، رأينا البرج الدبيانيّ يُرجع إلى منطقتنا امتيازها حين احتلّت «أعلى نقطة في العالم»، وهو ما خسرته منذ أن أقدمت كاتدرائيّة لينكولن الإنكليزيّة على تجاوز أهرام الجيزة. والعدوّ الغربيّ دائماً سهل العداوة، بعيد المسافة، غير معنيّ بالدفاع عن كاتدرائيّة مقيمة في ماضيه الميّت. مع هذا فمعاداته تنهل من ذاكرات لا تنضب صنع التاريخ الفعليّ بعضها الأصغر، بينما صنع التعليم والأحزاب الراديكاليّة وخطب الجمعة وأصداء الانقلابات العسكريّة في المنطقة بعضها الأكبر.

لكنّ برج دبيّ، أو برج خليفة «الأعلى في العالم»، لا يكتفي باختيار أعداء يسهل نطحهم، بل يحتفظ لنفسه بوظيفة سهلة نسبيّاً. ذاك أنّ شعوباً أخرى خصّت «الأعلى» بالتفوّق الإنجازيّ في حقل ما: ففي روسيّا تُعدّ جامعة موسكو الرسميّة (240 متراً) البناية الأعلى في العالم كمركز تعليميّ، وفي انكلترا يقف مستشفى غي اللندنيّ (143 متراً) بنايةً أعلى كمركز استشفاء، والشيء نفسه يصحّ في مكتبة شنغهاي الصينيّة (106 أمتار) بين الأبراج المسكونة بالمكتبات. لكنّ دبيّ، وقبل أن تبني برجها الأخير، كانت قد تفوّقت في مبنى للفنادق سُمّي «برج العرب» طوله 321 متراً وكان أوّل «فندق سبع نجوم» في العالم.

إذاً الاختيار واقع على الفندق حصراً.

«الأوّل» و»الدوليّ» و»المعرض»

في أواخر السبعينات بدأت تتفجّر المشاريع الكبرى، فأنجز ميناء جبل عليّ ومصنع الألومينيوم دوبال، ثمّ في 1985 أنشئت المنطقة الحرّة حول الميناء المذكور. وبالنتيجة غدت دبيّ تحتوي 70 بناية يتجاوز طول واحدتها الـ180 متراً، و51 بناية تتجاوز واحدتها الـ200 متر، فيما لا تملك نيويورك من هذا الصنف الأخير إلاّ 50 بناية.

فكلمة «الدولي» أو «العالمي» لا تُسمع كما تُسمع في دبيّ، والشيء نفسه ينطبق على مفردات من صلب القاموس الدبيانيّ، كتعبيري «أوّل» و»معرض». ففي 1989 أقيم معرض دبيّ للطيران، وفي 1993، معرض إيدكس، أو الدفاع الدوليّ، وفي 1996، مهرجان دبيّ للتسوّق. وقد تأسّست، في 2001، مدينة دبيّ للإعلام منطقةً حرّة، وما لبث أن أنشىء مركز دبيّ الماليّ العالميّ الذي نافس مركزين آخرين في الخليج، في البحرين وقطر. لكنّ هذا لم يبدأ العمل إلا في 2004: فقد استقال مسؤولان غربيّان في أعلى هرميّته آخذين على المشروع إدارته وتسييره الفاسدين، فيما رُدّ على ذلك بأنه «تضخيم يمارسه الغرب».

لكنّ السبحة كانت قد كرّت، فأُسّست جائزة دبيّ للصحافة في 2002، ومهرجان دبي السينمائيّ الدولي في 2004، ودورة عالميّة لكرة السلّة في 2005، كما أنشىء كأس دبيّ العالميّ، ومعرض «آرت دبيّ» الذي يضمّ أكثر من 4000 صالة فنيّة لمنتجات من العالم كلّه، ومعرض دبيّ الدوليّ للسيّارات، وهو أكبر مثلائه في الشرق الأوسط، ومعرض دبيّ الدوليّ للطيران، ومعرض دبيّ الدوليّ لكتاب الطفل، ومعرض دبيّ الدوليّ لفنّ الخطّ العربيّ. وهكذا دواليك. لكنْ لم يفت جيمس وستكوتّ، مراسل «الغارديان» الذي غطّى «آرت دبيّ»، أن يلاحظ خلوّ هذا المعرض المهيب والجميل من أعمال العري، ومن الأعمال ذات المضمون السياسيّ الواضح.

وفي هذا الاحتفال المتواصل الذي يُبهج الذات بذاتها، توقّف كثيرون عند مترو دبيّ الذي افتُتح شطره الأوّل في أيلول (سبتمبر) 2009. فهو طبعاً الأوّل في شبه الجزيرة العربيّة، ما إن يكتمل العمل به حتّى يغدو أطول شبكة مترو كليّة المكننة في العالم، بلا سائقين ولا من يحزنون. وأمّا مطار دبيّ الدوليّ فالسادس عشر بين مطارات العالم في نقل البشر، إذ نقل، في 2009، أكثر من أربعين مليون مسافر وعائد وعابر، غير أنّه الحادي عشر لجهة الحمولة التي يحملها.

وهذا ناهيك عن طوفان معاهد التعليم الدوليّة، وطبعاً الفنادق الدوليّة، علماً بأنّ نسبة المترفة منها إلى تلك الاقتصاديّة ربّما كانت الأعلى في العالم. ذاك أنّه في 2007، مثلاً، بلغ المعدّل الوسطيّ لأسعار الغرف 51،308 دولاراً لليلة الواحدة، وهذا كثير جدّاً.

والمعنى لا يكتمل من دون الإشارة إلى بنك دبيّ الإسلاميّ الذي، هو الآخر، «أوّل» بنك إسلاميّ في العالم. وهو، حسب دعايته الذاتيّة، يقدّم «حلولاً مصرفيّة شاملة متوافقة مع أحكام الشريعة».

إلاّ أنّ البنك الإسلاميّ لا يعيق المحاكاة الحَرفيّة لما هو غير إسلاميّ. فواحد من النُصب الدبيانيّة الأبكر هو مركز دبيّ التجاريّ العالميّ، الذي نُسج في 1979 على المنوال النيويوركيّ المغدور، مقيماً في ناطحة من 37 طابقاً، وفي عداده معرض دبيّ الدوليّ حيث تُعرض كلّ السلع التي يمكن أن يطاولها التفكّر، من صالات وأغذية وسيّارات وقوارب ومجوهرات إلى كتاب وخطّ، وهو، حسب تسميته، مركز «للمؤتمرات والمعارض».

لكنّ هذا التشبّه يلحّ في استدعاء همفري بوغارت شبحاً يجثم على وودي ألن في «إلعبها ثانية يا سام». ففي دبيّ لا تتراءى نيويورك، بل يلوح تحويل الطبيعة أقرب إلى تطهّر من المكان وإلى تعقيم للزمن. فدبيّ، لمهندسي العمارة، فرصة تجريب هائلة، لكنّها، كما لاحظ ستيف روز، مكان «يمكن أن تفعل فيه أيّ شيء (...) فلا يبدو أن أحداً يقول لا، فيما هناك دائماً شخص آخر يدفع».

وهذا ما يسرّع الركض وراء الجديد والجدّة كما لو أنّهما عاصفتان تغيّران المشهد في كلّ لحظة. ولربّما جاز القول إن عواصف التقنيّة حلّت، هناك، محلّ العواصف الرمليّة التي ضجّت بها الصحراء وتضجّ. هكذا تولّت الأولى فرض سيطرتها الكاملة على الأخرى، منتقمةً منها بطريقتها الهوجاء إيّاها.

والحال أنّه لم يعد ثمّة وقت للضجر في دبيّ، حيث تصعد في كلّ ساعة بناية تغيّر المِعلم المحيط، جاعلةً الإمارة في سباق تسلّح عمرانيّ مع ذاتها. على أنّ طرد الضجر بهذه الطريقة يترك في محلّه خواء يفوقه خطراً. فإذ تموت ذاكرة المكان تماماً، فيما يستولي الدوار على الرؤوس المنشدهة، يكفّ الضجر عن الامتداد في الحيّز الجغرافيّ لينحفر فراغاً في صلب مَن يعانيه.

وهذا ما تجلوه قصّة برج آخر من أبراج دبيّ: فقد كان مقرّراً، على ما أُعلن في 2008، أن يُفتتح، هذا العامّ، 2010، برج دوّار هو الأوّل من نوعه في الكون. وهذا من بنات أفكار المهندس الإيطاليّ ديفيد فيشر الذي جاء يطبّق اختراعه في الإمارة الخليجيّة، بحيث لا يتكرّر البتّة مشهد، أيّ مشهد، في نظر الناظر. ذاك أنّ كلّ واحد من طوابقه يدور حول مركزه على نحو مستقلّ عن دوران الطوابق الأخرى، فلا يرى ساكن الشقّة، طوال حياة مديدة قد يعيشها، ما سبق أن رآه قبلاً. ومن يشاهد الصورة التخطيطيّة للبرج الدوّار، يقع بصره على كائن يرقص رقصة يُعلي فيها خصره ويلتفّ بصدره على ظهره، ثمّ بظهره على صدره، في حركة تتوالى صعوداً، يصعد معها اللون تاركاً ما يخليه في الطوابق الأدنى للون آخر. هكذا يلتقي في تلك الحركة اللولبيّة التي تنتشر على برجين متراكبين، كثير من الإغراء بكثير من الخجل، وفي الحالين ثمّة تشاوُفان من جنسين مختلفين.

وفي الأوضاع كافّة، يلوح هذا العشق للجدّة الدائمة كأنه هرب ممّا «نحن فيه»، وضجر عميق يبحث عن علاج نفسه بلا انقطاع، لأنّ صاحبه ما إن يخلو بنفسه حتّى يموت. لكنّها جدّة وظيفيّة أو أداتيّة إن صحّ القول. يكفي لتبيّن ذلك أن نذكّر بالوطأة المقابلة للمقدّس على العقل العامّ في دبيّ، حيث يناط بالمسجد الأعلى في العالم أن يستأنف «الله أكبر» الناصريّة. فهناك «دين الدولة الإسلام» كما في سائر البقاع العربيّة والإسلاميّة، أمّا التعليم المحليّ فيلحظ درس الدين ساعةً في اليوم للتلامذة منذ دخولهم المدرسة حتّى تخرّجهم منها.

وقد كان من آخر التجلّيات، في استعراضات العقل العامّ، ما أفتى به كبير المفتين في الجزيرة الخليجيّة، أحمد عبد العزيز. فعلى مقربة من البرج الأسطوريّ، رأى الشيخ المذكور أنّ «سجود لاعبي كرة القدم في الملاعب على صورته الحالية... باطل». ذاك أنّ اللاعبين ينبغي ألاّ يسجدوا في الملاعب «إلاّ إذا توفّرت لهم شروط الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة».

تجربة بلا سوابق

هنا تختلف دبيّ عن سوابق «غريبة عجيبة» تشاطرها بعض السمات العابرة. فـ «ألف ليلة وليلة»، حسب رأي عاشقها بورخيس، تنبع أهميّتها الحصريّة من داخليّتها ومن شبهها غير المدرَك بنا. فهي ليست الآخرَ الإكزوتيكيّ بل العنصر الداخليّ المكوِّن في ثقافاتنا والذي يشكّل جزءاً من ذاكراتنا. لقد نشأ ولع بورخيس بها من أنّها بلا نهاية، تشبه الدمى الروسيّة في ذلك. إلاّ أنّ الأديب الارجنتينيّ يحبّ ما لا نهاية له بوصفه الخيال الذي تزخر الأديان والمعتقدات الميثولوجيّة بمثله، فيما الأدب لا يستند إلاّ إليه.

فالمتاهة هذه لا تأتي، إذاً، من خارجٍ يستأصل المألوف استئصالاً كليّاً كما حال المتاهة الدبيانيّة. وهو ما يفسّر أنّ الإمارة الخليجيّة لم تنتج أدباً ولا كانت إلاّ نادراً موضوعاً لأدب. فحين أصدر الصحافيّ والروائيّ السعوديّ هاني نقشبندي رواية حملت عنوان «ليلة واحدة في دبيّ»، دارت قصّته حول امرأة عاشت وحيدة هناك، وما إن استيقظت ذات يوم حتّى اكتشفت أنّ الشمس التي استقبلت بها الصباح غيرُ الشمس التي تعرفها. أمّا السبب فناطحة سحاب نبتت، بين ليلة وضحاها، في جوارها، يزيد عدد المقيمين الغرباء كلّما زاد ارتفاعها وزادت شققها السكنيّة. وهذا إنّما كان، لبطلة نقشبندي، سبباً لضياع في الهويّة وتبخّر في الذاكرة تأدّى عنهما نسيانها اسمها.

وعندما شاء مخرج ألمانيّ إسمه ميخائيل شندهيلم أن يؤلّف كتاباً عن دبيّ، أعطى لكتابه عنوان Dubaispeed كما استخدم هذه التسمية نفسها لموقع له على الانترنت يرصد عمران الإمارة وأخباره. لكنّ انكباب المخرج هذا مردّہ لا إلى عشق للأدب أو غرام بالعمران، بل لأنّ حاكم دبيّ الشيخ محمد بن راشد سبق أن استدعاه في 2007 كي يشرف على تأسيس مجمّع للتبادل الثقافيّ «بين الشرق والغرب»، تكون إمارته مقرّاً له.

كذلك فدبيّ ليست لاس فيغاس، عاصمة الكيتش الكونيّة، حيث يُبنى العالم القديم، كما يقال دعائيّاً، في حلّة جديدة. صحيح أنّ المدينتين قد تشتركان في إعطاء المشهد والنجوميّة موقعاً متصدّراً. بيد أنّ الفانتازيا الفيغاسيّة المستمدّة من استعادة الماضي، ولو كيتشيّاً، ليست من سمات دبيّ. فهنا، في هذه الأخيرة، لا يحضر التاريخ، كائناً ما كان الحضور المقصود، إلاّ قتيلاً. والشيء ذاته يقال في الباروديا التي تزخر بها لاس فيغاس لأنّها، بمعنى ما، تمسخر ماضيها. أمّا دبيّ، فانفصالها عنه لا يترك لها ما تمسخره، فيما الشطر الدينيّ منه، الذي توثّق ارتباطها به، ينتمي إلى مقدّس لا يحتمل المسخرة أصلاً.

وممّا يترتّب على هذا أنّ دبيّ لا تؤخذ بخفّة، فلا تكون، كما لاس فيغاس، لحظة استقالة عابرة من اليوميّ أو راحةً منها، بما يشبه الذهاب الى حديقة عامّة أو إلى قرية جبليّة لقضاء يومين في آخر الأسبوع.

إنّ دبيّ تطرح نفسها حياة كاملة بديلة.

وهي لا يسعها، حكماً، أن تكون البندقيّة. فلئن اشترك المكانان في قابليّة التحوّل بطاقتين بريديّتين تخدمان السياحة، بقي الباهر في المدينة الإيطاليّة صدور عظمتها عن الطبيعة مثلما هي الطبيعة. فمدينة الماء والجسور والقنوات، عملاً بألقابها الكثيرة، قدّمتها تلك المواصفات عينها إنسيّة إلى حدّ استثارة التعاطف، لا سيّما وأنّها مرشّحة للغرق في مائها الذي جعلها ما صارت عليه. وهنا يؤلّف الترادف بين أسباب الحياة وأسباب الموت عنصراً تراجيديّاً تندر المدن التي تمتلك مثله، يعزّزه ذاك التناقض الراسخ بين التداعي والتفسّخ من جهة والعظمة من جهة أخرى. وذات مرّة رأت الكاتبة الاسكتلنديّة مورييل سبارك أنّ البندقيّة «مدينة لا توحي الأفكار بل الأحاسيس. أظنّ أنّ أمرها يتّصل بمركّب الهواء والماء والعمارة والأصوات».

فوق هذا، لا تنفصل الطبيعة الفائضة هناك عن فائض في التاريخ، تاريخ الشمال الإيطاليّ، وتاريخها هي نفسها كجمهوريّة في عصر النهضة وكإحدى عواصم التجارة
البحريّة المبكرة.

في هذه المعاني جميعاً، تلوح جوهرة إيطاليا داخليّة جدّاً، حتّى للأشخاص الذين لم يعرفوها ولا تخيّلوها. فهي لدى كلّ واحد قفا الواقع الذي يعهده وبطانة التاريخ
الذي يعانيه.

وقد يجد البعض شبهاً وربّما محاكاة بين دبيّ وسنغافوره. فالثانية، الصغيرة جدّاً، أصغر كثيراً من الأولى ذات المساحة البالغة 4000 كيلومتر مربّع. فهي قد ردمت البحر ووصلت الجزر الصغرى واحدتها بالأخرى من أجل أن تصير مساحتها 710 كيلومترات مربّعة لا غير. وسنغافوره، إلى هذا، انضوت في وحدة ماليزيا الفيدراليّة التي ذهبت في وحدويّتها أبعد ممّا بلغت الإمارات العربيّة المتّحدة، مع أنّها ما لبثت أن انسحبت منها. غير أنّ ناطحات السحاب السنغافوريّة والوحدات التي يتشكّل منها ذاك المركز الماليّ الجبّار تقف على أرض أصلب وأغنى بلا قياس: فسنغافوره مجتمع تعدّديّ وكوزموبوليتيّ فعلاً، حيث الإنكليزيّة والصينيّة ولغتا المالاي والتاميل لغات رسميّة. وهذا ما يطمئن العمالة الأجنبيّة ويُشعرها بالأمان. وهي، إلى هذا، جمهوريّة برلمانيّة استعارت نظام ويستمنستر في الديموقراطيّة وتتباهى بذلك، تماماً كما تتباهى بأنّ «سنغوره القديمة» موصوفة في مهابهاراتا، الملحمة السنسكريتيّة عن الهند الكبرى القديمة. ثمّ إنّ سنغافوره أقلّ بلدان آسيا فساداً، تعتبرها «منظّمة الشفافيّة الدوليّة» بين الدول العشر الأقلّ فساداً في العالم. وهي واحد من «نمور» آسيا، إلى جانب هونكونغ وكوريا الجنوبيّة وتايوان، خطّأت نهضتُها الاقتصاديّة نظريّات بعض اليسار عن تبعيّة «الأطراف» لـ»المركز» كجزء تكوينيّ في اشتغال النظام الرأسماليّ العالميّ. ولبلوغها هذه المحطّة، اعتمدت سنغافوره، ولا تزال، على التصدير وعلى التصنيع الملحق، أو المُضاف إلى السلع المستوردة، ممّا يشكّل أكثر من ربع إجماليّ ناتجها المحليّ.

حتّى في العمارة نفسها، احتفظت تلك الدولة الآسيويّة بـ»بيوت الملايا» المحليّة وبالأنماط العمرانيّة التراثيّة الأخرى، كـ»مباني الدكاكين» المطعّمة بالمعمار الغربيّ، وهو ما يصحّ أيضاً في «البنغَلو» التي درج أوروبيّو القرن التاسع عشر وكولونياليّوه على الإقامة فيها. لكنّ أنماط الهندسة الغربيّة وُجدت كلّها هناك في تتابُعها الزمنيّ من «الآرت ديكو» صعوداً. ومثل هذا التعدّد يوسّع الرقعة الضيّقة وينوّعها فيتحايل على ضآلتها. وبدورها، تُعدّ إعادة اكتشاف العمارات القديمة أحد تيّارات الجهد العمرانيّ هناك، ما أنعش برنامجاً غنيّاً للحفاظ على تلك المباني بقدر ما وسّع صناعة إحيائها وتكييفها مع استخدامات جديدة. وهذا جميعاً إذ يقيم على مقربة من ناطحات السحاب والإيقونات العمرانيّة الأكثر جدّة، يوفّر أرضاً خصبة لمفهوم التجاوُر (juxstaposition) ما بعد الحداثيّ.

وذلك لا يعني بحال أنّ دبيّ تفتقر إلى الماضي وإلى التاريخ. فجزؤها القديم، أو منطقة بستاكيا، ذات الحارات والأزقّة، تعود بنا إلى ما قبل زمن الكهرباء والتبريد الصناعيّ. فهناك تنتشر البيوت ذات الباحات الواسعة التي تكيّفها الأبراج الهوائيّة المعروفة بـ»البراجيل»، يجاور كلّ واحد منها فلجاً، أو جدولاً، يمخره القارب الخشبيّ القديم المسمّى محليّاً «داو». وفي نطاق باستاكيا تقف قلعة الفهيدي العائدة إلى 1799، والتي جُعلت متحفاً. والمنطقة هذه حظيت فعلاً ببعض الإنفاق الذي حوّلها سوقاً ومركزاً ثقافيّاً صغيرين. إلاّ أنّ مساحتها لا تتعدّى الواحد في المئة من مساحة دبيّ الحديثة، وهي خارج النظر والتركيز، تحجبها الأبراج العالية ومحيطها كما تطمسها الدعاية السياحيّة السائدة.

أيّ زمن؟

فإذا كان للزمن أن يترك بصماته على كلّ شيء، فكيف الأمر في مكان كدبيّ هارب من كلّ زمن إلى مستقبل متخيّل؟.

هنا، يسع المقارنات النافية والسالبة أن تعلّمنا شيئاً.

فالاحتفال الهيوليّ بالبرج لم يشهد ما يشبه أوبرا «عايدة» التي ألّفها فيردي بطلب من الخديوي اسماعيل كي يُدشّن بها افتتاح قناة السويس. ذاك أنّ الأوبرا، كجنس فنّيّ، أفل نجمها، وصارت في البلدان الغربيّة ذاتها اهتماماً بالغ النخبويّة لا يعيش إلاّ بفضل الدعم الرسميّ. صحيح أن دبيّ كلّفت المهندسة البريطانيّة، العراقيّة الأصل، زها حديد، بناء دار ضخمة لها، دارٍ يبدو أنّها، هي الأخرى، مثلها مثل البرج الدوّار، ممّا عطّلت الأزمة الماليّة استكماله. لكنّ فرجة الأوبرا غير الأوبرا ممّا لا يشبه دبيّ ولن تشبهه دبيّ. فذاك الجنس مثقل بحمولة التاريخ. ولئن شرع مهده الأوروبيّ نفسه يهجره، بعدما عصفت به الديموقراطيّة والتعميم، قبل أن يستورد السرعة و»العمليّة» الأميركيّتين، فهذا ما لم يحصل إلاّ بعد عيش الأوبرا واستنفادها. والفارق، هنا، كبير، لا يمكن إحراق المراحل فيه والاكتفاء، تالياً، بقطف آخر الثمار.

لكنّ سوء الفهم بين العرب والأوبرا كان قد بدأ مع اسماعيل نفسه. ذاك أنّ فيردي الذي لم يسعفه الحضور إلى القاهرة، في 1871، يوم الافتتاح، ساءه أنّ الجمهور المدعوّ اقتصر على أعيان القوم وعليّته، ولم تُدعَ إليه عامّة الناس. هكذا اعتبر أنّ الافتتاح الفعليّ لم يحصل في العاصمة المصريّة، بل في ميلانو في شباط (فبراير) 1872.

ذاك أنّ الأوبرا قبل أن تصبح أريستوقراطيّة وتذوي على هذا النحو، وُلدت شعبيّة وعاشت طويلاً هكذا. فهي، أصلاً، «خطاب» بمعنى التماسك التاريخيّ الذي يستبطنه التعبير، والمؤلّف من نصّ «ليبريتّو» ومن موسيقى، فيما كلمة «أوبرا»، اللاتينيّة فالإيطاليّة، لا تعني إلاّ «العمل» الذي ينطوي على ذاك الجهد المركّب. وشراء الأوبرا، أكان مع اسماعيل أو في دبيّ بعد قرن ونصف القرن، يجافي معنى «العمل» ذاته. أبعد من ذلك أنّ التعارض يمتدّ إلى تاريخ الأوبرا التي ولدت في إيطاليا إبّان عصر نهضتها ومنها امتدّت إلى سائر أنحاء القارّة. لكنّ المتّفق عليه أنّ الأوبرا الأولى «دِفني» لجاكوبو بيري، والتي وُضعت في 1597، إنّما كانت محاولة لإحياء الدراما الإغريقيّة الكلاسيكيّة ممّا شكّل جزءاً تأسيسيّاً من النهضة وعصرها.

وهذه ثوريّة احتملها اسماعيل بأن دفع ثمنها وحوّلها فرجةً لوجهاء بلده وأغنيائها، في زمن كان كلّ ما يفد فيه من الغرب فرجة. أمّا دبيّ فيصعب أن تحتمل «عايدة» التي تروي قصّة أميرة إثيوبيّة قُبض عليها وجيء بها إلى قوافل العبيد في مصر. لكنّ القائد العسكريّ رادامِّس، الذي كابد الاختيار بين حبّه لها وولائه لفرعونه، لم يستطع أن يبادل أمنريسّ، ابنة الفرعون، الغرام الذي كنّته له.

إذاً، ظهر، ذات مرّة، مَن فضّلوا العبدة على الأميرة، وهذا خطير ومقلق جدّاً.

إنّ «الجديد»، وعلى نحو مفارق ظاهراً، يبدو رجعيّاً في هذه الحال، إذ لا يبقى منه إلاّ الهرب من قديمٍ هو، بالضبط، تاريخ تجرّؤ وانشقاق. يصحّ هذا في قولةٍ كثيراً ما يردّدها عرب محافظون من أنّ الأحزاب والنقابات انتهى زمنها في بلدان الغرب ذاتها. لكنْ حتّى لو صحّت الفرضيّة تلك بقي الفارق ضخماً بين من جرّب وتجاوز وبين لم يجرّب أصلاً.

على أيّة حال، فلدى افتتاح «برج خليفة»، ذاك الموقع المُعدّ لاستقبال ستة آلاف ضيف فضلاً عن جيش من الإعلاميّين، اعتُمد على عناصر حياديّة بلا حمولة من تاريخ أو من صراع وتنازع. وحقّاً جُعل من الماء كلّ شيء حيّ. ذاك أنّ المياه اتّخذت أشكال الزهر والأفاعي والنجوم والأعمدة، وطبعاً الألعاب. وكانت ملابَسة الضوء للماء مرتكَز اللوحات البصريّة المدهشة المتفاوتة حجماً وتعبيراً. وقد استُهلّ الافتتاح بفيلم قصير عن قصّة دبيّ وتطوّر برج خليفة، ثمّ انفجر الصوت والضوء والماء والألعاب الناريّة ممّا قُطّع على عروض ثلاثة كبرى كان موضوع أوّلها علاقة زهور الصحراء بالبرج الهائل.

وهذه جميعاً رمزيّات مؤلّفة ومركّبة، لكنّها لا تكتم الذكريّ فيها، بل الفحوليّ. فترطيب الجافّ وإضاءة المعتم واختراق الجميل الطبيعيّ، معانٍ لا تفوت الناظر اللبيب. إلاّ أنّها جميعاً لا ترتّب على صاحبها مسؤوليّة تُذكَر: فهو، بيسر وسهولة، يُحلّ التجميل الذي يكاد لإسرافه يغدو بهلوانيّاً، محلّ تحدّي الإرادة الإنسانيّة في الخَلق والإنشاء. هكذا يمكن إتمام المشهد الذي صنعته التقنيّة بتعليق مندهش من نوع: «لا إله إلاّ الله»، ومن ثمّ ردّ هذه الصناعة الإنسانيّة إلى الخالق بوصفه الصانع الأوّل جلّ جلاله.

وهذا وذاك يجدّان في محيط تحضّ مخاطره على الإذعان والتسليم، خصوصاً أنّ ما من أحد يملك السيطرة عليه. وفي اتّكال كهذا على الله، تكون دبيّ، وهي الأضعف بين قوى المنطقة، الأشدّ اتّكالاً. ذاك أنّ الإمارة التي تبني وتعمّر ليست بعيدة عن مسرح تدمير محتمل كالنزاع الإيرانيّ-الأميركيّ، أو ربّما الإيرانيّ-الإسرائيليّ. ومعلوم أنّ الإشارات كثيرة إلى حضور الإيرانيّين بشراً ومالاً وتبييض مال في دبيّ، تتخلّلها إشارات إلى نشاط قاعديّ تردّد أنّ الأميركيّين لم يفتْهم التحذير منه.

في هذه الغضون يلوح عالم الإمارة تقليداً لعالم جيمس بوند، بما يكمّل الكيتشيّ الذي ينضح به. ففي ربيع 2006، ثارت مسألة زهار كنيازيفيتش كالاشوف، الجورجيّ الأصل، وأحد زعماء العصابات الذين اعتقلوا في دبيّ لدى مغادرته اجتماعاً لزعماء المافيا الأوروبيّة الشرقيّة. ثمّ في نيسان (ابريل) 2007، سطا «أوروبيّون» على «وافي سنتر» للمجوهرات، وتردّد أنّ المافيا الروسيّة مَن نفّذ العمليّة. وفي صيف 2008 طُعنت المطربة اللبنانيّة سوزان تميم بالسكّين في شقّتها في دبيّ. وكان للجريمة تلك، وقد اتُّهم بارتكابها رجل أعمال مصريّ، أثر على حياة مصر السياسيّة واكبه ضجيج إعلاميّ وإثاريّ لم يهدأ بعد. وفي آذار 2009 اغتيل سليم يامادييف في دبيّ، وهو خصم بارز للرئيس الشيشانيّ رمضان قادروف. وقد وُجدت جثّة يامادييف داخل مرآب للسيّارات تحت الأرض. وبغضّ النظر عن مدى القهر وراء اعترافات عبد الملك ريغي، زعيم «جند الإسلام» السنّيّة الإيرانيّة، نُقل عنه أنّه في دبيّ التقى رجالات المخابرات المركزيّة الأميركيّة.

وأخيراً، وعلى يد الموساد الإسرائيليّ، قُتل في أواخر كانون الثاني 2010 القياديّ في «حماس» الفلسطينيّة محمود المبحوح في واحد من فنادق دبيّ. والحادث الأخير هذا كان له دويّ عالميّ لامس أطراف العلاقات بين أوروبا وأستراليا بالدولة العبريّة، كما سلّط أضواء على جوازات السفر استخداماً وتزويراً. بيد أنّ عمليّة المبحوح طالت أمكنة عميقة في الجسمين الفلسطينيّ والدبيانيّ، وشكّلت للكثيرين مناسبة يقولون فيها بعضاً من المسكوت عنه طويلاً. فثمّة من اتّهم عناصر في السلطة الفلسطينيّة نفسها، وثمّة من اتّهم عناصر في «حماس» التي ذُكر أنّ المبحوح جسر علاقتها بإيران تسلّحاً وتمويلاً. أمّا في دبيّ، فانفجر الاعتداد بنجاح الأمن الدبيانيّ في كشف العمليّة، كما في كشف العمليّات السابقة، وذهب البعض إلى اعتبار يقظتها الأمنيّة علامة تقدّم أخرى تقف إلى جانب الأبراج والمواصلات والتقنيّة. ولم يتردّد قائد شرطة الإمارة، ضاحي خلفان، في أن يطلب رأس «رأس الموساد» مئير دغان، ويطالبه بأن يتصرّف «كرجل»، فيما كان يتكشّف أنّ أكثر من 1500 كاميرا للمراقبة تتوزّع أرجاء الإمارة وفنادقها ومراكز التسوّق فيها. وفي المقابل، وجّه الممانعون انتقادات صريحة لانفتاح دبيّ، فقيل إنّ الصراع مع إسرائيل يستدعي تغيير طبيعة الإمارة واقتصادها، حتّى أن «حزب الله» اللبنانيّ وسّع البيكار متسائلاً عن «الإجراءات [اللبنانيّة] بحقّ الوافدين بجوازات أوروبيّة». وبفرح عند البعض، وتوجّس عند البعض الآخر، قيل إنّ دبيّ ضُمّت إلى ميادين الصراع العربيّ-الإسرائيليّ. أمّا الأكثر حذلقة بين دعاة العزلة، فنبّهوا إلى أن إسرائيل «تستهدف تجربة دبيّ» وتعمل على «تقويضها». وطبعاً ظهر، بين الخليجيّين خصوصاً، من لام الإعلام لتأثيره «السيّء» على صورة دبيّ، إذ «ربطها» بنزاعات أجهزة الاستخبارات والجريمة المنظّمة. لكنّ آخرين استوقفهم اهتمام الإعلام الغربيّ، والبريطانيّ خصوصاً، باغتيال المبحوح وبالأزمة الماليّة قبله، فرأوا في الأمر قرينة على مؤامرة شبه استعماريّة تُحاك هذه المرّة ضدّ دبيّ. وقد ظهر من لاحظوا أنّ قطع الطريق على التسلّل التجاريّ لإيران، والذي يتيح لها التحايل على الحصار المحتمل، يستدعي حرمانها الممرّ الدبيانيّ السرّيّ. لكنْ ما إن أعلن ضاحي خلفان عن «منع دخول حَـمَلة الجنسيّات المزدوجة»، تفادياً لتسلّل أيّ شخص يُشتبه في أنّه إسرائيليّ، حتّى لاحت في أفق العرب ملامح أوّليّة لبطل جديد يذكّر برأفت الهجّان. هكذا صدرت صحيفة عربيّة راديكاليّة الهوى بعنوان يقول: الفريق خلفان أصبح نجماً تلفزيونيّاً: النجاح الأمنيّ الذي أحرج إسرائيل والموساد». ثمّ تحدّثت وسيلة إعلاميّة عن مشاهدة «طائرات مروحيّة غامضة» تحوّم فوق بيته، فيما تناول عبد الباري عطوان، رئيس تحرير «القدس العربيّ»، تحوّله «إلى بطل شعبيّ، ليس في دولة الإمارات، وإنّما في الوطن العربيّ بأسره، لأنّه أظهر كفاءة أمنيّة عالية في كشف هويّات المتورّطين في الجريمة، وألحق ضرراً كبيراً بإسرائيل».

وكان لافتاً أنّ الإعلامين العربيّين «الممانع» و»المعتدل» التقيا على كيل المديح إلى ضابط الأمن الدبيانيّ. فقد عبّر أوّلهما عن حبّ للضبّاط لا يكتم نوستالجياه إلى الزمن الناصريّ، بينما نوّہ الثاني بصرامة الأمراء في توجيه الأوامر لضبّاط ينفّذونها بصرامة مماثلة.

وعلى العموم أضيفت دبيّ، في مناخ الأزمة الماليّة والاقتصاديّة، إلى ركب «القضيّة» ممّا اشتُهرت به الأنظمة العسكريّة القوميّة، أمّا العنوان فكان، هذه المرّة، «قهر الموساد».

لقد بدا في التثبّت على موضوع المبحوح والموساد كأنّ الدبيانيّين يصرخون «وجدناها»، متغلّبين على العقدة المشرقيّة حيث قضايا المصير نهر لا ينضب. وبدورهم، «اتّحد» العرب جميعهم عند استنطاق رغبة فمّيّة لا تشبع.

بشر بلا حقوق

لكنْ ما الذي يجمع «أبطال» القتل في دبيّ، أي أجهزة المخابرات، وشبكات المافيات، وقادة الحركات الراديكاليّة، والفنّانات المهاجرات، والقادة المنشقّين؟، وما الذي يلمّ أجزاء «الفيلم» الذي «يمثّلونه» جميعاً، وأنماط التحليل التي راجت في فهم ما يجري وفي تأويله؟.

غنيّ عن القول إنّ «دبيّ لاند»، المختلطة الملتبسة المتداخلة، هي الجامع المشترك. إنّها المسرح والحبكة والقضيّة في وقت واحد. غير أنّ الموت الذي يحدث في دبيّ ليس من صنف ما يحدث في البندقيّة ممّا سرده توماس مان. فهو ضاجّ ومثير، إلاّ أنّه قليل الكثافة، آحاديّ البعد، أشبه بما يحتويه الـ»بِست سيلر» التقليديّ أو مكتبات محطّات القطار في أوروبا. فهناك تُبنى تجربة تنطوي على أموال تستهوي السارقين وتستقطب الفنّانات والفنّانين، وعلى انفتاح يغري الاستخبارات كما يغري الراديكاليّين والمنشقّين. وهذا بمثابة تحصيل حاصل قد تنجح اليقظة الأمنيّة في الحدّ من أضراره وفي إحراج الأصوات التي تتذرّع به لإغلاق العرب، بلداً بلداً، عن العالم.

لكنّ ما يُبنى في دبيّ فرجة بلا مشاعر. فمن يبحث عن مادّة رومنطيقيّة أو مثيرة للحنين أو للتأمّل فعن عبث يبحث. وهو ما لا يؤكّده الموت فحسب بل توثّقه الحياة أيضاً.

ففي نصّ طويل نسبيّاً كتبه الشاعر اللبنانيّ فادي طفيلي عن «مهاجرة» فرّت من حرب تمّوز 2006 إلى دبيّ، رأت تلك السيّدة أنّ «من الصعب جدّا ً تكوين صداقات حميمة [هناك]. فالنزعة الماديّة تجرف معظم الأشخاص، وهَمُّ الجميع الأوّل ينصبّ على زيادة الدخل الماليّ». كذلك، ما من فسحة للفرد في دبيّ، حيث «المتزوّجون الذين يعيشون مع عائلاتهم همّ الأكثر رضاً وسعادة. أمّا الأفراد الذين يحاولون باستمرار المواءمة بين تجميع ما يستطيعونه من مال، وبين الترفيه الجامح عن أنفسهم، فيزدادون اضطراباً وتوتّراً يوماً بعد يوم».

فحركة دبيّ، من ثمّ، حركة فيزيائيّة جبّارة ذات جلبة مرتفعة، أمّا الحركة في دواخل النفس فمعدومة أو تكاد. وهذا مصدر لأصوليّة محتملة ينتجها الانبهار بالعظيم والهيوليّ، وبالأصوات والأصداء، من دون تفكيرها. فالموت والحياة في دبيّ لا يعثران على أدوات تعقّلهما، وهي مهمّة تستحيل مع انعدام المشاركة في إنتاج أيّ من أسباب ذينك الحياة والموت.

فدبيّ، حكماً، سوف تستقطب ما استقطبته من تحدّيات لأمنها، ممّا تبدي نجاحاً واضحاً في التعامل معه. لكنّ الأمر يقف هنا ولا يتقدّم. وهذا سبب آخر وراء طغيان الأمنيّ الغامض على أحداث الموت، كما وراء الخبط العشوائيّ والتآمريّ الذي خبطته الأفكار في تفسيرها الأزمة، أو في شرحها اغتيال المبحوح ومضاعفاته.

والمرء، من موقع آخر، يتذكّر بضع أفكار تصدّت بالتأويل لهزيمة عبد الناصر في 1967، من نوع أنّنا «تخلّينا عن الله فتخلّى الله عنّا». فلم يكن بلا دلالة، بالتالي، أن منظومة الوعي الإسلاميّ ما لبثت أن ظهرت كأقوى ورثة عبد الناصر في الصراع على العقل العامّ.

وفي إحدى خلفيّات الانتقال هذا أنّ الناصريّة، بكاريزما صاحبها، كما بالسدّ العالي والوحدة وسائر «المنجزات»، بقيت غريبة عن شعبها المفترض، إمّا بسبب الديكتاتوريّة العسكريّة، وهي حائل دائم، وإمّا بسبب تولّي السوفيات والأوروبيّين الشرقيّين مهمّات البناء. وجارحةٌ، في هذا المعرض، لكنّها بليغة، تلك النكتة التي شاعت من أن العمّال المصريّين كانوا يغنّون مع عبد الحليم حافظ «إحنا بنينا وإحنا حنبني السدّ العالي»، فيما الخبراء والمخطّطون والمهندسون، الروس والتشيكيّون والألمان والبولنديّون، ينجزون العمل الفعليّ.

ومع دبيّ، لا تختلف المسألة. فإذا نحن بحثنا عنها في برجها، واجهتنا حقائق جارحة هي الأخرى. ذاك أنّ شركة «سمسونغ» للهندسة والبناء التي بنت البرج كوريّة جنوبيّة. وقد عاد تصميمه إلى شركة «ودز باغوت» الهندسيّة الأستراليّة، فيما تمّ، في أستراليا، تطوير نظام تنظيف البرج. وتتداعى أسماء شركات كـ»سكيدمور» و»ترنر كونستراكشن»، وكذلك أشخاص يصعب العثور على مطلق صلة بينهم وبين دبيّ أو الخليج أو العرب ثقافةً أو نسباً أو ديناً أو «أصالةً»، من مهندسه الأميركيّ المشهور بناطحاته أدريان سميث إلى جورجيو أرماني.

فهذا الحدث، إذاً، يندرج في تاريخ الفرجة كما في حركة انتقال المال والتقنيّة، لكنْ ليس في تاريخ الاقتصاد الذي يبني مجتمعات، ولا في تاريخ الثقافة والعقل العامّ والخبرات التي يكتسبها ثمّ يراكمها.

وما يصحّ في الخبرات التي تُشترى يصحّ في العمالة الأجنبيّة التي تُقدّر نسبتها الى المواطنين بعشرة مقابل واحد. إلاّ أنّ أوضاع هؤلاء لا تنمّ فحسب عن العزل والانفصال، ممّا تدلّ إليه مناطق إقامتهم الطرفيّة البائسة، فضلاً عن شروط السكن الرديئة، بل تنمّ عن أمر آخر أسوأ، هو فراغ البرج الدبيانيّ من مضمون إنسانيّ كذاك الذي حكم مسيرة الأبراج في التاريخ، جاعلاً منها اعتراض الكرامة الإنسانيّة على وحدانيّة الله. فهنا لا تصدر بلبلة الألسن عن انتقام ربّانيّ، إذ الله مستريح ومطمئنّ في دبيّ، بل تنجم عن صناعة بشريّة لئيمة.

فحسب أرقام تعود إلى ابتداء تعمير البرج، تقاضى النجّار الماهر 4،34 جنيهاً استرلينيّاً في اليوم، والعامل غير الماهر 2،84 جنيهاً. وحسب تحقيق لـ»بي بي سي» و»هيومن رايتس واتش» معاً، كثيراً ما كابد العمّال الآسيويّون التأخّر في الدفع، وتعرّضت أجورهم للحسم أحياناً، كما صادر أرباب عملهم جوازات سفرهم، وهذه أشبه برياضة وطنيّة هناك. وأهمّ من ذلك أنّ ظروف العمل تسبّبت بأرقام مرتفعة من الموت والتعرّض للأذى. فالعمّال هناك يعملون 12 ساعة يوميّاً لستّة أيّام في الأسبوع في ظلّ حرارة لا تُطاق. وبعد تحرّكات عمّاليّة متقطّعة بدأت في 2004 انفجر الأمر في 21 آذار 2006: فاحتجاجاً منهم على هزال الأجور وشروط العمل ومصاعب المواصلات العامّة، احتجّ العمّال في موقع البرج حتّى بلغ بهم الغضب أن أحرقوا سيّارات وهاجموا مكاتب وحطّموا أجهزة كومبيوتر ومعدّات بناء، أي أنّهم ردّوا رمزيّاً على الرموز التي تتّصل بعملهم وظروفه. وهو سلوك وإن لم يكن الأكثر حكمة، يبقى مفهوماً ومتوقّعاً، سبق أن أسّسته، مع بدايات الثورة الصناعيّة الإنكليزيّة، الحركة اللوديّة، تيمّناً باسم العامل لود، والتي حطّمت ما كانت تستخدمه في العمل من آلات. وفي الحالات جميعاً، مات ثلاثة عمّال أجانب أثناء بنائهم البرج، وهذا في زمن لم تعد المقارنة ببناء الأهرامات جائزة أخلاقيّاً أو اقتصاديّاً.

صحيح أنّ دولة الإمارات العربيّة، لا دبيّ وحدها، بعيدة الليبراليّة قياساً بجاريها الكبيرين السعوديّ والإيرانيّ، لكنّ هذا لا يكفي، ولا يسوّغ الكلام عن «تجربة حضاريّة» توصف الإمارة ببنائها. فما من مؤسّسات هناك منتخبة ديموقراطيّاً، والمواطنون لا يسعهم تغيير حكوماتهم أو تشكيل أحزاب. وبدورها، لم توقّع حكومة الإمارات على معظم الاتّفاقات والمعاهدات الدوليّة في ما خصّ حقوق الانسان وحقوق العمل والعمالة. أمّا الصحافة، وعلى رغم وجود مدينة دبيّ للإعلام، فتمارس رقابة ذاتيّة صارمة ودقيقة. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2007 أوقفت دبيّ محطّتي تلفزيون باكستانيّتين بطلب من حاكم باكستان يومئذ برويز مشرف.

وهذا ليس من الحداثة في شيء ولا من الرأسماليّة. ذاك أنّ الخليج، ما خلا البحرين، لا يزال يطبّق «نظام الكفيل»، هو القائم على كفالة المواطنين المحليّين للوافدين، مخضعاً إيّاهم لشروطهم الماديّة والمعنويّة. كذلك لا توجد للعمّال نقابات، بحيث يتولّى موظّفون معيّنون حكوميّاً «حلّ» مشاكل العمل.

وهو جميعاً ما ينشىء، حيال الحقوق والواجبات، نظاماً صارم المراتبيّة والتبويب، عابراً للمهن والجنسيّات. ففي نصّ فادي طفيلي إيّاه، تحدّثت تلك «المهاجرة» اللبنانيّة عن زميلاتها الفيليبينيّات وزملائها الهنود الذين «كانوا من الاختصاصيّين التقنيّين في المهن الطبيّة ومعظمهم يحمل شهادة الماستر. كانوا جميعهم أكثر كفاءة منّي، لكنّني كنت رئيسة العمل، الـ boss، المشرفة على ما يقومون به، وذلك لأنّي لبنانيّة».

وهي إذ تصف ما يتحكّم بالعمل هناك، تلاحظ أنّ «نمط العلاقة هذه نمط شائع في دبي، وسائد بين العرب، من جهة، وبين الأجانب القادمين من بلدان العالم الثالث كالفيليبين، من جهة أخرى. فالعرب واللبنانيّون أمام هؤلاء «العالم ثالثيّين» هم مدراء العمل ورؤساؤه، يمارسون على الأخيرين سلطتهم هذه على نحو هرميّ صارم خال من أيّة مشاعر أو لين». لكنّها هي نفسها ما لبثت أن أصبحت «أكثر خبرة في التعامل مع الناس والموظّفين، وبدأتُ أدرك أصول التفرقة والتمييز في التعامل مع الذين يعيشون في دبيّ، فأجيد التكلّم مع الهنديّ والعربيّ والبريطانيّ والإيرانيّ، كلٌّ بحسب موقع بني جلدته في نظام العلاقات الهرميّ الدقيق في تلك المدينة الحافلة بالعابرين».

بل ربّما صحّ القول، على نحو مفارق، إنّ الأزمة الاقتصاديّة الأخيرة ساهمت في أنسنة دبيّ وفي جعلها أقلّ مراتبيّة، أو حسب لغة «المهاجرة» اللبنانيّة، «حلّت ظاهرة ‘إعادة التموضع’ السكنيّ في أحياء ومناطق عديدة، فانتقل مَن كان يسكن أحياء مرتفعة الإيجارات للسكن في أحياء أرخص، وانخفضت الإيجارات في بعض المناطق فحلّ فيها مَن لم يكن يحلم في سكنها». وعن هذا نجمت «ظاهرة اختلاط طبقيّ غير مسبوق، حيث لم يعد ممكناً تعيين الطبقة الاجتماعيّة للمقيمين من خلال معرفة عناوين سكنهم، كما كان سائداً. لقد تداخلت الطبقات الاجتماعيّة أكثر فأكثر وبات المزاج العامّ ينحو نحو المزيد من السخرية والتهكّم والقلق».

ذاك أنّ مراتبيّة صارمة كتلك مرشّحة، ما لم تنكسر، أن تنتج صخباً وعنفاً كبيرين. لكنْ في «يوكناباتاوفا كاونتي» التي تخيّلها وليم فوكنر، تقف الخادمة السوداء، دلساي، في مقابل عائلة كومبسون المتداعية، وهي تقف متماسكة، على ضعفها، فخورةً وسط عالم يذوي ويموت، تنظر إلى ما يتعدّاها فتتمكّن وتقوى، وهم ينظرون في دواخلهم الضيّقة فيضيقون. ذاك أنّ عائلة كومبسون، الجنوبيّة والأريستوقراطيّة، لا تفعل، في آخر المطاف، سوى تدبّر أمر انهيارها ومحاولة الالتفاف على تصدّع سمعتها المتآكلة.

فهل تكون العمالة المهاجرة دلساي الدبيانيّة؟.

أنياب الأزمة

هي، إذاً، مجرّد «مكان» لجمع المال. لكنْ ماذا يحصل حين ينضب المال وتحلّ الأزمة وتنشب أنيابها، والأزمة حلّت فعلاً؟

الحال أنّ أحداً لا يستطيع، إلاّ في السيناريوات الخلاصيّة والخرافيّة، تجنّب الأزمات. فهي تلازم كلّ مشروع، كما أنّها قد تفد من مصادر عدّة، وأحياناً من مصدر النجاح عينه. فـ»دوكلاندز»، المدينة التي بُنيت شرق لندن وكثيراً ما تسلّى مهندسو العمارة وتفنّنوا في بنائها، لم تقلع. وقد اعتُبر فشلها، أواخر التسعينات، تعبيراً نُصبيّاً عن دخول الثاتشريّة البريطانيّة طور أفولها. ونعرف أنّ الوسط التجاريّ في بيروت ارتبط بآمال السلام الإقليميّ، إلاّ أن التوتّر الإقليميّ هو ما ذرّ قرنه فانطوت التجربة على نفسها.

هكذا الدنيا، يصعب التكهّن بمساراتها. مع هذا، فإن شيئاً من التواضع ومن حسن التقدير وعقلانيّته، فضلاً عن فرملة السعي وراء الربح الجامح، قد يخفّف وطأتها ويحاصر الآثار الناشئة عنها.

لقد انتهى بناء البرج بعد شهر على متاخمة الإفلاس وانهيار العقارات وانكماش البناء، فأنعش الأمر فكرة أخرى عن البعث والقيامة. ويبدو أنّ حاكم دبيّ الشيخ محمد بن راشد رغب في تحويل الأنظار عن الأزمة إلى مستقبل واعد للإمارة. وحذا الإعلام حذو تلك الرغبة، فراح يشيع أوهاماً تدور في مدار الفكرتين الأسطوريّتين هاتين. وبالطبع حضرت «المؤامرة» حضورها المهيب: فإلى الغرب وإسرائيل المتحفّزتين لـ»الانتقام» من نموذج دبيّ ومن «حكمة حكّامها»، وُجد مَن يضبط إيران متلبّسة بالجرم ذاته.

وفي هذه الغضون، راحت تتتالى الوقائع التي لا تحجبها «المؤامرات» ولا
تطمسها المدائح.

فبعدما أقام ربع روافع البناء في العالم هناك، وهو رقم اكتسب هالة خرافيّة في ذروة الإقبال على الملكيّات، باتت الشركات تناضل كي تنزع روافعها من أرضيّات البناء الذي توقّف، محاولةً الحؤول دون صدأ المئات من تلك الروافع الهامدة. وبدا كأنّ «الأعلى» و»الأطول» و»الأعظم» سيغدو خاتم الأبراج، لا بمعنى مواصلة الاحتفال بل بمعنى الاقتراب
من ساعة الحقيقة.

كذلك راحت الصحف الغربيّة واليابانيّة تتحدّث عن شركات كبرى توقف عقودها، أو تطالب بإعادة التفاوض حول عقود مبرمة سابقاً، أو تبطّىء أعمالها في مشاريع ضخمة كالمترو وبعض الأبراج والقاعات غير المكتملة. كذلك ذاعت أخبار «الخلافات حول الدفع» التي كانت تنفيها الإمارة أوّلاً بأوّل في موازاة خليط من قصص وشائعات عن سيّارات مركونة في موقف مطار دبيّ تركها أصحابها فارّين إلى بلدانهم.

ذاك أنّ المشاريع العقاريّة التي توقّف العمل بها بلغت قيمتها 190 بليون دولار في عدادها بناء ثلاثمئة جزيرة يُفترض أن تقوم فوق البحر المردوم. وقد تسبّب شحّ المال بالذعر في البورصات والأسواق، وتردّى أداء بورصة دبيّ فصار الأسوأ في العالم، فيما المستثمرون غدوا ينفرون من كلّ دَين عامّ تتكبّده حكومات غطست في مديونيّتها. وبينما كانت شركة «دبيّ العالميّة» تطالب بتأجيل سدادها لديونها ستّة أشهر، شرعت أخبار اليونان وأزمتها تصبّ الزيت على نار المخاوف وتحثّ الهاربين بمالهم على استعجال الهرب الكبير.

تحت وطأة الأزمة غُـيّر إسم البرج من «برج دبيّ» إلى «برج خليفة»، تكريماً لرئيس دولة الإمارات وأمير أبو ظبي الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، وكان هذا إقراراً بتفوّق أبو ظبي وبغلبة المال في مصادره على المال في تداوله. لكنّ الأمر، وهو ما تكشّف سريعاً، انطوى على كسر الأرقام القياسيّة لحقوق التسمية. فنحن، في دبيّ، أمام أفعل تفضيل آخر: إنّه أرفع سعر يُدفع مقابل إسم.

فـ»في آخر لحظة»، كما كتبت صحف خليجيّة وعربيّة، هبّت أبو ظبي لإنجاد أبناء العمّ في دبيّ، حسب تعبير «ول ستريت جورنال»، بعشرة بلايين دولار. هكذا راحت الصحف العربيّة نفسها تطنب في امتداح «حكمة» حاكم أبو ظبي ورئيس دولة الإمارات بعد إطنابها في امتداح «حكمة» حاكم دبيّ. ذاك أنّه من دون عون ابن العمّ الأكبر، لن يستطيع ابن العمّ الأصغر أن يدفع الديون التي جعلته مشاريعه، لا سيّما البرج و»داون تاونـ»ـه، يراكمها.

هكذا استيقظت الشياطين العربيّة التي تنام تحت مخمل القرابة ونظامها. فأبو ظبيّ ودبيّ الإمارتان الأكبر في دولة الإمارات المتّحدة، ما يعني أنّ تنافسهما على الزعامة هو الوجه الآخر لـ»اتّحادهما». وهو تنافس كان قد بلغ أوجه في عهدي الأميرين الراحلين زايد بن سلطان آل نهيان الظبيانيّ وراشد بن سعيد آل المكتوم الدبيانيّ، حتّى بات من المكوّنات التأسيسيّة للإمارتين ومن هويتيهما. لكنّه تنافس تغذّى على موارد أخرى لا تجفّ. فهو وجد نسغاً له في تباهي الاقتصاد النفطيّ بماله الجاهز مقابل تباهي اقتصاد التجارة والعقارات والسياحة والخدمات الماليّة بشطارته، هو المدرك لوسائل الإفادة من وقوعه في قلب المحيط النفطيّ.

لقد أمكن لدبيّ، حسب ثنائيّة ميثولوجيّة قديمة، أن تقدّم نفسها بوصفها العقل قياساً بالجسد، والمهارة قياساً بمنح الطبيعة.

والتباهيان كانت العمارات النُصبيّة أبرز ساحاتهما. فالظبيانيّون سبق أن أنشأوا «قصر الإمارات» ليكون ردّاً من جنس فرساي الفرنسيّ على «برج العرب»، ثم تعاقدوا مع متحف لوفر كي يبني لهم فرعاً منه في أبو ظبي. والمشروع هذا الذي يتولاّہ مهندس العمارة الفرنسيّ جون نوفيل، يُفترض إنجازه في 2012، مقابل 1،3 بليون دولار. وترمي أبو ظبي إلى تشييد مدينة «مصدر» لتكون «أوّل» مدينة في العالم، وفي التاريخ، تخلو من الكربون ومن النفايات وتعتمد اعتماداً كاملاً على الطاقة المتجدّدة. وتستعدّ أبو ظبي، ومعها قطر، لمنافسة دبيّ المفلسة في محاولتها بناء ملاعب ضخمة تستطيع أن تستضيف أحداثاً في حجم مباريات كأس العالم أو الألعاب الآسيويّة.

وهذا غيض من فيض الاستئناف الحداثيّ، في أشدّ تأويلات الحداثة شكلانيّة، للتنافس العصبيّ القديم. فإذا كان آل نهيان زعماء قبائل بني ياس، فإنّ آل المكتوم لم يكفّوا عن منافستهم على تلك الزعامة، حجّتُهم في ذلك أنّ أرومتهم، بو فلاسه، أعلى كعباً من بو فلاح، أرومة النهيانيّين.

وعلاقات أبناء العمّ لا يعوزها الالتواء. فقد تناقلت الألسن «العارفة»، كما أوحت الصحف «بين سطورها»، أنّ أبو ظبي فرضت على الدبيانيّين شروطاً سياسيّة ملزمة قبل تقديمها المعونة. ذاك أنّ المطلوب إقرار الأخيرين، مرّة وإلى الأبد، بأنّ صاحب النفط والمال هو صاحب اليد الطولى، فضلاً عن انضوائهم في سياسة خليجيّة أشدّ حذراً حيال الإيرانيّين وأموالهم وتوظيفاتهم، خصوصاً أنّ الذين يدخلون منهم إلى دبيّ يستطيعون «التسلّل»، من دون تأشيرات دخول، إلى باقي الإمارات العربيّة المتّحدة.

فوق هذا تبيّن، بعد التهليل بالانقاذ الظبيانيّ، أنّ الانقاذ ذاك أقلّ ممّا ظُنّ. فدبيّ كشفت في 18 كانون الثاني عن أن نصف العشرة بلايين يعود إلى اتّفاق أسبق عهداً من الأزمة. وكان للإعلان المذكور أن جدّد الأسئلة الكثيرة عن مستويات الشفافيّة والصراحة لدى حكومات منطقتنا.
ثمّ، وفي خاتمة غير سعيدة بالمرّة، أُعلن عن إغلاق البرج «موقّتاً»، من دون أن يُحدّد موعد زمنيّ لإعادة تشغيله. فلم يمض غير شهر على افتتاحه الأبّهيّ، حتّى أذاعت «إعمار»، الشركة الرسميّة التي تملكه، أن أعطالاً كهربائيّة وزحمة «غير متوقّعة» تحول دون استقبال السيّاح الزائرين. وكان للإعلان المفاجىء هذا أن خيّب أمل الأخيرين الذين حجزوا أمكنة لهم في صفّ آخر، صفّ استرجاع ما دفعوه مقابل بطاقات الزيارة التي انتظروا أيّاماً لابتياعها. وجدير بالذكر أن سعر البطاقة 27 دولاراً أميركيّاً، لكنْ إذا أصرّ الزائر على زيارته في اليوم نفسه لشرائه البطاقة، كان عليه أن يدفع ضعف ذاك المبلغ.

الرأسماليّة (الغربيّة) والإسلام

وقد وُجد من يكتشف للأزمة بُعداً آخر. فقبل عشرات السنين، حاول المؤرّخ والمستشرق الفرنسيّ مكسيم رودنسون أن يفكّ عقدة العلاقة بين «الإسلام والرأسماليّة»، على ما يقول عنوان كتاب شهير أصدره أواسط الستينات. ففي معارضة منه لماكس فيبر، الذي وضع الإسلام في مقابل الرأسماليّة وحاضنتها البروتستانتيّة، جادل رودنسون بأنّ الدين العربيّ لا يعيق الربح والتجارة، كما لا يمكن، بالاستناد إليه، تعقّل التيّارات الأعرض في حياة المجتمعات المسلمة.

وفي معنى ما، يجوز تقديم دبيّ برهاناً ملموساً على صدق الأطروحة تلك.

بيد أنّ مناخ الأزمة الماليّة وإحباطها أعادا الاعتبار إلى «نظريّة» أخرى، لا تخفى تآمريّتها، توحي بأنّ الرأسماليّة الغربيّة هي ما يحول دون نجاح الرأسماليّة في مجتمعات المسلمين. وهذا الرأي، وإن هبّ من مواقع محافظة و»يمينيّة»، لا يُعدَم الصلة برأي آخر، معروف ومنظَّر، «وطنيّ» و»تقدّميّ» و»يساريّ»، مؤدّاه أن الغرب المتقدّم يمنع «العالم الثالث» عن التقدّم.

في الأحوال كافّة، احتلّت صدارةَ الاهتمام شركتا «نخيل» و»دبيّ العالميّة» الرسميّتان اللتان وقعتا في «براثن» شركتي «كيو في تي فايننشيال» و»أشورست» الغربيّتين. فهاتان المعنيّتان بتصفية الديون، لم تتأخّرا في «اقتناص» الأصول الثمينة لما تملكه الأوليان عقاراتٍ ومشاريع ترفيه وسياحة.

ووطأة المشكلة لم تنفصل عن واقع الصكوك الإسلاميّة التي تُعدّ دولة الإمارات الدولة الثانية إصداراً لها بعد ماليزيا. وهذه، وبوصفها بديلاً عن السندات والأسهم، هي ما نما التعامل به في السنوات الأخيرة تبعاً لخلوّها من الفائدة المحرّمة شرعاً. هكذا ازدهرت الصكوك، على أنواعها، للاستثمارين المتوسّط والطويل الأجل، فكانت صكوك الشركة والمضاربة والمزارعة والمساقاة والمغارسة والإجارة والاستصناع وغيرها. غير أنّ افتقادها القاعدة القانونيّة التي يُفترض أن تحكمها، وتُحلّ التساوق بينها وبين المعايير التي تحكم السندات والأسهم، جعلها الخاصرة الرخوة للرأسماليّة الدبيانيّة. فما إن ضربت الأزمة حتّى ترنّحت شركتا الصكوك.

وهذا، بالطبع، ما لا ينفي تهمة الطمع عن شركات غربيّة لم تصف نفسها مرّة بالسخاء الحاتميّ أو بالاشتغال بالمال لوجه الله، كما لم تدّع أنّها محصّنة من الذعر الذي يضرب الشركات إبّان الأزمات ويحملها على الهرب.

ويتذكّر أصحاب الذاكرات القويّة أنّ الأزمة ما إن ضربت ضربتها في الخليج، حتّى أطلقت ألسنةً، ليست بالهامشيّة ولا بالعَرضيّة، جزمت في وجود مؤامرة غربيّة لـ»جعل أموالنا تتبخّر». إلاّ أنّ حكومة دبيّ ما لبثت أن أعلنت عن تقديم 9،5 بليون دولار لإعانة «دبيّ العالميّة»، علّ ذلك يطمئن المستثمرين ويهدّىء روعهم.

لقد سبق للسينمائيّ اللبنانيّ محمّد سويد، في عمل جميل، أن وضع دبيّ في مقابل هانوي. لكنْ يُخشى، على مدى أبعد، أن تحمل دبيّ في بطنها الخصب هانوي غير شيوعيّة يحلّ فيها الإسلام الراديكاليّ أو كراهية الغريب، أو الاثنان معاً، محلّ الشيوعيّة في فيتنام.

فالعمالة الأجنبيّة والغرب المتآمر، إعلاماً وحقوق إنسان وقوانين وشركات، ثم منذ اغتيال المبحوح، إسرائيل، هي ما ينطحه برج خليفة، آخذاً في طريقه «الشقيقة» أبو ظبي. وليس من سبب للاعتقاد بأنّ أبو ظبي، في لو انقلبت الأدوار، كانت لتختار منطوحين آخرين غير هؤلاء يُضافون إلى دبيّ. وهذا بمثابة استئناف، بأسماء وعناوين وأرقام أخرى، لتاريخ عربيّ متعجرف وعصبيّ وكاره للغريب، خلاصته التحديث من غير حداثة. ففي هذا يتساوى ما أسماه المثقّف السوريّ الراحل ياسين الحافظ «تأخّراليّة عربيّة» تجمع بين التأخّر والرأسماليّة، و»تأخّراكيّة عربيّة» يندمج فيها التأخّر بالاشتراكيّة. أمّا الأبراج فلا تعمّر، لسوء الحظّ، طويلاً.

إلاّ أنّ التساوي ليس تامّاً في الرداءة والقصور. فالذين يبنون في شكل سيّء يفضلون الذين يهدمون مسوقين بخلاصيّة الموت والخراب. وعلى رغم كلّ شيء، يبقى الإنفاق الدبيانيّ للثروة أفضل من إنفاقها كما عهدناه في النُظم الثوريّة، لا سيّما منها النفطيّة الغنيّة، كليبيا والجزائر وعراق صدّام حسين. ففي دبيّ أو في أبو ظبي، يحول تواضع الحجم وغياب المزاعم الإيديولوجيّة المضخّمة دون التسلّح ودون مدّ الآخرين ممّن هم خارج البلد بالسلاح. كذلك يردع التركيبُ السكّانيّ عن بناء النظام، شبه السياسيّ شبه الأهليّ، على القمع، أقلّه بحقّ المواطنين. وفي الحالات جميعاً، ولألف سبب، يُستبعَد أن تندرج إمارات الخليج في حروب أهليّة كالتي عرفتها الجزائر، أو في حروب خارجيّة كالتي خاضها صدّام حسين.

ولدبيّ فضيلة تنطلق منها، تشاركها فيها إمارات الخليج الأخرى: فهي مدينة – أمّة لا يراودها الطموح لأن تصبح دولة – أمّة في ظلّ استعدادات فقيرة لذلك. ذلك أنّ الدول – الأمم في الجوار المشرقيّ لا تزال تكابد التركة التي أثقلها بها الاستعمار حين وحّدها أكثر ممّا تطيقه مجتمعاتها ذات العناصر المتكارهة. ولأنّ دبيّ ليست مفتّتة من داخلها، أو لأنّها أصغر من أن تكون كذلك، لا نسمع لها أيّ صراخ تعويضيّ مرتفع النبرة عن «أمّة عربيّة» وأخرى «إسلاميّة».

كذلك قيّض الموقع الجغرافيّ لها أن تنفتح على الصعود الآسيويّ وأن تتفاعل معه، على نحو أو آخر. وهو ما تلازم مع ظرف سجّل، ويسجّل، صعود آسيا اقتصاداتٍ ونموراً وتنانين، ولكنْ أيضاً لغاتٍ وخبرات وثقافات.

ومع أنّ الاستعدادات خصبة دائماً لشتم الغرب وتعهيره، فهذا ما لا يظهر، لحسن الحظّ، إلاّ باللغة العربيّة. ويتأتّى عن ذلك أن الضرر الذي يصاب به الوعي الخليجيّ، والعربيّ استطراداً، لا يقف حائلاً دون استمرار العلاقة العضويّة بالرأسماليّة الغربيّة وحركتها، أو أن هذا ما يظلّ صحيحاً حتّى إشعار آخر.

وغنيّ عن القول إن هؤلاء الدبيانيّين المهتمّين بالبناء، يبقون أفضل، بلا قياس، من مواطنيهم الأصوليّين الذين ساهموا في الارهاب النيويوركيّ أو غيره من نشاطات مماثلة.

على أنّ تلك المواصفات التي تؤهّل دبيّ أن تسبق جوارها، ولو من حيث المبدأ، لا ترافقها المواصفات التي تؤهّلها التأثير فيه. ذاك أنّ أوّل العلاقة وجود لسان حال ولغة تخاطب بين طرفيها. ودبيّ، بغضّ النظر عن الجوائز التي تُقدّم للمتنافسين العرب عليها، تظلّ عديمة القدرة على تشكيل نموذج مؤثّر، أو حتّى نموذج مفهوم.

ولربّما جاز الذهاب أبعد والقول إنّها، محكومةً بهذه المسافة عن محيطها، قد تزكّي العولمة في وجهها السالب، أي بوصفها انقطاعاً بين البشر، أكثر ممّا تعزّزها في وجهها الموجب، أي كتكامل يطاول البشر والسلع والحاجات. وهنا أيضاً تتقاطع التجربة الدبيانيّة مع الراديكاليّة «الوطنيّة» العربيّة التي آلت وحدتها المصريّة – السوريّة إلى أشرس عداء مصريّ – سوريّ، كما آل دعمها للانقلاب اليمنيّ في 1962 إلى حرب مصريّة – يمنيّة، فيما تأدّى عن «الإنقاذ – السوريّ – الأخويّ» للبنان إلى كره وتحاقُد غير مسبوقين بين البلدين.

لقد شاءت دبيّ لنفسها أن تكون مجرّد «مكان»، مكانٍ لا يتأسّس عليه معنى، ولا يمتدّ فوقه جسر. ومكانٌ هذه مواصفاته يستحضر الحسد البحت لدى الآخرين، وقد يستنطق فيهم نوازع العدوان الذي تتّجه شفرته إليها. وكنّا رأينا عيّنة مشابهة، وإن غير مطابقة، في وقوف «الجماهير العربيّة» مع صدّام حسين حين غزا الكويت الغنيّة والخليجيّة هي أيضاً.

فدبيّ إذ تعالت على تاريخها، وانقلبت على طبيعتها انقلاباً كاملاً، حوّلت نفسها فرجة باهرة فحسب. والواجهات، على ما تدلّ تجارب لا تُحصى، لا تحمي نفسها بنفسها فيما تجرّىء الأيدي على كسر زجاجها الذي يرونه هشّاً يقبل الانكسار. أمّا الشطر من التاريخ الذي احتفظت الإمارة الخليجيّة به، أي الشقّ الإسلاميّ، فيبقى تأثيره أقرب إلى التبشير بين مؤمنين. وأغلب الظنّ أن الأثر الذي قد يتركه كولاّج الدين والتحديث، كمعطى تقنيّ مُشترى بالمال، لن يتعدّى تطعيم الافتخار الدينيّ بالقدرة الوهميّة على شراء الحداثة وتشغيلها كما يُشغّل العبيد عند السادة. فإذا صحّ أنّ دبيّ «مختبر للحداثة»، كما يرى بعض المدّاحين، فإنّ انتكاسها هو ما ستدفع الحداثة ثمنه، فلا يرسخ منها إلاّ «مؤامرتها» على العرب والمسلمين.

وهذا ما يقول عكسَه نموذج لبنان حين كان لبنان، رغم نواقصه جميعاً، نموذجاً. فهنا نقع على معانٍ، أكان لجهة التعايش المسيحيّ – الإسلاميّ أو لجهة المدى الذي بلغه التأثّر بالغرب واستدخاله، فضلاً عن حرّيّات مؤكّدة حزبيّة وإعلاميّة ونقابيّة. لكنّنا، على ما يبدو، نتساوى جميعنا في بناء متحف، هو أكبر متاحفنا، تصطفّ فيه النماذج واللانماذج جنباً إلى جنب، وكلّها جثث هامدة تحت بصر الله معطوفاً على آلهة كثيرين.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬