ياسين الحاج صالح

الخاطر الذي كان يلحّ علي كلما مررت في شارع ”الشعلان“ في دمشق، حيث محلات الألبسة الفاخرة وبعض مقاهي النخبة، وحيث يتجول مشياً أو في سيارتهم الفارهة شبان من الجنسين يرتدون ثيابا أنيقة، هو: كيف يشعر شبان محرومون يصادف مرورهم في هذا المكان؟ هل يمكن أن يوفروا هذه المحلات من النهب والتدمير لو أتيحت لهم الفرصة؟ كان يجول في خاطري أن مستقبل البلد متوقف بقدر كبير على الانفعالات التي تتولد في نفوس الشبان الأكثر حرمانا حيال مظاهر الثراء والاستهلاك الفاخر تلك. كان هذا قبل الثورة السورية.

تسنى لي بعد الثورة العيش لبعض الوقت في مدينة دوما التي تقاطع فيها صيف 2013 كل من الفقر (سكانها الأحسن حالا هجروها إلى دمشق أو إلى مصر وتركيا) والحصار والقصف اليومي من قبل قوات النظام، وتديّن قديم، اشتد واحتد بعد الثورة والحصار بفعل كثافة الموت، والرغبة في ”لقاء الله طاهراً“، على ما عبر عن الأمر أحد الناشطين الدومانيين. في دوما هذه سمعت غير مرة كلاما عن ضرورة قصف دمشق، و”كسر عين“ الشوام.

ربما يمتزج في هذا الموقف من العاصمة حقد اجتماعي على عيش مزدهر في أحيائها المركزية، وشعور بالخذلان من المدينة التي لم تتمرد بقدر ما كان يؤمل على النظام.

من الشعلان إلى دوما يشعر المرء أنه تحول من عالم إلى عالم، رغم أن المسافة بينهما لا تكاد تتجاوز 10 كيلومترات. ويبعث هذا الواقع على الاعتقاد بوجود أمتين في سورية، لا تتواصلان ولا تتعاطفان.

وأول ما يظهر تمايز الأمتين في صورة تمايز بين نمطي حياة، يبدو أحدهما ”إسلاميا“، والآخر ”حديثا“. من ذلك مثلا وصف سكان ريف دمشق بالتعصب (هكذا دون مزيد شرح) على ما استطاع قوله قيادي شيوعي سابق، سجن لنحو عقدين أيام حافظ الأسد؛ ومنه أيضا وصف سكان دمشق بالغرور والميوعة، على ما يمكن أن يقال في الغوطة وغيرها.

وفي النطاق السوري العام، يتواتر أن يجري تمثيل هذه الأنماط بصور نمطية تفاقم الفوارق القائمة، وتحجب أسسها الفعلية، وتضفي عليها طابعا جوهريا لا يتغير. ومن الشائع على مستوى الثقافة العالمة رد الأمر إلى العقليات أو العقائد، أو إضفاء قيم ثقافية ثابتة على فوارق اجتماعية وسياسية لا يكاد يتجاوز عمر أكثرها جيلا واحدا، ما يؤول إلى تجميد هذه الفوارق، وينتج طوائف اجتماعية ثابتة.

بالطريقة السورية الأصيلة، القائمة على المواربة يجري الكلام اليوم على ريف وريفيين في إحالة ظاهرة أو خفية إلى بيئات سنية تشكل متن القاعدة الاجتماعية للثورة ضد النظام في نهاية جيله الثاني. قبل سنوات فقط كانت ”ريف“ و”ريفيون“ تحيل بالطريقة المواربة نفسها إلى العلويين على نحو خاص، وذلك بالتقابل مع من يفترض أنهم سكان مدن سنيون. وغير تقابل ريف/ مدينة، هناك تقابل آخر لا يقل شهرة: قدامة أو تقليدية/ حداثة وانفتاح. في كل حال يجري التعامل مع هذه الدلالات والقيم بصورة وظيفية، الغرض منها السلطة والصراع على السلطة، وتسويغ احتكار النخبة الحاكمة للسلطة العمومية.

تهتم هذه المقالة بمسألة أنماط الحياة، وتحاول كشف أسسها السياسية والاقتصادية. يطل الموضوع على قضايا مهمة، يتعين التفكير فيها والنقاش حولها.

من هذه القضايا أن موضوع نمط الحياة يتجه لأن يكون موضع صراع اجتماعي وسياسي وفكري في البلد، وأن الهواجس المتصلة بفرض نمط حياة معين تثير أشد الانفعالات عند الأفراد والجماعات؛ ومنها أن الموضوع يرتبط بقضية الحرية، أو بمفهوم الحريات الاجتماعية الذي ينزع لأن يصير حجر الأساس في أي مفهوم للحرية في سورية وأي بلد إسلامي؛ ومنها أن تناول أنماط الحياة، ومحدداتها المادية والثقافية، يساعد في فهم بعض صراعاتنا الاجتماعية والسياسية والفكرية الراهنة؛ ومنها أن النقاش في مسألة أنماط الحياة يساعد في إظهار استراتيجيات التلاعب السياسي والثقافي بالإدراك العام وتزييف وعي العمليات الاجتماعية والسياسية الجارية؛ ومنها أخيرا أن من شأن هذا النقاش كذلك أن يكون مدخلا إلى توسيع مفهومنا للحرية، لنميز بين حريات دنيا وحريات عليا، وبين حريات طائفية وحريات عامة.

نمط الحياة ومستوى العيش

المقصود بنمط الحياة جملة الأوضاع والممارسات المتصلة بالحياة اليومية لفرد أو مجموعة أو جماعة، من مأكل ومشرب وزي ومظهر خارجي واستجمام ودرجة اختلاط بين الجنسين، والأوضاع والممارسات التي يصنعها الناس ويألفونها وتشكل بيئة الحياة المفضلة لديهم.

ويحيل نمط الحياة بصورة مباشرة إلى مستوى العيش، وهذا تحدده عوامل الدخل والقدرات المادية أساسا، مما كانت تهتم به وحده البحوث الاجتماعية قبل جيل واحد. كان يبدو أن نمط الحياة هو ”البنية الفوقية“ لمستوى من العيش محدد ماديا، وأن هناك نمط حياة رياديا عالميا، يجمع بين الكفاية المادية وبين حاجات خاصة تختلف باختلاف الأفراد، لكنها لا تكاد تختلف باختلاف المجتمعات والثقافات، منها مستوى تعليم معقول وحاجات ثقافية و”روحية“ تحيل إلى ”تحقق“ الأفراد وامتلاء حياتهم.

هذا في الواقع هو نمط حياة الطبقة الوسطى الأوروبية الذي كان رياديا أو طليعيا (أو مهيمنا) بالفعل في المجتمعات الأوروبية، تتطلع إلى المشاركة فيه أكثرية السكان، وآل الأمر منذ الستينات بالفعل إلى شراكة الأكثرية فيه عبر توسيع نظام الضمان الاجتماعي. ويقع خارج هذا النمط العيش من النفايات أو في مدن صفيح، لكن خارجه أيضا امتلاك يخت وطائرة خاصة. هناك أقلية ضئيلة في الغرب تملك اليخت والطائرة، أقلية أكبر تعيش في شروط من العوز، لكن الأكثرية تعيش وتكافح للعيش في الشرط الاجتماعي الذي عرّفت نفسها بتعميمه ”دولة الرفاه“ الغربية.

وكان يفترض أن هذا النمط الأوروبي ريادي عالميا أيضا، وربما لن يتأخر الوقت كثيرا قبل أن يعم العالم مثلما عم الغرب. هذا، على كل حال، كان الرهان المضمر في أدبيات التنمية حتى السبعينات، وبصورة ما في مفهوم التقدم ذاته. وهو ما أخذت في التشكك فيه أدبيات نقد التنمية (”نادي روما“ خاصة) منذ السبعينات أيضا، استنادا إلى اعتبارات بيئية أساسا، لكن أيضا بالاستناد إلى نقد ”مجتمع الاستهلاك“ ومنطق العقلانية الاقتصادية الضيقة.

لم يتحقق التعميم العالمي. لكن نمط حياة الطبقة الوسطى الغربية صار بالفعل نمطا رياديا لحياة الطبقة الوسطى الأصغر حجما في مجتمعاتنا. يقوم هذا النمط على الكفاية المادية على مستوى السكن والتكنولوجيا المنزلية، وعلى مستوى الاستهلاك المباشر من طعام وشراب ومكملاتهما، وعلى مستوى المظهر والزي أو تحكم المرء بصورته في الفضاء العام، ويتوافق مع حجم محدود للأسرة ومستوى مميز للتعليم، ويقوم أخيرا على انزواء مظاهر التدين في نطاق الحياة الخاصة. وبينما هناك فوارق في الكفاية ضمن نطاق الطبقة الوسطى، فإن التحكم بشروط الحياة هو عموما ما يميز هذه الطبقة عن غيرها.

وقد يكون الأنسب في سياق تناول أنماط الحياة الكلام على شرائح وسطى، يقرب بينها التحكم بشروط الحياة المادية، وتعبر عن هذا التحكم بأنماط حياة متقاربة، مما على طبقة وسطى، المفهوم الذي يتضمن ضربا من التحديد الاقتصادي الحتمي لنمط حياة واحد.

ولا يؤسس مستوى الإنتاجية والتطور التكنولوجي والفائض الاقتصادي المتحقق لدينا، ولا خصوصا نمط التحكم السياسي بالفائض وبموازين القوى الاجتماعية القائمة، لتوسع شرائح الطبقة الوسطى بصورة حاسمة. وإنما هنا المشكلة الأساسية في النمط الاقتصادي السياسي في سورية (وبلدان مشابهة). فصيغة ترابط السلطة والثروة تعطل الدينامية الاجتماعية، ولا تسمح بدخول قادمين جدد إلى الشرائح المتوسطة التي تتحكم بحياتها أو يتحسن مستوى تحكمها بشروط عيشها. وهذا ظاهر جدا على مستوى التعليم الذي يصلح اليوم، ومنذ عقد على الأقل، كمؤشر هو الأهم على دينامية التمايز الطبقي في البلد. عموم السكان يحصلون تعليما عاما متدهورا، تتسرب نسبة عالية من الأولاد منه في مراحل متدنية، ومن يكملونه يحالون إلى البطالة أو إلى الأعمال الأدنى أجرا. بالمقابل يحظى بتعليم في مدارس خاصة أبناء شرائح أعلى، يتعلمون أيضا لغة أو لغات أجنبية، ويلتقون في المدرسة بأقرانهم من أبناء الأثرياء ورجال السلطة، والمدرسة عادة في ”حي راق“ أو ضاحية حديثة نظيفة ومنظمة. ويغلب أن تكون مختلطة، طلابها وكادرها من الجنسين.

هذا الجمود السياسي للبنية الاجتماعية، وتهميش شرائح متسعة من السكان، وثبات أو تقلص الشرائح الوسطى، وضعف استقلاليتها عن مركز السلطة العمومية (وتاليا ضعف تحكمها بمصيرها)، من محركات الثورة السورية في تقديرنا. لم يعد النظام يلبي الحاجات المادية والمعنوية لغير نسبة محدودة من السوريين. هذه النسبة انخفضت في سنوات حكم بشار، وقت أخذ بالصعود الدور العام للمال (إلى جانب السلطة، طبعا).

هذا ولد إحباطا للتوقعات ودرجات متصاعدة من السخط الاجتماعي، في الأرياف والضواحي والأحياء الطرفية خاصة، تفجرت في الثورة. النقطة المهمة هنا أن نمط حياة الشرائح الوسطى لدينا ليس رياديا أو طليعيا على مستوى المجتمع ككل، ولا يقبل التعميم الاجتماعي، لأسباب تتصل بمستويات العيش المتاحة، وبالأطر السياسية لإنتاج وتوزيع الدخل والنفاذ إلى الموارد العامة. وليس هناك من يتوقع أنه خلال عقد أو جيل تتسع دائرة المشاركين فيه اتساعا نوعيا. وعلى كل حال انقضى أكثر من نصف قرن من السعي وراءه دون أدنى تشكك في أسسه السياسية والاقتصادية، ودون ثمرة لهذا السعي.

وتعذر تعميم هذا النمط يعني أنه نمط حياة خاص، وأن الشرائح الوسطى ليست متن المجتمع ومركز توازنه، بل هي تكوين اجتماعي خاص، ”طائفة“ من نوع ما، لا يحوز دورا وطنيا عاما.

ويبدو أنه على نحو ما يمتنع تعميم نمط حياة الطبقة الوسطى الغربية عالميا لأسباب سياسية أساسا، تتصل بالتكوين الاستقطابي للرأسمالية (تحد منه، دون أن تلغيه، ”دولة الرفاه“، لكن تفاقمه العولمة في ربع القرن الأخير)، ونظام الامتياز والسيطرة الدولي، يمتنع أيضا تعميم نمط حياة الطبقة الوسطى المرفهة في بلداننا. وتعذر التعميم ينال من الشرعية العامة في الحالين. فما لا يقبل التعميم يبقى خاصا ومحدود الشرعية، والخاص يفترض أن يحظى بالحماية والحرية في المجتمع، كما يحظى كل خاص، لكن ليس له أن يحظى بمكانة توجيهية خاصة في رسم السياسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية العامة.

خصوصيتان

ولعله من باب تعذر تعميم نمط حياة الطبقة الوسطى الغربية أخذت تبرز عقائد الخصوصية الغربية في ربع القرن الأخير، ومنها نسبة التقدم في الغرب إلى ماهية غربية متفوقة أصلا، أو اعتبار الحرية أو العقلانية خصوصية للغرب. خلاصة هذه العقيدة أن الغرب متفوق على غيره اليوم لأنه كان متفوقا أصلا وعلى الدوام. وهي بمثابة إبدال للريادة المتعذرة اليوم بالامتياز والاستثناء. وربما تتصل عقيدة الخصوصية بزوال ما يمكن تسميته الطبقة العامة، الطبقة التي ”تقود المجتمع“ و”تحدد اتجاه التاريخ“. وقد نسب دور الطبقة العامة إلى البرجوازية و/ أو إلى الطبقة العاملة في الغرب، وإلى الغرب ككل كـ”طبقة“ قائدة عالمية.

ومن مؤشرات صعود الخصوصية الغربية سياسات الهجرة المتشددة، والنزعة العسكرية المستمرة بعد نهاية الحرب الباردة. هناك تناسب بين العمومية والهيمنة والاقتصاد في العنف من جهة، وبين الخصوصية والاستثمار الأوسع في وسائل العنف وأجهزته من جهة أخرى.

أما لدينا، فمن مؤشرات خصوصية نمط حياة الطبقة الوسطى الغربية ضعف المنزع الديمقراطي لدى متمثلي هذا النمط ممن يصح القول فيهم إنهم يشكلون ضربا من الغرب أو العالم الأول الداخلي. هذا متصل في تقديرنا بالصفة النخبوية وغير العامة لنمط الحياة هذا، كما سنقول فورا.

ولعله من آثار تعذر التعميم أيضا أو انغلاق الباب دون مشاركة عالمية أوسع في النمط الريادي العالمي أن دلفت أيضا عقيدة الخصوصية الإسلامية في صيغتيها الإيجابية والسلبية. الصيغة التي تقول إن للمسلمين نمطهم الخاص في كل شيء هي بمثابة حدود ضيقة للتفكير والسياسة، لكنها تعكس حدودا مادية أضيق يعيش ضمنها ”العالم الثالث الداخلي“. فعلى نحو ما يجري تحويل نمط حياة الطبقة الوسطى الغربية المتعذر التعميم إلى خصوصية وامتياز غير عقلاني، يجري تحويل التعذر ذاته لدينا إلى خصوصية إسلامية، وإن في صيغتين متعاكستين: خصوصية سلبية هي ما تحول بين المسلمين والنظم العالمية المتفوقة، وخصوصية إيجابية هي ما تسند ممانعة المسلمين للانبهار بتلك النظم الكافرة. يتعلق الأمر هنا بتسامٍ أو إعلاء، ضرب من التعويض النفسي الجمعي عما يستعصي مناله عبر التمسك الوسواسي بأصل متفوق مفترض.

تحمل الصيغة السلبية للخصوصية مسؤولية تعثر عموم المسلمين إلى تكوينهم الخاص، الديني أو العقلي، وتميل نسقيا إلى وضع عبء تعذر التعميم على عموم الناس، وتسوغ للعالم الأول الداخلي وإيديولوجييه سياسات استبعادية، ليست متركزة حول الترقي العام، المادي والفكري والاجتماعي.

ولا يتحقق الاستبعاد بغير الطغيان، حماية لاستئثار شريحة ضيقة من الطبقة العليا بنمط حياة الشرائح العليا في الغرب، ولاستتباع الطبقة الوسطى سياسيا. الطغيان سياسة لحماية الامتيازات، وهو منهج الحرب الاجتماعية التي يخوضها الممتازون ضد أكثرية السكان. والطائفية نتاج هذه السياسة التي تدير ظهرها بعزم لأية محاولة للنهوض بالسكان ككل، وللرعاية الخاصة لمصالح وأوضاع الشرائح الأدنى، فوق كونها أيضاً نتاجا لأزمة الهيمنة أو العام الوطني. وفي مثل هذه الشروط لا تحتاج الطائفية إلى وجود ”طوائف“ (جماعات دينية ومذهبية مختلفة). يكفي أن تتدهور فعالية العام الوطني السياسية والاجتماعية والقانونية والمؤسسية حتى تتوفر شروط ملائمة لشحن أية تمايزات موجودة (والمجتمع حقل من التمايزات) بنزعة الانقسام والخصومة، أعني تشقق المجتمع وتَعادي مكوناته تعاديا يسوغ نفسه بأية فوارق منحدرة من الماضي، وينسب قيما ثقافية للمجموعات المتنازعة، أو يجعل النزاع دفاعا عن قيم ثقافية عامة. وجود ”طوائف“ يمنح هذا الصراع ذاكرة وسرديات خاصة، ويلونه بألوان دينية أو ”ثقافية“، لكنه لا يصنعه.

الامتياز، أو حتى الإعجاز، بدل الريادة

ماذا يحصل حين ينتقل نمط حياة الطبقة الوسطى في العالم الأول الغربي إلى مجتمعات لا تتوفر فيها القاعدة المادية لتعميم هذا النمط، وتحول الهياكل السياسية دون كفاح العامة التحرري؟ يكتسب قيمة خاصة تمييزية، بالضبط لأنه غير قابل للتعميم. يغدو علامة امتياز اجتماعي و/ أو تفوق ثقافي بدرجة تتناسب مع ندرته.

في الغرب، ليس هناك تمايز ثقافي ماهوي بين نمط حياة الطبقة الوسطى ونمط حياة البرجوازية الصغيرة والطبقة العاملة. الديناميكية الاجتماعية الاقتصادية التي تؤسس لهذا النمط حالت هي ذاتها دون تحجر الفوارق الطبقية في أصناف، ودون حماية هذا التحجر بـ ”الثقافة“. والكلام الماركسي على تبرجز الطبقة العاملة مؤشر على الطاقة الهيمنية الكبيرة لنمط الحياة هذا في الغرب. والرأسمالية التي تؤسس كنمط إنتاج لنمط الحياة هذا اقترنت بثورة ثقافية وقيمية، من أبرز ملامحها الإنسانية (مركزية الإنسان) والدنيوية (أولوية الحياة في هذا العالم) والفردانية و”المادية“ (الجسد، الحس، المتعة، السلع أو ”الخيرات المادية“...) والعلمانية (نزع السيادة والعمومية من الدين)، والتمييز بين النطاقين الخاص والعام. هناك نقاش كبير في االغرب حول أسبقية تطور الرأسمالية أو تطور أخلاقية وثقافة جديدة، وصيغ التأثير المتبادل بينهما. الأسبقية عند ماركس والماركسيين للتحول نحو نمط الإنتاج الرأسمالي، الأخلاقيات والثقافة عوامل لاحقة وتابعة، وعند ماكس فيبر الأسبقية للبروتستانتية وأخلاقيتها الخاصة، التنسك في العالم، أو اعتبار الاقتصاد والتقتير واجبا دينيا، ويفترض أن الرأسمالية نتاج لهذا التحول في الذهنيات. الميل العام في الغرب اليوم ومنذ جيل أو نحوه أقرب إلى موقف فيبر الذي هو أيضا من كبار ممثلي نزعة المركزية الغربية.

فهل أن هذا الميل المستجد نسبيا إلى شرح الاجتماعي بالثقافي الخاص منعزل هو ذاته عن تعذر تعميم نمط حياة الشرائح الوسطى الغربي، بما في ذلك تعميم أسسه المادية؟ وبالتالي عن تآكل هيمنة الغرب وريادته بفعل تعذر التعميم؟ أليس في نسبة الامتياز، وأحيانا صفة الإعجاز، إلى مسار التطور الغربي ما ينطوي على تسليم بانتفاء صفته الطليعية؟ المعجزة خرق للعادة، وليست مثالا يُتطلع إليه.

أيا يكن الأمر، فإن ما ينطبق على وضع نمط حياة الشرائح الوسطى الغربية عالميا، من حيث امتناع تعميمه، وبالتالي خصوصيته وصفته الامتيازية أو النخبوية، وما يترتب على ذلك من محاولة نسبة قيمة خاصة جوهرية له، ينطبق على القطاعات التي تعيش وفقا له في مجتمعاتنا، من حيث محاولة نسبة صفة خاصة متفوقة على نمط لا يمكن تعميمه. اعتباره امتيازا خاصا ومكافأة مستحقة على عقل خاص أو ذهنية متميزة، هو الإيديولوجية التي تخفي الامتياز الاجتماعي الفعلي لأكثر المشاركين فيه، والحرمان الكامن وراء عدم المشاركة فيه من قبل قطاعات ريفية ومدينية واسعة في بلدنا. قد يقال إن هذه الذهنية أصولية أو متعصبة، أو إنها قديمة وتقليدية، أو إنها ريفية، وفي كل حال يبدو الأكثر حرمانا هم المسؤولون الحصريون عن أوضاعهم المتدهورة. في واقع الأمر، ليست أنماط الحياة شيئا اختياريا إلا في نطاق شرائح الطبقة الوسطى الأعلى دخلا. خارج هذا النطاق تتحكم إكراهات اجتماعية أشد قسوة، خبرها أكثرنا في شبابهم، ويخبرونها كل مرة يتدنى فيها دخلهم لأي سبب كان. ويخضع لهذه الإكراهات طيف اجتماعي كان متوسعا قبل الثورة السورية، وهو اليوم أوسع ويعيش في أوضاع جحيمية.

ذاك النمط الخاص أو الامتيازي الذي يبرر نفسه بـ ”العقل“، ويُسوِّق نفسه كاختيار حر، يُفعّل، بما هو غير قابل للتعميم ولا يصلح أساسا لسياسات عامة، خصوصيات وتمايزات موروثة في مجتمعنا. لا ينشأ عنها، لكنه يُنشِّطها ويجنح إلى الارتباط بها لكونه في الوقت نفسه خاصا مثلها، ولأنه أيضا كان مقطوعا بعموميته و”عقلانيته“ حتى وقت قريب، ثم لأنه في كل حال ممتاز وغالب بامتياز وغلبة أهل منشئه، ويثير الرغبة في التقليد والتماهي، على ما كان أظهر ابن خلدون. والتفعيل نفسه يحدث بسبب الطغيان الذي هو المنهج السياسي لحماية الامتيازات الخاصة وأصحاب الامتيازات في كل مكان، ومنع مشاركة العامة في امتيازات الخاصة. والحال أن الطغيان في سورية هو السياسة والبنية السياسية التي استغنت بقمع العامة وإذلالهم وتأديبهم عن بلورة أية سياسات للنهوض العام لأكثرية السكان. لم يعد مدراء الطغيان التنفيذيون، في أجهزة المخابرات والتخطيط السياسي خاصة، يعيشون في عالم واحد مع العامة المحرومة والمقموعة، ولم يعودوا موظفين كبارا مرتفعي الدخل، وإنما هم نخب تعيش في عالم منفصل ومحمي، وتحوز امتيازات استثنائية يتعذر توسيع دائرة المستفيدين منها.

وبينما يبدو للوهلة الأولى أنه يتمايز في سورية نمطا حياة أساسيان، وتتشكل حولهما أمتان سوريتان تتحاربان اليوم، نمط حديث ”منفتح“، ونمط ”إسلامي“ محافظ، فإن نظرة مدققة ربما تميز على الأقل بين أربعة أنماط حياة رئيسة بالأحرى. نمط حياة كبار الأثرياء في مراتب السلطة والبرجوازية العليا، وهو نمط محجوب عن نظر عموم السكان، وللقوم منتجعاتهم وأماكن لهوهم وطرقهم الخاصة في قضاء الإجازات والتمتع بأوقات الفراغ؛ ثم نمط حياة الطبقة الوسطى المتعلمة الحديثة، ويشارك فيه عموم المثقفين والفنانين، وهو نمط دنيوي يجمع بين الاستهلاك المادي وبين عناصر ثقافية مثل الاختلاط بين الجنسين و”المشروبات الروحية“ و”الحداثة“ في المظهر؛ ثم نمط حياة الطبقة الوسطى الإسلامية المحافظة، وهو استهلاكي بدوره، لكن ذو صفة عائلية، خال من الكحول، ولغة التخاطب فيه دينية أكثر؛ ثم نمط حياة الشرائح الدنيا الأدنى تعليما ودخلا، التي تتحكم فيها الضرورات المادية، وهو غير مرئي مثل نمط الشرائح العليا، ومنعزل تماما عن الأماكن العامة. هذا تمييز خشن، ويمكن الكلام على أنماط فرعية، تتدخل في تحديدها اعتبارات جهوية (ريف، أحياء هامشية، مدن...)، أو دينية (عموم المؤمنين، المتدينون بشدة، السلفيون، وهنا درجة متقدمة من العزل بين الجنسين...)، وجيلية. لكنه يكفي لإظهار أن التقابل بين نمط ”إسلامي“ ونمط ”حديث“ هو كلام سياسة وحرب، وليس كلام معرفة وبحث اجتماعي.

”العقل“...

المحدد الأساس لأنماط الحياة هو مستويات المعيشة كما سبق القول. وعلى نحو ما يتكلم اقتصاديون ماركسيون على علاقة التبعية التي تحول دون أن ينفرد نمط الإنتاج الرأسمالي بالسيطرة في اقتصايات بلداننا ”المتخلفة“، وترتبط به أنماط فرعية أقدم لا يستطيع القضاء عليها بفعل صفته التابعة، فإنه يمكن الكلام على نمط حياة لا يستطيع إشغال الموقع المهيمن بين أنماط الحياة بفعل الترتيبات السياسية للاستيلاء على الفائض الاقتصادي أكثر مما لضعف أساسه المادي، ما يفسح المجال لمحددات ثقافية لأنماط حياة أخرى، أو حتى لظهور أنماط حياة تبدو محددة ثقافيا أساسا وحصرا. هذا غير صحيح. يبرز التحديد الثقافي لأنماط الحياة بفعل تعذر توحيد الأساس المادي لأنماط الحياة، أعني مستويات العيش.

وعلى هذه الخلفية فإن الانطلاق من المحددات الثقافية لأنماط الحياة لا يغفل فقط عن أوضاع الامتياز والحرمان، وإنما هو يندرج بسهولة في الصراع السياسي والاجتماعي ضد العامة ولمصلحة النخبة، وبالأشكال الطائفية المنحطة من الصراع الاجتماعي.

ولا يبعد أن تسوغ نخب سياسية تدهور أحوال المحكومين في ظل حكمها بذهنيتهم الخاصة أو ”تخلفهم“ من باب إعفاء نظام سيطرتها ومنابع امتيازها من المساءلة العامة، وهي بالفعل تفعل ذلك في سورية، بالاشتراك مع مثقفين ومفكرين يعلون كثيرا من شأن ”العقل“. وقد ترفد مواريث طائفية سياستها ببعض محركاتها الدافعة، لكن الأساس دوما هو الامتيازات الفعلية القائمة اليوم، وليس التمايزات الدينية الموروثة من الماضي.

ونمط الحياة الخاص والممتاز هو ما يكمن في تقديرنا وراء غير قليل من أدبيات النزعة الحداثية المنشغلة بالذهنيات، والمنخرطة، في سوريا، في صراع بالغ العنف ضد ”قدامة“ يبدو أنها تستند تفضيليا أو حصرا على ”الإسلام“. المسألة ليست عقلا ولا أفضليات مجردة ولا اختيارات حرة، وليست تنويرا وعقلانية غائبين، بل أساسا صراع اجتماعي حاد، تضخمت جبهته الإيديولوجية بفعل الطغيان كنمط للسياسة والاستيلاء الامتيازي على الموارد العامة، ولإسباغ شرعية ثقافية على امتيازات غير شرعية وطنيا. في مثل شروطنا هذه، يحتمل للعقل والتنوير أن يمسيا إيديولوجية طبقة خاصة، صنف من الناس ينسب لنفسه خصوصية متفوقة. وعبر الربط بين العقل (العام) والامتياز (الخاص) يراد إضفاء قيمة عامة، وتاليا إضفاء الشرعية، على أوضاع خاصة غير شرعية. وبالتالي إحالة أية مقاومات تواجهها أوضاع الامتياز إلى مجال اللاعقل، التخلف أو التعصب أو الظلامية أو ”الريف“، ما يسوغ تحطيم هذه المقاومات ومعاملة فاقدي العقل هؤلاء بقسوة متناهية.

ليس في توسل العقل إيديولوجية لحماية أوضاع خاصة ما هو غريب أو مدهش على كل حال. معلوم كم أثنت البرجوازية الأوروبية، وهي أكثر تقدمية وإبداعية من برجوازياتنا الركيكة، على ”العقل“، عقلها هي كما كان ماركس يقول. هذا هو الأساس.

نمط حياة إسلامي؟

لكن أليس هناك مشكلة في مواردنا الثقافية الموروثة، تحول دون اختيار الناس ما يؤثرون من أنماط الحياة؟

بداية، الناس لا يختارون أنماط حياتهم كما سبق القول. شروط عيشهم الفعلية هي ما يحدد أنماطهم الحياتية.

ويبدو لنا بصفة عامة أن الموارد الثقافية الموروثة لا تنشئ أوضاعا جديدة، ولا يتجاوز دورها تثبيت أوضاع قائمة أو إضفاء القيمة والأفضلية على أوضاع وممارسات تفرضها محددات اجتماعية واقتصادية وسياسية راهنة، أو الاحتجاج على مثل هذه الأوضاع والممارسات.

لكن يبدو ظاهرا أن لدينا نظام قيم واعتقاد إسلاميا تشكل في أزمنة أقدم، ويحمل ذاكرة سلطانية، ونهجه السياسي نخبوي (سلطة التشريع والقرار لمالكي ”العلم“ الديني). يشكل ”الإسلام“ في تأويله السائد وذاكرته الراهنة شرط إمكان مستمرا للاستبداد، ومنبع تسويغات جاهزة للتسلط الاجتماعي والسياسي. لا يتفعل البرنامج الاستبدادي الثاوي في قلب التشكل الموروث والحالي للإسلام من تلقاء ذاته، لكنه ميسور التفعيل في أوضاع الأزمة وبوجود طامحين سياسيين متعطشين للسلطة. والطامحون السياسيون ليسوا قلة في أي عصر، والأزمة خاصية كل الأزمنة، أزمنة التغير بخاصة. نريد أنه يلتقي في سياسة الإسلاميين ثلاثة أشياء: (1) استثمار في شكاوى اجتماعية فعلية؛ (2) تطلعات سياسية فئوية وخاصة؛ (3) برنامج اجتماعي وسياسي قديم واستبدادي، مستمد من قراءة سلطوية للتعليم الديني الإسلامي، ودون وجود قراءة أخرى مغايرة، تنازع جديا على ”سلطة تعريف الإسلام“. نلاحظ في نظرة سريعة الطابع الماضوي وغير الديمقراطي لاعتراضات الإسلاميين، وهم مدراء الدين التنفيذيون، على أنماط حياة الطبقة الوسطى المتعلمة. يستثمرون في مشاعر الحرمان المنتشرة والنقمة على أصحاب الامتيازات، لكن يشيع أن توجه تلك المشاعر ضد نمط الحياة الظاهر لشباب الطبقة الوسطى المتعلمة، وليس ضد منابع الامتياز الاقتصادية والسياسية، ولا ضد الشرائح العليا صاحبة الامتيازات التي لا تقع تحت نظر العموم.

والخاصية الأساسية للاحتجاج الإسلاموي أنه متهافت. إذ بينما تحركه حرمانات اجتماعية وسياسية متنوعة، فإنه قلما يأخذ على نمط حياة الطبقة الوسطى أنه نخبوي أو امتيازي أو خاص، فيطالب بالتالي بتعميمه، وتمكين أكثرية الناس من المشاركة فيه (ما ينفتح على سياسة ديمقراطية)، بل يجري التشنيع عليه ونفي الصفة الأخلاقية عنه، ووصمه بالكفر (ينفتح على سياسة طغيان أخرى)، أو تطوير صيغة إسلامية عنه، لا تجد حلا للمشاكل الاجتماعية في غير إطار الإحسان. وحيث أتيح لهم في سورية سارع القوم إلى فرض توجهات بالغة الضيق بخصوص تعامل الناس مع أجسادهم، واختلاطهم ببعضهم، ومأكلهم ومشربهم (إغلاق محلات بيع الخمور، تحريم التدخين هنا وهناك)، والتدخل في لباس النساء، وهي تدخلات عسفية وعنفية، تصدر عن نموذج للتماثل الاجتماعي القسري، تقترن نظائره بالسلطة المطلقة (يُنظر مثلا تقرير ”هيومن رايتس ووتش“: سوريا: المتطرفون يقيدون حقوق النساء والفتيات، 13/1/2014).

يتعين علينا تاليا التمييز في الاحتجاج الإسلامي المعاصر بين محركاته الاجتماعية العامة، وبين تطلعات سلطوية خاصة مضادة للديمقراطية، يجري تركيبها عليه من قبل نخب إسلامية، تحتكر العلم الديني أو السياسة الدينية. وكلما كانت الأوضاع العامة أسوأ كان هذا أفضل لعموم الإسلاميين، وللمجموعات والتأويلات الأشد تطرفا خاصة.

ظاهر مثلا أن العنف المجنون الذي تعرضت له بيئات واسعة من المجتمع السوري يصب لمصلحة التوجهات الأكثر ضيقا وعنفية، ويغذي القيم البطريركية المعادية للنساء، ويضعف مقاومة المجتمعات المحلية لها. ظاهر أيضا أن التشدد يسير جنبا إلى جنب مع التكسر الشديد الذي أصاب المجتمع السوري، بفعل ذلك العنف المهول.

ما هو التشدد؟ ليس بالأساس انضباطا دينيا أكبر، بل هو نهج لتشكيل جماعة متجانسة يجنح أفرادها إلى التشابه في ما بينهم، وإلى الارتياب في المغايرين ونبذهم، وربما اضطهادهم. التشدد سياسة وليس دينا، وعلاقة اجتماعية وليس مجرد نزعة نفسية.

لكن ما كان يمكن لإعادات التأويل المتشددة أن تظهر وتنتشر إلا لأنها تتوافق مع مصالح وتطلعات نخب إسلامية نافذة، سياسية وعسكرية. التشدد أيضا أداة للسيطرة السياسية ولإضعاف المختلفين واستبعادهم.

وحيث كانت البيئات الاجتماعية أقل تكسرا وحافظت على شيء من شخصيتها المحلية كانت أقوى مقاومة للمتطرفين أو حيلولة دون ظهورهم أصلا. في غوطة دمشق الشرقية يبدو الوضع أقل سوءا من مناطق في حلب والرقة، بالضبط بسبب تماسك نسبي للمجتمعات المحلية هناك. وهذا رغم القصف اليومي والحصار المستمر منذ شهور، ورغم حالة من البارانويا المنتشرة تبدو منذرة بالمخاطر في شروط الحصار المتطاول (كتبتُ مسودة المقال في دوما، في حزيران 2013؛ اشتد الحصار بعدها، وتحولت نذر الخطر إلى واقع قبل نهاية العام، مع اختطاف سميرة الخليل ورزان زيتونة ووائل حمادة وناظم حمادي). أجواء البارانويا العامة مناسبة جدا لمعاداة الغرباء، ورص الصفوف في وجه الأعداء المتصوَّرين، وفي تصدر متسلطين يتمتعون بقوة الإرادة، ويشرعون تسلطهم بوجوب وحدة الصف. فكيف إذا كان العدو متربصا بالفعل، ولا يكف عن قصف المدينة يوميا؟

نمط حياة أم برنامج سياسي؟

ما نريد قوله هو أن المبادرة في ظهور أنماط حياة وتنحي غيرها تعود إلى شروط الحياة الفعلية، قبل أن تكمله وتثبته أية موارد فكرية، تضفي القيمة على هذه الأنماط أو تنزعها عنها. حين تنفلت شروط الحياة من بين أيدي الناس، وحين تنفلت أيضا من تحكم عقولهم فتتعذر الإحاطة بها واستيعاب ما يجري (أساس ذلك قمع الرأي ومنع النقاش العام)، يندفع الشرح الديني للمجتمع والعالم، يدق على صدره، ويقول ها أنذا! إنكم، أيها الناس، تعاقَبون على خطاياكم، على ترككم للصلاة أو الجهاد، على أنكم لا تحجبون بناتكم ونساءكم، على هجر دينكم... ويجري غرس شعور بالذنب في النفوس، نفوس الشبان خاصة ممن تتلاطم الرغبات والشهوات في قلوبهم، وهو ما يدفع إلى التمسك بأهداب الدين وإلى التطبيق الدقيق للأوامر والنواهي الدينية، والتزام الطقوس الدينية بحرفية ومواظبة، والزيادة عليها. وأكثر من ذلك، إلى اعتبار الآثام الدينية المحتملة (التقصير في الواجب الديني) جرائم يطالها الجزاء هنا في الدنيا، أي عمليا تولي السلطة الإلهية من قبل القائمين على الدين، وتحويل ”الشريعة“ إلى مدونة عقابية. الشخصية الآثمة التي لا تكف عن ممارسة الطقوس الدينية للتخلص من آثام حقيقية أو متخيلة، ستعمل أيضا على معاقبة الغير بقسوة متناهية على آثام مسقطة عليه، قسوة تتناسب شدة مع الرغبات المكبوتة والسلطة المشتهاة. العنف أداة تطهّر من ظمأ داخلي إلى الحياة ومباهجها، لا يعالج أية مشكلة لأنه يتوجه إلى الخارج وليس إلى الداخل، إلى مواجهة الغير المختلف وليس إلى مقاومة الشياطين الداخلية وشبه النفس بالنفس.

وربما يدافع المشتهون الآثمون عن الله وشرعه بالبواريد الروسية والطائرات الأميركية. هذا هو ”الجهاد“: تغيير العالم وفرض العقيدة بالقوة. ونتحول بهذه الصورة نحو أشكال ماضوية ومنحطة من الصراع الاجتماعي، أشكال أقل قبولا للتعميم بعد، أكثر طائفية بالتالي، وأميل إلى الطغيان. والأساس في امتناع تعميمها هنا هو ضعف مرغوبيّتها (خارج دوائر التطهر والوجدان الآثم)، وانفصالها عن أقنية الترقي الفردي والعام.

في الأصل لم يبتعد الناس عن دينهم، على ما يقول الإسلاميون، لأن أحدا ضحك عليهم، أو لأنهم منبهرون بالغرب كما يقول الإسلاميون أيضا، أو بفعل غسل أدمغة تعرضوا له في غفلة عن أنفسهم، لكن لارتباط الأنظمة والمؤسسات الحديثة بفرص ترق اجتماعي أوسع بما لا يقاس، ما كانت تتيح مثلها الأنظمة والمؤسسات التقليدية والدينية، وذلك في الدولة وأجهزتها ومؤسساتها الحديثة من مدرسة وجامعة وإدارة وجيش ومنظمات سياسية ومدنية، فضلا عن مستوى إنتاجية أعلى بما لا يقاس بفعل التقاء الرأسمالية بالتكنولوجيا والمعرفة. أي بالضبط بفعل الطاقة الديمقراطية للحداثة. وما كان لكلام الإسلاميين أن يحوز أدنى قدر من الشرعية العقلية لولا أن حداثتنا فقدت منذ جيل ونصف على الأقل كل كمونها الديمقراطي، بل انقلبت سندا للطغيان والامتياز. هذا محقق على مستوى أنماط الحياة الحديثة، وهو محقق على مستوى الحداثية العالمة التي يظهر أعلامها عداء للديمقراطية والعامة لا شك فيه.

لكن نهج الإسلاميين لا يملك أي كمون ديمقراطي، وإن حاز كمونا احتجاجيا قويا. وهو في حال انتصاره على الطغيان الحداثي مرشح لإعادة إنتاجه، والتأسيس لنظام امتيازي جديد. هذا لأنه لا يملك حلولا لمسألة الترقي العام، وطاقتُه الهيمنية العامة ضعيفة. وليس من المحتمل أن يستطيع حماية مكاسبه السياسية المحتملة دون اللجوء الواسع إلى الإكراه.

يعاني ”نمط الحياة الإسلامي“، إن جاز التعبير، من كونه غير قابل للتعميم، كما سبقت الإشارة، أكثر من نمط حياة الشرائح الوسطى الحديث، وتجري التغطية على ذلك بنسبة الأصالة له من جهة، واعتباره خيار ”الأمة“ المفضل من جهة أخرى. هذا غير صحيح. التجربتان المصرية والتونسية تعطيان الانطباع بأن مجتمعاتنا ”الإسلامية“ هي مجتمعات ”حديثة“ و”عصرية“ بقدر مساو أو أكثر، وأن محاولة فرض نمط حياة إسلامي معياري خطيرة، وتسبب صراعا عموديا داخل المجتمع حتى لو لم تكن هناك طوائف، صراع بين إسلاميين وحداثيين، فإذا وجدت طوائف كان واردا جدا أن تتراكب أنماط الحياة ”الإسلامية“ و”الحديثة“ مع التمايزات الموروثة، على ما هو محقق اليوم في سوريا. نتكلم على شكل منحط للصراع الاجتماعي لهذا السبب: سوْق الصراعات الاجتماعية في اتجاه طائفي ولاديمقراطي.

ونرجح أن يحجب هذا النمط القسري الفوارق بين متحكمين بحياتهم يشغلون موقع السلطة، وبين جمهرة واسعة من المحرومين، تفرض عليها الطاعة الدينية لضبط تطلعاتها إلى حياة أوسع. ”نمط الحياة الإسلامي“ صالح جدا لهذه الوظيفة، وهو في الواقع برنامج سياسي لإضفاء الشرعية على حكم الإسلاميين، والتحكم بعموم الناس.

يفرض نفسه اليوم أكثر وأكثر صراع مركّب مع التشكل الإسلامي المعاصر كمرجع مشرّع لأنماط حياة إكراهية، غير عامة وغير ديمقراطية، وتعمل فوق ذلك على فرض نفسها على الجميع، وكعنوان لموارد ثقافية تبرر أوضاعا غير حرة وغير مساواتية. ولا مناص من الاضطلاع بموجبات هذا الصراع المركب، المفروض بالفعل.

نتكلم على صراع فكري وصراع اجتماعي وصراع سياسي. لا يتعلق الأمر بنقد أفكار على ما يتصور مثقفون قلما يراجعون أفكارهم الخاصة، ولا بصراع سياسي فحسب يجري التلطي فيه وراء نظم استبدادية، ولا بدفاع سلبي عن أنماط حياة لا تقبل التعميم، ”طائفية“ تاليا، بل بصراع متعدد الجبهات، يشكل النقد الفكري بعدا واحدا له، والدفاع عن الناس وحقهم في الحياة الحرة ميدانه الرئيس، والعمل على توليد أخلاقية جديدة متحررة، غير مهجوسة بالمنع والحظر والتحريم. لا مجال لمنافسة الإسلاميين بالإكثار من الكلام على العقل والتنوير، بل بالعمل من أجل حياة جديدة، تتأسس الديمقراطية فيها لا على المساواة في مستويات العيش بالضرورة وحصرا، بل في فرص متسعة للجميع للتحكم بحياتهم، ومشاركة الجميع في صنعها والتحكم بها.

لكن هذا يوجب العمل بداية على الأساس المادي لأنماط الحياة، أي مستويات العيش، عبر سياسات اجتماعية مضادة للفقر والهامشية والبطالة، تعمل على تحسين ظروف حياة الأكثر حرمانا وكفالة مستوى رفاه وطني مقبول. الرؤية التي ينفتح عليها هذا الجهد البدئي هي الحياة الحرة للجميع. كلما كانت الحياة مضمونة لعدد أكبر من الناس، تمايز الناس في أنماط الحياة، أي في فنون العيش وأساليبه، والمزائج المتنوعة من العناصر ”الثقافية“ التي تضفي على الحياة جاذبية وبهجة. الرهان التحرري الأقصى هو أن يرسم كل فرد حياته كما ترسم لوحة، أن يصنع الإنسان حياته بمقياس الفن مثلما يصنع الأشياء بمقياس الجمال على قول ماركس، وأن تتعدد أنماط الحياة بتعدد الأفراد والتجارب.

العمل على مستويات العيش، مشفوعا بالصراع السياسي مع الطغيان الإسلامي المحتمل، وبالنقد الفكري، ما يمكن أن يساعد في تحقيق اختراق اجتماعي وسياسي تحرري، نتصالح فيه مع الدنيا ومع العالم، ونترقى أخلاقيا.

تمييزات مفهومية

تشكل أنماط الحياة أساس مفهوم الحريات الاجتماعية. يكون الإنسان حرا اجتماعيا إن كان قادرا على عيش حياته بالصورة التي يرتئي، وتوافق قناعاته وأفكاره. ويتعارض بصورة جوهرية مع الحرية محاولة أي طرف اجتماعي أو سياسي أو عقدي فرض نمط حياة يراه هو وحده الصحيح.

لكن، أكثر حتى من ارتباطه من الحريات الاجتماعية، يندرج اختيار أنماط الحياة ضمن ما قد يسمى الحريات العليا، حرية صنع بيئة الحياة والوسط الاجتماعي والاعتقادات الجديدة، بما فيها الأديان، تمييزا عن حريات دنيا أو جيل أقدم من الحريات تفجرت الثورة السورية من أجله، حرية الرأي والتعبير والاجتماع والتنظيم والاحتجاج. تتعذر حماية الحريات الدنيا دون أن يندرج ذلك في سياق ينفتح على الحريات العليا. لا نستطيع أن ندافع عن حرية الاعتقاد الديني مثلا دون أن ينفتح ذلك على حرية صنع واختراع اعتقادات جديدة، وإنتاج ”أديان“ جديدة أو بديلة. وبالمثل لا مجال للدفاع عن الحريات السياسية إلا في سياق يرفع حساسية المجتمع ككل تجاه الحريات الاجتماعية وفي وجه أي تعدٍ عليها. بل إن الحريات السياسية تستمد ضرورتها الحيوية من كونها الشرط اللازم لحماية الحريات الاجتماعية والتوسع فيها. وبينما قد يقر بعض الإسلاميين بتوزيع الحريات الاجتماعية حسب الجماعات الدينية، أو وفقا لتصور طائفي للمجتمع، فإن ما يبث الحياة في الحريات الاجتماعية هو صنع هذه الحريات، أي صنع الاجتماعي والاعتقادي والسياسي، وليس توزيع قيم مقررة مسبقا.

وبالمثل لا نستطيع العمل من أجل مستويات عيش تتحسن للجميع إلا في سياق ينفتح على تنوع تجارب العيش وأنماط الحياة وتغايرها. أنماط الحياة تندرج في الحريات العليا التي لا يشكل مستوى العيش المقبول للجميع غير الأساس العام الذي يبنى عليه تمايزها.

وعلى هذا الأساس نميز أيضا بين تصورين للشرعية، شرعية صغيرة، لا تسائل القيم القائمة، وتوزع هذه القيم على التشكيلات الاجتماعية المختلفة الموجودة، ولا تنتج قيما وتجارب جديدة للحياة؛ وشرعية كبيرة، يتبع توزيع القيم فيها لإنتاجها، وتنفتح على تجديد أنماط الحياة وصنع الأشكال الجديدة من الاجتماع والتنظيم والعمل والتفكير والخيال. كل أنماط الحياة شرعية ويجب الدفاع عنها، لكن ليست كلها منتجة للقيم. النمط الريادي هو نمط منتج للقيم الجديدة.

يتعين في هذا المقام التمييز بين تصورين للحرية أيضا. تصور طائفي إن جاز التعبير، يضفي شرعية متساوية على أنماط حياة مختلفة، ويرعى تعايشها. هذا التصور الذي يمكن وصفه بالليبرالي أيضا يهتم بتنوع أنماط الحياة، ولا ينشغل بشروطها الاجتماعية الاقتصادية، ولا بإنتاج وتوسيع فرص الحياة ذاتها. وهو بالتالي مستهلك للقيم أو قائم على الشرعية الصغيرة. هناك تصور آخر، يمكن تسميته ديمقراطيا، وهو يرهن الشرعية الكبيرة لأنماط الحياة بقابليتها للتعميم، بحيث يكون النمط الأكثر شرعية هو المنتج للقيم المادية والمعنوية والسياسية، أي الذي يغير المجتمع، أو الريادي والأكثر قابلية للتعميم.

تستحق أنماط الحياة الخاصة الحماية العامة، لكن ما يحمي فعليا أي نمط حياة هو انفتاحه المادي والمعنوي على مشاركة أعداد أكبر من الناس دوما، أي توافقه مع مستويات عيش متاحة للأكثرية من جهة، وانفصاله عن الامتياز والخصوصية من جهة ثانية. كل ما هو خاص مستحق للحرية، لكن لا يحوز شرعية كبيرة إلا العام، ما يعم الناس.

صراع على الحياة

يتعرض نمط الحياة الخاصة بالطبقة الوسطى الغربية اليوم لمنازعة في مجتمعاتنا تختلط فيها دوافع اجتماعية عادلة بدوافع عقدية خاصة. مصدر المنازعة هو الإسلاميون على تنوعهم، التيار السلفي خاصة. وتثير هذه المنازعة مخاوف حقيقية في أوساط متنوعة من المجتمع السوري، تدفع نحو مواقف بالغة العدائية، يمتزج فيها اعتراض محق على التدخل في ما صار مقوّما جوهريا لحياة قطاع واسع متعدد الأصول في المجتمع السوري، وغربة عن أوضاع قطاع واسع ومتسع من المجتمع السوري وخوف منه، ويحصل أن يندفع هذا المزيج نحو مواقف فاشية حيال الأخيرين بدرجة تتناسب تماما مع الوضع الامتيازي (غير الشرعي وغير القابل للتعميم، دوما) للمعنيين.

غير قليل من الكلام عن اللحية المرسلة، وعن حجاب النساء، وعن شرب العرق أو سفور النساء، يحيل ممارسات ثقافية خاصة إلى عناصر تستثمر في تباينها نخبٌ تسعى إلى السيطرة العامة، باسم ”العقل“ أو الحداثة مرة، وباسم الدين و”الأمة“ مرة أخرى. محصلة هذا الجهد ليست إلا تثبيت الطائفية، الصور الثابتة للجماعات وربطها باستحقاقات وجدارات عامة. وعبر ذلك تظهر الطوائف كأنماط حياة متعارضة، يجري ربط كل منها بقيم عامة لإسباغ صفة القوة الطائفية العامة عليها. هذا مشروع متناقض مفهوميا أكثر حتى من تناقض مفهوم الطبقة العامة. ولذلك لا فرصة له بالتحقق بغير قوة كاسحة، كاسحة للرؤوس التي تتوسل المفاهيم أدوات لإدراك الواقع.

الفوارق الثقافية ذاتها التي يفترض أن الطوائف تتشكل حولها حديثة غالبا، وإن كان هذا لا ينال من شرعيتها. تتكون الطوائف عبر تماهيات عامة مترابطة ومتنافية، وليس بصورة مستقلة عن بعضها. تأكيد السفور كعنصر للتماهي هنا لا ينفصل عن تأكيد الحجاب كعنصر تماه هناك (قبل جيلين أو ثلاثة كانت أكثر النساء السوريات يضعن مناديل على رؤوسهن، كان السفور معدوما قبل أقل من قرن)، وتأكيد الفصل بين الجنسين هنا لا ينفصل عن إبراز اختلاطهما هناك، وتناول الخمور هنا يعمل كعنصر في بناء هوية، كما يلعب تحريمها هناك، ودوما في تقابل واستبعاد متبادل. لكن لا يتعلق الأمر بحال بلعب طائفي حر، بل بحقل اجتماعي مشحون سياسيا، يجري فيه تأكد عنصر بالتقابل مع عنصر آخر في سياق تنافسي وبغرض حيازة أفضليات عامة، وبارتباط مع استراتيجيات نخب فرعية لإحراز مواقع متقدمة في الجماعات المتزايدة التبلور على هذا النحو.

وظهور الطوائف كأنماط حياة اختيارية أو كتحققات لفوارق ثقافية أصلية يخفي الشرط السياسي الذي تبرز عمليات التماهي في ظله من جهة، وتفاوت مستويات العيش من جهة أخرى، أي كل ما هو مهم.

دون إظهار ما وراء التقسيم الطائفي لأنماط الحياة نجازف بأن نفسر الطائفية بالطوائف، مع رد الطوائف إلى ماهيات اجتماعية ثقافية متغايرة كيانيا وجوهريا ودوما. الواقع أن معظم الفوارق عمرها جيل أو جيلان، وأن ما يفترض أنه هويات ثابتة مصنوعة من تماهيات راهنة.

في الختام، يمكن للتقابل بين ”نمط حياة إسلامي“ (هو برنامج سياسي لسيطرة الإسلاميين كما سبق القول) وبين ”نمط حياة حديث“ (هو برنامج سياسي بدوره لسيطرة العالم الأول الداخلي) يمكن أن يكون مظهرا للطائفية أو مصدرا لتغذيتها. كسر هذا الاستقطاب الثنائي الشال يوجب الذهاب إلى ما وراء أنماط الحياة والصراع بينها، إلى الحياة نفسها، وإلى الصراع على الحياة ومن أجل الحياة.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬