حسام عيتاني

تزعم هذه السطور أن الحراك الذي يشهده المشرق العربي يتجاوز في عمقه الثورات إذا اعتبرت هذه انتقالا من نظام سياسي إلى آخر فقط. وتصل الى عملية تفكيك وتركيب لكل المنطقة بما فيها من دول ومجتمعات وهويات وايديولوجيات وثقافات.

وسنحاول رسم الطريق المتعرج الذي بدأت شعوب المنطقة السير عليه منذ سقوط نظام صدام حسين في العراق في 2003 الى بدايات الاعداد لمؤتمر جنيف 2 المتعلق بالثورة السورية، مرورا باستعصاء مشروع بناء الدول القائمة، على اجماعات او توافقات كبرى. ولبنان الذي دخل طور الأزمة الكبرى في 2005 ولا يبدو انه يقترب من نهاية نفقه الطويل، يبدو المثال الأيسر على التناول.

والحال ان الكيانات السياسية التي اسفرت عنها مفاوضات معقدة تخللتها اضطرابات وحركات استقلالية في فترة ما بين الحربين العالميتين، بلغت في المشرق حالا لا يمكن العودة عنه الى الوضع السابق. وما افلاس الايديولوجيات الحاكمة وانفتاح الساحة أمام ظواهر التطرف غير التعبير الأخير عن انتهاء مدة صلاحية الانظمة التي حملتها اعوام الخمسينات والستينات المتسلقة على القضية الفلسطينية لتبرير امساك الطغم العسكرية والعائلية (الطائفية والاقلية في أكثر الأحيان) بنياط السلطة وسط تجاهل كامل لآليات التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في المجتعات هذه وفي العالم المحيط. لقد اتخذت الانظمة هذه موقفا رجعيا، بالمعنى التاريخي للكلمة، من مجتمعاتها.

ولئن بقي لبنان استثناء في هذا المشهد العام في المشرق العربي، رغم حروبه الأهلية، فذلك لم يحمه من الوقوع في هوة صراعات الهوية والجماعات التي تعم المشرق. ولعله من الانسب الانطلاق من استعراض اوضاع لبنان ومشكلاته ومثالها الأحدث هو العجز عن تأليف حكومة بعد 11 شهرا من استقالة الاخيرة.

فقد راحت عمليات تأليف الحكومات في لبنان منذ نهاية وصاية أجهزة الاستخبارات السورية على الحياة السياسية فيه، تزداد مع الوقت صعوبة وتعقيدا، في تناسب طردي مع صعوبة وتعقد العلاقات بين الأطراف التي ”ضمنت“ تنفيذ اتفاق الطائف (1989) وقد صار اثنان منها اليوم في حال عداء سافر (سوريا والسعودية) وانكفأ طرف ثالث عن أداء أي دور مفهوم او مؤثر (الولايات المتحدة) فيما ظهر طرف رابع (ايران) يقاتل بشراسة لفرض حضوره وحماية مصالحه.

تفسّخ المظلة الدولية للاتفاق الميثاقي الذي جدد صيغة الحكم في لبنان ووضع حدا لحروب اهلية وخارجية عدة متداخلة ومتضافرة، اعقبه بعد اعوام اندلاع الثورات العربية التي دخلت الى لبنان من النافذة السورية بعدما تعذر عبوره من باب التغيير الداخلي. اضف الى ذلك موت الدينامية السياسية اللبنانية تحت وطأة الوصاية السورية وهزيمة المسيحيين، أصحاب فكرة الكيان الأصلية.

اجتماع عوامل الشرذمة الداخلية والخارجية أعاد طرح أسئلة كان يُفترض انها اصبحت نافلة بعد نيف وثمانين عاما على انشاء الجمهورية اللبنانية: من هم اللبنانيون؟ ما هي الروابط التي تشدهم الى بعضهم البعض وتشد مجموعهم الى هذه الرقعة الجغرافية المحددة؟ ما هي صفات الدولة التي تضمّهم وما هي الإصلاحات التي يريدون ادخالها على نظام دولتهم السياسي؟

وربما يجدر تجنب نقاش كل واحد من الاسئلة هذه التي اطنبت الادبيات السياسية اللبنانية في العقدين الماضيين في وصفها، ما دام النقاش لن يفضي إلى غير تأكيد استعصاء العيش المشترك وزيادة الصعوبات امامه بسبب صعود الهويات الفرعية واضمحلال الحيز المشترك بين اللبنانيين. ذاك أن مأزق اللبنانيين ببلدهم فاق في الخطورة ضرورات التأني والتأمل التي يفرضها النقاش. وباتت وتيرة اعمال القتل الطائفي يومية او تكاد تكون كذلك. ومن بين النقاط القليلة التي يتفق عليها المتحدثون باسم طرفي الاستقطاب السياسي اختفاء صيغة الحكم او الميثاق الوطني وتبخرها. بكلمات ثانية، ليس هناك ما ينظم العلاقات بين اللبنانيين ولا بين هؤلاء وبين ما تبقى من الدولة المكتفية بتسيير الحد الادنى من اعمالها الادارية.

بل إن مفهوم ”الدولة“ ذاته قد ابتُذل وافرغ من المعنى بحيث لم يعد مفهوما ما هي صفات ”الدولة“ التي تحضر في البرامج الحوارية التلفزيونية اكثر مما تحضر في الواقع. فليس معروفا - على سبيل المثال - كيف ستعالج ”الدولة“ العتيدة مسائل السيادة والعلاقات مع المحيط العربي المضطرب، ناهيك عن مشكلات بنيوية ترافق لبنان منذ تأسيسه من مثل الوظيفة الاقتصادية المفقودة والتفاوت الاجتماعي المتفاقم ومنظومات تجديد الزعامات الطائفية وانهيار التعليم الرسمي من ضمن الاضمحلال المتواصل لمؤسسات الدولة. من البداهة ان تكون المشكلات هذه تسير بلبنان وباللبنانيين على المسار المعاكس لكل ما هو يُثمّنه عالم اليوم. وبذلك تتسع الهوة ليس بين اللبنانيين كطوائف وفئات اجتماعية وسياسية فقط، بل بين هؤلاء وبين العالم واساليبه في العمل والتفكير والانتاج.

وبعد ربع قرن على ”اتفاق الطائف“ الذي انهى حروب 1975–1990، ورفع الى سوية الميثاق الوطني المؤسس للجمهورية الثانية، انفك قسم كبير من اللبنانيين عنه بعد انهيار الرعاية الاقليمية والدولية التي اتاحت تطبيق بعض بنوده وفق التأويل السوري المُغطى بالتكليف العربي والدولي للرئيس حافظ الاسد ادارة الشأن اللبناني.

وتبدو قليلة الاهمية هنا درجة الاجماع اللبناني على ”الطائف“ بنسخته السورية ذلك أن الاتفاق كان يؤدي المطلوب منه بتهدئة الاقتتال الاهلي الذي استنفد وظائفه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وغزو العراق الكويت وتدشين مرحلة المفاوضات في الصراع العربي - الاسرائيلي.

تبدل العلاقات السورية - السعودية منذ اغتيال رفيق الحريري وانتقالها الى حال العداء الصريح والصعود العنيف لـ ”حزب الله“ والتحاق مسيحيي ”التيار الوطني الحر“ به، والنكسات المتتالية التي منيت بها قوى ”14 آذار“ ومشروع ”دولتها“ المبهم، وبالتالي انكشاف حدود وضحالة ”السنّية السياسية“ شريكة ”الشيعية السياسية“ في المحاولة الفاشلة لوراثة ”المارونية السياسية“، كل ذلك معطوفا على التقدم الايراني في المنطقة والسأم الغربي والاميركي خصوصا من كل ما يتعلق بالشرق الاوسط في زمن الازمات الاقتصادية الخانقة، وصولا الى الثورات العربية وتخبطها وارتباكها، جعل من صمود صيغة الحكم اللبناني رابع المستحيلات.

المشرق بعد لبنان

بهذا المعنى تكون الازمة الوطنية اللبنانية قد تبعت انهيار الدولة العراقية في 2003 في الكشف عن أن الآفات التي فتكت بالتوافق اللبناني وبصياغته الميثاقية، وأنهت عملياً مفاعيل ”الطائف“ في لبنان، كانت من السعة بحيث شملت قسما كبيراً من المشرق العربي. آفات العلاقات الداخلية المأزومة وتوزيع السلطة والثروة والطبيعة المافيوية المسلحة لحكومات اقليات سياسية وطائفية. ويصعب التصديق ان المسألة السورية المتعددة الأوجه والأبعاد، ستنتهي الى تسوية قابلة للحياة بين المكونات على الطريقة البوسنية او اللبنانية او العراقية. وبالقدر ذاته من الصعوبة، يمثل العراق نموذجا على استحالة بناء نظام سياسي تعددي ما دامت ”سياسته“ بعد احد عشر عاما من الغزو الاميركي تتلخص في انكار السنة لفقدانهم السلطة وسعي الشيعة الى الاستحواذ على اكبر قدر منها، غصباً عن الاكراد والسنة وعبر الاستقواء بإيران.

ربما من المفيد هنا الاشارة الى الفارق بين التعددي (المأمول) والديموقراطي (المستعصي) حيث يبدو ألاّ مفر من المرور بمرحلة من التعايش التعددي وترك مهمة اختيار قيادات المكونات لآليات الانتقاء ”الطبيعي“، على ما هو الحال اليوم في لبنان والعراق مثلا، قبل مساءلة الامكان الديموقراطي، على ما في ذلك من مجازفة في القضاء على مفاهيم المواطنة والمساواة.

ما سبق يصف جزئيا على الأقل حالة الضمور الميثاقي الذي تتردى في منطقة شرق المتوسط. حالة الأزمة الشاملة التي تمر فيها بلادنا ترسي أرضية الحروب الأهلية والاقتتال المذهبي والطائفي ومشاعر الخوف بين الاقليات وبين الاكثريات، وتطرح الهجرة كمخرج ضيق للأمن الفردي من دون توفر علاج عام وجماعي.

نفتح هنا قوسين لنقول ان الحروب الاهلية ليست حال استثناء في تاريخ المنطقة. ومنذ تاريخ قديم، سابق على الفتوحات العربية، تعم هذه الانحاء صراعات بين الجماعات والأقوام تتراوح بين الحرب على حقوق الرعي والمناطق الزراعية الخصبة - مثل حروب المناذرة والغساسنة والقيسيين واليمنيين وحتى داخل الدولتين المملوكية والعثمانية - وصولا الى الصراع على موارد الدولة وثرواتها والنصيب من الوظائف والسلطة فيها. غني عن البيان ان الولاءات الخارجية والهويات الدينية والقومية لم تغب بحال عن المتقاتلين. لا يعني هذا الكلام الاستسلام لمنطق ”استشراقي“ يشمل كل تاريخ المنطقة بتفسير واحد وحيد ويسمها بمرض الحرب التي لا أول لها ولا آخر.

وإذا كانت ثمة اشارات الى تهدئة ما في المنطقة بين الايرانيين والاميركيين بعد الاتفاق المبدئي في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي في شأن البرنامج النووي الايراني، فليس واضحا كيف ستلجم الاشارات هذه الحروب الاهلية الموزعة من العراق الى لبنان، باستثناء العمل على خنقها بحرمانها من الموارد اللازمة للاقتتال وكف أبواق التحريض اليومي. لكن ذلك، على أهميته، لن يفضي الى وأد الحروب الاهلية المرتكزة الى المصالح المتناقضة للجماعات المحلية في المقام الأول.

يمكن هنا النظر الى ما يجري عندنا من زاويتين لا تلبثان ان تتداخلا: الديموغرافيا والجغرافيا.

ساهمت الحروب في ”تنقية“ عدد من المناطق طائفيا وعرقيا. بات للأكراد والسنة والشيعة في العراق معاقل شبه صافية لهم. ويجري العمل على اقصاء السنة من نواح عدة في ارياف حماة وحمص وحشد العلويين في جهات متواصلة جغرافيا. والمسيحيون في لبنان انتهت اكثرية معتبرة منهم الى التركز في مستطيل جبلي يمتد من اهدن شمالا الى جزين جنوبا. ويصح النسج على هذا المنوال في تقييم انتشار الطوائف الأخرى، فيما تبقى الجماعة السنية اقل قدرة على الانضواء في حيز جغرافي واحد لاسباب تاريخية واجتماعية عدة، اسفرت عن عجزها على الانتقال من واقع الاكثرية العددية الى الأكثرية السياسية صاحبة المشروع على النحو الذي يبدو اليوم عند الطائفة الشيعية.

الفيدرالية

تغري الحقائق الجديدة هذه بالترافق مع احتلال الكراهيات مواقع مركزية في خطاب الجماعات المتناحرة، بإعادة النظر في الخريطة السياسية للمنطقة. وليس كشفا القول ان الخريطة التي صيغت تدريجا عبر عدد من الاتفاقيات والمؤتمرات التي اعقبت الحرب العالمية الاولى، هي موضع شكوى من أطراف قومية وطائفية عدة. فإلى جانب الاحتجاج القومي العربي التقليدي على تقسيم المنطقة الى كيانات مصطنعة تتجاهل وحدتها الطبيعية وتاريخها المشترك الخ... ثمة اعتراضات من الاكراد والمسيحيين وغيرهم من الجماعات. وبعد استفحال التوتر السني - الشيعي في لبنان، لم يعد نادرا سماع اصوات مسيحية تطالب بالانكفاء الى كيان أصغر انقى محايد حيال الصراع الكبير الدائر ويضمن أمن المسيحيين.

وباتت فكرة الفيدرالية اوسع انتشارا كحل يضع حدا للاقتتال السني - الشيعي عديم الافق ويتيح انصراف الجماعات الى بناء كياناتها والحفاظ على ”خصوصياتها“ في اجواء سلمية تنضج خلالها ظروف البحث عن مصالح مشتركة او لا تنضج، وبالتالي تؤجل الى اشعار آخر محاولة تطبيق فكرة ”الدولة - الامة“ في كيانات تختزن هذا الكم الهائل من الكراهية والاحقاد. ويجوز عندها الانتقال الى مرحلة الكونفيدرالية أو التقسيم.

تواجه فكرة الفيدرالية (او الكونفيدرالية) في العالم العربي وفي مشرقه، باعتراضات تتأسس على مجموعة من الخرافات. وعند المعترضين من القوميين ان الخريطة السياسية الحالية لا تعكس حقيقة المنطقة ووحدتها. وأن الزمن هو زمن التكتلات والاتحادات (مثالهم البائس في العادة هو الاتحاد الاوروبي)، فيما نتجاهل نحن كل عناصر الوحدة ونمضي نحو التقسيم الذي سيقضي علينا اقتصاديا وسيبيح المنطقة امام النفوذ الصهيوني... بكلمة واحدة، لا تصمد اي فكرة او مثال من هذه المذكورة اعلاه امام اي فحص جدي. فالمنطقة مقسمة ومستباحة ومتخلفة اقتصاديا وانمائيا وعلميا وتتعاورها الافات الاجماعية من كل صوب، بحيث يصعب تصور ان تتردى الى قيعان اعمق من تلك التي نقبع عليها. كما أن هذه المقاربة التهويلية تريد وضع الباحثين عن حلول امام خيار عدمي: اما بقاء انظمة الاقليات المسلحة أو تدمير المنطقة على رؤوس الجميع. هذا ما يفعله بشار الاسد في سوريا وهذا ما يتضمنه خطاب ”حزب الله“ في لبنان.

من جهة ثانية، ربما ينفع التذكير بان ”الجمهورية العربية المتحدة“ التي ضمت مصر وسوريا بين 1958 و1961، كانت فيدرالية مؤلفة من اقليمين، شمالي وجنوبي، ولكل منهما هيئته التشريعية ومؤسساته. طبعا، كان تطبيق النظام الفيدرالي في تلك الدولة يدعو الى الرثاء. آية ذلك استحالة تعايش نظام ديكتاتوري وحكم فيدرالي في صيغة حكم واحدة.

يعيدنا هذا الى المسألة الشائكة المتعلقة بتكريس الديموقراطية في الدولة الفيدرالية وكيفية تقديمها في حين ان المناخ الحالي مناخ حروب طائفية وعرقية. فلنقل ان هذا السؤال سيبقى معلقا في المستقبل المنظور. يشجع على تأجيل البحث ايضا ارتباط الديموقراطية بطبيعة النظام الاقتصادي والتعليم والتحرر الاجتماعي. وهذه مسائل لا مجال للانكار انها في وضع كارثي في طول المنطقة وعرضها.

الخريطة

لكن ما يمكن البحث فيه بحثا متقدما هو تقسيم الاقليم وفقا لتركز الجماعات والأقوام.

يدعو المسيحيون اللبنانيون اذاً الى كيان خاص بهم في الجبل مع علمهم ان هذه المنطقة تعج بالسكان الدروز (الشوف وعاليه) والسنة (اقليم الخروب) والشيعة (جبيل) وان عشرات الالاف من المسيحيين سيبقون في مناطق المسلمين في البقاع والجنوب واقصى الشمال. ولا يبدو اكراد العراق راضين تماما عن حصتهم من اراضي العراق فتثار المسألة حينا ثم تختفي عن شاشة الاهتمام العام. يعني ذلك أن توزيع الاراضي وفقا للصفاء الطائفي ليست حلا سحريا بل تنطوي دائما على نقاط احتكاك مقبلة بين اطراف الفيدرالية.

لا بأس من التسليم النظري بصواب فكرة الكيان المسيحي المستقل ضمن فيدرالية او كونفيدرالية اوسع. وتصح استعادة التجارب الدولية التي خُيّرت فيها الاقليات بين الالتحاق بمعاقل قومياتها/طوائفها وبين البقاء في كنف الاكثرية المهمينة في الاقليم. المشكلة التي تواجهها الفكرة المذكورة لا تتعلق بالاقليم المسيحي. بل بحاضنته. بكلمات ثانية، ”بالدولة“ الفيدرالية التي ستضم المسيحيين. درجة الاستقلال التي يتصورها المسيحيون الفيدراليون، تتجاوز سقف الفيدرالية والكونفيدرالية الى حدود الاستقلال الناجز.

وسواء امكن توفير الضمانات الدولية السياسية والاقتصادية للكيان هذا ام اضطر الى مكابدة شظف العيش في هذه المنطقة الفقيرة الا من السكان السريعي الغضب (لا تدعو تجارب البلدان التي ظهر النفط والغاز فيها أخيرا الى تفاؤل كبير بسبب الافتقار الى ”الدولة“ أساسا)، فإن التحدي الكبير سيكون في التعامل مع الخريطة الاكبر. مع المسلمين السنة والشيعة ومع العرب الآخرين.

ويصعب تصور خريطة لدولة تضم كيانا مسيحيا وآخر سنيا وثالث شيعيا وتتمتع بحد أدنى من الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي ضمن الخريطة اللبنانية الحالية. الاقرب الى المنطق ان يكون الاقليم هذا ضمن دولة فيدرالية اكبر مساحة تشمل لبنان وسوريا والعراق ويمكن للطوائف الثلاث هذه اضافة الى الكرد والتركمان والاشوريين وغيرهم، التعبير عن ذواتهم ضمن كيانات سياسية وفي ظل اعتراف بثقافاتهم وضمان حرياتهم.

يبرز هنا عائق جديد. فهذا الكيان المتخيل سيحمل داخله قضية اللاجئين الفلسطينيين. وسيكون على تماس مع دولة اسرائيل التي ترفض حتى اليوم أي شكل من اشكال التسوية مفضلة الاعتماد على سياسة القوة وعلى الاختلال الحاصل في موازين القوى بينها وبين جيرانها. امكان انضمام اسرائيل الى اي كيان فيدرالي في المشرق يتأسس على رغبتها في التوصل الى حل سلمي مع الفلسطينيين. لكن الواقعية تقتضي النظر الى الصعوبات الهائلة التي ستواجهها مناقشة هذه الفكرة في ظروف سيطرة الرعب الطائفي والاقوامي.

اللغم الثاني الذي سيواجه فكرة انضواء الاقليات والاكثريات في المنطقة ضمن كيان فيدرالي يمتد من العراق الى سوريا وفلسطين ولبنان والاردن (لوجود اكبر عدد من اللاجئين الفلسطينيين فيه ولانتمائه تاريخيا وجغرافيا الى منطقة الشام)، هو شكل الانظمة السياسية داخل كل اقليم. فالاعتماد على آليات الانتخاب ”الطبيعي“ اي ترك الطوائف والاقوام تختار زعاماتها وفقا للتقاليد القبلية - الطائفية، سيؤدي الى تفجير هذه الكيانات من الداخل حتى لو استطاعت التوصل الى هدنات تاريخية طويلة الامد مع بعضها.

تؤكد هنا الديموقراطية كمسألة بين - قومية، وداخل كل قومية، اهميتها الحاسمة في تشكيل الكيان السياسي المعقد والمركب. وإذا اردنا اسقاط هذه المسألة على حيز صغير لوجب علينا التساؤل عن شكل العلاقة الممكنة اليوم بين نوري المالكي وبين مقتدى الصدر في العراق (بعد رفع الوصاية الايرانية عنهما) وايضا بين سمير جعجع وبين ميشال عون في لبنان.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬