روجيه عوطة

"هكذا نحصل على نوع جديد من التعايش الأدبي نستطيع أن نسمّيه تعايش الخير والشرّ، والجريمة والعقاب، وآدم القانع بمصيره، وآدم الآخر الرافض مصيره".[1]

عندما ينحو واحد من الشعراء إلى الدفاع عن نظامٍ ما، والمطالبة بوصوبه مباشرةً أو مواربةً، ومن ثم يعلو النقد ليطاله بالتفاجؤ، والتنديد والاعتراض...، حينها، تنتشر مقولة ٌ في نصوص ناقدي الناحي ومحاميه على السواء، فاصلةً بين رأيه في الشأن العام من جهة، ووجهة نظره في الإبداع من جهة أخرى. فليس جائزاً، بحسب المقولة هذه، تقريب طرف السياسة من طرف الشعر، والعكس أيضاً، لا سيما أن العلاقة بينهما غائبة، حتى لو كانا صادرين عن الشخص ذاته. فمن الممكن أن يكتب الشاعر قصيدةً تشد الانتباه إلى شكلها المتفلت من القديم، وتثير الإعجاب بمضمونها الجديد، وفي الوقت نفسه، يطلق موقفاً محافظاً وتقليدياً حيال موضوع عام. كما من الممكن أن يعبّر الشاعر عن إبداعيته التي لا تلتزم بالنظريات الشعرية السابقة على حضوره، وفي الحين نفسه، ينتصر لسلطة مستبدة، وعنيفة، حفاظاً على النظام، ومنعاً لتخلخله، ومن ثم سقوطه. وبالاستناد إلى مقولة الفصل، ليس التناقض قائماً بين الشعري الثوري والسياسي المحافظ، لأن لكل واحد منهما حقله الخاص.

والحال، أن هذه المقولة، الرائجة في الخطاب الثقافي، تقسّم النصوص، وترفع الحواجز عند تخومها، منعاً لأي ربط نقدي بين مضامينها، وبناها الجوانية. إذ تتعيّن مسارات النقد على أساس النص الذي تتناوله، وبالإعتماد على أدوات محصورة بمركّباته. فمن الخطأ أن تقع المقاربة النقدية على مسألة سياسية في قصيدة، ومن المستحيل أن يتلمس النقد طريقاً شعريةً في نص سياسي. هذا، مع العلم أن الخطأ والاستحالة هنا، لا علاقة لهما بالشعر السياسي، كصنفٍ أدبي، يتطرق كاتبه إلى إحدى القضايا الإيديولوجية مدحاً أو ردحاً أو بكاءً على الأطلال. بكلام آخر، لا يصحّ البحث عن الدلالة السياسية في نصٍ لا سياسة فيه، ولا عن المعنى الشعري في نص لا شعر فيه. فعلى المقاربة أن تلتزم حدود النص، ومضمونه الأولي، أو السطحي، دون أن تتمتع بحقها في افتراض ما وراء النص، وما بعده، وفي استنتاج ما تحته وما فوقه أيضاً.

فيبتغي الفصل النصّي، بحجة تعطيل القراءة الشمولية، التي تتوجه إلى النصوص ككلٍ مضغوط، أن ينتزع الحق في الاستخراج من النقّاد، ويحصر مقارباتهم بأنواع النصوص التي يعالجونها، وبمعطياتها المباشرة.

تالياً، ينطلق النقد من مسلّمات النص، آخذاً مسارات خطّية آمنة، غير متعرجة، أو ملتوية، ولاجئاً إلى اللغو والإنشاء والتكرار، كي يعود إلى نقاط انطلاقه البديهية. في النتيجة، لا تبارح المقاربة نصها، ولا تخرج منه وعليه، بل تصوره كأنه كناية عن سطح مرصوص، ومطروق بالمعاني، التي لا طائل في خلعها، أو نزعها، لإدراك مركّباتها، وأصولها المتشابكة. وهذا ما يدل على تحول مقولة الفصل إلى مقولة عزل، أي أن النصوص المفصولة عن بعضها البعض، تستحيل معزولة ومغلقة، ونافل الإدراك هنا أن كل واحد منها يصبح شملاً قائماً بذاته، وأي قراءة تتناوله قراءة كلية بالضرورة.

إذاً، لا تعطل مقولة الفصل - العزل القراءة الشمولية، بل تبدل موضوعها، وتضيّقه فقط. ومثلما تنتزع من النقد حقه في الاستخراج، تحرم النص من طياته التي يمكن الاستنباط منها، ومن خارجها. فلم يعد الحق منزوعاً من النقّاد فحسب، بل من النصوص أيضاً. بعد ذلك، تختفي العلاقة بين الموقف الشعري والرأي السياسي، فلا يندرجان في سياقات التناقض، أو التساوي، أو التماهي إلخ. بسبب أنهما يختلفان من ناحية الموضوع، والفضاء المعرفي، واللغة. ذاك، أن خطاب الشعر يغاير خطاب السياسة، ويقع في معزل عنه. فحتى لو كان الشاعر راديكالياً في الأول، ومحافظاً في الثاني، من المستحيل الاستفهام عن حقيقة ثوريته، ومقارنتها بكلاسكيته: كيف يثور في نظرته إلى القصيدة، ويمتثل في السياسة؟ أليس من المفارقة أن يتمرد على السابق شعرياً، ويخضع له سياسياً؟

من هذه الناحية الاستفهامية، قد يكون النص السياسي الذي كتبه أنسي الحاج تحت عنوان "البحث عن بشير الجميل" (جريدة "الأخبار"- السبت 6/7/2013)، مثالاً راهناً من أجل التنقيب عنه في مقدمة كتابه الشعري "لن"، المكتوبة في خريف 1960. والحق أن الأخيرة، التي رأى فيها الكثيرون "بياناً ثورياً"، قد كرست الشاعر رائداً رئيسياً من رواد قصيدة النثر، المتفلّتة من عقال القصيدة الكلاسيكية والموزونة. كما ظهّرت راديكالية الحاج، وطبعت تجربته الشعرية، التي غالباً ما يجري تحييدها عن تجربته السياسية، نظراً إلى الاختلاف الموقفي بين التجربتين، بحيث إنه شاعر "ثوري" في الأولى، وكاتب "محافظ" في الثانية.

هذا، وقد بلغت محافظته ذروتها النصية في كلامه عن حاجة لبنان إلى "حكم فاشتستي" كي تستقيم حاله، ويصبح دولةً. ذاك، مثلما كانت "ثوريته" الشعرية قد بلغت الذروة نفسها في مقدمة "لن"، وفي دفاعه عن قصيدته الجديدة.

وبالاستناد إلى هذه الذروة تحديداً، من الممكن المقارنة بين النصين الشعري والسياسي، والاستفهام عن التناقض الظاهري بينهما: فهل يتعارضان في الواقع؟ وهل الشاعر أنسي الحاج محافظ في الأول وثوري في الثاني؟ أم أن دعوته الشعرية، المدافعة عن قصيدة النثر، تطابق دعوته السياسية، المطالبة بحكم فاشي في لبنان؟ هل ثمة فارق بين مقدمة "لن" "والبحث عن بشير الجميل"، أم أنهما لا يختلفان من ناحية المضمون الدلالي؟

بلاغ الانقلاب

ينطلق أنسي الحاج في مقدمة "لن" من ثنائية النثر/الشعر، محدداً معايير وقوانين كل طرف من طرفيها. إذ أن النثر "مرخي ومتفرق"، و "مرسل"، و "ذو هدف زمني"، ويشكل السرد نوعه أو شكله الأولي. كما أنه "يتوجه إلى" الآخر، ويخاطبه، مقيماً علاقته به "على جسور المباشرة، والتوسع، والاستطراد، والشرح، والدوران، والاجتهاد الواعي". ذاك أن غايته الأساس هي الإقناع، ما يبرر لجوءه إلى أي وسيلة من الوسائل الكتابية لتحقيقها.

أما القصيدة، فأول معيار من معاييرها التعريفية أنها "شيء ضد". ويُضاف إلى ذلك، أنها "عالم مُغلق"، مكتف بنفسه، وذو وحدة كلية في التأثير، كما أن لا غاية زمنية لها. فهي تقوم على عناصر الشعر، الذي يتسم بالتوتر والابتعاد عن التورط في "الزمن الموقت والقيمة العابرة"، كي تختصرها وتكررها وتشدّ حزمتها. وهذا يعني أن القصيدة ترسخ انغلاق الشعر، وتمتّن اكتفاءه الذاتي، ولازمنيته.

في النتيجة، يشير الحاج إلى أن النثر خلاف الشعر، والقصة خلاف القصيدة. لذا، يريد "البحث" عن نوع أدبي جديد، أي عن قصيدة النثر، التي تجمع بين طرفي ثنائية النثر/الشعر، من غير أن تتخطاهما. إذ أن الشاعر يفتش عن وحدة قصائدية، يضم فيها المرخي إلى المُغلق، والمتفرق إلى المكتفي بنفسه، والمرسل إلى المتوتر، كما يدمج داخلها بين الزمني واللازمني.

وهنا لا بد من الإشارة إلى النبرة المتطرفة التي يركن الحاج إليها في كلامه عن القصيدة الكلاسيكية، وعن شعرائها المحافظين، الذين يطمئنون إلى "الشيء الجاهز"، ويرتعبون من "الشيء المجهول المصير". إذ يستخدم الشاعر قاموسا عصبيا في غالبية عباراته، مدافعاً عن "نهضة العقل، والحسّ، والوجدان". فكي يتم لنا "خلاص"، بالنسبة إليه، لا بد من الوقوف أمام سدّ التقليد والركود والمحافظة، وبجّه. والفعل هذا تتبعه مسالك وأفعال أخرى، تقضي على أسلحة "العبيد بالغريزة والعادة"، وتنتصر عليهم، كـ "الصراحة المطلقة"، و"نهب المسافات"، و "التعزيل المحموم"، و"الهسترة المستميتة". بالإضافة إلى "الجنون"، الذي يعيّنه الحاج تبسيطياً بفعل الوقوف في الشارع والشتم، واللعن، والإنباء، ولكي يبلغ البجّ هدفه، من الضروري "الهدم، والهدم، والهدم، إثارة الفضيحة والغضب والحقد"، فـ "أول الواجبات التدمير"، كما أن "التخريب حيوي ومقدس".

إلا أن هذا القاموس الاصطلاحي، الذي تتحكم به سلوكيات الحقد والكره والغضب، فضلاً عن التقديس واللعن والشتم، وغيرها من الأفعال العصبية الأخرى، ليس قاموساً ثورياً، ولا يمكن الاعتماد عليه لنسف الكلاسيكي وهدمه، ذاك أنه لا يؤدي سوى إلى ترسيخ أقلوية الذات، التي تتحدد بحسب الآخر، وتتضمنه إلغاءً وتكريساً له. بالتالي، يتعطل الهدم، والتدمير، والتخريب في مرآة الغير المشتومة، والملعونة، والمقدسة. وهذا ما يجري فعلاً داخل النص حين يسأل الحاج عن بناء قصيدة النثر، ويجيب بروع هادئ ونبرة خامدة أنه بناء ممكن. كما لو أن أسبابه سهلة ومتاحة، ولا تحتاج إلى ثورة إبداعية، "ما دام الشعر لا يُعرَّف بالوزن والقافية، فليس ما يمنع أن يتألف من النثر شعر، ومن شعر النثر قصيدة نثر". ولا يتعطل قاموس "الصراحة والنهب والهسترة"، عند اكتشاف الشاعر أن معرقلات تأليف الجديد، كما يحدده، غائبة. إذ أن "الثورية" المزعومة، القائمة على اصطلاح متطرف، تستحيل لفظية، وبلا سياق دلالي في النص، عندما يتحدث الحاج عن العوامل التي مهدت لبناء قصيدة النثر. ومن بين تلك العوامل، ضعف الشعر التقليدي، وظهور الوزن الحر، "القائم على مبدأ التفعيلة لا البيت، الذي عمل منذ عشر سنين على زيادة تقريب الشعر من النثر". بالإضافة، وهذا عامل رئيسي، إلى الترجمات عن "الشعر الغربي".

بعيداً من السياق غير الثوري لعبارات "الهدم والتدمير والتخريب"، يستند الشاعر إلى تلك العوامل الممهدة كي يوفق بين النثر والشعر في قصيدة واحدة، محدداً صفاتها ومقاييسها المختلفة. فهي "كيان واحد مغلق"، و"وحدة متماسكة لا شقوق بين أضلاعها"، لذا، "تأثيرها كلي"، لا كأجزاء، أو أبيات وألفاظ. كما أنها تحتاج إلى التماسك، و "إلا تعرضت للرجوع إلى مصدرها، أي النثر". غير أن انغلاقها وتماسكها لا ينفيان قدرتها على استخدام أدوات النثر، لكن بعد تجريدها من زمنيتها، فتصبح أدوات لازمنية. لذلك، ترتكز قصيدة النثر على ثلاثة قوانين أولية: الإيجاز، والتوهج، والمجانية. وأي عنصر يشذ عن هذه القوانين هو "متناقضات" يجب اجتثاثها.

بالتالي، تتأسس القصيدة على آليتين مترابطتين، هما التوليف والاجتثاث. إذ أن "الوحدة العضوية" تولّف بين النثر والشعر قبل أن تزيل آثار الأول، وتمتّن عناصر الثاني، بهدف الجمع بين "دفعة فوضوية" من جهة، و"قوة تنظيم" من جهة أخرى، أي من أجل الحصول على "وحدة بين نقيضين"، لا تؤدي سوى إلى "الديناميكية الخالصة".

بذلك، تصبح قصيدة النثر وحدة متراصة، مقفلة، لازمنية، مطلقة، و"بلا مقابل". غير أن انغلاقها هش وضعيف للغاية، إذ أنه ينعكس على موقع الشاعر منها، فـ "أقل عقدة شكلية تعطّل انطلاقه وتحرف وجهته. أبسط همّ خارجي يسرق من وحدة انضبابه على الجوهر". مع العلم أن شاعر قصيدة النثر، مثلما يحدده أنسي الحاج، هو "النبي، العراف، الإله"، كما أنه المُطلق، الذي يحتاج إلى لغةٍ خاصة به، "تلتقط فكره الهائل التشوش والنظام معاً".

على هذا الأساس، ينطلق الحاج من ثنائية النثر/الشعر، لا لكي يثور عليها، أو يتخطاها، بل كي ينحاز عصبياً إلى طرف الشعر "ضد" النثر. بمعنى آخر، لم يخرج الشاعر من النظام الثنائي، بل حافظ عليه من خلال التوليف بين عناصره، وتغليب عنصر على آخر. ذاك، من أجل ضبط المرخي، وإمساك المتفرق، والقبض على المرسل، قبل أن يُدخل المضبوط، والممسوك، والمقبوض إلى "وحدة عضوية" مغلقة. والأخيرة، يسكنها الشاعر الإله، الذي يلتزم موقفه الجوهراني، ويقفل قصيدته، حيث ينعزل، ويواصل "شتمه" القصيدة الكلاسيكية، والحقد عليها، لا كي ينسفها ثورياً، وهذا ما لا يقدر عليه، بل من أجل الحفاظ عليها كـ "عدو" سهل من ناحية، ومن أجل الاستمرار في تعصبه لنظام التوليف والاجتثاث، بحجة خطورتها وتهديدها الدائمين، من ناحية أخرى.

في هذا السياق، لا تعود مقدمة "لن" بياناً ثورياً، بل بلاغ انقلاب، ومن مفاعيل الانقلابات أنها تؤخر الثورات الفعلية. ذاك أنها، في حال قصيدة النثر، كما صوّرها الحاج، توهم القراء بعدو خارجي، كي تولف، وتجتث وتقبض، مكرسةً سلطتها اللازمنية، وخطابها الثنائي.

في النتيجة، لم ينقلب أنسي الحاج بالشعر على النثر فحسب، بل انقلب بالشعر على الشعر نفسه.

سياسة العصاب

في مقالته المعنونة "البحث عن بشير الجميل" (جريدة "الأخبار"- السبت 6/7/2013)، يعرض أنسي الحاج وجهة نظره السياسية بالانطلاق من ثنائية مشابهة لثنائية النثر/الشعر، أي الفوضى/الدولة. وإذ يحدد الشاعر معايير الطرف الأول، وعلى ضوء تحديده هذا، يطالب بحضور الطرف الثاني، من خلال اللجوء إلى "قصيدة نثر" سياسية، هي "الحكم الفاشستي".

تتمثل الفوضى، بالنسبة للحاج، في أن البلد أصبح سائباً، ولم تعد شوارعه سوى مكان للزعران، حيث تنعدم الحقيقة، والقيم، ويحل الفساد وحب الظهور والوجاهة مكانهما. فكل "ما نأكله فاسد، وما نقرأه كاذب ولا نتعامل إلا بالتزوير والتهريب والدعارة". لقد بلغت البلاد درك السرقة والنصب، فضلاً عن تمترس شعبها خلف فريقي 14 و8 آذار، وانحطاطه لسببين: "استقطاب جمهور لا يريد الحقيقة بل الغريزة والتعصّب، وشراء الذمم من المحيط إلى الخليج".

فاللبنانيون كلهم "وحوش" باستثناء الشاعر وأمثاله "ممّن يبكون أمام الأفلام وعند المطالعة"، ومعهم "النساء والأولاد" طبعاً. أما باقي الشعب، فـ "خاضع وخامل وبلا وطنية". وبالتوازي مع انحطاطهم، يعتقد اللبنانيون أن الفوضى، التي يعيشون في ظلها، هي الحرية. إلا أن الحاج يصحح هذا الاعتقاد الخاطئ، ويحدد معنى الحرية بالاستناد إلى فعل عصبي، هو الشتم: "هناك حريّة أن يشتم الواحد الآخر ولكن ليس هناك حريّة أن يشتم الواحد نفسه وحزبه وزعيمه". ذاك، قبل أن يكتب أن حرية التعبير، التي كان البلد قد بلغها في فترة من فتراته الماضية، كانت عبارة عن "شذوذ جميل".

لمكافحة هذه الفوضى، والقضاء على مظاهر السيب والانحطاط، يطالب الشاعر بحضور الدولة، فـ "نحن اللبنانيّين بحاجة إلى دولة، إلى جيش دولة ودرك دولة وموظفي دولة". فالفجوة الفارغة في حياتنا المزيفة تصرخ: "بالله عليكم املأوني... أنا الدولةَ!". غير أن ملء الفجوة هذه، ليس يسيراً، ولا يمكن تحقيقها بسوى الركون إلى خيار حُكمي متطرف، أي الإستعانة بـ "الحُكم الفاشستي" على نموذج بشير الجميل سابقاً، وميشال عون لاحقاً، أي الاستعانة بالفاشية، بنسختها الطائفية الضيقة، المسيحية على وجه الدقة.

والحال، أن الحكم الفاشي هذا كفيل بجمع النقيضين، الفوضى والدولة، بالإضافة إلى تعريف اللبنانيين على قيمة الحرية. تماماً، مثل قصيدة النثر التي تجمع بين النثر والشعر في "وحدة عضوية متماسكة"، وتؤثر في القراء بطريقة كلية، معرّفةً إياهم على "الحرية" الإبداعية. فالسلطة الفاشية تقوّم السائب، تضبط الموظفين، و "تربي" الطفيليات، أي أنها تتحكم بتمثلات الفوضى. كما أنها تعيد إرساء القيم، لا سيما أن الديكتاتور "طاغية أخلاق"، يطرد جميع الفاسدين من الهيكل، فيبني الدولة، ويرسخها في المجتمع.

ومع زوال الديكتاتورية بزوال صاحبها، يجد الشعب نفسه أمام خيارين: "الطوفان، أو حاكم ذكي يستغلّ ما بناه سابقه ليكمل البناء عليه". وإذا كانت "تربية" الطاغية للمجتمع صالحة، تتقدم البلاد، وتستقيم. وفي حال، لم تكن تلك "التربية" الفاشية قد قضت على "الطفيليات" بشكل تام، فهذا يعني أن البلاد ستعود إلى الفوضى. وبالعودة هذه، تكون المسؤولية قد وقعت على كاهل "الشعب"، الذي لا حل بسوى التخلص منه. وبالطبع، الفعل الأخير مضمر في معادلة الشاعر السياسية، فالمطالبة بالفاشية تخفي وراءها ضغطاً وغضباً شديدين، لا أن يمكن يعبّر عنها سوى أعنف الأفعال الحربية، أي الإبادة.

من اللافت أن الحاكم الفاشي، الذي يطالب أنسي الحاج به، يشبه شاعر قصيدة النثر إلى حد بعيد. فمثلما أن الشاعر "إله" مُطلق، يضبط النثر المرخي، كذلك الحاكم يضبط البلد السائب، ويقبض على الفوضى ويمسك بمظاهرها. كما أن الإثنين، بحسب الحاج، يؤسسان لوحدة متراصة، الأول في الشعر، والثاني في السياسة، من خلال توليفهما بين الزمني واللازمني. فالديكتاتور يقتحم زمن الفوضى، ويثبت عناصرها بقوة دولتية، هي، في النهاية، أجهزة جامدة ولازمنية. تماماً مثل الشاعر الذي يجمع بين النثر الزمني والشعر اللازمني في هيكل قصائدي واحد. بالإضافة إلى أن الحاكم هش مثل الشاعر أيضاً. فها هو الجنرال ديغول، الذي "رفع فرنسا إلى مرتبة الدول العظمى"، و "حرر الجزائر"، و "وقف في وجه أميركا والحلف الأطلسي"، يتعرض للمؤامرة، أي لثورة أيار 1968، التي أطلقها "حفنة من الطلاب يتزعّمهم ويحرّضهم يهود أشهرهم الألماني دانيال كوهن بندت". فمثل الشاعر الذي "أبسط همّ خارجي يسرق من وحدة انضبابه على

الجوهر"، كذلك، الديكتاتور الذي يكفي أن تثور عليه "حفنة" من الطلاب، وعلى رأسها شاب "يهودي"، حتى تتصدع سلطته، و"يستقيل".

هذا، مع العلم أن التنسيق بين الحاكم والشاعر قد ظهر جيداً في نص أنسي الحاج. فالطاغية "يربّي الطفيليّات"، أما الشاعر فيتوجه إلى الشعب بـ "البهدلة"، معتقداً أنه يتمرد على "الزعماء"، بينما هو، في الواقع، يحافظ على نظامهم، ويتطرف به إلى حدوده القصوى. فهو يتبنى خطاب السلطات حيال "الحاجة إلى الدولة"، ويتماثل معها، كما أنه يعتمد، في الشعر والسياسة، نظامها التوليفي ذاته. كأن قصيدة النثر هي قصيدة النظام اللبناني، الذي يوفق شكلانياً بين الطائفية والديمقراطية. وكأن المطالبة بالطغيان كطريق إلى "الحرية" من مطالب النظام نفسه. ولا بد من إشارةٍ هنا إلى أن التوليف بين النقيضين، كما يظهر في كتابة الحاج الشعرية والسياسية، ضرب من الجدلية المغلقة، التي يصح فيها كلام الفيلسوف بيتر سلوتردجك عن الديالكتيك: "إنه منطق العُصاب".

وفي هذه الجهة، ليس غريباً أن يقع القارئ على قاموس عصابي في نصَّي الشاعر، أي مقدمة "لن" ومقالة "البحث عن بشير الجميل"، من قبيل الشتم والكره والغضب والحقد والهسترة، وغيرها من العبارات التي تعبّر عن ميل نحو الإنغلاق الأقلوي، ونحو تعيين الذات سلبياً في مرآة الآخر المؤبلس. ذاك أن الأخير هو، في الشعر، "إنسان عربي غالب يرفض النهضة والتحرير النفسي والفكري من الاهتراء والعفن". كما أنه الشعب "المبهدل"، أو اليهودي في السياسة.

يتحرك نصا أنسي الحاج وفق "إدراك فضائحي" للظواهر والأحداث، التي يحاول الشاعر الكشف عنها بوصفها فضائح مستورة ومخبأة. فهو غالباً ما يجد في المكشوف عنه وصمة من وصمات العار، وشكلاً من أشكال العيب، الذي لا يمكن التخلص منه سوى باقتلاع مقترفه والمسؤول عنه. ذاك أن "الخلاص"، الذي يبحث الحاج عنه في الشعر والسياسة، من المستحيل تحقيقه قبل فضح "العبيد والجهلاء والسطحيين"، وإيقاعهم في الخجل من ممارساتهم "الغرائزية" والعاطفية "القشرية". وقد ظهّر الشاعر هذه المسالك المعيبة بوليسياً، بحيث تكلم عن أفعال التزوير والتهريب والدعارة، التي تدور في البلاد المليئة بعصابات المافيا.

إلا أن الفضيحة، وفعل إثارتها لا يؤديان إلى تغيير الواقع بقدر ما يحافظان على قواعده ومعاييره، ويخفيان حقيقتها العنفية. فالفضيحة، بحسب جان بودريار، "تمجيد للقانون" الاجتماعي، وتعظيم لأخلاقيته التقليدية التي ما إن تُصاب بخللٍ حتى تجري المطالبة بالحفاظ عليها من خلال التطهير والتسحير والفضح. وذلك لا يؤدي إلى الكشف عن حقيقةٍ ما، بل يضاعف سترها وحجب علاقتها بالواقع ونظامه وسلطاته. فالفضيحة "شيء ضد" الحقيقة، وما إثارتها سوى إخفاء أخلاقي للعنف الممارس على مستوى الاجتماع وصعيد السياسة.

كما تستر الأخلاق الفضائحية ذلك العنف الكامن في اللغة، إذ تتحول الأخيرة أداة من أدوات الكبت، أو بالأحرى "القبت"، على قول دريدا في جمعه بين فعليّ "الكبت" و "القمع" في عبارة واحدة. فالشعر، والحال هذه كما حدده أنسي الحاج، ليس سوى امتداد نصي لهذه اللغة، بحيث يهدف إلى "إثارة الفضيحة"، والكشف عن عيوب المجتمع، من أجل إنقاذه و "المحافظة" على قوانينه التقليدية. علماً، أن الشعر، الذي يبغي إزالة الأعيار، من المستحيل أن يكون ثورياً، لأنه يريد أن يخلص الناس من الوصمات، ويطهرهم من الآثام على الطريقة الدينية، معيداً إياهم إلى "أرض" لا خطايا فيها. وعلى أثر هذا الفعل بالذات، تولد "نبوة" الشاعر، الذي يتحول إلى كشَّافّ عيوب، أو إلى "بشير" فضائح. أما غاية نبوته الفضائحية فدفع الناس إلى الالتزام بثنائية الخير والشر، وأخلاقيتها المغلقة، أكان في السياسة، من خلال الحكم المستبد، أو في الشعر، عبر قصيدة النثر، مثلما حددتها مقدمة "لن".

أمام كل ثنائية فاشية

في الخلاصة، تتحكم البنية الثنائية بنصيّ أنسي الحاج، وتوجههما نحو فاشيتين، الأولى شعرية، والثانية سياسية. فلا فارق، والحال هذه، بين قصيدة النثر والسلطة الفاشية، بحيث أن الاثنتين عبارة عن "وحدة" توليفية مقفلة. علماً أن التوفيق بين نقيضين هو توطئة جدلية لتقوية واحد منهما، وتعيينه طاغية على الآخر. ومن المعلوم أن التوليف ليس فعلاً ثورياً بقدر ما هو تكريس للثنائيات على أنواعها وأشكالها المختلفة. كما أن الموقف المأخوذ في ظله يتحول إلى ممارسة عصابية، تنطوي على الحقد والاضطراب والانقطاع عن زمن الواقع. ذاك أن القصيدة - السلطة، التي يخلقها الشاعر- الطاغية، تُغلق على ذاتها، ضاغطةً إياها، فتستحيل الأخيرة سلبية، ولا تواصل حضورها بسوى كره الغير، والمحافظة عليه في الوقت نفسه. إذ أنه علة الذات المضغوطة، التي تعيّن مسارها ضده، فالشعر "شيء ضد"، بحسب الحاج، والحكم الفاشي يماثله.

بديهي القول في هذا السياق أن أمام كل ثنائية فاشية معينة، قد لا تكون سياسية فحسب، أو متعلقة بوجهة الحُكم وأجهزته. لكنها، عندما تظهر في النصوص، يرافقها خطاب الفصل بين الأنواع والمواضيع بحجة معلنة، وهي مكافحة القراءة الشمولية. إلا أن الفاشية تحول كل نص إلى كتلة مرصوصة على حدة، لا يمكن القبض على مضامينه وآلياته التحتية بسوى الانتباه إلى الجدليات المواربة داخله، التي تؤدي إلى طغيان معنى على آخر، واستبداد دلالة بأخرى. وذلك، قبل أن يصل النص إلى القارئ كمجموع كلي، أو عصبة مرصوصة، مقدسة، فلا يمكن قراءتها إلا شمولياً، لا سيما أنها في حالة حرب ضد أعداء الشعر، أي "العبيد بالغريزة والعادة"، وضد أعداء الدولة، أي جمهور "الغريزة والتعصب". هذا، مع الإشارة إلى أن الاستخدام المتكرر لعبارة "غريزة" بوصفها نشاطا "شاذا"، ومنحرفا، ومعيبا، هو بمثابة علامة من علامات الفاشية التي تقمع الجسد، وتروضه بقوانينها، محولةً إياه إلى ماكينة من ماكيناتها الكابتة.

في كل الأحوال، لا يمكن التنبه إلى الفاشية المكتوبة إلا بتجاوز النظام الثنائي، وكل أنساق التناقض بين الخير والشر، الذي يؤدي الالتزام بها إلى الأسطرة، والتأبيد، أو اللجم والإزالة. وبفعل هذا التخطي، يصبح الهدم فعلاً ثورياً، وليس سلوكاً متطرفاً، يكرس السيستم، بالركون إلى خطابه، وبتركيز سلطاته أكثر. تالياً، يستطيع القارئ أن يمارس حقه في استخراج النصوص من بعضها البعض، بدون أن يلتزم بمقولة الفصل النصي بينها، أو بمقولات التعارض بين الخاص- العام مثلاً، أي الاعتقاد أن الكتابة في الشعر شأن خصوصي، أما في السياسة فعمومي، ولا حاجة فعلية للربط بينهما.

فالقراءة غير الثنائية قادرة على البحث في النص السياسي المستور، أو المكبوت في النص الشعري، مستنبطةً إياه، ومحددةً علاماته وآثاره المتفرقة. كما تقدر على استنتاج الخطاب الفاشي من الخطاب الثوري، والكشف عن بنيته المحافظة، وعن ذاته المتمسكة بالموروث، والمدافعة عنه بوسائل الضغط، وأدوات الإكراه، أي بآليات العنف داخل النص، وخارجه.

هذا مع العلم أن الفاشية قد لا تظهر غليظة وفجة، كما هي الحال في نصّي أنسي الحاج، بل قد تتسلل إلى الدلالات بخفة، وليونة، قبل أن تنقلب عليها، و "تصححها" على عادة الانقلابات العسكرية. في النتيجة، يستلزم الكشف عنها موقفاً أولياً من السلطة قبل هدمها وإسقاط نظامها. والموقف هذا ليس كرهها، أو شتمها عصبياً، لأنها سرعان ما تتحكم بالكاره والشاتم، بل الابتعاد عن الوقوع في حبها.

فـ "لا تقعوا أبداً في حب السلطة"، على قول ميشال فوكو.... كي لاتسحقكم نصوصها.

[1] أنسي الحاج، مؤتمر قصيدة النثر، الجامعة الأميركية - بيروت 2006.

 




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬