ايريك بودلير

[1]

مقدمة

الملحمة السياسية والشخصية للجيش الأحمر الياباني تروى كرحلة اناباسيس [2](Anabasis). وهي رحلة تعني على حد سواء التجوال نحو المجهول والعودة نحو الموطن. من طوكيو إلى بيروت وسط الحمى الايديولوجية التي أعقبت 1968 ومن بيروت إلى طوكيو مع نهاية السنوات الحمر. هو سرد مسار ثلاثين عاماً للجناح المتطرف لليسار الثوري على لسان اثنين من أبطاله.

ماي شيغينوبو، ابنة مؤسسة مجموعة صغيرة، شهدت على تلك المرحلة عن كثب. ولدت سرا في لبنان وعاشت فيه سرا حتى السابعة والعشرين. ومن ثم كانت لها حياة ثانية بعد اعتقال والدتها وتأقلمها مع الوجود العلني المفاجئ.

ماساو أداتشي، المخرج التجريبي الياباني الاسطوري، تخلّى عن السينما ليحمل السلاح مع الجيش الاحمر الياباني والقضية الفلسطينية في 1974. مُنظّر الفوكيرون fûkeiron (مجموعة مخرجين عملوا على تصوير المشاهد الطبيعية للكشف عن هياكل السلطة الموجودة في كل مكان)، انتهت أعوامه الـ 27 في المنفى الاختياري من دون صور، فكل ما صوره في لبنان دمر في ثلاث مناسبات منفصلة خلال الحرب اللبنانية.

وبالتالي فإن الكلمات والشهادات والذاكرة (والذاكرة الزائفة) هي الاسس التي بني عليها فيلم أناباسيس ماي وفوساكو شيغينوبو وماساو اداتشي و27 عاما من دون صور. سردان متقاطعان، تختلط فيهما القصص الشخصية والتاريخ السياسي والدعاية الثورية ونظريات الافلام.

ثلاثون عاما من اختراع الذات والتيمة المتكررة خلالها هي مسألة الصور: صور عامة انتجتها وسائل الاعلام ردا على العمليات المخططة لعصر التلفزيون، وصور شخصية فقدت أو دمرت في خضم فوضى النضالات.

اعتمد الفيلم شكل الوثائقي التجريبي. صوّر بكاميرا سوبر 8 في المشهد المعاصر لطوكيو وبيروت.

مقتطفات الافلام الواردة في حوار الفيلم هي للمخرج ماساو اداتشي.

00:00:46:18

لدي بعض الذكريات المبكرة

اتذكر عندما كنت جالسة على الشرفة مع رفيق لأمي،

هو شخص بتّ مع الوقت أناديه أبي

لأنه كان يشبه الأب كثيراً

كنا نجلس هناك، كنا ننتظر الاخرين ليعودوا لتناول العشاء أو شيء من هذا القبيل

كنا نجلس هناك وأخذت الشمس تغيب

أتذكر أنني سألته عن ذلك، عن ماهية الشمس

أتذكر أنه اجابني بأنها الشمس

ثم قلت له: ما هي الشمس؟

أتذكر أنني كررت السؤال ذاته

إنها الشمس، شيء يحترق ويعطي نوراً. ربما كانت إجابته شيئا من هذا القبيل

لكنني لم افهم. وأخذت أعيد عليه السؤال

أتذكر هذه السلسة من الاسئلة التي بدأت من التأمل بالشمس

هذه إحدى أولى ذكرياتي على ما أعتقد.

00:02:26:19

منذ أولى ذكرياتي

كان يقال لي إن عليَ أن أحتفظ بأسرار معينة

أسرار ربما كانت بالنسبة لي أشياء كبيرة، مسؤولية كبيرة،

هناك حدود لمعرفة الاطفال. ومع ذلك بدت لي كبيرة.

كانت أشياء من قبيل ما تفعله أمي في المنزل

أو اللغة التي نتحدث بها

أو نوع الاكل الذي نأكله.

هذه الاشياء البسيطة

الاشياء التي يعتبرها الناس عادية

كانت أسرارا بالنسبة لي

لانها كانت تعني اشياء أخرى إذا ما تحدثت عنها في العلن

أعتقد أن الاسرار ولدت معي،

أعني أنها كانت جزءا مني

مثل الهواء والماء وكل هذه الاشياء.

00:03:38:06

From: ????

Subject: Re: Anabase film

To: Eric Baudelaire

عزيزي أيريك، يمكنني أن ألتقي معك في محطة أوغيكوبو وأساعدك في الفيلم. لكنْ لدي شرط واحد. عندما تذهب إلى بيروت، رجاء أن تصور لي بعض اللقطات لاستخدمها في فيلمي المقبل، لأنني كما تعلم لم يعد بإمكاني العودة إلى لبنان.

اداتشي ماساو

00:04:07:14

كنت مساعد مخرج

أدنى وظيفة في فريق التصوير

كانت وظيفتي التنظيف

وتوصيل الطعام،

وتقديم القهوة للمخرج

تلك كانت وظيفتي.

ولكن مع الوقت

بدأت أوجه له ملاحظات حول آليات تصويره

استمررت في ذلك، وهو ما أغضب فريق العمل

شعروا بأنني وقح.

كنت أقول “هذه الاضاءة غير مناسبة

أو “عليكم أن تزيلوا هذا الحائط”

ومنذ ذلك الحين

عندما كنت مثلا أذهب لأستدعي ممثلا

أحيانا في طريق عودتي

كان شاكوش أو قطعة معدنية تستخدم لتثبيت الاضاءة

تسقط على رأسي...

وفي يوم استدعاني المخرج

وقال لي: “الجميع غضبان لأنك تتصرف وكأنك المخرج”

“عليك ان تجلب زجاجة ساكيه إلى فريق الاضاءة وفريق العمل

وأن تعتذر لهما”

فعلت ذلك

ساعدني ذلك على كسب صداقة الفريق

وفي النهاية

علموني الكثير من الاشياء.

بعدها كان يستدعيني المخرج

كلما كان يعد للقطة صعبة،

ليسألني كيف كنت لأصورها

وكنت أرد على سبيل المثال:

“إنه من المضجر أن يتوجه الممثلون دائما بالكلام إلى الكاميرا”

“عليك أن تصورهم من الخلف”.

00:06:22:14

لنقل إنني كنت في المدرسة

... أو إنني اكتشفت أن هناك شخصاً ما،

أشخاص من السلك الدبلوماسي كانوا يلتحقون بالمدرسة

هذا كان يعني بالنسبة لنا خطر الانكشاف

وبالتالي كان علي تغيير مكان سكني أو المدرسة التي ارتادها

إذ كان علي أن أصبح شخصا آخر كلياً،

بتاريخ وهوية مختلفين

وأن أبدأ من جديد

كأن شيئا لم يكن،

وكأن هويتي الجديدة كانت دائما موجودة.

ولكن في الحقيقة هي هوية جديدة كان علي التعايش معها

ربما لاشهر أو لسنة.

في كتاب أمي الذي يحمل عنوان

"قررت أن ألدك تحت شجرة التفاح"

هناك مكان محدد حيث تتذكر، بينما أنا في الحقيقة لا أذكر،

تتذكر أنني عندما كنت في سن الثالثة أو الرابعة على ما اعتقد

سألتها لماذا يتوجب علينا أن نعيش كما نعيش

وأنني أشعر كالسمكة

التي تحاول التقاط بعض... الهواء لتتنفس.

00:08:44:03

أطلقنا مجلة باسم “نقد الفيلم”

وبينما كنّا نعمل على المجلة

ارتكب شخص في التاسعة عشرة من عمره سلسلة جرائم قتل،

لكن دوافعه كانت مجهولة.

عادة الشباب الغاضبون على المجتمع

ينجذبون إلى النشاط السياسي أو الجريمة العادية.

لكنه لم يكن يتعاطى المخدرات،

ولم يصبح ياكوزا

تساءلنا حول اسباب ارتكابه جريمة من هذا النوع

وقررنا إجراء بعض الابحاث للقيام بفيلم حول الموضوع

بدأنا بالبحث عن مواقع للتصوير

ابتداء من المكان الذي ولد فيه بناغاياما نوريو وصولا إلى مكان اعتقاله

كنا نبحث أيضا عن أفكار لسيناريو الفيلم.

ولكن أي نوع من السيناريو؟ أي نوع من الافلام؟

خلال زيارتنا للاماكن التي عاش فيها،

لاحظنا

أنه حاول أن يعيش بطريقة صادقة،

لكن شيئا ما حال دون ذلك.

ولكن ماذا؟

كما كان متوقعاً، كان فقيرا جدا.

لم يكن معه ما يكفي لشراء الاكل،

ذاق هو وأخوته طعم الجوع.

ولكن لم يكن هذا سبب الجريمة.

خلال زيارتنا لكل تلك الامكنة، أدركنا شيئاً

في كافة أنحاء اليابان

من الارياف إلى العاصمة طوكيو،

هناك طرق سريعة ومبان مرتفعة في المدن

البلدات الصغيرة في كل مكان آخذة في التحول

لتصبح نماذج مصغرة عن طوكيو.

ناغاياما جال اليابان، وحاول العمل في وظائف مختلفة،

في النهاية لم يعرف ماذا يفعل

تسلل إلى داخل قاعدة عسكرية أميركية وسرق بندقية.

وأخيرا فقد صوابه وضغط على الزناد.

سألنا أنفسنا أي نوع من الافلام يمكن أن نصنع من هذه القصة،

اتفقنا جميعا على أن القصة غير ضرورية.

قررنا أن نصور كيف يعمل هذا البلد وطبيعتة الساحرة

على قمع الناس.

بدأنا بالتصوير

من دون التفكير بقصة

أو بنية.

وسرعان ما أدركنا

أن الطبيعة تعكس صورة السلطة في المجتمع.

أردنا أن نظهر كيف أن هذه السلطة

تأخذ شكل الطبيعة المدينية

تابعنا التصوير غير آبهين بالمشاهد غير الضرورية،

وهذه الفكرة أصبحت واضحة جداً.

00:13:02:06

لقد نشأت محاطة في البداية بالجالية اليابانية

الجالية اليابانية كانت بالطبع مدعومة من قبل عرب آخرين

كانوا يأتون لزيارتنا.

لكنني أعتقد أنه كان لي أسرة كبيرة عندما كنت صغيرة جدا.

يابانيون يعيشون معا في بلد شرق أوسطي

لا يعيش فيه الكثير من الآسيويين

أمر يثير الانتباه من دون شك

وهو الامر الذي لم يكن مستحسنا بالنسبة لنا في ذلك الوقت.

تدريجيا انقسمت المجموعة لتعيش في تجمعات أصغر.

من ملامحي يمكن الاعتقاد أنني... مختلطة (مزيج) أو ربما عربية،

ولكن إذا كنت بمعية شخص آسيوي، سأبدو بالتأكيد آسيوية.

تدريجيا تغير نمط حياتي،

أصبحت أكثر اندماجا بالمجتمع العربي

من خلال التظاهر بأنني شخص عربي،

شخص عربي بالكامل.

00:14:56:16

جيلي التحق بالجامعة في 1960،

العام الذي وُقّعت فيه المعاهدة الامنية اليابانية – الاميركية.

عندما بدأت بصناعة الافلام،

كانت المعارضة لهذه الاتفاقية في أوجها

وكنت أنا منخرطا فيها

فبعد العمل في تصوير الافلام

كنت اذهب مباشرة لانضم إلى التظاهرات الطلابية

المناهضة للمعاهدة الامنية تلك

أعداد كبيرة من الناس شاركت في مناهضة الاتفاقية

حتى أننا اعتقدنا أنه بمقدورنا أن ننتصر.

ولكننا خسرنا

والاتفاقية الامنية اليابانية - الاميركية أُبرمت.

الشعور بالهزيمة واليأس اللذين نجما

كانا خانقين

وكأننا كنّا نختنق

في هذا الجو الاجتماعي.

أما بالنسبة لي،

فإن عملي السياسي في ذلك الوقت

وعملي في الافلام كانا مترابطين إلى حد كبير.

إذا نظرنا إلى الامر من وجهة نظر طالب،

عندما تكون في مواجهة قوة مدعومة من الجيش والشرطة

ماذا بوسعك ان تفعل غير حمل السلاح

والقتال مستخدماً العنف؟

مقتطف من فيلم

"عصابات المدرسة الثانوية"(HIGH SCHOOL GUERILLA)

لقد ناقش مجلس المدرسة قضيتك

الجميع غير راض، المدرسة ولجنة المعلمين وأولياء الامور

في الختام: نهجنا هو مماثل لنهجكم...

أخرج من هنا! لا تحاول أن تتملق لنا!

أنت العدو، فلا تنس ذلك!

أنت كنت وراء طردنا أنا واتسوكو من المدرسة، كنت تقول:

“أنا لن أجلس بجانبهما، انهما مثيران للاشمئزاز!”

لن أنسى ذلك!

في فيلمي "عصابات الطالبات&"

أردت أن أنقل من خلال الكوميديا،

رسالة مغزاها أنه ممكن للشباب أن يفعلوا ما يريدون،

وأن لهم الحق في ارتكاب الأخطاء.

هيا ... لماذا لا تكون لطيفا وتأتي إلى الاسفل؟

لا تعليق!

سننتظر حتى الغد، ستأتي بالامتحانات وتذهب بها إلى مدير المدرسة ولجنة المعلمين وأولياء الامور وتعتذر.

ولكن غدا حفل التخرج ... تخرجك أنت.

ألا ترى أننا لا نهتم بهذا الحفل!

ابتعد وإلا سنطلق النار عليك مرة أخرى!

معلمون أغبياء! عودوا إلى دياركم!

لقد فزنا!

“دعونا نتجاوز توزيع الأسلحة والسماح بسفك الدم!

من خلال العنف الفردي يمكننا أن نهزّ الطبقات المسيطرة ونفوز في صراع حاسم!”

0:19:07:240

أنا لا أتذكر ذلك جيدا

ولكني أعتقد أنها كانت صفحة واحدة، ملصقا صغيرا أو شيئا من هذا القبيل،

كانت هناك صور لكل الاشخاص المطلوبين،

صور للأشخاص الذين هم أعضاء الجيش الأحمر الياباني.

رؤية هذه الصورة لم تكن بالامر الصعب

لأنني كنت أعرف أنهم مطلوبون.

لم يكن الامر مفاجئا بالنسبة لي.

لا أعرف ما إذا كان الوضع مشابها في البلدان الأخرى،

ولكن في اليابان، هم يستخدمون أقبح الصور للاشخاص المطلوبين

حتى يبدوا كالمجرمين،

حتى لا يتعاطف الناس معهم.

بالنسبة لي أنا كنت أعرف معظم هؤلاء الاشخاص،

وكان ذلك مضحكا لأنني أعرفهم بوجه مختلف تماما.

بينما كنت أنظر إلى تلك الصور،

عثرت على صورة أمي بينهم

وبالطبع كان اسمها ايضا موجودا.

أعتقد أن الامر استغرقني بعض الوقت

كنت أسأل والدتي بين الحين والآخر،

ما هو لقب عائلتنا، ما هو؟

في النهاية تذكرت.

بسبب طبيعة خلفيتي

وكون والدتي على قائمة المطلوبين

وكونها هدفا لأجهزة المخابرات الإسرائيلية، الموساد،

كنّا دائما معرضين للاعتقال أو الاغتيال.

لذلك فكرنا في خطة طوارئ.

على سبيل المثال، إذا تم اعتقال والدتي

كانت ستفصح عن وجود طفلة لها،

لأنه حتى ذلك الحين كان الامر غير معلن،

كانت ستفصح عن حقيقة وجودي،

حتى تتمكن من الحصول على جنسية حقيقية لي

أو هوية حقيقية، وهو شيء لم أكن أملكه كل ذاك الوقت.

0:22:03:150

مقتطف من فيلم “سيكس جاك”(Sex Jack)

“بمبادرة خاصة بنا

وبوعي كامل، ننبذ جنسيتنا

ونفرض طريقنا عبر الحدود.

انها البداية فحسب

نرفض أي فكرة للمراحل.

مجموعتنا قادرة على النضال من أجل الثورة العالمية

وبناء مقرات عالمية.

والقتال على نطاق عالمي، متجهين نحو كوريا الشمالية.

سوف نتوسع ونتقدم نحو فيتنام، لاوس، كمبوديا، كوريا، الشرق الأدنى والشرق الأوسط.

نتوجه إلى جميع رفاقنا اليابانيين.

نتوجه إلى جميع الثوار.

تحيا الشيوعية.

تحيا الثورة العالمية”.

00:23:09:23

مهرجان كان السينمائي كان ممتعاً.

دعينا إليه في 1971،

أوشيما، واكاماتسو، يوشيدا كيجو وأنا

كنا قد أنتجنا للتو فيلما بشكل مستقل،

أخرجه وكاماتسو وكتبته أنا

وحقق نجاحًا كبيرا.

قلنا: "لدينا الكثير من المال، ماذا علينا أن نفعل؟"

"دعونا نذهب إلى مهرجان كان، وعلى طريق العودة، نتوقف في فلسطين".

آنذاك كانت حركة السلام الفيتنامية تكتسب اهتماما عالميا،

ولكن بالنسبة لي قضية فلسطين بدت أهم.

أثناء وجودنا في بيروت، أمضينا أسبوعا من دون أن ندري ماذا نفعل.

قمنا بزيارة السفارة اليابانية،

سألنا الموظفون عن الغرض من إقامتنا.

قالوا لنا إنه بسسب عدم إلمامنا بالانكليزية أو بالعربية

لن نتمكن من تصوير فيلم.

لكنهم قالوا: “نحن نعرف فتاة تتحدث الانكليزية

وعلى دراية بموضوعكم. سنعرفكم عليها”

“يمكنكم الاستعانة بها كمترجة”.

هذه المترجمة كانت فوساكو شيغينوبو.

التقينا بشيغينوبو وتحدثنا.

كانت تعمل في نشرة باللغة الإنكليزية

تصدرها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

تقربنا من بعض وبدأنا العمل على الفيلم سويا.

في ذلك الوقت، كانت الجبهة الشعبية

معروفة دوليا بخطف الطائرات وأعمال من هذا القبيل.

قمنا بزيارة عدة مواقع على الخطوط الأمامية ومخيمات للاجئين،

مع شيغينوبو التي عملت مترجمة.

كنت أتساءل كيف يستمر هؤلاء الناس بالقتال رغم الهزائم المتكررة التي تعرضوا لها.

وتساءلت عن العلاقة

بين مخيمات اللاجئين والخطوط الأمامية.

الخطوط الأمامية وجماعات الدعم الخلفية

عادة ما تكون منفصلة تماما.

ولكن هنا،

النضال من أجل التحرر الوطني

كان يقوده مراهقون

يرسلون إلى الخطوط الأمامية،

مباشرة من مطابخ مخيمات اللاجئين

وغرف الغسيل والطعام.

الأمامي والخلفي ظَهرا واحدا.

كان ذلك امرا مثيرا للإعجاب.

النضالات المدنية يمكن أن تخاض بهذه الطريقة،

بينما في اليابان، كان عدد قليل من الطلاب

المسلحين يخوضون القتال ببنادق مسروقة.

شعرت بأهمية هذا الامر،

وأنه إذا بدأت من فكرة

أن الجانبين الامامي والخلفي للبندقية مترابطان،

قد يصبح الامر مثيرا للاهتمام.

لذلك بدأت التصوير.

00:26:44:08

في فيلمي “A.K.A Serial Killer

بدلا من تصور نغاياما نفسه،

صورنا الأماكن التي تواجد فيها،

ولكن من دونه،

صورنا فقط ما كان حوله.

بالنسبة للفيلم الجديد حول الجبهة الشعبية،

وجدت صعوبة في بدء التصوير.

من حيث الشكل،

هل ينبغي أن تأخذ الكاميرا وجهة نظر ناغاياما؟

هل يتعين علينا أن نفكر بالشبان الفلسطينيين على الخطوط الأمامية،

الذين نشأوا في مخيمات اللاجئين،

بالطريقة التي فكرنا بها في نغاياما؟

انتهينا من العمل على الفيلم قبل أن أتمكن من العثور على إجابة.

أين هي الحدود الفاصلة بين فيلم "حول" النضال وفيلم "في&" النضال؟

هذا هو السؤال الاساسي في اتفاقية "الجيش الأحمر/الجبهة الشعبية: إعلان الحرب العالمية".

00:28:00:23

مقتطف من فيلم : "الجبهة الشعبية" PFLP

"في الختام، أعربنا عن تصميمنا على

قتال، العدو القاسي والجبان حتى النصر

من خلال نضال في قاعة المحكمة

بعثنا برسالة التضامن هذه

لأولئك الذين يدعمون نضال قاعة المحكمة ونضال الخطف!

سوف أختتم داعيا الشعب

وليس مجرد الشباب

ولكن أيضا المسنين والأطفال والرجال والنساء

للتطوع في الانضمام إلى صفوف جنود الجيش الاحمر

ولتلبية نداء الحرب العالمية البروليتارية".

00:29:26:12

مقتطف من فيلم "Archives INA"

قبيل الخامسة بعد ظهر امس

قامت فرقة كوماندوز مكونة من ثلاثة أعضاء من الجيش الأحمر الياباني

باقتحام السفارة الفرنسية في لاهاي

واحتجزت سفيرنا مع ثمانية موظفين رهائن،

ما أدى إلى إصابة اثنين من أفراد الشرطة الهولندية الذين حاولوا التدخل.

وعلى الفور طالبت فرقة الكوماندوز بالإفراج الفوري

عن أحد أعضائها المحتجز في سجن "دو لا سانتيه" في باريس.

للأسف إن سمعة الجيش الأحمر الياباني هي بالفعل سيئة.

وما على المرء إلا أن يتذكر المجزرة البشعة في مطار اللد في تل أبيب

التي وقعت في أيار (مايو) 1972، وقتل فيها 26 شخصا وأصيب 86.

ونحن نعلم أيضا أن أعضاء هذا الجيش الأحمر بتعصبهم

مستعدون في أي لحظة لارتكاب التضحية الكبرى،

جاعلين كلاً من عملياتهم فعلا مرعبا

الجيش الاحمر المتحد مجموعة استوحت افكارها من التروتسكية

ولدت في اليابان في الستينات.

هذه المجموعة من المتعصبين سرعان ما أثبتت خطرها،

إذ ان العنف أضحى هدف وجودها.

ولتبرير أفعالها المرعبة

حددت المجموعة لنفسها هدفاً غامضاً: الثورة العالمية.

لقد عرّضت اليابان مراراً لأعنف الأحداث.

بقيادة امرأة تدعى "السيدة فوساكو"

التي تعيش في المنفى في بيروت،

جذب الجيش الأحمر انتباه العالم له

عن طريق هجمات شنها باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بزعامة الدكتور حبش:

اختطاف طائرات، هجوم على مصفاة لتكرير النفط في سنغافورة

احتجاز رهائن في السفارة اليابانية في الكويت.

ولكن العمل الاكثر اجراما كان مذبحة مطار اللد في اسرائيل في ايار 72

حيث قامت فرقة كوماندوز من ثلاثة رجال باطلاق النار من اسلحة رشاشة

على حشد من الركاب كانوا ينتظرون الصعود إلى الطائرة:

27 قتيلا و86 جريحا.

فقط عضو واحد من مغاوير فرقة كاميكازي نجا: كوزو أوكاموتو، الذي لا يزال مسجونا في تل أبيب.

حاول الجيش الاحمر في عدة مناسبات تحريره.

0:31:44:23

اسمي ماي،

وماي في الكانجي يعني الحياة

اختاروا لي هذا الاسم لأنه مأخوذ من ثورة كاكوماي

وأيضا لأن معناه الحياة

كذلك لأن شهر أيار شهر خاص لرفاق والدتي.

فهو الشهر الذي ضحّى فيه اثنان من رفاقهم بحياتهما

في سبيل قضية اعتبراها قضيتهما.

كان ذلك في أيار.

كنت أفضل كتابة اسمي بهذه الطريقة MAY

ولكن عندما تم تسجيلي للحصول على الجنسية اليابانية

فضلت والدتي تسجيل اسمي بأحرف الكاتاكانا.

والكاتاكانا هي الأبجدية اليابانية التي تستخدم للأسماء الأجنبية.

لكنني لم استخدم اسمي حتى قبل سبع سنوات.

وأنا في الواقع لم أعرف اسمي حتى سن المراهقة على ما اعتقد،

خصوصا لقب العائلة.

لم أكن أعرف اسم عائلتي حتى عمر الـ 16 أو الـ 17.

00:33:23:18

مقتطف من فيلم "نشوة الملائكة" Des Anges L’extase

"الذي سيغيّر العالم شخص طليعي وحيد، أليس كذلك؟

الشعب سيبقى الشعب.

الجماهير ستبقى الجماهير.

شخص طليعي وحيد هو الذي سيرسم معالم العالم من جديد!

تشرين الأول (أكتوبر)...

تشرين الأول... أنا قادم أيضا.

سأستمر... معك".

00:34:38:20

عندما صنعنا فيلم "نشوة الملائكة"،

فهمت أنه لا يمكن أن ننتصر

من خلال بعض التفجيرات المتفرقة.

القتال مع بعض القنابل أو البنادق لا طائل منه.

كنت ابحث عن طريقة

لإحداث تغيير حقيقي في العالم.

لذلك كتبت سيناريو "نشوة الملائكة"

كبورتريه لشباب ضائع ومدمر للذات.

ما كنت أحاول القيام به في فيلم "الجبهة الشعبية" لم يكتمل.

لذلك عدت لتصوير فيلم "الجبهة الشعبية، الجزء 2".

كان ذلك بعد فترة قصيرة من الهجوم على مطار اللد في 1972،

وكان نحو 20 من الشبان اليابان

عالقين في بيروت.

عندما وصلت مع الكاميرا،

كانوا يناقشون ما ينبغي عليهم فعله.

هل يبقون ويقاتلون كجيش من المتطوعين؟

أو يعودون إلى اليابان ويطبقون ما تعلموه في الوطن؟

وفي كلتا الحالتين كان ذلك يعني عدم إنهاء المهمة.

فيما بعد كان كوجي واكاماتسو يأتي لزيارتي كل عام، على مدى 10 سنوات،

وكان يسأل:

"هل اقلعت عن صناعة الأفلام لتحقيق شيء لا يمكن تحقيقه من خلال الافلام؟"

وكنت أرد: "لا، كان بإمكاني أن أفعل ما أفعل من خلال الافلام،

ولكن الواقع يهمني أكثر ...

لهذا السبب افعل ما افعل".

كان دوري هو المتحدث باسم الحركة.

في كل مرة كانت تنفذ عملية، كنت أدلي بتصريح.

كان عندي مسؤوليات، ولهذا السبب بقيت،

وفي هذه الحالة

كانت صناعة الأفلام والنضال الثوري الشيء نفسه.

على الأقل هذا ما أومن به،

وهذا هو السبب الذي دفعني لفعل ذلك.

00:37:36:19

الصور أحياناً...

لم يكن الاحتفاظ بها مرحبا به

عندما تتنقل.

كانت تحوي العديد من المعلومات في دواخلها،

الاشخاص الموجودون معك في الصور،

الأماكن التي تتواجد فيها في الصور.

الكثير من الصور تعرض للحرق

في كل مرة كنا ننتقل فيها إلى مكان مختلف.

كنا نشعر دائما انه سيأتي اليوم الذي سنكون فيه قادرين على الحفاظ على الصور...

على أي حال عندما كنّا نتخلص من الصور،

لم نكن نتخلص منها جميعاً.

كنّا نبقي على عدد قليل جدا منها

تحديدا تلك التي لم تشر إلى أي شيء، أو لم تعط أية معلومات.

وعمليا تلك كانت الصور التي بقيت لنا حتى اليوم.

00:38:52:12

في الواقع، حرب العصابات تعني غالبا الانتظار، 80? من الوقت.

وأثناء الانتظار كنت افكر،

لو كان واكاماتسو هنا، لكان صوّر مشهداً بهذه الطريقة

ولكان طلب مني كتابة السيناريو،

أو أن ناغيسا أوشيما كانت ستصور ذلك المشهد بهذه الطريقة...

في الحقيقة كانت تلك حرب عصابات سهلة.

عندما كانت تخطر ببالي تلك الافكار،

كنت افكر أنه عليّ أن أصور كلما كان ذلك ممكناً

وبالفعل صوّرت عدداً من المشاهد.

لكن المعدات التي خزنتها في قاعدة عسكرية

دمرت جراء القصف الجوي عدة مرات.

لذلك نقلتها إلى شقتي،

لكنْ بعد ذلك تم تدمير الشقة.

لقد فقدت الكثير من الأشياء حتى أنني كنت أتساءل

إن كنت أنا نفسي هدفاً.

كنت قد راكمت حوالى 200 ساعة من الأفلام المصورة.

ولكنها فقدت جميعها في 1982

عندما قصفت بيروت.

وعندما ذهبت للاطمئنان على أجهزتي

وعلى الافلام التي كنت صورتها

وجدت أن المبنى بكامله قد دمر.

في البداية كنت قد صورت التدريبات

ثم مهمات الاستطلاع

لم أتمكن من التصوير في الليل،

لذلك كنت أنتظر حتى الفجر،

لكن الشمس كانت تشرق

لحظة اقترابنا من مواقع الجيش الإسرائيلي.

عندما كنت هناك صورت طفلا على مدى أعوام.

وأصبح لاحقاً مقاتل عصابات جيدا، أطول مني بكثير.

صورته وهو يدرس،

ويتدرب،

صورت طريقة عيشه.

آسف لفقدان تلك الأفلام.

عدد من أعضاء الجيش الأحمر الياباني شاهدوا بعضا من لقطاتي

وقالوا لي إنني أصور أشياء غريبة فقط.

كانوا يضحكون ويقولون: "لقد فهمنا!

سوف تنهي فيلمك بلقطة لقدم

وتعلن: هذه سينما!"

الذاكرة هي الشيء الوحيد الذي أحتفظ به.

أما بالنسبة لكل شيء آخر،

أستطيع أن أ فكر فقط بأن الافلام المصورة المفقودة لم تكن موجودة أصلا.

هناك مشهد لن أنساه ابداً.

كنت أختبئ على قمة تلة، وأصور.

المصور الفلسطيني الشاب الذي كان معي

ظن أن بإمكاننا رؤية أعدائنا بشكل أفضل من أعلى التلة التالية.

نزل ثم تسلق المنحدر الآخر،

وبدأ يصور من وراء الصخور.

حاولت منعه، قائلا انه يعرض نفسه للخطر،

لكنه ذهب على أية حال.

تابعت أنا تصوير المشاهد الطبيعية الريفية الجميلة.

وما كنت أخشاه حدث،

جلس على أعلى الصخرة،

وراح يصور،

وقتل.

لن اتمكن من تصوير هذا المشهد مرة أخرى.

لكنه كثيرا ما يعاودني

في أحلامي،

عندما أفكر فيه.

00:42:48:16

كان ذلك في تشرين الثاني (نوفمبر) 2000.

كنت ذاهبة إلى كليتي في جامعة الاعلام أو جامعة الدراسات الإعلامية

أذكر أنه قبل موعد صفي الاول،

تلقيت مكالمة هاتفية

من أحد الأصدقاء الذي لم يكن صديقي، بل صديقا للعائلة.

قال لي أنت تعرفين. كانوا يسألونني ما إذا كنت قد شاهدت الأخبار أو استمعت إليها؟

لم يكن لدي أي فكرة عما كانوا يتحدثون

فقلت لا، ما الامر؟

قال لي لا تقلقي، أنا لست متأكدا حتى الآن،

ولكن أعتقد أن والدتك في مأزق.

ذهبت إلى البيت.

في ذلك الوقت كنت قد وصلت جهاز التلفاز بالكابل

كان بوسعي أحياناً أن أشاهد محطة NHK وهي محطة التلفاز اليابانية الوطنية.

فجأة رأيت شكلا في الصورة التي لم تكن واضحة،

كانت الصورة بالابيض والاسود، مشوشة، وغير مركزة،

ولكن بالنسبة لي كانت تلك بالتأكيد أمي.

كانت هي في تلك الصورة.

عندها تأكدت أن الخبر حقيقي،

أن الخبر السيئ عن اعتقالها حقيقي.

طلبت منها حكومتها أن تكتب شيئا،

تاريخاً... لإثبات أن لديها طفلة

ولاثبات أنها هي حقا أم.

لأنه بالنسبة للحكومة هناك ثغرة تعود إلى 28 سنة خلت

ليس لديهم أي سجل عن تلك الحقبة، لذلك هم بحاجة إلى معرفة ذلك.

لكن المشكلة كانت أنني كنت على وشك مغادرة لبنان

من دون أن أكون هناك رسميا.

كان من الصعب جدا لأن هذه أول مرة...

قبل ذلك، كنت أتجنب كل شيء ياباني،

كنت أتجنب أي شيء أو أي شخص ياباني، الحكومة، كل شيء.

وهنا كنت ذاهبة إلى السفارة اليابانية

كان شعورا غريبا جدا بالنسبة لي.

00:45:36:08

لم يكن لدي أي نية للعودة إلى اليابان،

لكنني أجبرت على ذلك.

تم اعتقالي

احتجزت في سجن ببيروت لمدة 3 سنوات.

وكانت الحكومة اللبنانية وعدت

بعدم تسليمي إلى اليابانيين.

ولكن بعد ذلك قيل لي إنه سيتم نقلي،

وعندما غادرنا السجن المركزي

اختطفتني مجموعة أخرى.

كان ذلك تكتيكا استخدموه.

وكانت طائرة مستأجرة من قبل الحكومة اليابانية بانتظاري في عمان،

ومن هناك أرسلت مباشرة الى اليابان.

في اليابان تمت محاكمتي

لدخول مطار براغ ثماني مرات،

كل مرة بجواز سفر مختلف.

وحكم علي بتهمة استخدام بطاقات هوية مزيفة.

لم أشعر بالندم،

ولكنني كنت فضلت العودة إلى بلدي بإرادتي.

حاولت أن اواسي نفسي

من خلال التفكير في الأشياء التي ينبغي القيام بها عندما أعود،

ولكن كانت لدي صعوبة في إقناع نفسي.

لذلك قررت أن استرخي وقضيت الكثير من الوقت في قراءة الكتب حتى أطلق سراحي.

00:47:13:06

لأن المحامي ووالدتي كانا يعرفان بالامر،

كانا يعلمان كيف وقعت عملية الخطف،

كانا يخشيان من اعلاني عن هويتي الحقيقية.

لذلك فكرا بخطة...

وهي أن يتم إجراء مقابلة معي وأنا في لبنان

قبل ذهابي إلى السفارة اليابانية،

عن طريق شركة إنتاج تعمل مع محطة تلفزيون يابانية كبرى، محطة أساهي.

بحيث يتم بث هذه المقابلة في اليوم الذي اغادر فيه لبنان.

وكانت الخطة تهدف إلى جعل القضية علنية،

وهو ما يعني جعل عملية اختفائي صعبة.

على أي حال، وصلت إلى طوكيو،

وكان من المفترض أن نغادر الطائرة

خرجت من الطائرة ورأيت كل وسائل الإعلام.

في اليابان، لديهم نظام غريب

حيث يسمح لوسائل الإعلام بدخول المطار،

قبل نقطة مراقبة الجوازات.

هكذا رأيت هذه الكاميرات، ووسائل الإعلام، وكل ذلك.

جميع الذين كانوا معي على الطائرة

سمعتهم يقولون:

لا بد أن هناك شخصية، لا بد أن يكون بيننا شخص ما...

لم يكونوا على دراية بما يجري ولكنهم رأوا أن هناك الكثير من وسائل الإعلام.

قررت أن أمشي، وحدث ذلك بالفعل. كل الصحافيين لحقوا بي ومشوا معي.

عندها اصبح مركز هذا الاهتمام واضحا جداً.

00:49:26:04

الآن، عندما أدعى لحضور مهرجان سينمائي في الخارج

أتقدم بطلب للحصول على جواز سفر

ولكن طلبي يرفض.

وبالتالي أنا حبيس في اليابان.

في السنوات التي قضيتها في الخارج، حاولت مواكبة الأحداث

من خلال قراءة الصحف اليابانية

لكن حبسي الحالي يكشف المزيد عن اليابان، كما هو عليه حقا.

بعد إطلاق سراحي تجولت في الشوارع،

مثل هؤلاء المسنين التائهين

الذين يتجولون في دوائر.

كنت اقترب من الشبان القابعين على الرصيف

أمام المتاجر،

لأتبادل الحديث وأشرب البيرة معهم.

لكنهم كانوا يهربون!

كانوا يظنونني شرطيا بلباس مدني في مهمة...

حدث ذلك عدة مرات.

بشكل أساسي كنت منشغلا بمراقبة المجتمع الياباني.

اجراء الابحاث،

مراقبة المحيط

قبل تنفيذ عملية...

كما في صناعة الأفلام.

يبدأ التصوير عندما يقول المخرج “آكشن!”

الشيء ذاته يحدث عند إطلاق عمليات حرب العصابات.

صحيح أنني كنت اقوم بمقارنات كهذه.

لم اشارك بالعمليات أبداً،

لكنني كنت أودع أولئك الذين يقومون بها.

كنت أتخيل كل التفاصيل الصغيرة في رأسي...

كيف وقعت عملية الخطف،

ماذا حدث داخل الطائرة المختطفة،

كيف سيتم الافراج عن الرهائن في مطار في مكان ما.

كنت أتصور كل شيء... كيف سيتم احتلال السفارة،

كيف ستنتهي العمليات.

مراجعة العمليات هي تماما مثل إعادة كتابة سيناريو عدة مرات.

لذلك أنا لم اشارك في تنفيذ عمليات،

كما أنني لم أشارك في وضع التفاصيل الدقيقة للاستراتيجيات.

ولكن في كثير من الأحيان، كنت أفكر،

كيف كنت لاتصرف لو كنت أصنع فيلماً.

هكذا كنت أتخيل كل شيء، وبمجرد أن أنتهي،

وعندما كنت أسأل الرفاق عن سير العملية،

كانت تتكشف لي الاختلافات بين ما كنت اتصوره

وما حدث في الواقع،

وكنت أفكر كيف أن ما يحدث في الواقع استثنائي.

00:53:00:19

From: ????

Subject: Re: Lebanon shoot

To: Eric Baudelaire

شكرا لموافقتك على التصوير في لبنان. لدي اقتراحات لتصوير بعض الأماكن والحالات.

الوضع اليوم في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين. وخاصة حديقة النصب التذكاري والمقبرة. لقطات لمساكن بعض العائلات (داخل/خارج).

مخيم عين الحلوة في صيدا. خصوصا المشهد من أعلى التل المحيط به. بعض المشاهد لمساكن مزدحمة.

مشهد لبيروت اليوم (أي شارع مزدحم) مشهد وسط المدينة الذي شيّد حديثا، ومشهد جميل للجانب البحري من بيروت من بعض الأماكن. إذا كان بالامكان، حاول العثور على الآثار التي خلفتها معارك الشوارع في الماضي.

مشهد عام لوادي البقاع. الحقول الجميلة والجبال.

وأخيرا أطلال بعلبك. لقطات عامة وبعض تفاصيل الحجارة.

بحسب ما هو ممكن أثناء رحلتك، أود أن أعول عليكم.

شكراً

مازاو أداتشي

00:55:25:19

هناك الكثير من الصور...

خلال 26 عاما قضيتها في الشرق الأوسط،

ربيت ماي شيغينوبو

حتى سن العاشرة.

بعد ذلك، لم نتمكن من العيش معا لأن ذلك جذب الكثير من الانتباه.

التقينا سرا، عدة مرات في السنة.

لو استطيع أن أرى مرة أخرى المشاهد الطبيعية

التي كانت تحيط بي في بيروت...

ولكن كل شيء تم تنظيفه الآن وبقي القليل من آثار القتال.

المخيمات قصفت

والأماكن التي عاشت فيها ماي لم تعد موجودة الآن.

لكن مخيمات اللاجئين لا تزال موجودة،

الأماكن التي لا يزال يعيش فيها الفلسطينيون...

وما زال هناك خطر تجدد الحرب مع إسرائيل

حتى لو بدت بيروت هادئة على السطح.

كل هذه الانطباعات جزء من المشهد الطبيعي.

وإذا طلبت من اريك تصوير هذه الأماكن،

المشاهد التي أذكرها،

ولكن بكاميرته هو،

فمن يدري ما ستكون النتيجة.

00:57:05:05

أود أن أرى مرة أخرى، من وجهة نظري اليوم،

المناظر التي سيصورها اريك.

المناظر التي ستلفت انتباهه،

ما هي الامور التي ستستوقفه.

وربما من خلالها، سأتمكن من رؤية

الصور التي افتقدتها، الأفلام التي ضاعت.

والسؤال سيكون:

كيف تتقاطع الصور التي صورها اريك، والمشاعر المتولدة عنها،

مع مشاعري أنا؟

هذا هو الامر الذي سيسعدني.

00:57:31:09

في السابق كنت أركز أكثر...

على طريقة تصرفي وشخصيتي وهويتي،

كيف أجمع بين من أنا وبين من المفترض أن أكون.

حتى لو كانت لي آراء سياسية، لم أكن أعبر عنها، لم يكن بوسعي إظهارها.

حتى لو كانت لي بعض الهوايات ... لم يكن من الممكن أن امارسها .

فمثلا لو كانت لي هواية الدراما،

أنت تعرف، أنا لا يمكن أن أكون في المجال العام.

لا يمكن أن أفعل ذلك.

والآن بعد أن أصبحت لدي حياة مختلفة،

حياة منفتحة للغاية،

بت حرة للتعبير عن نفسي، وعما أشعر به،

ولكن في نفس الوقت، أصبحت بطريقة ما،

أنا ووالدتي، أصبحنا شخصيات عامة...

بمعنى أننا أصبحنا اشخاصا ملزمين بالكشف عن حياتهم، حياتهم الخاصة.

وأعتقد أن الذي حدث تغيير مبالغ

وعادة ما تكون

الحياة الخاصة هي خاصة بك،

لست ملزما بالتعبير او الحديث عنها على شاشات التلفزيون، وعلى الراديو،

مشاعرك وتجاربك

هي عادة أشياء تتشاركها مع أشخاص حميمين.

أصدقائك، وعائلتك،

وليس مع أشخاص على الجانب الآخر من الشاشة.

يمكنني الان أن افصح عن شخصيتي،

ولكن في الوقت نفسه، عليك في موقف كهذا أن تكون حذرا

لأنها تُخلق من جديد.

00:59:28:15

الان وبعدما كشفت عن هويتي

علي أن أعود

إلى أصدقائي القدامى لاشرح لهم من أنا.

وأن ما كانوا يعرفونه عني،

عن خلفيتي، ليس بالضرورة صحيحا.

من حيث الشخصية لم يتغير شيء

فما زلت كما يعرفونني. لم يتغير شيء

ولكن قصتي لها لهجة مختلفة، لون مختلف

كان علي أن أصحح هذا الجزء من قصتي للكثيرين من أصدقائي خاصة فيما يتعلق بخلفيتي.

اخبرت... إضطررت ان أعيد القصة مرات عديدة.

عندما أذهب إلى لبنان وألتقي أصدقائي

وأقول لهم إنني كنت في اليابان، تبدأ الاسئلة من هناك

لماذا أنت في اليابان؟

حسنا، لأن أمي يابانية.

أمك يابانية!

وهنا نقطة البداية

إذ يبدأون بربط أجزاء من ذكرياتهم

بالحقيقة الجديدة التي افصحت لهم عنها.

01:00:56:11

مقتطف من فيلم 9.11 - 8.15

من فلسطين، الوطن الاب، إلى اليابان، الوطن الام

هل هناك أمل أسعى اليه في هذا البلد؟

مع ماي شيغينوبو، ابنة فوساكو شيغينوبو

01:01:23:10

كان من المفترض أن أكون شخصية خيالية وواقعية.

في بعض الأجزاء، عندما أناقش وأتحدث،

أتحدث كـ ماي شيغينوبو.

لكن هناك أجزاء أخرى أظهر فيها كصورة.

من دون خطاب حقيقي.

هذه هي الشخصية الخيالية، ويبدو أنه بالنسبة للمخرج

كان من المفترض أن أكون شخصا أو نوعا من إله يربط

العالم الواقعي بالعالم الخيالي أو غير الواقعي.

ويتنقل بالمشاهد بين الواقعي والخيالي.

هاريو سان، إلى أين نحن ذاهبون؟

01:02:16:10

كمخرج،

لوكنت واصلت العمل

لربما كنت استطعت صنع افلام كثيرة مثيرة.

لو بقيت في اليابان ولم أذهب الى الشرق الأوسط،

لربما كنت صورت العديد من الأفلام.

ولكن من ناحية أخرى

أنا اشرب الكثير.

لربما كنت توفيت من تعاطي الكحول

منذ 20 أو 25 عاما،

لو بقيت في اليابان...

ربما كانت النتيجة واحدة في النهاية

الى جانب ذلك،

كنت أفكر

منذ أن عملت على فيلم عن ناغاياما،

بمسألة “هنا" أو "هناك"

أن أكون في اليابان أو في الشرق الأوسط

قد يكون هناك اختلاف بالمعنى الجغرافي،

ولكن أعتقد في الواقع أنه لا يوجد سوى "هنا".

إذا كنت في منطقة الشرق الأوسط، فالشرق الأوسط "هنا".

أينما ذهبت، لا يوجد سوى "هنا".

الناس غالبا ما يبحثون عن مكان آخر، ساعين وراء أفكار رومانسية.

ولكن هذه الرومانسية، تلك الأحلام، لا وجود لها إلا في قلوبنا.

المغزى هو البحث عن "هنا" "في مكان آخر".

(ترجمة منال خضر)

[1] “اناباسيس ماي وفوساكو شيغينوبو، ماساو اداتشي و27 عاما من دون صور فيلم وثائقي تجريبي للمخرج الفرنسي ايريك بودلير، 2011.

[2] تستعمل كلمة أناباسيس لوصف مرحلة "تجوال غير واضح من دون مرشد" عبر أراض غير معروفة وخطيرة تنتهي عند الرجوع إلى الموطن الاصلي. يغطي المصطلح مفهوم “الرجوع” وانما “الجديد” أيضا بحيث إنه رجوع يحمل في طياته مستقبلاً جديداً.

 




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬