جيليان شويدلر

مقدمة

تبقى قضية الاشتمال السياسي (political inclusion) مصدر قلق كبير للدول السائرة نحو الديمقراطية. مجموعات كثيرة تم استبعادها وقمعها من قبل انظمة سابقة، فأي منها ينبغي اشتمالها اليوم؟ وأي يجب استبعادها؟ ومن الذي يقرر؟ مع الأحداث الاستثنائية للانتفاضات العربية التي اندلعت في 2011، بات عدد اللاعبين السياسيين المنخرطين بشكل مباشر في عمليات التحول السياسي أكبر من اي وقت سبق. غير أن المؤسسات السياسية الجديدة لا تزال غير مستقرة كما يبقى توزيع السلطة بينها غير واضح. ما حدث يمثل لحظة هامة وتاريخية وديمقراطية، حتى لو كان مصير بعض تلك التحولات مجهولا. ولكن الاكيد أن عملية إصلاح شاملة على نطاق واسع باتت أمرا ضروريا ومطلوبا لاي حكم ديمقراطي ذي مغزى. أما من الناحية العملية فلا يزال الكثير من المواطنين يخشون احتمالات خطف سريعة للتحولات الناشئة.

وفيما تشهد مناطق كثيرة من الشرق الأوسط تحولات سياسية، باتت مسألة المشاركة السياسية تحتل مركز النقاشات المتعددة: هل ستنجح عملية الاشتمال السياسي بدفع المجموعات المتطرفة نحو الاعتدال في مواقفها وأفعالها من أجل تحسين فرص منافستها في حقل سياسي ديمقراطي حقيقي؟ فحتى تتمكن هذه المجموعات من المنافسة بفعالية ومن كسب الأصوات، عليها أن تجذب مجموعة واسعة من الناخبين، وهو ما قد يدفع بها باتجاه وسط الطيف السياسي أكثر مما لو كانت ستفعل في اطر غير ديمقراطية. هذا البعد من الإصلاح السياسي ينسحب على مجموعات من مختلف الانتماءات السياسية. والسؤال هو، باختصار، هل تؤدي عملية الاشتمال السياسي إلى الاعتدال، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف؟

فرضية الاشتمال - الاعتدال، والتي نوقشت مطولا من زاوية اشتمال الأحزاب الإسلامية في إطار عمليات التحرر السياسي المحدودة في الشرق الاوسط والمهيمن عليها من قبل الدولة، تكتسب اليوم أهمية جديدة لأن العديد من الأنظمة، بما فيها تلك التي لم تشهد بلدانها تحركات ثورية، تنظر اليوم في احتمالات الإصلاح الديمقراطي. فبعض هذه البلدان بادرت إلى استحداث مجموعات جديدة كليا من المؤسسات، بينما تعمل بلدان أخرى على إصلاح المؤسسات القائمة بما يسمح بمشاركة أكبر، وربما بدور أكبر للمجالس المنتخبة. وفي إطار هذه السياقات السياسية المختلفة، اكتسبت مجموعات إسلامية متنوعة سلطات هامة من خلال الانتخابات كما في تونس ومصر وليبيا، فيما برزت جماعات اسلامية أخرى بوصفها الأقوى (والافضل تمويلا) بين فصائل المعارضة في الحرب الأهلية في سوريا. حتى في الدول التي لم تشهد تحركات رئيسية، مثل الكويت والأردن والمغرب، تضغط جهات اسلامية فاعلة للاضطلاع بدور اكبر، في الوقت الذي تصارع فيه الأنظمة لاستباق الحماس الثوري عبر اصلاحات سياسية محدودة تقودها الدولة.

في هذه المقالة، أستعرض الحجج المركزية لفرضية الاشتمال - الاعتدال، بما في ذلك التفسيرات المتنافسة ومجموعة الآليات التي يحددها الباحثون في الحقل. ثم أبحث في كيف أن السياقات المؤسساتية المختلفة لمرحلة ما بعد الانتفاضات العربية قد تتطلب إعادة نظر في بعض الحجج المتعلقة بالاشتمال والاعتدال.

الاشتمال والاعتدال

على مدى عقود طرحت مسألة الاشتمال السياسي للجماعات الإسلامية بشكل صريح (مثلا، نورتون، 1995)، وبشكل ضمني (مثلا، أندرسون، 1997). وفي السنوات الأخيرة، عمل عدد من العلماء المختلفين، من منظورالحركة الاجتماعية، على توسيع النقاش حول آثار اشتمال واستبعاد الأحزاب الإسلامية المتنوعة ضمن انماط متنوعة من الانظمة وسياقات مؤسساتية مختلفة (حافظ، 2003؛ ويكهام، 2004؛ كالدويل، 2006؛ كلارك، 2006؛ شويدلر، 2006؛ بيّات 2007؛ تورام 2007؛ برويرز 2009؛ عاشور 2009؛ ويغنر وبيليسر 2009؛ ياداف 2010؛ تزكور2010؛ كلارك عام 2010؛ شويدلر 2011).

ان مصطلح "الاسلاميين" يشير إلى مجموعات متنوعة جدا تنادي جميعها بالإصلاح الاجتماعي والسياسي والاقتصادي من خلال تطبيق التعاليم الإسلامية في مختلف جوانب الحياة. هذه المنظمات بأشكالها المختلفة وجدت منذ فترات طويلة في معظم دول الشرق الأوسط، بما في ذلك، مثلا لا حصرا، الجمعيات الخيرية والأحزاب السياسية القانونية أو شبه القانونية، فضلا عن الحركات السرية التي توظّف أحيانا العنف السياسي (الذي يستهدف غالبا الأنظمة غير الديمقراطية). ولان العديد من هذه الجماعات تعتبر راسخة، خاصة انها عملت لعدة عقود في العلن والسر على حد سواء، لا يعود مفاجئا ظهورها السريع والقوي عندما تبادر الانظمة غير الديمقراطية إلى فتح المجال السياسي، او بشكل خاص، عندما تنهار أجزاء من هذه الانظمة القديمة انهيارا كاملا.

في كثير من الدول، هناك عمليا مجموعة واحدة أو حزب واحد فعال من حيث المعارضة السياسية لأن الأنظمة السلطوية عملت على مدى عقود على سحق حركات المعارضة الأخرى. في بعض أجزاء الشرق الأوسط، لا سيما تركيا وتونس وسوريا، وإلى حد أقل مصر، كان التسامح اكبر نسبيا مع الجماعات العلمانية منه مع الجماعات الدينية، نظرا للهوية العلمانية القوية للنظام. أما في أجزاء أخرى من المنطقة، وتحديدا في الأردن والمغرب ولبنان واليمن، فكان هناك تسامح اكبر مع الجماعات الإسلامية لأسباب تاريخية متنوعة. وبالتالي فليس من المستغرب أن تكون المجموعات ذات التاريخ الأطول والجذور المؤسساتية والمجتمعية الأكثر رسوخا قادرة على حشد أسرع وأكثر فعالية في سياق مؤسساتي متغير. ولأن العديد من الجماعات الإسلامية، وجماعة الإخوان المسلمين بشكل خاص، عملت منذ عقود في مناطق عديدة من الشرق الاوسط مع درجات متفاوتة من الشرعية، كانت هي مركز النقاشات العلمية الخاصة بالاشتمال والاعتدال. ومع ذلك، من المهم أن ندرك أن هذه النقاشات هي بنفس القدر من الأهمية لدراسة مسارات الحركات الليبرالية واليسارية والحركات المحافظة الاخرى ضمن سياقاتها السياسية.

ما هو الاعتدال، وكيف يمكن قياسه؟ بعبارات عامة، الاعتدال يستلزم عملية تغيير يمكن وصفها بأنها حركة على خط متصل من الراديكالية الى الاعتدال، حيث كل ابتعاد عن الممارسات الإقصائية (من النوع الذي يعتبر جميع وجهات النظر البديلة غير شرعية، وبالتالي خطرة) يساوي زيادة في الاعتدال. لقد ركزت الكتابات حول الاعتدال على مجموعات متنوعة عبر الطيف السياسي، من الأحزاب الاشتراكية والكاثوليكية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في أوروبا (مثلا، برجيفورسكي وسبراغ 1986؛ كاليفاس 1996) إلى أميركا اللاتينية المعاصرة (ماينوارينغ وسكالي 2003)، إلى المشاركة السياسية الإسلامية في العالم الاسلامي. ومعظم هذه النماذج تؤكد على الطرق التي يوفر فيها الانفتاح البنيوي حوافز للفئات المستبعدة سابقا لتصبح جزءا من منظمومة ما وللعب وفقا لقواعد اللعبة، وهي قواعد تحددها وتسيطر عليها الأنظمة القائمة (شويدلر 2011). هذه العملية هي ما اسماه صموئيل هنتنغتون بـ "المشاركة/المقايضة المعتدلة"، وهي نوع من "صفقة ديمقراطية" (1993: 169) بحيث تصبح جماعات المعارضة مؤهلة للاستفادة من الانفتاح السياسي فقط بعدما "تعدل مطالبها وتتبنى تكتيكات معتدلة" (165).

والدينامية المركزية لفرضية الاشتمال - الاعتدال هي إذاً تحول الجهات السياسية الفاعلة نحو الاعتدال إذا ما سُمح لها بالمشاركة في عمليات سياسية تنافسية مشروعة، مثل انتخابات ديمقراطية، مجتمع مدني حر، احتجاجات قانونية، مظاهرات وما إلى ذلك. وهذه المجموعات تلجأ إلى الاعتدال غالبا لأن النفعية والواقعية تتطلبان ذلك، إذ أن الاعتدال يزيد من فرص جذب أعداد اكبر من الناخبين، ما يعني الحصول على حصة أكبر من السلطة. وبالتالي فإن بُعدا أساسيا من الفرضية يتعلق بالسياق المؤسساتي الذي تختار المجموعات المشاركة فيه. فبينما يجبر الاستبعاد السياسي المعارضة على تحويل نشاطها إلى السرية، يوفر الاستيعاب السياسي لجهات فاعلة مختلفة سلسلة من الفرص، حتى في ظل انظمة شبه سلطوية قائمة ليس لديها النية بالسماح بممارسات تعددية وديمقراطية حقيقية. ففي سياق من هذا القبيل تتضمن محفزات الاعتدال تراجعا نسبيا في القمع الذي تمارسه الدولة (اذ سيصبح من الممكن العمل والدفاع عن إصلاحات سياسية محددة بشكل قانوني وعلني)، وإمكانية تعبئة علنية لقاعدة دعم أوسع، ومجال لمناقشة علنية للقضايا، وما إلى ذلك. وكما سنرى أدناه، فإن التعقيدات ستظهر ليس فقط عندما يتم التحكم في المنظومات المؤسساتية من قبل نظام سلطوي، ولكن أيضا عندما تكون المؤسسات نفسها في حالة تغير مستمر وتكون قواعد اللعبة السياسية لقمة سائغة.

والحذر الرئيسي في ما يتعلق بفرضية إلاشتمال - الاعتدال في أي سياق كان، يرتبط بما يسميه العلماء بمفارقة الديمقراطية: أي أن تمكّن العمليات الديمقراطية جهات فاعلة غير ديمقراطية من أن تعكس تلك الفتحات - وربما بشكل دائم. فمثل "ذئب في ثياب حمل"، قد تقدّم مجموعة نفسها على أنها ملتزمة بالعملية الديمقراطية لتعود وتتخلى عن هذا الموقف بعدما تكتسب ما يكفي من القوة ديمقراطيا لقلب النظام الديمقراطي بشكل كامل، أو على الأقل لتغييره بما يضمن استمرار نفوذها في السلطة. وعندما يكون النظام نفسه في حالة تغير مستمر، كما هو الحال في أوضاع ما بعد الثورة، قد تضمحل الآليات التي من شأنها ضمان معادلة الاعتدال كشرط للمشاركة. ففي سياق التقدم الحقيقي للديمقراطية، يتعلق السؤال المتكرر حول الاشتمال السياسي الموسع باحتمال تمكين الانتخابات لمجموعة ما غير ملتزمة بالقواعد الديمقراطية، أو بإمكانية أن يسمح النظام الذي يعيش مرحلة تغير لمجموعة ما بخطف عملية تأسيس المؤسسات الجديدة عبر وسائل غير ديمقراطية.

حتى وقت قريب، كانت مسألة الاشتمال السياسي في الشرق الأوسط تتعلق بالانفتاح السياسي الذي تتبناه أنظمة غير ديمقراطية لم تظهر أي نية بالتنازل عن أي سلطة حقيقية على الرغم مما كانوا يعلنونه. فالعاهل الاردني الملك عبد الله الثاني، مثل والده من قبله، أعلن غير مرة التزامه بالعملية الديمقراطية ولكنه واصل تمسكه بمقاليد السلطة، بحيث ركز على إصلاحات محدودة للنظام الانتخابي بينما احتفظ بالحق في تعيين وعزل الحكومات دون تدخل البرلمان. وكما هو موضح أدناه، من المحتمل أن تدفع الانتفاضات العربية دولا مثل الأردن للتحرك باتجاه إصلاحات أكثر موضوعية. ومع ذلك، فإن هذه العمليات تدار بعناية من أعلى الهرم. فعندما تبدأ المعارضة القانونية (الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، الخ) بممارسة الضغوط لإجراء إصلاحات أكثر موضوعية أو للحصول على حصة من السلطة الحقيقية، يستجيب النظام عادة بقيود "قانونية" جديدة أو قانون انتخابي معدل، ويدعو الى حوار وطني، في الوقت الذي يوظف فيه تكتيك "الطعم والتبديل"، أي أنه يستمر في الحديث عن الإصلاحات الديمقراطية بينما يسعى إلى إيجاد سبل لتقييد المعارضة والحفاظ على النظام.

المؤسسات المتغيرة في سياق تاريخي

تاريخيا، كانت السياقات المؤسساتية لهذه الانفتاحات السياسية مستقرة إلى حد كبير، حتى عندما كانت الانظمة تواجه ضغوطا شعبية من أجل الإصلاح (تأتي غالبا ردا على أزمات اقتصادية). ففي مثل هذه الحالات، تبقى فرص وقوف المعارضة القانونية في وجه النظام محدودة، فيما يبقى النظام نفسه مسيطرا على الانفتاح السياسي عبر وسائل مختلفة، بما في ذلك السيطرة المطلقة على أجهزة الأمن العديدة. في الوقت نفسه، يستدعي منطق فرضية الاشتمال -الاعتدال مشاركة جماعات المعارضة في الانتخابات على أمل زيادة قوتها السياسية على الرغم من أن الأنظمة تسعى إلى منع هذه النتيجة تحديدا. غير أن السياق السياسي الجديد في الشرق الأوسط منذ بداية الانتفاضات في 2011 غير هذا التوازن، بحيث شرعت الانظمة في كل من تونس ومصر واليمن وليبيا بتطبيق عمليات إصلاحات جوهرية - حتى وإن كان بعض المشرفين عليها يناورون للحفاظ على مركزيتهم في الانظمة "الجديدة"، وهو امر لا يثير الدهشة.

وسأتناول، قبل دراسة الآثار المترتبة على هذه السياقات المؤسساتية المتغيرة، وبتفصيل أكبر، ديناميات فرضية الاشتمال - الاعتدال كما عولجت في الادبيات التي ركزت حتى الآن على انفتاحات سياسية قادتها انظمة ضمن سياقات مستقرة.

يكمن أحد أهم مفاعيل الاشتمال السياسي في أنه يخلق حوافز قوية لدى الجماعات المختلفة لتتعاون في ما بينها. في هذا الاطار، أدى الانفتاح السياسي الذي شهده معظم مناطق الشرق الأوسط في مطلع التسعينات إلى توسيع نطاق التعاون بين الإسلاميين وخصومهم الايديولوجيين التاريخيين، ولا سيما الشيوعيين والاشتراكيين والليبراليين (شويدلر 2006؛ كلارك وشويدلر 2003)، وهو الامر الذي كان مستبعدا تماما حتى قبل عقد من ذلك الزمن. فبحلول أواخر التسعينات سعى الإسلاميون إلى اقامة علاقات مؤقتة مع يساريين وليبراليين حول القضايا ذات الاهتمام المشترك. ففي مصر، سعى الجيل المتوسط في جماعة الإخوان المسلمين بشكل متزايد للتعاون مع ابناء جيلهم من الجماعات السياسية الاخرى (ويكهام 2002؛ ستاشر 2009)، مثلما وجد الجيل الاصغر من الإخوان المسلمين أنه يشارك المدوّنين الليبراليين الشباب العديد من الأهداف والقيم ( لينش 2007). وفي الأردن، قام أعضاء من جماعة الاخوان المسلمين وحزب جبهة العمل الإسلامي القريب منها منذ مطلع التسعينات بالتنسيق والتعاون مع بعض منافسيه السابقين. فقد عملت هذه المجموعات معا، بالإضافة إلى التعاون البرلماني، في إطار قضايا مثل تنظيم مظاهرات ضد الحرب الأميركية في العراق ومعارضة معاهدة السلام بين الاردن واسرائيل ورفع دعاوى قضائية ضد القيود المتزايدة على حرية التعبير. أما في اليمن، الذي أذهل المنطقة والعالم بتوحده في 1990 وانتخاباته البرلمانية الديمقراطية في 1993، فسعت بعض التيارات الإسلامية في نهاية التسعينات إلى إقامة صلات مع الاشتراكيين أضفت عليها لاحقا طابعا رسميا عبر تأسيس حزب اللقاء المشترك (براورز 2007). وفي مطلع التسعينات تعاونت حركة حماس الفلسطينية مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الماركسية، كما أبدى حزب الله اللبناني استعداده للتعاون مع مجموعات عدة، بما في ذلك حركة أمل الشيعية المنافسة، ومجموعات سنية ومسيحية مختلفة.

ومع ذلك، تشير كلارك إلى قيود هامة في ما يخص التعاون العابر للايديولوجيات في الشرق الاوسط (2006). فهي تلحظ أن التعاون لا ينشأ حول قضايا تعتبر "خطوطا حمراء" بالنسبة للاسلاميين، خاصة تلك التي يعتقدون أن لا غموض بشأنها بحسب الشريعة الاسلامية (مثل الدور الاجتماعي المناسب للمرأة). ولا يمكن أن نتوقع أن يؤدي الاشتمال السياسي دائما إلى تعاون عابر للايديولوجيات، ولكنه يخلق حوافز مؤسساتية لمجموعات متنوعة للعمل معا (كلارك 2010).

لكن هل هذا الاعتدال هو سلوكي فحسب وليس إيديولوجيا؟ في حال المجموعات المنغلقة نسبيا والرافضة لمشروعية وجهات النظر الاخرى، يصبح السؤال الأساسي ما إذا كان الاشتمال السياسي قادرا على انتاج اعتدال أيديولوجي أو على التشجيع عليه على الاقل، بمعنى هل سيساهم الاشتمال في جعل تلك المجموعات ترى قيمة أو شرعية في آراء الآخرين، أو على الأقل أن تعترف بحقهم في تبني آراء مغايرة؟ ولكن نظرا لعدم قدرتنا على معرفة "ما في قلوب" الآخرين، فهل بمقدورنا أن نجزم بأن جماعة ما قد أصبحت ايديولوجياً أكثر اعتدالا؟ أنا أزعم أن بنية حوافز عمليات الاشتمال السياسي ومؤسساته، حتى في السياقات الدون ديمقراطية، أمر ضروري لكن غير كاف لانتاج الاعتدال الايديولوجي. هذا موضوع يتعلق بقضايا متعددة.

بالطبع، فإن العديد من الجماعات الإسلامية الأكثر اعتدالا لم تكن بالاصل متطرفة جدا ولم تشن هجمات عنيفة ضد أنظمتها. فمثلا جماعة الاخوان المسلمين بمختلف فروعها لم تحمل السلاح بوجه الانظمة القائمة، والقلة منهم التي فعلت ذلك عادت ونبذت هذا الطريق منذ عقود. فحتى في مصر حيث أنشأت جماعة الاخوان المسلمين خلية متطرفة في الاعوام التي سبقت إسقاط النظام الملكي على أيدي الضباط الاحرار في 1952، انشق الاعضاء الذين لجأوا إلى العنف في الستينات وما بعد ليشكلوا منظمة جديدة، فيما حافظت المنظمة الأم على موقفها اللاعنفي.

وفي العديد من البلدان كان الاسلاميون من اقوى حلفاء الأنظمة، ولا سيما في مواجهة الحركات القومية العلمانية في القرن العشرين. ففيما سجن عبد الناصر الآلاف من أعضاء الاخوان المسلمين في الخمسينات والستينات، كان الاسلاميون في الاردن يدعمون الملك في معركته ضد اليساريين المتشددين والقوميين. وبالتالي، فبالنسبة للجماعات المعتدلة نسبيا مثل الاخوان المسلمين، فإن عمليات الاشتمال السياسي توفر لهم منظورية أكبر وحوافز أكثر للتعبئة وتوسيع قاعدتهم. غير أن القبول بالعمل في إطار مؤسساتي قانوني (مثل تأسيس حزب سياسي قانوني) لا يعني بالضرورة تغييرا في الايديولوجيا بقدر ما يعني إعادة تنظيم داخلي لتلبية حاجات حزب قانوني يسعى إلى المشاركة في الانتخابات وببرلمان منتخب.

كاستراتيجية سياسية من المفترض تشجيع الاشتمال كوسيلة لدعم اللاعبين المعتدلين على الساحة السياسية ولقطع الطريق أمام توسيع قاعدة الدعم للمتشددين من خلال تقديم اصوات بديلة تعمل من داخل النظام. وهذه إشارة إلى الطريق غير المباشر لتحقيق جو عام من الاعتدال لا يقتصر على مجموعة واحدة. أي أنه بغض النظر عما إذا كانت المجموعات تصبح أكثر اعتدالا نتيجة للاشتمال، فإن تشجيع الاشتمال قد يعيق التطرف، ما يؤدي إلى مفعول سياسي شامل في حقل سياسي معين مفاده مزيد من الاعتدال العام. هذا لا يعني أن الجماعات المتشددة ستختفي، لكن قاعدة دعمها ستتقلص إذ سيلجأ الناس إلى دعم بدائل معتدلة وقانونية لم تكن متاحة في السابق. وفي هذا المعنى فإن الاعتدال لم يتحقق نتيجة لتغير يطال توجه مجموعة واحدة وإنما بشكل اساسي نتيجة لتغير في بنية الطيف السياسي الاوسع.

رصد الاعتدال الإيديولوجي

ليس التحدّي الاختباري لتِبيان ما إذا كانت مجموعة ما قد خضعت لعملية اعتدال إيديولوجي حقيقية (في مقابل اعتماد الاعتدال السلوكي الاستراتيجي من دون القيام بأدنى تغيير إيديولوجي) بالأمر الميؤوس منه كما يبدو عليه الحال. وفي كتابي الصادر عام 2006، أُناقش إمكانية رصد التغيير في السياسات، والذي يعتبر بحقّ اعتدالا إيديولوجيا، من خلال البحث في النقاشات والوثائق الحزبية الداخلية، بدلاً من الاعتماد على التصاريح العلنية. وبالنظر إلى الحيّز الذي أصبحت فيه الديمقراطية اللغة السائدة للشرعية السياسية على نطاق عالمي، يدّعي كلّ نظام سياسي وحركة سياسية، باستثناء كوريا الشمالية وحركة طالبان وتنظيم القاعدة ربّما، الالتزام أقلّه ببعض القواعد والممارسات الديمقراطية. والحال أن البحث في النقاشات الداخلية يعكس المسائل التي تسعى المجموعات جاهدةً للتصدي لها. فمثلا، إذا سعى حزب إسلامي لإيجاد كيفية – أو بالأحرى، احتمال – تبرير بعض أبعاد المشاركة الديمقراطية لجهة التزاماته الإيديولوجية الأوسع نطاقاً، أمكن القول، وبثقة تامة، إنه تطوّر إيديولوجياً مع تحوّل هذه الالتزامات السياسية الداخلية إلى مزيد من الاشتمال وتقبّل وجهات النظر البديلة.

وقد تجلّت هذه العملية مع جبهة العمل الإسلامي في الأردن خلال التسعينات. وكما تشير التفاصيل التي أوردتها في الكتاب، ففي البداية واجه قادة الإخوان المسلمين ضمن الحزب مسألة تبرير المشاركة في المؤسسات الديمقراطية من حيث أسس الشريعة الإسلامية، وقد توصّلوا إلى قرار مفاده أنه يمكن تبريرها بحسب مبادئ معيّنة على غرار الشورى والإجماع. إلا أن هذا القرار أدّى بجبهة العمل الإسلامي الحديثة النشأة (في 1992) إلى مواجهة أسئلة عمليّة حول التعاون مع المنافسين الإيديولوجيين، مثل الشيوعيين والاشتراكيين، بخصوص مسائل متعلّقة بالمصلحة المشتركة. وبالتالي، أضفى تبرير المشاركة الديمقراطية على تقبّل اللاعبين السياسيين الآخرين صفة الشرعية. لكن هل عنى الأمر حينها أن الإيديولوجيات اليسارية شرعية؟ مرّة أخرى، قام الحزب بمناقشة المسألة داخلياً، وتوصّل إلى إجماع مفاده أن التعاون مقبول طالما أن الجهات اليسارية هي بحدّ ذاتها مؤلّفة من مسلمين صالحين، وأن توجههم اليساري ليس سوى توجّه سياسي فحسب. واستمرت المسائل الجوهرية ّتواجه القادة (كلارك 2006)، غير أنهم برّروا التعاون مع المنافسين السابقين بأنه نتيجة النقاشات الداخلية التي أجرتها المجموعة في وقت سابق حول شرعية الديمقراطية (شويدلر 2006). وكان الأمر سيّان في كلّ من تركيا والمغرب ومصر (براون إي أل، 2006؛ عبد الرحمن 2009؛ كافاتورتا 2009؛ براونلي 2010؛ ويغنر بيليسر 2009).

ومع مرور الزمن، يمكن لمثل هذه السلسلة من النقاشات الداخلية أن تحدث تحوّلات جذرية في الالتزامات الإيديولوجية تحت أشكال يمكن رصدها وتقييمها وتعريفها على أنها زيادة في الاعتدال. وكان الاشتمال أساسياً لتوفير الإطار المؤسساتي المتغيّر، وبالتالي، المنطق السياسي الذي دفع بالإسلاميين، على غرار الإخوان المسلمين في الأردن، إلى مناقشة إمكانية تبرير المشاركة في عمليات تعددية جديدة. إلا أن النقاشات الداخلية كانت بحدّ ذاتها أساسية للحثّ على اتخاذ مواقف أكثر اعتدالاً. وفي بعض الحالات كما في اليمن، لم تؤدّ النقاشات الداخلية المماثلة إلى تحوّلات جوهرية في الالتزام الإيديولوجي، لا على صعيد قيادة الحزب، ولا على صعيد أعضائه.

تغيير الديناميات المؤسساتية

لقد ركّزت النقاشات المذكورة أعلاه على انفتاحات سياسية قادتها الأنظمة، وكان هدف النظام منها احتواء الحركات المعارضة وضمّها إلى نسقه، من دون فقدان السيطرة أبداً على هذه العملية. فالنظام هو من يضع قوانين اللعبة، وفي حال واجه الضغوط لإجراء المزيد من الإصلاحات الجوهرية، بقيت مؤسسات الدولة مستقرّة ومضبوطة في قبضة النظام.

وفي حين تُقرّ المجموعات المعارضة، في هذه السياقات، بأن غالبية الأنظمة لا تنوي التنحّي عن السلطة، تبقى قراراتها حول المشاركة منوطةً بالمكاسب السياسية المتأتّية عن هذه المشاركة وما إذا كانت تفوق كلفتها أهميةً. والحال أن الانفتاحات الديمقراطية التي قادتها الأنظمة في غالبية دول الشرق الأوسط اتّسمت على مدى عقود بألعاب القطّ والفأر تلك، حيث تضطلع المجموعات الإسلامية بدور المعارضة الأقوى لتلك الأنظمة السائدة. وفي مصر، لم يتمكّن النظام يوماً من سحق المجموعات الإسلامية، رغم أن حركة الإخوان المسلمين المعتدلة نسبياً كانت مقبولةً أكثر من الجماعة الإسلامية والجهاد الإسلامي الأكثر تطرّفاً. أما في تونس وسوريا، فأدّت التحديات التي نشأت عن المجموعات الإسلامية إلى إلحاق الهزيمة بهذه الحركات وإقصائها ظاهرياً، علماً أن أياً منها لم يختف، وقد عادت إلى واجهة الساحة السياسية خلال الانتفاضات وبعدها. وحتّى في الحالات التي عاش فيها الإسلاميون والأنظمة تاريخاً من التحالف والتعاون، كما كانت الحال في الأردن واليمن، سعت الأنظمة إلى الحدّ من تأثير المجموعات الإسلامية، التي سعت بدورها إلى اكتساب موطئ قدم لها وتوسيع نطاق نفوذها، من دون تهديد النظام علناً.

ومع الانتفاضات العربية أصبحت السياقات المؤسساتية فجأةً في حالة تغيّر مستمرّ، الأمر الذي أعاد منطق الاشتمال والاعتدال المسيطر عليه إلى دائرة الشكّ. وشأنها شأن أي مجموعة أخرى، رسّخت المجموعات الإسلامية نفسها بقوّة، لا سيّما في تونس ومصر وسوريا. وفي خضمّ الحرب الأهلية المستمرّة في سوريا، تبقى المعارضة مجزّأة بشكل كبير، إلا أن حركة الإخوان المسلمين، التي لطالما كانت مقموعة، برزت على أنها إحدى أكثر فصائل المعارضة قوّةً؛ لا بل أن أكثر المجموعات المعارضة المسلّحة في سوريا تدّعي ارتباطها بشكل من الأشكال بالمجموعات أو الشبكات الإسلامية في البلد، معتمدةً على هذه الأخيرة بشكل كبير للدعم المالي. وفي سياق العنف السياسي المستمرّ، لا تكتسي فرضية الاشتمال-الاعتدال أهميةً كبيرة في الوقت الراهن (غير أنها ستصبح مهمةً في سوريا ما بعد الأسد، أياً كانت، ومتى ما ظهرت).

وبالتالي، في حين يبقى السياق المؤسساتي مهماً، فقد تغيرت الطرق المحددة التي تشجّع فيها المؤسسات، أو لا تشجّع، على الاعتدال. وفي حال تم اعتماد المؤسسات الديمقراطية بسرعة وتم الانضمام إليها والانخراط فيها على نطاق واسع – وهما شرطان يصعب تحقيقهما – فعندها تصبح فرضية الاشتمال-الاعتدال على النحو التالي: إن بناء التحالفات السياسية وتوسيع نطاق الدائرة السياسية يخدمان الحكم اليوم ويضمنان الفوز في الانتخابات لاحقاً. وهكذا، يترسّخ منطق فكر الأحزاب السياسية في الديمقراطيات، فيترتب على الأحزاب الناجحة على الأمد الطويل الاقتراب أكثر من الوسطية وتعلّم كيفية العمل ضمن إطار نظام تعدّدي (داونز 1957، متشلز 1962، لابالومبارا ووينر 1966)، وقد واجه العلماء في الحركة الاجتماعية دينامية مماثلة (بيفن وكلوارد 1977).

تثير حالة تركيا أسئلةً مهمة حول الديناميات المؤسساتية التي تتخطى الميدان السياسي الرسمي وتغوص في هيكلية حقل المعارضة. وكان مراد سومر قد ناقش مؤخراً أن المهم في تحقيق الاعتدال ليس الانفتاحات المؤسساتية التي توفر الحوافز للمجموعات المعارضة كي تعتدل فحسب، بل أيضاً سعي هذه المجموعات إلى إرساء "مركز" ديمقراطي جديد أو اختيار التحالف مع المركز السياسي غير الديمقراطي الموجود بدلا منه. فبالنسبة إلى سومر، "بدأت عملية التحوّل إلى الديمقراطية في تركيا (في العشرينات) باعتدال اللاعبين الاستبداديين العلمانيين، إلا أنها لم تُنتج سوى نصف ديمقراطية لأن التغيرات لم تندرج ضمن إطار مؤسساتي من خلال تسويات رسمية وواضحة تكون نتيجتها مركزا ديمقراطيا بكلّ ما للكلمة من معنى" (2011:1). وبالمثل، اعتمد الإسلاميون في تركيا الاعتدال في التسعينات ومطلع الألفية الثانية، إلا أنهم بالطريقة عينها ساوموا على المركز نصف الديمقراطي، وبالتالي، فشلوا في التوصّل إلى نظام ديمقراطي بالكامل عندما كان الأمر متاحاً. ويسلّط هذا التحليل الضوء على آراء حول تركيا هي لعلماء آخرين (طورام 2007؛ تزكور 2010) يحذّرون من ربط فرضية الاشتمال-الاعتدال في الوقت الراهن بمبدأ التحوّل إلى الديمقراطية، وأن مسائل الاعتدال منوطة أيضاً باللاعبين العلمانيين وليس فقط بالدينيين منهم.

غير أن هذه الحالات تسلّط الضوء على ضرورة الحذر من توسيع نطاق منطق فرضية الاشتمال-الاعتدال بشكل تلقائي من حالة إلى أخرى، لأنه حتى الانفتاحات العمودية تختلف بشكل لافت في كيفية تأثيرها على الاعتدال. لكن هذه الأنظمة المتغيّرة باستمرار توفر أيضاً بعض الفرص المهمة لتشذيب أو رفض شرائح العلمانية السائدة.

آثار الانتفاضات العربية

في تونس ومصر، تحتفظ فرضية الاشتمال-الاعتدال بأهميتها رغم عدم وضوح السياق المؤسساتي الجديد – وبنوع خاص احتمال تحوّل المؤسسات الديمقراطية الجديدة إلى مؤسسات مستقرة وآمنة – وهي بالتالي تطرح السؤال حول التحديات على الأمد الأطول. علاوةً على ذلك، شهدت كلّ من الدولتين بروز حزب إسلامي متطرّف يولّد حوافز إضافية مقابل الاعتدال. وفي الدولتين، برز عدد من اللاعبين الإسلاميين على أنهم بين أكثر اللاعبين السياسيين أهميةً في المرحلة الانتقالية. وفي الحالتين، لم تكن هذه المجموعات الإسلامية في وسط الانتفاضة بحدّ ذاتها. ففي تونس ما بعد عهد بن علي، فازت حركة النهضة، التي لطالما كانت ممنوعة سابقاً، بالقسم الأكبر من المقاعد في المجلس الوطني التأسيسي التونسي في تشرين الأول (أكتوبر) 2011، فتسلّمت عدداً كبيراً من الوزارات ومنصب رئيس الوزراء على حدّ سواء. وفي مصر، فازت جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية بأكبر عدد من المقاعد في أواخر 2011، وقد فاز على أثرها محمّد مرسي، العضو في الجماعة، في أول انتخابات رئاسية حرّة عن حقّ في مصر في ربيع 2012. وفي السنة التالية، وقبل أن يطيح الجيش الرئيس مرسي في صيف 2013، ما الذي كنا نتوقّع أن تؤول إليه فرضية الاشتمال-الاعتدال في هذه السياقات المؤسساتية غير الواضحة، حيث تجري الإصلاحات السياسية الجوهرية؟

بحسب فرضية الاشتمال - الاعتدال، سوف يتراجع الدعم الشعبي للأحزاب الإسلامية في السنوات التالية، فيما تتخبّط هذه الأخيرة لتواجه الأزمات الاقتصادية المتشعّبة والصعبة، والمشاكل السياسية والاجتماعية الأخرى، بما في ذلك المطالبات بالإشراف على السنوات الأولى من النظام الجديد. في حال صمد النمط في سياقات ما بعد الانتفاضة – وبنوع خاص إذا استقرّت المؤسسات الديمقراطية الجديدة – فستجبر هذه المجموعات على مراعاة جمهور أكبر والعمل بالتعاون مع لاعبين سياسيين ذوي توجهات إيديولوجية مختلفة. وفي مصر، برهنت المعارضة المتزايدة لإدارة الرئيس مرسي والتي انفجرت في تموز (يوليو) 2013، عن صحّة هذه النتيجة: واجه رئيسٌ منتخبٌ بطريقة ديمقراطية معارضة متزايدة إثر فشله في إجراء تحسينات ملموسة في الاقتصاد المصري أو في الحريات السياسية. وما زالت جماعة الإخوان المسلمين تتمتّع بقاعدة شعبية متينة، والدليل على ذلك هو الاحتجاجات المستمرة التي اندلعت في صيف 2013، إلا أن شريحةً لافتة من الشعب المصري، التي كانت قد دعمت مرسي والإخوان المسلمين آنفاً، فهمت بشكل واضح أنهم لم يشقّوا طريقاً واضحاً وقابلاً للعيش يفضي إلى مصر أكثر حريةً وازدهاراً.

ويمكننا التفكير ملياً والتبصّر بالتباينات النسبية بين السياقات المؤسساتية. وفي حين تمت حالات الاشتمال السابقة بقيادة أنظمة مستقرّة كانت تُحكم السيطرة على المؤسسات السياسية، تنتشر الانفتاحات السياسية في تونس ومصر وليبيا اليوم وسط صراعات جوهرية حول المؤسسات السياسية الجديدة. ومن هذا المنطلق، يمكن أن يسيطر منطق الاعتدال العام خلال الانتخابات وفي الأشهر التي تليها، عندما يستلزم الفوز بتكتلات كبيرة إرضاء قاعدة انتخابية أكثر شمولاً. ولكن بين الانتخابات، عندما تشتدّ حدّة النقاشات حول دور السلطة القضائية، وهي أساس الدستور، واستقلالية مؤسسات المراقبة، وإلى ما هنالك، قد تأتي الحوافز للتعاون مع اللاعبين الآخرين أقلّ أهميّة مما تطرحه فرضية الاشتمال - الاعتدال، إذا كان احتمال المضي قدماً من دون ائتلاف متنوّع احتمالاً ممكناً. تلك كانت الإستراتيجية التي اعتمدتها إدارة مرسي في مصر. فإذا لم يكن الاعتدال الطريق الأكثر قابلية للعيش للحصول على نفوذ سياسي أكبر، قد تضطر المجموعات حينها لاستبدال الاعتدال بالسعي إلى تمتين قواعدها الانتخابية والمطالبة بولاية تعتمد على دعم التعدد، حتى وإن اعترض الآخرون بحجّة أنه تم اعتماد المؤسسات الجديدة بطرق غير ديمقراطية، من دون توافق أو تعاون. هنا، يبدو أن السؤال الأساسي لا يتمحور حول صحّة فرضية الاشتمال-الاعتدال خلال المراحل الانتقالية بحدّ ذاتها، بل حول ما إذا كانت المجموعات التي تسيطر على قواعد انتخابية كبيرة قد اعتمدت معايير ديمقراطية سوف تلتزم بها، أم أن الميل المغري لاحتكار السلطة المطلق سيقودها إلى السعي لإرساء دولة أحلامها.

أما البعد الآخر المتّصل بالاعتدال والذي قد يشهد تغيّراً لافتاً في السياقات الانتقالية غير المستقرّة، بالمقارنة مع الانفتاحات السياسية التي تقودها الأنظمة المستقرّة، فهو الترتيب الأشمل لساحة اللاعبين السياسيين. ففي الانفتاحات التي قادتها الأنظمة، يتم تحديد قواعد اللعبة من رأس الهرم، وتستلزم أي خطوة نحو الوسط خطوةً نحو لعبة يقودها النظام. إلا أنه في السياقات الانتقالية، على سبيل المقارنة، تكون أقطاب السلطة غير مستقرّة، وبالتالي، قد تتغيّر بسرعة. وفي مثل هذه الحالات، قد لا يصحّ منطق التعاون العابر للإيديولوجيات، مثلاً، وبنوع خاص خارج سياق الانتخابات التعددية. وعلى غرار ما ناقشه آخرون (تزكور 2010؛ سومر 2012) وما ناقشته أنا، يجب الحذر من ربط الاعتدال بإحلال الديمقراطية، إذ أن الاعتدال يُفهم من منطلق نسبي، في حين تستلزم الديمقراطية مجموعة ثابتة من المعايير والإجراءات.

وبالنسبة إلى الأحزاب الإسلامية المعتدلة في المنطقة، تبقى الميزة الأبرز من هذه الدينامية ما إذا كانت المجموعة تواجه التحديات من اليسار أو من اليمين. وفي غالبية دول المنطقة، أثبتت الأحزاب اليسارية والليبرالية عن قوّة أكبر مما قد يتبادر إلى الذهن قبل الانتفاضات العربية. فالانتخابات التونسية الحرّة الأولى شهدت على فوز حركة النهضة الإسلامية بأكثرية المقاعد، إلا أن الأحزاب التسعة التالية التي فازت بالمقاعد كانت كلّها يسارية أو علمانية. وفي هذا السياق، عملت حركة النهضة مع هذه الأحزاب الأخرى، وقد نسّقت معها ليتولى الفائزان الثاني والثالث في الانتخابات منصبي رئيس المجلس الوطني التأسيسي ونائبه، في حين تطرح حركة النهضة مرشحاً منها لمنصب رئاسة الوزراء. وبالعكس، اتّضح في مصر أن الأحزاب اليسارية والليبرالية أقلّ قدرةً على حشد الداعمين في الانتخابات، وقد سعت جماعة الإخوان المسلمين، بقيادة مرسي، إلى تطبيق أجندتها الخاصة من دون التشاور مع اللاعبين الآخرين.

الخاتمة

ما من منطق واحد خلف فرضية الاشتمال - الاعتدال؛ والحال أن البحث في أبعادها المختلفة يفيد بأنها ليست مجرّد فرضية فحسب، بل سلسلة اقتراحات حول العلاقة بين العوائق المؤسساتية وهيكليات الخصام السياسي والالتزامات المعيارية للفرد ولمجموعات اللاعبين. ففي حال آلت الانتفاضات العربية إلى مؤسسات ديمقراطية حقيقية ومتينة تكتسب استقراراً في السنوات القليلة التالية، لا شكّ أن فرضية الاشتمال - الاعتدال ستصحّ، كما حصل في ترتيبات مؤسساتية تعددية ومتنافسة أخرى.

لكن إلى حين حصول ذلك، من المرجح أن تحدد الأنماط المؤسساتية الفردية والمعينة الخاصة بكل حالة – بما في ذلك من يكتفي بالسلطة وكيف يبدو طيف المنافسين الأوسع نطاقاً – حوافز اللاعبين السياسيين الأكثر سلطةً. وفي ظل تعرض منطقة الشرق الأوسط للمزيد من الأحداث الكبرى، من المرجح أن تبقى هذه الأسئلة أساسية بالنسبة إلى اللاعبين الساعين إلى تحديد معالم المستقبل السياسي لبلدهم، وإلى الأساتذة المناضلين في سبيل الاعتدال والتغيير السياسي بشكل عام على حدّ سواء.

(ترجمة سابين طاوقجيان و منال خضر)

المصادر

Abdelrahman, Maha. 2009. “’With the Islamists? Sometimes. With the State? Never!’: Cooperation between the Left and Islamists in Egypt,” British Journal of Middle East Studies 36, no. 1 (April): 37-54.

Anderson, Lisa. 1997. “Fulfilling Prophecies: State Policy and Islamist Radicalism,” in John L. Esposito, ed., Political Islam: Revolution, Radicalism, or Reform? (Boulder: Lynne Rienner Publishers), pp. 17-31.

Ashour, Omar. 2009. The De-Radicalization of Jihadists: Transforming Armed Islamist Movements. New York: Routledge Publishers.

Bayat, Asef. 2007. Making Islam Democratic: Social Movements and the Post-Islamic Turn. Palo Alto, CA: Stanford University Press.

Browers, Michaelle L. 2009. Political Ideology in the Arab World: Accommodation and Transformation. New York: Cambridge University Press.

_. 2007. “The Origins and Architects of Yemen’s Joint Meeting Parties,” International Journal of Middle East Studies 39: 565-586.

Brown, Nathan J., Amr Hamzawy, and Marina Ottaway, 2006. “Islamist Movements and the Democratic Process in the Arab World: Exploring the Gray Zones,” Carnegie Working Papers, no. 67.

Brownlee, Jason. 2010. “Unrequited Moderation: Credible Commitments and State Repression in Egypt,” Comparative Studies in International Development 45, no. 4: 468-489.

Caldwell, Christopher. 2006. “After Londonistan,” The New York Times Magazine (June 25), pp. 40-47, 62, 74-75.

Cavatorta, Francesco. 2009. “Divided the Stand, Divided the Fall: Oppositional Politics in Morocco,” Democratization 16, no. 1 (February): 137-156.

Clark, Janine Astrid. 2010. “Threats, Structures, and Resources: Cross-Ideological Coalition Building in Jordan,” Comparative Politics 41, no. 1 (October): 101-120.

_. 2006. “The Conditions of Islamist Moderation: Unpacking Cross-Ideological Cooperation in Jordan,” International Journal of Middle East Studies 38, no. 4 (November): 539-560.

Clark, Janine Astrid, and Jillian Schwedler. 2003. “Who Opened the Window? Women’s Activism in Islamist Parties,” Comparative Politics 35 (April): 293-313.

Downs, Anthony. 1957. An Economic Theory of Democracy. New York: Harper and Row.

El-Ghobashy. 2005. “The Metamorphosis of the Egyptian Muslim Brothers,” International Journal of Middle East Studies 37, no. 3 (August): 373-395.

Hafez, Mohammed. 2003. Why Muslims Rebel: Repression and Resistance in the Islamic World. Boulder: Lynne Rienner.

Huntington, Samuel. 1993. The Third Wave: Democratization in the Late Twentieth Century. Norman, OK: University of Oklahoma Press.

Kalyvas, Stathis. 1996. The Rise of Christian Democracy in Europe. New York: Cambridge University Press.

_. 2000. “Commitment Problems in Emerging Democracies: The Case of Religious Paries,” Comparative Politics 32, no. 4 (July): 379-398.

Kurzman, Charles, and Ijlal Naqvi. 2010. Journal of Democracy 21, no. 2 (April): 50-63.

LaPalombara, Joseph, and Myron Weinner, eds. 1966. Political Parties and Political Development. Princeton: Princeton University Press.

Lynch, Marc. 2007. “Young Brothers in Cyberspace,” Middle East Report, no. 245 (Winter).

Mainwaring, Scott, and Timothy Scully, eds. 2003. Christian Democracy in Latin America: Electoral Politics and Regime Conflict. Palo Alto, CA: Stanford University Press.

Michels, Robert. 1962 [1915]. Political Parties: A Sociological Study of the Oligarchical Tendencies of Modern Democracy. New York: Free Press.

Norton, Augustus Richard. 1995. “The Challenge of Inclusion in the Middle East,” Current History 94 (January): 1-6.

Piven, Frances Fox, and Richard A. Cloward. 1977. Poor People’s Movements: Why They Succeed, How They Fail. New York: Vintage.

Przeworski, Adam, and John Sprague. 1986. Paper Stones: A History of Electoral Socialism. Chicago: University of Chicago Press.

Schwedler, Jillian. 2011. “Can Islamists Become Moderates? Rethinking the Inclusion-Moderation Hypothesis,” World Politics 63, no. 2 (April): 347-376.

Schwedler, Jillian. 2006. Faith in Moderation: Islamist Parties in Jordan and Yemen. New York: Cambridge University Press.

Somer, Murat. 2012. “Moderation of religious and secular politics, a country’s ‘centre’ and democratization,” Democratization, 1-24.

Stacher, Joshua. 2009. “The Brothers and the Wars,” Middle East Report, no. 250 (Spring): 2-9.

Tezcur, Gunes Murat. 2010. The Paradox of Moderation: Muslim Reformers in Iran and Turkey. Austin: University of Texas Press.

Turam, Berna. 2006. Between Islam and the State: The Politics of Engagement. Palo Alto, CA: Stanford University Press.

Wegner, Eva, and Miguel Pellicer. 2009. “Islamist Moderation without Democratization: The Coming of Age of the Moroccan

Party of Justice and Development?” Democratization 16, no. 1 (February): 157-175.

Wickham, Carrie Rosefsky. 2004. “The Path to Moderation: Strategy and Learning in the Formation of Egypt’s Wasat Party,” Comparative Politics 36, no. 2 (January): 205-228.

Yadav, Stacey Philbrick. 2010. “Understanding ‘What Islamists Want’: Public Debates and Contestations in Lebanon and Yemen,” Middle East Journal 64, no. 2 (Summer): 199-213.

 




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬