عزّة شرارة بيضون

0-10-AzzaChararaBaydoun

لمن ولماذا؟[1]

في مطلع مقدمة كتابها الرجل والجنس[2] (الصادر في العام 1976)، تقول نوال السعداوي إن فكرة كتابة بحث علمي عن "الرجل والجنس" لم تكن في ذهنها؛ لكن ما إن صدرت كتبها السابقة[3] حتى أصبح الرجال هم الأغلبية من ضمن الذين يطلبون منها "الرأي والمساعدة لعلاج مشكلاتهم النفسية والجسدية". وهي لمست خلال عملها العيادي الطبي جهل[4] الرجال والنساء معاً للأمور المتعلّقة بجنسانياتهم وبجنسانية الآخر. فإذا كان الجهل آفة، فإن الجهل في الجنسانية ذو مترتبات سلبية لا تقتصر، برأيها، على الجاهل لوحده، بل تؤثّر على الشريك وعلى الآخرين في الأسرة وعلى المجتمع ورفاهه. فالجنس، وفق ما ترى، ليس عملية بيولوجية ولا كيميائية[5]، بل هو تعبير عن أسمى درجات الحب الحقيقي. أما الحب فهو "تعاطف وجداني" بين المرأة والرجل، فيفضي عدم فهم واحد من الجنسين الآخر إلى "عجز في إقامة علاقة عميقة بينهما[6]". وافتقاد الحب الحقيقي بين الجنسين هو أهم عيوب الحضارة الذكرية[7]. فتغدو المعرفة بالجنس ضرورة للرجال والنساء لإرساء الحب بين الجنسين على أسس تجعل حضارتنا أكثر إنسانية.

في كتابها الرجل والجنس، تسعى السعداوي للتعريف بجنسانية الرجل وتقلّباتها. لكن، وكما هي حال جنسانية المرأة التي لا تُفهم إلا بعلاقتها مع الرجل وبرغباته، فإن دراسة جنسانية الرجل لا تستقيم إلا بارتباطها مع جنسانية المرأة. وهي رافقت، في فصول الكتاب تباعاً، تقلبات جنسانية الرجل وتطوّر تجلياتها عبر العصوروتنوّع المجتمعات والأنظمة السياسية والاقتصادية، دون إهمال الأطر الإيديولوجية والدينية المحددة لتعبيراتها، وللقواعد والمعايير التي تحكمها... في كلّ هذه تبرز المرأة قريناً، واقعياً أو متخيّلاً، ناظماً لجنسانية الرجل ومنتظماً بها.

والكتاب يقدّم للقارئ وللقارئة معلومات حول جنسانية الرجل. لكن هذه المعلومات لم تكن خالية من أحكام قيمية أطلقتها الكاتبة، ومفادها أن جنسانية الرجل طفولية[8] لم يتسنّ لها، في الغالب، أن تبلغ مرحلة الرشد أو النضوج. ومن مظاهر تلك الطفولية استواء جنسانية الرجل مسجونة في تخييلات وتصورات قاصرة، بفعل العوامل الكثيرة التي تحاصرها، لعلّ الخوف من الأنثى/ الأم/ المرأة هو الأكثر تأثيراً في صياغة التخييلات والتصورات المذكورة.

تكتب نوال السعداوي، إذاً، من أجل إزالة غشاء الوهم عن هذه التخييلات وتلك التصوّرات التي يحملها الرجال، المتعلّقة بموقعهم المتفوّق على المرأة خاصّة، وإبراز الوظيفة المتعددة الأوجه لثبات ذلك الوهم واستمراره. فمواجهة التعقيدات الناجمة عن عيش الرجل لجنسانيته لا تتحقق، برأيها، إلا بسبر أصول المعاني التي أسبغها على المرأة، ومحورية هذه المعاني في صوغ تلك الجنسانية.

وتكتب السعداوي أخيراً من أجل جلاء ارتباط جنسانية الرجال الوثيق بجنسانية النساء، ومن أجل توضيح تأثر هذه الجنسانية بالبنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي صاغتها في شكلها الطفولي ومنعت عنها نضوجها وتألّقها، فمنعت، تالياً، نضوج جنسانية النساء وتألقها. إن هذه الكتابة من شأنها أن ترسي قاعدة علمية للتغيير: تغيير النساء والرجال

إلى ذواتهم الفضلى.

مناصرة الرجل ومناهضة فكره؟

ترفض نوال السعداوي الفكر الرجولي، وهي خصّت بالذكر ركائز خمسة[9] حاملة لبنيانه. وهذه تتمثل اولاً بفصل الروح والنفس عن الجسد وجعل كل واحد منها في "حجرة منفصلة"، والقبول بدونية المرأة بالنسبة للرجل، ثانياً، واعتبار جنس المرأة جنساً آثماً، ثالثاً، واعتبار الملكية الخاصة محددة لقيمة الإنسان، رابعاً، والقول بأن العدوان من طبيعة الرجال الفطرية، أخيراً. إضافة إل ذلك، تعبّر الكاتبة عن حذرها من النتاج العلمي؛ وذلك لأنه "نتاج الرجال" وتنقصه " نصف عقول البشر"[10] بسبب ندرة النساء العالمات. لذا فهي تصرّح بعدم انبهارها بذلك العلم، وتعمل على تفكيك كل أفكاره ونتاجاته، حتى الموثوقة منها.

إلى ذلك، فهي طمأنت الرجل – موضوع الدراسة- بأن غرض البحث لا ينطوي على "جعله في قفص الاتهام"، ولا على "إصدار الحكم ضدّه"، إنما هو ( الغرض) محاولة "فهم الأسباب التي ادّت إلى تشويه حياة الرجال والنساء معاً"؛ بل أيضاً، إلى "محاولة القضاء على تلك الأسباب من أجل بناء مجتمع افضل.. وأسرة أكثر سعادة"[11].

السياق والشمول

مشكلات الرجال، التي تكلمت عنها الكاتبة، تمحورت أساساً حول الخوف الذي ينتابهم من احتمال فقدان قدراتهم الجنسية، اي عجز قضيبهم عن الانتصاب[12]. وهو خوف لا يسببه حرصُ الواحدِ منهم على أحاسيسه الجنسية فحسب، إنما أيضاً قلقُه من العواقب المترتبة عن ذلك الفقدان، لعل أهمها "أن زوجتَه سوف تكتشف ضعفَه وعجزَه وتذهب إلى رجل آخر"، فتهتز صورتُه ويخسر هيبة رجولتِه في نظرها، وفي نظر محيطه الأسري ومجتمعه. إن الإحالة المباشرة لمشكلة تستدعي استشارة طبيبة – الكاتبة نفسِها- إلى النفسي والاجتماعي من قِبل ملتمس الاستشارة نفسه.. هذه الإحالة وجدتها الكاتبة بيّنة على رجاحة موقعها العلمي، وعلى صحة المبدأ الذي تعتمده في معالجاتها البحثية. وهو ما تكرر في كتبها الثلاثة الأولى؛ ومفادُها أن المشكلات الجنسية المعروضة عليها بوصفها طبيبة محتاجةُ للمعالجة في سياق أشمل من الطب وتخصصاته. فالمشكلة ذات العوارض الجسدية غالباً ما تكون أسبابُها متجذرة خارج بيولوجيا الجسد، وأن البحث عن تلك الأسباب يفترض تجاوزَ دائرة الطب إلى دوائر العلوم الإنسانية والاجتماعية كافة:إلى الإقتصاد[13] إلى الفلسفة والتاريخ، إلى والسياسة والاجتماع[14]، إلى الميثولوجيا والدين وعلم النفس والتحليل النفسي [15] إلخ... فلا ينفع البحثُ في جنسانية الرجل دون استدعاء كل هذه العلوم لفهم المؤثّرات المتداخلة في تشكيل الجنسانية هذه عبى ما هي عليه.

برأي السعداوي، إذاً، لا وجود لجنسانية بيولوجية صرفة، ولا الجنسانية ثابتة في الزمان والمكان؛ هي دالّة السياق الذي يحيط بها، لذا فهي متغيّرة في تجلياتها الجسمانية والسلوكية والعلائقية، وفي التصوّرات والقيم والأحكام المرتبطة بها؛ وذلك تبعاً لتغيّر السياق. من هنا، فإن محاولةَ فهمها لا تستوي بتفحّصها منفردة، ولا باختزالها إلى الشخصي أو البيولوجي. فيصحّ في هذا المجال القول بأن "ما هو شخصي هو أيضاً سياسي"، بالمعنى الأشمل للسياسة. هي المنطلقات نفسها التي تأسست عليها دراسة الكاتبة لجنسانية المرأة. وقد أثمرت المقاربة تلك "ربحاً" في حساب الدعوة إلى تحرر المرأة. فإذا كانت دونية المرأة غير متأصلة في بيولوجيتها ، ولا في سماتها الشخصية، وإذا كان استعبادُها لا يحتّمه، تالياً، خللٌ في تكوينها البيولوجي أو الشخصي، بل هو ناتجُ بِنى اجتماعية وسياسية واقتصادية في سياقات بعينها، يصحّ، إذ ذاك، تمرّد المرأة على تلك البِنى، وعلى السياقات التي تحاصرها، ويصحّ، إذ ذاك، تغييرها مع تغيّر يطالها.

وبالطريقة ذاتها، تعالج السعداوي جنسانية الرجل. فهذه ليست عدوانية ولا قامعة بالسليقة. وللدلالة على ذلك ترصد الكاتبة تبدّلاتها عبر التاريخ بالتناسب مع تبدّل الأنظمة الاقتصاديةّ ومتطلباتها المتعاقبة[16]. وهي تستعين في سعيها لذلك الرصد بالتعبيرات الثقافية والدينية التي تنتجها هذه الأنظمة.

وتبرز الكاتبة المرأة من السياق الأعمّ المحدد لجنسانية الرجل. فكما تحددت جنسانية المرأة بعلاقتها بالرجل وبرغباته وحاجاته، فإن المرأة ( الأنثى والأموعلاقات القوى التي تنعقد بين الرجل وبينها، محدّدة لجنسانيته. إلى ذلك، فهي تتوسّل التحليل النفسي منهجاً في البحث عن الديناميات التي تحكم هذه العلاقة، لتستنتج بأن تشويهاً أصاب جنسانية الرجل تجلّى في تثبّتها fixation في مراحل طفلية دفاعية ضد المرأة، وعدوانية تجاهها، ما جعلها عاجزة[17] عن الوصول إلى مرحلة ناضجة وسامية تليق بالإنسان.

مقاربة حرّة

المقاربة البحثية لموضوع جنسانية الرجل ارادتها السعداوي شمولية، تماماً كما كانت مقاربتها لموضوع المرأة والجنس، فعاينت ذلك الموضوع من زوايا / ميادين متعددة. وهي أعلنت عن ذلك في اكثر من موقع في كتبها الأولى الثلاثة. لكن ما لا تعلنه صراحة هو أن الأسلوب الذي تعتمد في مقاربتها تلك هو أسلوب حرّ من اي تقييد شكلي. ففي كتابها الرجل والجنس، تماماً كما هي الحال في كتاب المرأة والجنس، تتصدّر الكتاب مقدّمة تتبعها فصول غير مرقّمة، تحمل عناوين للمسائل قيد المعالجة؛ وهي لا تسوّغ في مطلع هذه الفصول، ولا في نهاية سابقاتها، لأهمية معالجة هذه المسائل، دون غيرها، في إطار الموضوع الأعم. بل إن الكلام حولها ينساب (بسلاسة جذابة) وفق منطق داخلي، غير مُعلن، هو أقرب إلى التداعيات الحرّة من كونه متعاقباً تنفيذاً لخطة واضحة المعالم للقارئ.

إلى ذلك، فإن كتاب الرجل والجنس خالٍ تماماً من توثيق الإسناد بالمعنى المتعارف عليه في الكتب ذات الصفة العلمية؛ مع أن هذا الكتاب يدّعي هذه الصفة جهاراً، كما سبق وذكرنا. هكذا تتمّ العودة إلى فرويد وآدلر ويونغ وهورني وجونس، وكينزي وماسترز وجونسون وشيرفي ومِيد وسيمون دو بوفوار ، وإنغلز وماركس وإيريك فروم، وغيرهم أقلّ شهرة وانتشاراً من عشرات الكتاب الغربيين، وبعض المصريين والعرب المعاصرين، أو الأقدمين ايضاً... يُستدعى كل هؤلاء فتتم مساجلة افكارهم رفضاً وقبولاً، وتُقتبس نتائج دراسات بعضهم الميدانية الإحصائية أو النوعية لإثبات حجة ما، أو لمقارعة فكرة شائعة. وذلك كله يتمّ، غالباً، دون ذكر المرجع لا في هامش النص، ولا في متنه. ناهيك عن كتابتها في أكثر من موقع كلاماً يشبه ما يلي:"يؤكد أكثر العلماء" أو " تشير المصادر التاريخية" و" من الحقائق العلمية المعروفة"، وإلخ.

إن الإغفال عن توثيق الإسناد، كما لا يخفى، غير مألوف في بحث علمي، ويجعل المرء يتساءل:

لماذا إهمال[18] التقاليد الأكاديمية التي تفترض الأمانة والدقّة في توثيق المراجع المُسند إليها؟ ما هي مسوّغات استعارة أفكار ونتائج دراسات آخرين من أجل توضيح بعض افكار الكاتبة، أو من أجل دعم صحة بعضها الآخر، دون توفير مصادرها للقارئ أو القارئة؟ هل إن ذلك من بعض التمرّد على التقاليد العلمية- وهي من صنع الرجل، مالك العلم وواضع قواعده- كما تشير الكاتبة في أكثر من موقع؟

أم أن إغفال التوثيق من تجليات الثقة بالنفس– تلك السمة التي تصدّرت مجموعة السمات التي يتعيّن على الباحث في هذه الأمور التحلّي بها كي يكون، وفق ما قالته الكاتبة، "باحثاً ناقداً للشائع" والمتعارف عليه، فيمسي ذلك الإغفال، استطراداً، دعوة ضمنية موجّهة من الكاتبة إلى قرائها للثقة بمعلوماتها وبصحة إسناداتها... أم أنه بعض من خيلاء فكري؟

هل إن غياب المسوّغات التي يوفّرها الكاتب، في العادة، لقرائه لدى اختياره مواضيع معالجته دون غيرها... هل يتضمن ذلك الغياب دعوة شبيهة بالوثوق بشمول معالجتها العناوين الفرعية المفضية إلى توضيح الموضوع وملابساته؟ أم أننا بصدد دعوة "مؤمنين ومؤمنات" بالقضية فلا داعي لبذل الجهد من اجل إثبات ما هو معروفٌ حاصلاً لديهم؟

لماذا لم تستبق الكاتبة ردود فعل الشكاكين والشكاكات من كلام يتحدّى الشائع و"الثابت" في وجدان الخاصة من الناس، لا العامة منهم فقط ؟ كيف نفسّر غياب أي جهد لاسترضاء "ذوق" هؤلاء الشكاكين والشكاكات المنهجي، في حين يُستحسن مجاراة ذلك الذوق، بل يسهل "إغراؤه" بالمنهج العلمي الصارم، ليكون "حصانَ طروادة" يسمح بالولوج إلى عالم هؤلاء الشكاكين والشكاكات، قبل التعامل مع ثوابت بنيانه؟

ما نأخذه على مقاربة السعداوي لا يقتصر على كونها تحتمل نفور الرجال من أسلوبها "غير العلميوبكونها توفّر لهم حجة جاهزة لتجاهل ما تقول، مع أنهم المستهدفون الرئيسيون بكتابها- على ما تعلن في مطلع كتابها. بل إننا نأخذ على الكاتبة أنه، وعبر إهمالها التوثيق وعدم تسويغها لتناول مواضيع دون أخرى في معالجتها لجنسانية الرجل، مثلاً، تجعل كلامها وكأنه استعادة لنموذج من مخاطبةٍ للقارئ مُتشاكِل isomorphic مع التوجّه الاستبدادي في المخاطبة؛ أي، ذاك الذي يفترض القبول غير النقدي للقارئ بأفكار الكاتب وحججه. فتكون بذلك قد كررت ما يفعله الخطاب التسلّطي بالنساء، واستبدلت توجهاً استبدادياً بتوجّه استبدادي آخر، وسلبت من مهمّتها الأساسية (المتمثّلة بتفكيك المعتقدات الرائجة) ضمان صدقيتها.

ولا ننسَ أنّ موقع السعداوي الرائد في حركة تحرر المرأة العربية يقدّم نموذجاً يُحتذى، فتتحمّل بذلك مسؤولية أوفر تجاه قرّائها؛ وذلك لأن مقاربتَها، وتبعاً لموقعها هذا، بمثابة دعوة ضمنية للكاتبات النسويات بمحاكاتها. فتفوّت على هؤلاء، بذلك، درساً مهمّاً مفاده أن الالتزام بمنهج علمي سائد لا يشكّل عقبة في وجه تحرر النساء، فلا توجد ضرورة لتجاوز إملاءاته في حال اختير لمعالجة مسألة مطروحة. فالعلّة لا تسكن في المنهج ولا في الطريقة، إنما في مستخدميها: في منطلقاتهم ومبادئهم، في طبيعة تساؤلاتهم، في اختيار متغيرات أبحاثهم ومجتمعاتها، وفي القبول غير المشروط بنظريات أصحاب السلطة العلمية، وفي سيادة العمى الإدراكي الذي يحجب عن الباحث تعقيدات الوضعية المدروسة وتأويل أسباب تجلياتها.

كل اللهجات

إلى ذلك، تخترق معالجة الكاتبة رواية لحالات عالجتها أو طُلبت مشورتها بصددها، وسرداً لملاحظاتها العفوية غير المنهجية، متجاورة جنباً إلى جنب، ودونما حرج، مع ما قاله فرويد، مثلاً، أو أعلام كبار من صنفه. ويختلط في سياق كلامها الخطاب العلمي مع لهجات تتراوح بين التساؤل بهزء أو بسخرية أو بتعجب أوبتتفيه trivialisation [19]، بل والاتهام والتقريع أحياناً[20]. وتتساوى مستويات الكلام المرسل في كتابها بين إعمال المنطق ورصد التناقضات، واستدعاء التاريخ والواقع التجريبي، جنباً إلى جنب مع الأخلاقي والديني والفلسفي والموقِفي الشخصي، وفي الفقرة ذاتها، أحياناً.

وتتجلّى الحرية في مقاربة دراسة جنسانية الرجل – تماماً كما كان الحال في دراسة جنسانية المرأة- في انتقائية غير متعصّبة. فحيث نال سيغموند فرويد[21] نصيبَه من الانتقاد القاسي، مثلاً، بالتناغم مع التقليد النسوي الذي راج لدى نسويات الستينات والسبعينات من القرن الماضي جرّاء أصوليته البيولوجية في تحليل الشخصية الأنثوية.. فإن مقاربته التحليلنفسية، والمفاهيم التي صاغها، بل النتائج التي توصل إليها كانت، كلّها، حاضرة في تحليل الكاتبة لجنسانية الرجل. كما تمّ تبنّي مفاهيم وفرضيات من التحليل النفسي تشتمل السواء وتجلياته والمرض وأوالياته والنضج النفساني وشروطه إلخ.

اللافت أن السعداوي تجد في التراث العالمي، والغربي تحديداً، مخزوناً صالحاً لحججها، كما يستدلّ من استدعاء أعلامه – أميركيين وأوروبيين- لـ"الشهادة" على صحّة ما تقول، أو هي تستعين ببعضهم لمقارعة أفكار بعضهم الآخر. هذا، بالرغم من عدائها السياسي للأنظمة الرأسمالية الغربية[22]، وبالرغم من إعلانها عن تجذّرها في مجتمعها المصري، وعن انتمائها العربي الإسلامي؛ فهي تبدو للقارئ غير مقيّدة بأيٍ منهما، ولا يبدو عليها الحذر من التهمة الرائجة عندنا، والتي يختزل بواسطتها مناهضو حركة تحرر المرأة العربية أسباب مناهضتها؛ نتكلّم، كما لا يخفى، عن الحجّة التي ترفع في وجهنا جميعاً: "الانجرار وراء الأفكار الغربية والغريبة عن تراثنا".

الأطر المرجعية

إن التحرر من الضوابط التي تحكم الشكل المتعارف عليه في تقديم البحث العلمي- على ما تدعو الكاتبة مطالعتها- لا يصف أسلوبَ ذلك البحث وشكلَه فحسب، إنما يطول أيضاً إلى الأطر المرجعية التي يتظلل بها. والكاتبة تُبدي رفضها، ضمناً وصراحة، للحدود التي تُرسم حول الميادين العلمية عامّة؛ كما أنها لا تلتزم بالقواعد المفروضة، لا على الأساليب المتبعة في تلك الميادين، ولا على نتاجاتها، في حال كانت مخالفة للمبادئ والمنطلقات التي ترتكز عليها حججها الخاصة.

وهي ترى بان العلوم كلها – والطب (اختصاصها المهني) ضمناً- غير حيادية؛ فهي تخفي، برأيها، انحيازاتها خلف موضوعية مزعومة تدّعي امتلاك المعرفة المطلقة، في حين أن المعرفة المُنتجة في ميادين هذه العلوم مثقلة بقيم الثقافة الذكورية وباهتماماتها وبأهدافها، وتحمل تلاوين مسلمّاتها ؛ وكلّ هذه العلوم تندرج، من وجهة نظرها، في سياق تدعيم السلطة الأبوية والعمل على ضمان استمرار سيطرتها.

والكاتبة لا تعفي نفسَها من "تهمة" اللاحيادية بل تعلن انحيازاتها صراحة: فهي تعلن منطلقاتها والمبادئ والقيم والأخلاقيات التي تعتنقها، بالإضافة إلى اتجاهاتها حيال الأديان والأنظمة السياسية والنظريات التي تعتمدها في معالجتها، في كلّ مرّة تبرز الحاجة لذلك؛ وهذه مبثوثة في ثنايا كتبها، بل هي أعلنتها في مبادئ تشبه "البيان السياسي" الذي يحدد أبعاد نسويتها. وذلك بعد المقدمة في كتابها الأنثى هي الأصل[23]. الفرق بين الموقعين ( الموقع الذكوري وموقع الكاتبة) يتمثّل تحديداً في الإعلان الصريح عن ذلك الموقع؛ وذلك، بالمقارنة مع التخفّي خلف حيادية وموضوعية مزعومة، فلا يفترض القارئ أن ما يقال هو المعرفة المطلقة، إذا توفّرت له الأسس التي قام عليها النصّ، وبأن ما يقال هو صحيح بالتناغم مع المسلمات والمنطلقات المتبنّاة أولاً، وفي الزمان والمكان المحدّدَين ثانياً، ومن موقع سياسي وإيديولوجي صريح، أخيراً... هو الموقع النسوي ذو النكهة السياسية الصريحة.

الدين والنقد المؤجل

يحتل تحليل الرواية التوراتية لطرد آدم من الجنة حيزاً غير قليل في محاولة فهم المعاني والقيم المُسبغة على جنس الإناث في المجتمعات الأبوية. وذلك في معرض تأويل الكاتبة لمسوّغات قمع النساء ولأصول كرههن وتأثيمهن وإلقاء اللوم عليهن جرّاء كل البلايا التي اصابت الجنس البشري، لعلّ حرمانَه من الخلود في الجنة هو أهمها. وهي تعقّبت الاتجاهات في الأديان وسلوك المُمسكين بزمام أمورها من رجال دين على مرّ العصور. وذلك من أجل رصد التحوّلات التي تعرّضت لها وربط تلك التحوّلات بالأنظمة الاقتصادية والسياسية، بوصفها الخلفية المادية لها. وهي تناولت الدين اليهودي، وما سبقَه من أديان ذكرية المنحى، لتبيان دورها في تكريس تأثيم المرأة ودونيتها. كما تناولت الانحراف الذي طاول الدين المسيحي على أيدي رجال الدين في القرون الوسطى، والقمع الرهيب الذي تعرّضت له النساء اللواتي وُصمن بالسحر.

أما ما يطول إلى الدين الإسلامي[24]، فإننا نجد لدى السعداوي تبدّلا ً في اللهجة. فهي تلجأ، في هذه الحالة، إلى تساؤلات يتناول كلّ واحد منها مظهراً من مظاهر التمييز ضد المرأة. من هذه، مثلاً، تعدد الزوجات، الطلاق التعسفي، منع الحضانة والولاية عن النساء، إيلاء القوامة للرجال، جعل المرأة نصف شاهدة ونصف وارثة، إلخ من أحكام دينية لم تعد، برأيها، مناسبة مع تطوّر أحوال النساء في المجتمع المصري المعاصر. وهي تصوغ التساؤلات هذه بلهجة مستنكرة، داعية القارئ والقارئة للشهادة على لا معقوليتها، وللتأمّل في تنافرها الصارخ مع روح العصر. لكن استنكارها موجّه صوب رجال الدين المسلمين في مصر، لا الدين الإسلامي. فهي تُنهي كلامها بأنها ليست بصدد "مناقشة وضع المرأة في الإسلام... فهذه المناقشة تحتاج إلى وقت آخر"!. لكنها تستنج، على كلّ حال، أن الأديان ظاهرة روحية نقية ترتكز على الحق والمساواة، وليس على الظلم والتفرقة، وترتكز على الثورة والتقدّم وليس على الجمود والتخلّف... لقد كان عيسى ومحمد بالذات ثورة على الظلم ودفاعاً عن حقوق المرأة والفقراء...."، فهل يعقل أن يكون جوهر الأديان مسؤولاً عن الظلم واللاعدل الذي تتعرض له المرأة؟

تقفز نوال السعداوي فوق الوقائع التي تعرفها جيداً، وتُسقط من علٍ على القارئ والقارئة قراءة خاصة بها للأديان، وتعريفاً لجوهرها ولوظائفها يعفيها عن تعرية مكامن التمييز المعروفة ضد المرأة في نصوص صريحة لهذه الأديان. في هذا المجالمجال المقدّس- تعود السعداوي لتنضمّ إلى "الحشد"the mob أو الجموع في بلادنا العربية - الذين يمارسون رقابة صارمة على ذواتهم في كلام يطال نصوص الأديان السماوية خاصة، فلا يتوانون عن خيانة عقولهم والمساومة على مبادئهم. في هذه الحالة كان الصدق والشرف والعقلانية المبادئ المعلنة[25]، وكان تحدّي الأفكار الشائعة وتفكيكها دون مهادنة، من المبادئ المضمرة التي تمّ تجاهلها.

لعلّ الكاتبة افترضت أن تحدّي محرّمات/ تابو الكلام عن جنسانية الرجل ( ومن قِبَل امرأة!)، يكون أكثر قبولاً إذا ما ترافق مع تفادي الكلام عن الأديان- وعن الدين الإسلامي تحديداً. لعلّ الاكتفاء بتناول نمط واحد[26] من المحرّمات، (الجنس فقط) جاء "رفقاً" بالقارئ، ورغبة بعدم إثارة حفيظته إلى درجتها القصوى.

بالنيابة عن موضوع البحث؟

بين كتابَيْ الرجل والجنس والمرأة والجنس تماثل مقصود يشي به العنوان، في أقلّ تقدير؛ فهل جاءت المقاربة متماثلة؟

إن واحدة من ركائز النقد النسوي للكتابة حول المرأة تمثّلت بفكرة مفادها أن تلك الكتابة تمّت بالنيابة عنها. وأن ما كتبَه الرجال حول جنسانيتها، مثلاً، تجاهل رغباتِها وحاجاتِها، وجاء متوافقاً مع حاجات الرجل ورغباتِه والتصوّرات والتخييلات التي يحملها حول موقع المرأة في جنسانيته هو. وكلنا يذكر النقاش الشهير حول مسألة "الإزاحة البظرية- المهبلية" clitoral-vaginal transfer، الذي شاركت فيه نسويات من أعلام الستينات والسبعينات من القرن الماضي، ومنهن نوال السعداوي نفسها- بوصفها (أي الإزاحة المذكورةنموذجاً صافياً عن إهمال عضو جسماني لدى الأنثى (البظربل بتْر وجوده؛ نذكّر ان هذا البتر يتمّ فعلياً بالختان[27] (في بعض المجتمعات الإفريقية خاصةأو نفسياً بتعيينه موقعاً طفولياً للإثارة الجنسية يُفترض بالأنثى "نسيان وجودهعبر كبت المشاعر والأحاسيس التي يثيرها فيها كبتاً نهائياً من أجل تحقيق نضجها الأنثوي (لدى المجتمعات الأوروبية، مثلاً). والغاية من ذلك كان إلغاء كلّ ما هو غير مرتبط بجنسانية الرجل، وافتقاد لزوم دوره في الإنجاب؛ أي دور المرأة الذي يطهّرهاكما يرى الرجلمن إثم الجنس.

إن الكلام نيابة عن النساء كان هو السائد. ولم تبدأ المرأة مسار استرجاع صوتها إلا بعد أن أرست حركة تحرر المرأة الغربية قواعد للكلام، بات معه اشتمال صوت النساء المختلف في الخطاب العام، أمراً لا يمكن السكوت عن إغفاله، لأن ذلك الإغفال -على ما يقال- "لا يصحّ سياسياً". يضاف إلى ذلك، فإن الكيل بمكيالين عامة، وفي أمور الجنس خاصة ينافي بداهة ، وفي عُرف النسويات، أخلاقيات البحث؛ وقد كانت النساء ضحايا الكيل بمكيالين، ما جعلهن أكثر تنبهاً لمظاهره، وأكثر حماساً لرفضه.

في كتاب المرأة والجنس يلمس المرء تعاطفاً وجدانياً مع المرأة تمثّل بشكل محسوس برواية لـشهادات متعددة، أُعطيت النساء، بموجبها، فسحة للتعبير عمّا يرغبن قولَه، ووصف مكامن معاناتهن ومظاهر قمعِهن واستبعادِهن من تقرير أشكال تعبيرات جنسانيتهن من قبل الرجال. لكن معالجة جنسانية الرجال في الكتاب الرديف الرجل والجنس لم تخضع لمعيار "المعاملة بالمثل". فالشهادات الشخصية، أسوة بالحالات العيادية تكاد أن تكون معدومة[28] فيه. فلم تتوافر للرجال فسحة شبيهة بالفسحة التي أعطيت للنساء للتعبير مباشرة عن أفكارهم ومشاعرهم وأحاسيسهم المتعلّقة بالجنس. صحيح أن الكاتبة تروي أحياناً ما قال لها رجل ما، لكنها روايات قلما تتعدّى قولاً مختصراً، أو حُكماً أو شكوى، فلم نسمع صوت الرجل فعلاً. فبدت الفصول المتتالية التي تناولت مكوّنات جنسانيته استعادة لأقوال الخبراء والعلماء النفسانيين خاصة حولها ، مع التركيز على موقع المرأة المتخيّل والإشكالي خاصة، من هذه الجنسانية. بل إن هيمنة المرأة، ومحورية وجودها في النصّ يبدو للقارئ، تكراراً لما جاء في كتابيها الأولَيْن، ويشير إلى أن الكتاب كُتب، ربما، لا تعاطفاً مع الرجال – زائري عيادة الطبيبة السعداوي، ورغبة في محو جهلهم بجنسانيتهم، إنما لتزويد النساء بعُدّة نضالية ضد هؤلاء الرجال، عبر تعرية جنسانيتهم من وَهْمِ جبروتها المتورّم، وفضح حجمها الحقيقي. بل إننا نقرأ أحياناً تحريضاً على الرجال وإلقاء اللوم عليهم لتسببهم بالأمراض النفسية التي تصيب النساء[29].

هذه معالجة افتقدت، إذاً، أسلوباً أو موقعاً من مواضيع البحث افترضته النسويات أساسياً في إنتاج معرفة دقيقة وصادقة حول المرأة، يمكن أن نطلق عليه "التعاطف الوجداني" empathy؛ وتجاهلت، تالياً، مبدأ "المعاملة بالمثل" لأنها لم تتبنَّ الأسلوب نفسَه في مقاربتها لدراسة الرجل؛ وفوّتت، بذلك، فرصة ثمينة لإثبات جدوى هذا الأسلوب أو الموقع في دراسة الجنسانية الرجالية. هي فرصة ثمينة لأن إثبات جدواها في دراسة الرجل، كان سيعزز النتائج المحصّلة بواسطة الأسلوب نفسه لدى دراسة المرأة. وكان للكاتبة أن تُثبِت، عبر استعراض مُعاش الرجال لجنسانيتهم في شهاداتهم، مثلاً، تماماً كما استعرضت في شهادات نسائية مُعاش النساء لجنسانياتهن، بأن النظام الأبوي الذي قمع النساء وشوّہ تلك الجنسانية، قام ايضاً بتقزيم جنسانية الرجال، بجعلها مشروطة بقمع النساء. وكان لها، أخيراً، أن تبيّن بالملموس بأن ما هو "شخصي هو أيضاً سياسيفتبني، بذلك، وعلى قاعدة صلبة، جسراً بين الاتجاهات الرافضة للقمع الجنسي الذي يخضع له النساء والرجال، وبين مصلحتهم في بناء مجتمع المساواة والعدل والتحرر.

هذا تحديداً ما استنتجته السعداوي. لكنها تقوله بطريقة تقريرية عارِفة، فلا تُشرك القارئ والقارئة لا بمقدّمات هذا الاستنتاج، ولا بالمعلومات العيادية التي افضت بها إلى معرفتها الواثقة به.

صعوبة التغيير وضرورته

إلى ذلك، فإن ما تُردّده الكاتبة في أكثر من موقع من أن الإشكاليات المحيطة بجنسانية الرجل مصدرها عوامل "خارج" شخصه، لا "داخله"، تماماً كما هي إشكاليات الجنسانية النسائية. إن إحالة هذه الإشكاليات كلها إلى البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المحيطة بالرجل، جعل هذه الإشكاليات تبدو أسيرة لهذه البنى على نحو لا فكاك منه؛ الأمر الذي ترك هامشاً ضيقاً جداً لجنسانية رجالية مغايرة. ونحن قرأنا اكثر من مرّة في كتابها فكرة متشائمة مفادها أن جنسانية ذكرية، تتمتع بالصحة النفسية والنضج[30]، أمر نادر جداً، وأنه من الصعوبة بمكان الرقيّ بالجنس إلى مصاف الحب الحقيقي في ظلّ نظام الملكية الفردية والنظام الأبوي الذي يسوّغ لها. فالحب مشروط نشوئه، "بتغيير المفاهيم القديمة المتعلقة بالذكر والأنثى والزواج والجنس والشرف والعمل بحيث يسترد كل من الرجل والمرأة إنسانيتهما المفقودة وشرفهما المفقود".

وهي تُنهي كتابها في فصل أخير عنونته بـ" نحو حضارة أكثر عدالة وأكثر اخلاقية" بجردة من المبادئ و"المطالب" النسوية، وسجالاً مع معترضين مفترضين على نهجها التحرري. وراهنية الكلام عن المبادئ النسوية في كتاب عن الرجل وجنسانيته، مصدره ارتباط تحريرهما الواحد بالاخر. فـ "قضية تحرير النساء لا تنفصل عن قضية تحرير الرجال، وهي قضية سياسية، أساساً، وليست مجرد قضية جنسية اجتماعية". إن تركيز الكاتبة على مسألة تحرير المرأة ونضالها من أجل إحقاق المساواة بينها وبين الرجل في كتاب عن الرجل والجنس، يجد مسوّغاته في مسلّمة تفترض أن "الحب لا يمكن أن ينشأ بين أعلى وأدنى، ولا بين صاحب سلطة وخاضع لهذه السلطة: الحب لا يمكن أن ينشأ إلا في ظل العلاقات القائمة على المساواة والعدالة والحرية والاستقلال والنضوج"[31].

فإذا كانت الجنسانية لا تفهم إلا في سياق، فإن إزالة الشوائب المتجذّرة في المجتمع الأبوي والنظام الرأسمالي (السياق) اللذين أحدثا تشوّها فيها وأعاقا تألقها ونضجها، فلا يرجى تغيير في الجنسانية (في التفصيل)، إلا بالعمل الهادف إلى إحداث تغييرات اجتماعية (في السياق) مؤاتية لنضجها وتألقها. هكذا، تضع السعداوي، وانسجاماً مع مسلّماتها، نضالها النسوي من أجل جنسانية أرقى وأنضج للنساء والرجال معاً، في إطار النضال من أجل مجتمع العدالة والمساواة والحرية. وهي تلتقي مع الحركة النسائية في بلادنا العربية التي انضوت، في تلك الفترة من الزمن، تحت لواء حركات التحرر الوطني والاجتماعي، رافعة شعار "تحرر المرأة يتمّ في إطار تحرر المجتمع".

نوال السعدواي نموذجاً

كانت نوال السعدواي إحدى أوائل النسويات العربيات اللواتي جهرن بنسويتهن، إن لم تكن الأولى إطلاقاً. ولعلّ كتابَها الرجل والجنس هو الأوّل الذي طرح موضوع الرجولة بوصفها مركّب إشكالي. فيصحّ الكلام، إذاً، عن كونه يمثل أولى المقاربات النسوية لدراسة الرجولة. وما حاولنا القيام به، في هذه الورقة، هو رصد معالم هذه المقاربة.

لم ترسم الكاتبة مخططاً صريحاً لدراستها، ولم تجعل القارئ على بيّنة من مسوّغات خياراتها لمكوّنات الجنسانية التي اختارتها دون غيرها؛ لكنها أفصحت له، تباعاً، عن أطرها المرجعية، وعن المسلّمات العلمية والمعايير الأخلاقية الضابطة لكلامها. فتكون، بذلك، قد أعلنت عن لا حياديتها وعن تحيّزاتها غير القليلة.

وهي لا تدّعي الموضوعية، فكتاب االرجل والجنس كتاب هادف، وغرضه تبيان الخلل الذي أصاب جنسانية الرجل بسبب تصوّرات دفاعية وطفلية لجنسانية النساء، استتبعت قمع هذه لأخيرة اوتشويهها. ويقدّم الكتاب تصوّراً لإعادة تصحيح جنسانية النساء، والرجال، ودعوة إلى ذلك التصحيح في إطار حركة سياسية شاملة تهدف إلى إحقاق العدل والمساواة في المجتمع.

وهي إذ تعلن عن رفضها للفكر الرجولي، فإن كتابتَها غير المنضبطة بالشكل المنهجي المتعارَف عليه في تقاليد البحث العلمي هو من تعبيرات ذلك الرفض. وهو رفضٌ انتقائي حرّ، على كلّ حال، لأنه ليس إقصائياً: فالمعلومات التي ساقتها حول الموضوع قيد المعالجة جاء أكثرها من مدوّنة البحوث العلمية الرجالية. وحججها ارتكزت على معطيات تجمّعت، أو نظريات تمّ تطويرها، في ميادين علمية ذات أكثرية رجالية، وتعتمد مناهج وطرقاً رجالية، بالضرورة. هذه المعطيات وتلك النظريات أخضعتها الكاتبة لإعمال العقل والمنطق، كما تمّ فحصها على ضوء المسلّمات والأطر المرجعية المتبنّاة من الموقع النسوي الصريح.

وهي عالجت موضوعها في سياقه المجتمعي والتاريخي نازعة عنه الصفة الثابتة. وحاولت تبيان المؤثرات السياسية والاقتصادية والإيديولوجية في صياغة تجلياته. ودرست أوجهّ تقلباتِه في إطارالعلاقة الواقعية والمتخيّلة مع الطرف الآخر المعني بها – المرأة.

في كل ما سبق انضمّت نوال السعداوي إلى التيار النسوي العالمي، وانضوت تحت مظلّة "روح العصر" حيث سادت الحركات التحررية كلّها، والرافضة لكلّ أشكال الهيمنة والقمع بما فيه قمع الرجال للنساء، لأنهنّ نساء. وهي صاغت تصوّرَها لتصحيح ميزان العلاقة المختل بين النساء والرجال في مجال الجنسانية، واستعادت تعيين هذه الجنسانية عاملاً للتالّق والتحرر، بدل كونِها موضوعَ خوفٍ (من قبل الرجال)، وسبباً للقمع استطراداً (يمارس على النساء)... هذا التصوّر يندرج في إطار تحرر المجتمع السياسي والاقتصادي ويتمثّل بالشعار "تحرر المرأة في مسار تحرر المجتمع وبنتيجته".

يبقى أن نوال السعداوي قد أخفقت في اشتمال الرجال في مقاربتها التي ميّزتها كنسوية. فلم تُبدِ التعاطف الوجداني تجاه موضوع دراستها- الرجل؛ وذلك مقارنة مع التعاطف الوجداني الذي لمسنا مع موضوع دراستها- المرأة في كتابها المرأة والجنس في جزئيه. فتكون قد "ارتكبت" فعل التحيّز الذي افترضته هي والنسويات عامّة "ازدواجية معيارية" مرفوضة من قبلهن، رفضاً لا جدال فيه.

كما أنها "خضعت" لمحرّم ثقافي عربي واحد ،على الأقلّ، يتمثّل بالامتناع عن تناول الأديان السماوية بالنقد الصريح، بالرغم من إثبات كلّ العناصر التي تسمح بذلك النقد. وذلك، برغم ادعائها اعتماد الصدق، ورغم تحلّيها بشجاعة استثنائية لا يملك المعادون لها، قبل مناصريها، إلا الاعتراف بها.

إن كتابة نوال السعداوي بيانٌ عن شجاعتها الاستثنائية.

أليست هي البادئة عندنا بنبش المحرّمات من تحت ركام ثقيل من الأفكار "العلمية"، ومن المعتقدات المنسوجة بخيوط متينة من الإيديولوجيا والدين، ناهيك بوطأة الواقع الذي يحاصر النساء والرجال ويعيد إنتاج مواقع الفئتين المرسومة والمكبّله للطرفين؟

هي إن فتحت صندوق باندورا فإن "الشرور" التي انسكبت منه، فيها كلّ الخير، وكلّ الأمل بالنسبة لنا نحن النساء:

ألم يكن ما أطلقته من نقاشات على الملأ الثقافي العربي إضاءات من زوايا أضافت على الأنوار التي غمرتنا في عقود الثورات التحررية من القرن الماضي والتي... بالرغم من سواد الظلامية اليقينية التي عادت لتخيّم على أجوائنا العامّة، ما زلنا نستضيء بها؟.

[1] تطوير لمداخلة ألقيت في "مؤتمر النسوية العربية: نظرة نقدية" الذي أقامه "تجمّع الباحثات اللبنانيات" في الجامعة الأميركية في بيروت، بين 4-7 تشرين الأول، 2009

[2] نوال السعداوي،( التاريخ غير مذكور)، الرجل والجنس، ( الأعمال الفكرية)، مكتبة مدبولي، القاهرة. الطبعة ( غير مذكور رقمها)

[3] هو الثالث بعد المرأة والجنس (1971) والأنثى هي الأصل(1974)

[4] في الفصل الأوّل من كتابها المرأة والجنس، مثلاً، وردت كلمة جهل ومشتقاتها ثلاث عشرة مرّة، ووردت مقابِلاتها ثمان مرات.. كل هذه المرات في صفحات تسع!

[5]الرجل والجنس ص. 195

[6]الرجل والجنس، ص.183

[7]الرجل والجنس ص. 245

[8] عالجت الكاتبة العناوين / المكوّنات التالية لبحث جنسانية الرجل :خوف الرجل من المرأة وعقدة النقص، الإحساس بالذنب، الرجل والسادية، الرجل والأورغازم الجنسي، حنين الرجل لأن يكون أنثى، الرجل والشذوذ الجنسي، الرجل والاستعراض الجنسي، خيالات الرجل الجنسية، الاعتداء الجنسي على الأطفال. وهي تحيل الأواليات النفسانية التي تحكم كل واحدة من هذه المكوّنا إلى طفولة نفسانية وإلى قصور في التوصل إلى النضج.

[9]الرجل والجنس، ص. 18

[10] الرجل والجنس، ص.17

[11] الرجل والجنس، ص.13

[12] تقول السعداوي: "قال لي بعض الأزواج أن أكثر شيء يؤرقهم ليس الخوف من أن يطردوا من عملهم أو أن يجوعوا أو أن يتعرّوا ولكن ما يؤرقهم دائماً هو أن يفقدوا قوتهم الجنسية يوماً ويصبح عضوهم الذكري عاجزاً عن الانتصاب. وسألت أحدهم : وما الذي يخيفك من هذا؟ قال: زوجتي. قلت وماذا ستفعل زوجتك؟ قال سوف تذيع على الناس انني لم أعد رجلاً... وإذا لم تتكلم فهي على الأقل سوف تشعر بأنني لا أرضيها وقد تبحث عن رجل آخر... إن ذهاب زوجتي إلى رجل آخر يخيفني...." الرجل والجنس، ص. 99-100

[13] " وقد نتج عن امتلاك الرجل لجسد المراة مشاكل جنسية ونفسية لكل من المالك والمملوك.... بين علم الاقتصاد وعلم الجنس... إن الجشع الاقتصادي قد أدّى إلى قهر جسدي وجنسي ..."

[14] " ولهذا يجد القراء أن هذا البحث بالرغم أنه يتناول المشاكل الجنسية والنفسية للرجال إلا أنه لم يستطع إلا أن يتعرّض أيضاً لبعض الفكار المندرجة تحت الفلسفة أو الدين أو التاريخ أو المجتمع"..." الرجل والجنس، ص.13.

[15] تستعين الكاتبة بالتاريخ المصري والعربي الجاهلي، مثلاً، ، وبالميثولوجيا اليونانية، وبنصوص من الدين البهودي، من أجل إثبات علوّ شأن المرأة سابقاً قبل إخضاعها من قبل الرجل جنسياً إثر سيادة الملكية الخاصة نظاماً اقتصادياً ، وشيوع رديفه النظام الأبوي. كما تستعين بالتحليل النفسي وبالدراسات المسحية النفس- جنسية من أجل تأويل" بغض المرأة"، والخوف منها، وضرورة قمعها جنسياً، بما هو شرط ضروري لتثبيت أركان جنسانية الرجل.

[16] انظر الصفحات 134-137 من الرجل والجنس.

[17] فغدت جنسانية الرجال ، بذلك، إشكالية بنتيجة ضخامة العبء الذي وضعه النظام الأبوي على الرجل جرّاء ضرورة ممارسة القمع الجنسي على المرأة، وما استتبعه من قمع في كل المجالات الأخرى. إن قمع المرأة جنسياً يتطلب قوة متناسبة مع قوة المرأة و"شرّها"، ما يؤدي إلى الشعور بالعجز المؤدي بدوره إلى القلق العظيم من فقدان السيطرة الجنسية عليهن. فتمسي قوة الرجال وتفوقهم، بذلك، بمثابة دفاع عن عجزهم، وتعويضاً عن ضعفهم تجاه قوة النساء ومغالبة لحد قدراتهن المتصوّرة. الرجل والجنس، ص. 104-105

[18] لا يعوز الكاتبة الدقة والأمانة والمعرفة بالأصول العلمية للتوثيق والإسناد. وهي قد أثبتت توثيقاً دقيقاً لإسناداتها ولمراجعها في كتابها الأنثى هي الأصل الصادر قبل الكتاب قيد المناقشة.

[19] من هذه مثلاً، وفي معرض الكلام عن كون المسيح قد مسح ذنوب الناس، تتساءل إذا جاء المسيح من العذراء الطاهرة، وهي امرأة، فلماذا لم تمسح ذنوب النساء أيضاً: "يبدو أن هؤلاء الفلاسفة كانوا يفكّرون بنصف عقولهم( ولا بد أنه كان نصف عقولهم الذكرية أيضاً)" الرجل والجنس ص.50
في معرض استعراضها للفكر ة التي شاعت في القرون الوسطى بأن الرجل جسد ورأس وإنسان كامل وصورة كاملة عن الله، فيما المرأة جسد بغير رأس وعليها أن تصلّي وأن تغطي رأسها، تتساءل " لا أدري كيف يمكن أن يكون رأس المرأة غير موجود أصلاً، ثم يطلب إليها أن تغطيه؟" الرجل والجنس ص. 40.
وأيضاً.... " كيف تكون المرأة بغير رأس وبغير عقل ثم تستطيع أن تفعل في آدم ما عجز الشيطان أن يفعله؟ وتستطيع أيضاً تحطيم صورة الله وتسبب الموت للعالم ولإبن الله؟!" الرجل والجنس ص. 41

[20] تقول في معرض كلامها عن تبرير المجتمع الأبوي تحريم خيانة المرأة تحريماً قاطعاً "... إن مسؤولية المرأة في الخيانة أشد لأنها مسؤولة عن تربية الأولاد والحفاظ على الأسرة...أما الأب الذي تنتسب إليه هذه الأسرة فليس مسؤولاً عنها؟! تبرير للازدواجية الأخلاقية بازدواجية اجتماعية والحجة هنا أقبح من الذنب" الرجل والجنس ص.54

[21] تستعيد السعداوي نقدها الذي كانت قد شرحته بالتفصيل في كتابيها المرأة والجنس (1و2) لنظرية فرويد في الأنوثة ومحورية التشريح الجسماني في تشكّلها في الفصل المعنون بـ" الرجل والعلم والجنس"، " الرجل والجنس ص.ص. 73- 85.

[22] " الرجل والجنس ص.139-140.

[23]الأنثى هي الأصل ص. 17-18

[24]الرجل والجنس ص. 66-71

[25] "إن القدرة على التنفكير النقدي .... تقتضي ثقة بالنفس وشجاعة وحريّة.... إن الباحث عن الحقيقة في اي مجال لا بدّ أن يكون محرراً من الخوف والأفكار المسبقة المسلّطة ..."، في الأنثى هي الأصل ص.11-12

[26] الدين ليس التابو/ المحرّم الوحيد الذي لا تتناوله الكاتبة . لا تتكلّم السعداوي عن "جنسانيات" Sexualities الرجال، بل عن الجنسانية الغيرية heterosexuality بوصفها الجنسانية الوحيدة. وهي تلجأ إلى نظرية التحليل النفسي في السواء من أجل نعت الجنسية المثلية homosexuality بالطفولية الدفاعية، الخائفة والمصدودة من الأنثى. لذا فهي انحراف عن السواء وشذوذ عمّا ينبغي أن تكون.

[27] تروي نوال السعداوي عن واحد من مترتبات الختان على جنسانية الرجل المصري ومفادها إحساسه بالعجز عن إرضاء شريكته مما يجعله يلجأ إلى الحشيش. الرجل والجنس ص. 195، وص. 161.

[28] في كتاب الرجل والجنس، رواية فريدة لحوار دار بين الكاتبة وبين رجل يشكو الخوف من فقدان انتصاب قضيبه( أنظر سابقاً) ص. 99-100، ورواية لحالة مداعبة جدّ جنسياً لحفيدته. وهي على كل حال بلسان الحفيدة ( بعد أن صارت راشدة) ص. 231.

[29] تقول السعداوي في سياق الكلام عن العلاقة غير السوية بين الرجال والنساء في مجتمعاتنا "... وقد أجريت بحثاً عام 1972 بقسم الأمراض النفسية في كلية طب عين شمس عن أسباب عصاب النساء. واتضح لي أن السبب الأول كان الرجل الأب، أو الزوج، أو أي رجل آخر ينصب نفسه مسؤولاً عن الأسرة"، الرجل والجنس ص. 260

[30] يخترق مفهوم النضج النص حول جنسانية الرجال بأكمله. هناك تعريف للنضج ص. 227، 229 ، وتعريف للحب الناضج ص. 129، 169، 177، 197، ولشروط النضج ص. 108، إضافة إلى جعل غيابه سبباً نهائياً لكل اإلتواءات الجنسية التي تصيب الرجل بعلاقته مع المرأة.

[31]الرجل والجنس ص. 245.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬