اسحاق ديوان ميلاني كاميت

 

[1]

 

في الأيام الأولى من الربيع العربي، خيمت النقاشات المتعلقة بالأهمية النسبية للعوامل الاقتصادية، قياساً بالسياسية، على تلك المتعلقة بدوافع الاحتجاجات الجماهيرية في مختلف أنحاء المنطقة. غير ان العوامل الاقتصادية هذه لا تحمل قيمة تأويلية كبيرة. ففي العقد السابق، لم يكن النمو الاقتصادي منخفضا في بلدان "الثورة"، إذ راوح في معدله السنوي بين 4 و5؟ من الناتج المحلي الإجمالي - وإن لم يصل إلى مستويات النمو الآسيوي ثنائي الخانة، الذي كان مرجوا لاستيعاب ازدياد عدد الشبان في سوق العمل. في منظور مقارن بين بلدان المنطقة، كانت البطالة مرتفعة بين شبان العالم العربي، لكن هذا لم يكن تطورا جديدا، وبالتالي هو لا يفسر توقيت الاحتجاجات. وضع الاقتصاد الكلي كان أيضا مستقرا نسبيا، مع تقلص العجز في الميزانية والحساب الجاري، ومستويات ديون معقولة، واحتياطيات دولية مريحة. الركود العالمي لعام 2008، تزامنا مع أزمتي النفط والغذاء، لم يؤثر على المنطقة، ففي حين تباطَأ النمو بعد 2008، فإنه تعافى بحلول 2010. وفي 2011، أي عشية الثورات، لم يكن هناك أي صدمة اقتصادية محددة يمكن الاشارة اليها كمسبب مرشح لاشعال الانتفاضات.

 

لماذا إذاً بدأ الربيع العربي في نهاية 2010 وليس في الثمانينات أو التسعينات عندما كانت دولة الرفاه في تراجع؟ العديد من الخصائص الاخرى للانتفاضات يدعو أيضا إلى الحيرة ولا يندرج بسهولة في الأطر الفكرية المعروفة. لماذا بدأت الثورات في تونس ومصر، وهي الدول التي تمتعت في السنوات التي سبقت الثورات بأعلى معدلات للنمو الاقتصادي في المنطقة، وليس في بلدان مثل سوريا أو اليمن، حيث الأوضاع الاقتصادية كانت أسوأ والقمع السياسي أقسى؟ لماذا بدأها شبان علمانيون من الطبقة الوسطى، يفترض أنهم المستفيدون من تحديث الجمهوريات، بدلا من المعارضة الإسلامية المتواجدة منذ فترة طويلة؟

الأطر التي تسعى إلى شرح الانتفاضات العربية ينبغي أن تقدم سردا للتطور الاجتماعي-الاقتصادي والسياسي للجمهوريات العربية يفسر كلا من استمرار الاوتوقراطية حتى 2011 وانهيارها في نهاية المطاف. كما ينبغي أن تفعل ذلك بطريقة يمكن التحقق منها تجريبيا. محللون مختلفون يقاربون هذا السؤال الطموح بطرق مختلفة. البعض يؤكد على عوامل الصدفة والوساطة. ومن دون شك كانت هناك عناصر من هذا القبيل في ما يتعلق بالتوقيت الخاص وتسلسل التطورات السياسية التي شهدتها تونس ومصر في العامين الماضيين. ولكننا نجادل ايضا بأن هناك عوامل بنيوية فتحت نافذة من الفرص استفاد منها المحركون الرئيسيون للانتفاضات.

في رأينا، إن الاستياء الشعبي الذي أدى إلى الانتفاضات، يمكن ارجاعه الى اثنين من العناصر الرئيسة للسياسة الاقتصادية: تراجع دولة الرفاه، وتوطيد العلاقات الوثيقة بين الدولة وعناصر معينة من نخبة رجال الأعمال في إطار ليبرالية اقتصادية. وإطار العمل الذي نقترحه يربط هذه الأنماط من التنمية الاقتصادية بالتغيّر الاجتماعي التدريجي (تعاظم التطلعات الشعبية والظلامات)، الامر الذي أدى في نهاية المطاف إلى تغيير سياسي مفاجئ (وهو ما نفسره على انه انشقاق الطبقات الوسطى عن التحالف السلطوي)، على الطريقة التي تنهار فيها السدود فجأة عندما تتعرض لفترة طويلة من الضغوط المكثفة. فمن وجهة نظرنا، إن مزيجا من الظروف الاقتصادية المتغيرة والزيادة المصاحبة في عدم المساواة في الفرص هو ما دفع إلى انهيار الصفقة الضمنية بين الحكام السلطويين وحلفائهم .

في النص التالي نطوّر كلاً من عناصر هذه السردية بتفصيل أكبر.

تراجع الدولة وتدهور الأمن الاقتصادي

في فترة ما بعد الاستعمار، لعبت الدولة في مختلف انحاء العالم العربي دورا هاما غير معتاد في الاقتصادات. إحدى السرديات البنيوية الرائدة حول الانتفاضات العربية تركز على التحول البطيء للنظم شبه الاشتراكية حيث أدى في النهاية تراجع الدولة فيها، الذي بدأ في منتصف الثمانينات، إلى انهيار العقد الاجتماعي الكامن وراء الصفقة الاوتوقراطية.

لا يمكن لهذه السرديات الادعاء بأن تراجع الدولة هو السبب المباشر للثورات، نظرا لطول الفترة الفاصلة. ومع ذلك، لتحليل الانهيار النهائي للانظمة، نحن بحاجة إلى فهم الآليات التي استخدمها الاوتوقراطيون للبقاء في السلطة، حتى بعدما ضعفت قوى السوق سلطتهم، وبعد ظهور تناقضاتهم في هذه الفترة الاوتوقراطية المتأخرة التي تميزت بالقمع الانتقائي والاستقطاب والمحسوبية.

في فترة ما بعد الاستقلال، قام حكام المنطقة، في كل من الجمهوريات "الشعبوية" والملكيات "المحافظة"، بتوسيع البنى التحتية لمجالات النفع العام كجزء من عمليات بناء الدولة والأمة. وشهدت العقود القليلة الأولى بعد الاستقلال تحسنا كبيرا في مؤشرات الجودة الحياتية. على وجه الخصوص، تم توسيع نطاق خدمات التعليم والصحة بوتيرة أسرع بكثير مقارنة بالمناطق الأخرى، كما انخفضت معدلات الفقر وعدم المساواة بشكل أكبر من أي مكان آخر في جنوب الكرة الأرضية (كون 2012). هكذا، شعر المواطنون العرب في العقود التي تلت الاستقلال بمكاسب اجتماعية واقتصادية هامة وملموسة، ما ساهم برفع سقف تطلعاتهم. لقد أدى توفر الخدمات الأساسية وفرص العمل المستقرة إلى الشعور بالأمن الاقتصادي، في حين مكّنت مكاسب التنمية البشرية الأجيال السابقة في مرحلة ما بعد استقلال الدول العربية من التمتع ببعض الحراك الاجتماعي.

إن نظرة إلى مؤشرات الأداء الاقتصادية الرئيسية للدول النامية العربية كمجموعة، من 1980 إلى 2008، تبين بوضوح أن تراجع الدولة بدأ قبل خمسة وعشرين عاما. كان الإنفاق الحكومي في أوجه في السبعينات، مدعوما بتعاظم الثروة النفطية، بحيث وصل إلى أكثر من 50؟ من الناتج المحلي الإجمالي. وبدأ بالتراجع في الثمانينات والتسعينات، في سياق سياسات التكيف البنيوي، ليصل إلى أقل من 25؟ من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية التسعينات، وهو رقم منخفض وفقا للمعايير الدولية. وفي الوقت نفسه، لم تشهد الاستثمارات الخاصة ارتفاعا كبيرا للتعويض عن هذا النقص. فقد قاد التقلص الحاد في دعم الزراعة إلى الحاق الضرر خاصة بالمناطق الريفية الفقيرة، بينما تسبب تدني أجور القطاع العام وتجميد التوظيف بالأذى لموظفي الخدمة المدنية. وفي بلدان مختلفة عبر المنطقة، بما في ذلك مصر والأردن والمغرب وتونس، أثارت محاولات خفض دعم المواد الغذائية الأساسية ما عرف بـ "انتفاضات الخبز".

لقد أثّر التدهور المطرد في مؤسسات الرعاية الاجتماعية العامة على جميع قطاعات السكان باستثناء نخبة الأثرياء، ولكنه كان مؤذياً بشكل خاص للطبقات الفقيرة والشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى، التي تعتمد بشكل كبير على الخدمات الحكومية.

وفي الثمانينات والتسعينات ساهمت الأزمات الاقتصادية في مناطق أخرى، مثل أميركا اللاتينية وأفريقيا جنوب الصحراء، في التحريض على تغيير النظام خلال "الموجة الثالثة" شبه المتزامنة مع التحول الديمقراطي (هنتنغتون 1991). أما في الشرق الأوسط، فلم يعمد الحكام الاوتوقراطيون إلى فتح الفضاء السياسي للحد من الضغوط الاجتماعية الناجمة عن الانخفاض في الموارد الاقتصادية. ما حدث هو العكس تماما. ففي 2010 كانت المنطقة تشهد انفتاحا سياسيا أقل مما كان عليه في منتصف الثمانينات.

القمع هو بالتأكيد عنصر جوهري في أية حسبة للاستمرارية السلطوية. التهديد بالمضايقات والاضطهاد والسجن والتعذيب والموت يثبّط النشطاء المناهضين للنظام، فيما يثبت مستوى الإنفاق على المسائل الأمنية، منذ أواخر التسعينات، أن القمع أصبح أداة ضرورية للحفاظ على الأنظمة الاوتوقراطية.

الدعم الخارجي للحكم الاوتوقراطي سمة مميزة للمنطقة وعنصر رئيسي من عناصر أي تفسير للاستمرارية السلطوية في الشرق الأوسط مقارنة بالمناطق الأخرى (البدوي ومقدسي 2007؛ بيلين 2004). وبدوره وفّر الدعم الخارجي الدعم السياسي والمالي والعسكري الذي كان حيويا للحفاظ على النظام الاوتوقراطي بعد نفاد زمنه، إذ سمح بتدعيم قمع الدولة لجماعات المعارضة بطرق غير معروفة في مناطق أخرى.

ومع ذلك يبقى القمع أداة غير كافية للسيطرة السياسية. وقد تمثلت إحدى الاستراتيجيات الهامة في تعزيز التحالفات الحاكمة عن طريق استمالة الطبقات الوسطى. وفعلاً تحققت استمالة أعداد كبيرة من خلال منافع اقتصادية مباشرة أتت في شكل دعم لبضائع تُستهلك بنسبة أقل من قبل الفقراء، وخاصة البترول والطاقة. وبالمقابل خُفّض الدعم الذي كان يخصص سابقا للمشاريع الزراعية الصغيرة النطاق وللمواد الغذائية الأساسية التي استفاد منها الفقراء بشكل خاص.

ارتفع معدل دعم الطاقة على مر الزمن، فبحلول 2011 كانت مستوياته في المنطقة العربية أعلى بكثير من أي منطقة أخرى في العالم، بمعدل 8.5 من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي و22؟ من إجمالي الإيرادات الحكومية. وتختلف مستويات الدعم في المنطقة من بلد إلى آخر، لكن 12 من البلدان الـ 22 تتمتع بنسب دعم تفوق الـ 5؟ من الناتج المحلي الإجمالي. وفي عديد هذه البلدان، تفوق نفقات الدعم إجمالي الإنفاق على الصحة أو على التعليم بعدة مرات. ولا تقتصر هذه الظاهرة على الدول المصدرة للنفط. فعلى سبيل المثال، في 2011، شكل دعم الطاقة 41؟من الإيرادات الحكومية في مصر. ومن المعروف جيدا أن هذه الإعانات تساعد الأغنياء أكثر من الفقراء،؟إذ أن منتجات النفط تستهلك بكميات أكبر بكثير من قبل الناس الاكثر ثراء. لقد استفاد من 46؟ من فوائد دعم المنتجات البترولية في مصر في 2008 الـ 20% الأغنى (أبو العينين، الليثي، خير الدين 2009). التكلفة الكبيرة لهذه الاعانات فاقمت الأزمات الاقتصادية كما عززت تراجع الخدمات العامة من خلال استهلاك حصص متزايدة من الميزانيات الحكومية والحد من الاستثمارات العامة، خاصة في المناطق الريفية والمحرومة.

في الوقت نفسه، أصبحت الأنظمة المالية مع مرور الزمن أكثر محاباة للاغنياء إذ باتت الانظمة متحالفة بشكل أكثر علنية مع النخبة الغنية. فبعد الاصلاحات التي طبقت في التسعينات، باتت الضرائب غير المباشرة، وهي نكوصية بطبيعتها لأنها تُطبّق على المستهلكين من جميع القطاعات بغض النظر عن مستوى الدخل، عنصرا أهم من الضرائب المباشرة بالنسبة للإيرادات الضريبيّة.

ففي إطار هذا المزج بين الاستقطاب والقمع - أو الجزرة والعصا - فإن التغييرات التي طرأت على الأول (الاستقطاب) فاقت في أهميتها، لناحية تفسير الانهيار السلطوي، ما طرأ على الأخير (القمع). فإن كان القمع قد ساعد الأنظمة السلطوية على الاستمرار، فهو لا يفسر لماذا انهارت الدكتاتوريات في المنطقة: فالقمع كان متواصلا، بل ارتفعت وتيرته منذ التسعينات. وبالتالي، على أي تفسير لانهيار السلطوية تفحص تطور عامل الاستقطاب.

في المقطع التالي، نقتفي اثر تضيّق التحالفات الاجتماعية السلطوية - أي الجماعات التي كانت تحظى بامتيازات في الاقتصادات السياسية المحلية - ونصف كيف ساهم هذا العامل في انهيار السلطوية.

رأسمالية المحسوبية

بحلول منتصف التسعينات كان العقد الاجتماعي القديم في الدول العربية ما بعد الاستقلال ميتاً بالفعل ولكنه لم يستبدل بنموذج ناجح جديد. والسؤال المركزي الذي نوقش على مدى سنوات هو: لماذا بقيت المنطقة العربية دون مستوى الاداء لناحية خلق فرص عمل، في الوقت الذي بدا أن عمليات اصلاح السوق كانت ممتازة ظاهرياً. وقد جادل البعض بأن إصلاحات السوق لم تذهب بعيدا بما فيه الكفاية (البنك الدولي 2009)، في حين اعتقد آخرون أن الاقتصاد أصبح مهيمناً عليه من قبل شبكات امتياز (هايدمان 2004) حدت من المنافسة والابتكار، وبالتالي خلق فرص عمل.

من الناحية النظرية، ليس هناك عيب جوهري في العلاقات الوثيقة بين الدولة وقطاع الأعمال. فمثال الشايبول، او تكتل الشركات، في كوريا الجنوبية، يبين كيف ان السياسات الصناعية يمكن أن تعزز تراكم وتطوير قطاعات جديدة، حتى عندما تتسم العلاقات بين الدولة وقطاع الأعمال بالمحسوبية (خان 2010). ويمكن هذه العلاقات، شريطة أن توفر الحوافز المناسبة للأداء، أن تشكل أساسا لرأسمالية ديناميكية. ولكن في العالم العربي يبدو ان العلاقة الضيقة بين الدولة وقطاع الأعمال أصبحت مصدرا غير مبرر للنفوذ والفساد شوّه الحوافز الاقتصادية والسياسية.

لقد باتت النظرة الشعبية إلى نخب رجال الأعمال في المنطقة سلبية. وينظر الآن إلى المحسوبية على أنها السمة الرئيسية للانفتاح الاقتصادي الذي بدأ في التسعينات وتسارع بعد 2000، كما ينظر اليها، من جهة ثانية، على أنها مصدر لكثير من العلل، بما في ذلك العجز الوظيفي، وتفاقم عدم المساواة، واستمرار الحكم السلطوي. أما ما اعتُبر "فساد" النخب السياسية ورجال الأعمال فكان القوة الدافعة الرئيسية وراء الاستياء الشعبي. على سبيل المثال، يكشف مسح "بيو&" (PEW) أنه في 2010 كان الفساد الشاغل الاول للمصريين، بحيث اعتبر 46؟ انه يشكل مصدر قلقهم الرئيسي متفوقا على قضايا أخرى مثل غياب الديمقراطية وسوء الأوضاع الاقتصادية (بيو 2011). ويؤكد تصنيف مستويات الفساد في الدول العربية في مؤشر الشفافية الدولية (Transparency International Index) الانطباعات الشعبية: مثلاً في 2005، احتلت مصر المرتبة 70 وتونس المرتبة 43 من أصل 158 مرتبة. وشهدت السنوات الثلاث التالية ارتفاعا ملحوظا في معدلات الفساد. ففي 2008 تراجعت مصر إلى المرتبة 115 وتونس إلى المرتبة 62 من أصل 180 مرتبة.

ما هو أكيد اليوم أن الامر لم يكن مجرد انطباعات. ففي كل من تونس ومصر، سلطت المحاكمات الجارية لكبار رجال الأعمال الضوء على الطرق التي استُغل فيها النفوذ لتحقيق مكاسب خاصة. المحسوبية تضمنت ممارسات مثل منح حقوق الاحتكار لمقربين من الحكام، وبيع شركات عامة وأراض بأسعار مخفضة، والتلاعب بالأسواق المالية لصالح بعض المقربين. في تونس، احتكرت عائلتا بن علي والطرابلسي الفرص التجارية حتى أنهما صادرتا أملاك وارصدة النخب الثرية. وهناك قصص مماثلة عن المحسوبية والمجموعات المنتفعة تكثر في سوريا وليبيا واليمن والجزائر، حيث يبدو أن المقربين السياسيين يسيطرون على أجزاء كبيرة من القطاع الخاص.

لقد اختلفت الطبيعة الدقيقة للعلاقات بين الدولة وقطاع الأعمال من بلد إلى آخر، مع تداعيات مهمة على ديناميات الاستقرار السلطوي وانهياره. ففي مصر، اكتسب جمال مبارك وحلفاؤه مواطئ قدم هامة في الاقتصاد المصري كما استفادوا من الصفقات الدولية المربحة. لكن هذا الشق من النظام قابلته برجوازية حمائية قوية ومتنفذة تاريخيا، تشمل الجيش من دون أن تقتصر عليه. في أعقاب الانتفاضة، أصبحت أهمية المؤسسة العسكرية في الاقتصاد المحلي المصري معروفة، وإن بطريقة غير دقيقة. فالحصص الكبيرة للمؤسسات العسكرية في الصناعات المحمية تساعد على تفسير لماذا سمح الجيش بسقوط مبارك ولكنه عرقل عملية الدمقرطة الحقيقية فيما بعد. وفي تونس، بدا أن تحالف النخبة في نظام بن علي قد انكمش بدرجة اكبر مقارنة بمصر. ونتيجة لذلك، فعند اندلاع الاحتجاجات الواسعة ضد نظام حكم بن علي، دعم العديد من الرأسماليين التونسيين، الذين لم يشكلوا جزءا من شبكات امتيازه، سقوطه.

الادبيات حول الرأسمالية العربية المعاصرة لا تزال حديثة الولادة، مع قليل من أدوات القياس المباشرة لمدى المحسوبية. مع ذلك، لم تظهر هناك أي محاولات جادة لتقييم احصائي للآثار الاجتماعية الاقتصادية للمحسوبية. وتلقي دراسة حديثة لسوق الأوراق المالية المصرية في فترة أحداث 2011 البالغة الاهمية، بعض الضوء على تلك القضايا. فقد وجد شكير وديوان (2012) أن قيمة هذه الشركات "المرتبطة" انخفضت أكثر من أسعار الشركات غير المرتبطة بنحو 30؟ في سوق الأوراق المالية المصرية خلال الأسابيع التي اعقبت الثورة - وهذا تقدير جيد للطريقة التي "تقيّم" فيها السوق العلاقات والامتيازات السابقة لهذه الشركات[2]. كما أنهما قارنا الاداء السابق للشركات المرتبطة وغير المرتبطة. ففي 2002، كان حجم الشركات المرتبطة يوازي حجم الشركات الأخرى، ولكن بحلول 2010 ارتفع متوسط حجمها إلى سبعة أضعاف متوسط حجم الشركات غير المرتبطة، التي نمت بالكاد. وتشير تحليلاتهما أيضا إلى أن الشركات المرتبطة لها نصيب أكبر من السوق مقارنة بمنافساتها غير المرتبطة، وأنها اقترضت أكثر بكثير من منافساتها - فبحلول 2010، حصلت أكبر 22 شركة مرتبطة على 70؟ من ارصدة الائتمان المخصصة لاكبر مائة شركة مصرية. والمهم أنهما وجدا كذلك أن الشركات المرتبطة كانت أقل ربحا من الشركات غير المرتبطة. حتى إذا كان القصد أن تشكل الامتيازات سياسات صناعية فانها لم تكن ناجحة. وعلى الأرجح، فإن الشركات الكبرى التي استفادت من المحسوبية كانت تدار بشكل غير فعّال من قبل رجال اعمال على صلات جيدة بالنظام كانت تتم مداراتهم بسبب الثقة وليس المهارة. وكان دور هؤلاء يتمثل في منع معارضي النظام المحتملين من الوصول إلى المواقع الاقتصادية الهامة وتمويل الحزب الحاكم. وبالمقابل، سمح لهم بإثراء أنفسهم بشكل كبير - وهو ما فعلوه، مما عزز الانطباع بحدوث ارتفاع كبير بنسبة أغنى 1؟ من الاشخاص في مصر وأماكن أخرى في العالم العربي.

هذا يعني أن النظام وجه تدفق رأس المال إلى قطاعات غير فعالة نسبيا، في حين حرم الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم من الحصول على فرص التسليف، على رغم أن هذه الأخيرة قدمت حصة غير متناسبة من فرص العمل الجديدة. فبدلا من نموذج رأسمالي ديناميكي، افرزت الإصلاحات النيوليبرالية اقتصادا منخفض الأداء مع ركود في خلق فرص العمل. فالاستثمار الخاص في مصر لم يتجاوز في اي وقت نسبة 15؟ من الناتج المحلي الإجمالي - الأرقام الشرق آسيوية هي نحو ضعف ذلك. بدلا من هذا، تم استثمار حصة كبيرة من الأرباح في الخارج - بحيث يقدر هروب رؤوس الأموال من مصر منذ 2000 بعدة مليارات من الدولارات سنويا (كار وكورسيو 2011).

وبالإضافة إلى كونها عاملا مهما في ضعف الأداء الاقتصادي في المنطقة، أدت المحسوبية أيضا إلى تضييق التحالفات السلطوية، وتقليص الطبقات الوسطى، كما عززت الانطباع بازدياد عدم المساواة.

تطور التحالف السلطوي ودور الطبقات الوسطى

كما هو مبين أعلاه، طبقت الحكومات العربية - والجمهوريات منها بشكل خاص - خلال العقود الأولى بعد الاستقلال، سياسات أدت إلى تغيير اجتماعي كبير، سهلت صعود الطبقات الوسطى المرتبطة بالدولة. وبالفعل، ففي ما يخص الجمهوريات على وجه الخصوص، كان التقدم الاجتماعي في مركز العقيدة القومية العربية. فقد اعتمد قادة مثل بورقيبة وعبد الناصر النموذج الاتاتوركي في التحديث بحيث لعبت الطبقات الوسطى دورا ساهم في إضفاء الشرعية على هذه الانظمة. وفي البداية شكّل موظفو القطاع العام، الذين استفادوا في الفترات الاولى من الأمن الوظيفي والمنافع الاجتماعية، العنصر الاساسي للطبقات الوسطى الجديدة. وبالتالي، وبالنسبة للحكام الاوتوقراطيين العرب، أصبح فقدان تأييد الطبقة الوسطى لهم بمثابة تحول إلى ديكتاتوريات عارية تفتقد للسردية العملانية.

وتطورت الصفقة السلطوية للعقد الماضي إلى تحالف بين رأس المال النخبوي وعناصر من الطبقات الوسطى جلب منافع اقتصادية لأعضاء التحالف لكنه قمع الفقراء. وبالفعل، تضرر بعض أفراد الطبقات الوسطى من التحرير الاقتصادي الذي شهدته التسعينات. فقد أدى الانخفاض في أجور القطاع العام إلى إفقار موظفي الدولة، كما ساعد على تفشي الفساد في مجالات مثل الصحة والتعليم، الامر الذي ولّد المزيد من الاستياء في صفوف الفقراء والشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى الاكثر استفادة من هذه الخدمات. وتسبب النمو الاقتصادي المتواضع بإحباط متزايد في الاوساط المتسعة للشباب المتعلم الذي كان يطمح بالسير على خطى آبائه في الانتماء إلى الطبقة الوسطى. وعلى نحو متزايد، بات على الحكام الاعتماد على أساليب أوّليّة مثل الإعانات والترهيب من الإسلام السياسي للحفاظ على تحالفاتهم الحاكمة.

إن طبيعة الطبقات الوسطى، أكثر من حجمها، هي التي تغيرت مع مرور الزمن. وحتى وقت قريب، لم يعتقد الأخصائيون بإمكانية لعب الطبقات الوسطى دورا فاعلا في قيادة التغيير السياسي. فمع انخراط افرادها في النظام كموظفين في الخدمة المدنية والمشاريع المملوكة للدولة، فإن تأثيرها على صياغة السياسات وقدرتها على أن تكون "لاعبا مستقلا" قُوضت بشكل كبير. فردا على تحرير الاقتصاد برزت في أواسط التسعينات طبقة وسطى جديدة وثيقة الصلة بالسوق. وفي أكثرهم كان الوافدون الجدد تجّارا وصناعيين صغارا، غالبا في القطاع غير الرسمي، استفادوا من الإصلاحات المعزّزة للسوق، بالإضافة إلى فئة مهنية صغيرة ولكن متزايدة من الأطباء والمحامين والمهندسين والمصرفيين وغيرهم من الذين تمتعوا بوضع اجتماعي وبمستوى معيشي جيدين في القطاع الخاص الرسمي. هذا الفريق لعب دورا سياسيا أكثر نشاطا. على سبيل المثال، اضطلعت الطبقة الوسطى الجديدة المنشدّة للسوق بدور هام في إنجاح الثورة الإيرانية في 1979، وفيما بعد في صعود حزب العدالة والتنمية في تركيا.

ومن الممكن تقييم الحالة الاجتماعية والاقتصادية الملحوظة للطبقات الوسطى من خلال مراجعة استطلاعات الرأي. فبيانات مسح القيم العالمية (World Value Survey) توفر مقياسا جيدا للتحول الذي طرأ على التصور الذاتي للمواطنين في مصر. ويوفر هذا المسح، الذي يطلب ممن شملهم الاستطلاع تحديد الطبقة التي ينتمون إليها، مقياسا للتقييم الذاتي للرفاه يتعدى الدخل، إذ يجمع معلومات عن مقدار الدخل والمظالم والتطلعات على مدى الحياة. ويبين تحليل الرأي بحسب الطبقة الاجتماعية أن دعم الفقراء والطبقة الوسطى للديمقراطية ازداد بشكل ملحوظ بين 2000 و2008، من 22؟ إلى 55؟ من السكان، ولكن لأسباب مختلفة (ديوان 2013). وقد تلازم، بالنسبة للطبقات الفقيرة، ارتفاع دعم الديمقراطية مع ازدياد الشعور بعدم المساواة والرغبة في تطبيق عدد أكبر من سياسات إعادة التوزيع. اما الطبقة الوسطى النازعة نحو الديمقراطية، فكان يحركها شعور متزايد بالتطلعات المحبطة ورغبة في اقتصاد أنشط أداء. وهذا يشير إلى وجود مصادفة بين التزايد في عدم المساواة الذي أضر بالفقراء من جهة، وتدني الفرص الاقتصادية التي تزامنت مع ارتفاع مستويات التعليم في اوساط الطبقة الوسطى من جهة أخرى، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى تحالف بين مواطني الطبقتين الفقيرة والمتوسطة يدعو إلى التغيير[3].

لقد كان دور الطبقات الوسطى في إشعال التمرد مركزيا. فالفقراء كانوا يعارضون الأنظمة الاوتوقراطية منذ فترة، وكان يتم احتواؤهم من خلال القمع. في المقابل تم التودد للطبقات الوسطى من قبل الحكام. ومع مرور الزمن، أدى تدهور الأوضاع الاجتماعية - الاقتصادية في الوقت الذي ارتفع فيه سقف تطلعات المواطنين من الطبقة الوسطى، إلى زيادة مطردة في مستوى الاستياء لم يعد دعم الدولة قادرا على مواكبته. ونتيجة لذلك، انتهى بها المطاف إلى سحب دعمها للأنظمة السلطوية ودخلت في تحالف ضمني يطالب بالتغيير مع الشرائح الفقيرة من السكان، على أمل الانتقال إلى نظام من شأنه أن يستجيب لتطلعاتهم بشكل أفضل.

التفاوت الملحوظ

مع ذلك فإن عدم الرضا عن الوضع الراهن، لا يمكن أن يُستنتج من ظروف اقتصادية حقيقية وحسب. فالظروف المتصورة، هي أهم لناحية ترجمة الشعور بالمظالم إلى تحرك على الارض، من المؤشرات الاقتصادية الموضوعية. ولفهم تفكك التحالفات السلطوية، علينا أن نفهم أولا كيف طوّر الفقراء احساسا بالمظالم الشديدة، وكيف طورت الطبقات الوسطى احساسا بالتطلعات المحبطة.

من المغري اعتبار أن التفاوت في الفرص هو المحرك الأساسي لفهم الربيع العربي في سياق تحول الدولة من شبه اشتراكية وشعبوية إلى رأسمالية. يبدو أن هذا التحول قد ولد تفاوتا غير مقبول اجتماعيا، بشكل مباشر من خلال دعم نمو طبقة كبار الاثرياء، وبشكل غير مباشرمن خلال عدم قدرته على خلق وظائف جيدة كافية للطبقات الوسطى الحديثة التعلم. ولكن، بحسب استطلاعات الاستهلاك الاسري، لا يوجد حتى الآن أي دليل مباشر يشير إلى ارتفاع حاد في عدم المساواة في السنوات الأخيرة. وتكشف مسوحات الأُسر عن أن التفاوت في الاستهلاك ارتفع بشكل معتدل في مصر وانخفض بشكل طفيف في تونس.

وهناك أسباب تدعو إلى الاعتقاد بأن هذه الإحصاءات لا تصف سوى جزء محدود من الواقع. فمن وجهة نظر الفقراء، تمثل الأثر الرئيسي للسياسات الاقتصادية في تدهور نظامي الصحة التعليم، وتعاظم الشعور بعدم المساواة في الدخل، وهو الوضع الذي يولد بشكل طبيعي مطالب شعبية بفرض مزيد من الضرائب على الأغنياء وبتطبيق عدد اكبر من سياسات إعادة التوزيع. في ما يتعلق بالنقطة الأولى، أظهرت البحوث على نحو متزايد كيف تضرر الفقراء من تقلص الميزانيات من خلال حرمانهم من الخدمات الحكومية التي استشرى فيها الفساد بصورة متزايدة وتحولت إلى "سلع للتجارة" (صالحي، أصفهاني، بلحاج، وأسعد 2011). ثانيا، هناك العديد من المؤشرات على حدوث ارتفاع في حصة دخل أغنى 10؟ في المجتمع (وهم أكبر المستفيدين من نمو سوق العمل الرسمي)، وأغنى 1؟ من المجتمع (المنتفعين من رأسمالية المحسوبية المتفشية)[4].

من ناحية أخرى، يبدو الإحباط في أوساط الطبقات الوسطى مرتبطا بعدم تكافؤ الفرص في سوق العمل أكثر منه بتفاوت الدخل في حد ذاته. ومع الوقت، فإن تراجع الدولة قلص دورها كصاحب عمل. في مصر، على سبيل المثال، فقط 25؟ من القوى العاملة كانت تعمل لحساب الدولة بحلول 2009، متراجعة من 40؟ وهي اعلى نسبة سجلت في مصر. وعلاوة على ذلك، ازدادت حدة التشعب بين القطاع الخاص الرسمي وغير الرسمي. وتظهر الدراسات الحديثة بوضوح أن موجات كبيرة من العمال الاكثر تعلما الذين دخلوا سوق العمل واجهت على نحو متزايد أوضاعا غير عادلة، حيث لعبت الواسطة والوضع الاجتماعي دورا اهم من الشهادة التعليمية في الحصول على وظائف جيدة. ومع تقلص الوظائف الحكومية، اجبر الوافدون الجدد على التوزع بين القطاع الخاص الرسمي، الذي لم ينم بشكل متناسب، والقطاع غير الرسمي الآخذ بالنمو والتوسع، وحيث الأجور أقل بكثير (أسعد 2009). وفي سياق الصفقات الاجتماعية في مرحلة ما بعد الاستقلال، والتي آمن فيها المواطنون بإمكانية حراك اجتماعي حقيقي نتيجة لسياسات الدولة الخاصة بالرفاه والاقتصاد، بات الشعور، في المرحلة اللاحقة، بعدم القدرة على النهوض اجتماعيا واقتصاديا محبطا للغاية. وهذا الإحباط لم يستشرِ في أفقر بلدان المنطقة، وانما في البلدان الأنجح حيث التعليم أكثر تقدما، وحيث باتت الطبقات الوسطى أكثر استقلالية نتيجة للتقدم الذي شهده السوق.

دور الإسلام السياسي في الانتفاضات العربية

قبل الختام، لا بد من التطرق لعامل إضافي هو دور الإسلام السياسي في تطور السياسة في جميع أنحاء المنطقة قبيل الانتفاضات وإبّانها. ففي أعقاب الانتفاضات العربية، اصبح الاسلاميون لاعبين مهمين إن لم يكونوا الاهم في تونس ومصر، وبدرجة أقل، ليبيا واليمن. وبات من المتفق عليه على نطاق واسع أن الانتفاضات لم تكن مدفوعة من قبل الإسلاميين، أو حتى بسبب ازدياد الدعم الشعبي للإسلاميين الذين كانوا من أشد المعارضين العلنيين للحكام السلطويين. لكن من المعروف أيضا أن الإسلاميين كانوا المستفيدين الرئيسيين من النظم السياسية الانتقالية الأولى التي ظهرت بعد الاطاحة بالديكتاتوريين.

ومع أن الإسلاميين لم يحركوا، كما لم يقودوا، الثورات العربية، إلا أنهم لعبوا دورا غير مباشر في تحريكها. ويبدو أن عنصرين على وجه الخصوص من الآليات المرتبطة بالإسلاميين قد ساهما في انشقاق الطبقات الوسطى عن المساومات السلطوية. أولا، منذ التسعينات، أصبح الإسلاميون في المنطقة أقل تهديدا بعد تبنيهم أيديولوجية وتكتيكات اكثر اعتدالا. على سبيل المثال، في 2004 قدمت جماعة الإخوان المسلمين في مصر تعهدا علنيا بالالتزام بنظام دستوري وديمقراطي يعترف بـ "الشعب باعتباره مصدر كل سلطة"، ويؤيد مبادئ نقل السلطة عبر انتخابات حرة، ويقول بحرية الاعتقاد والتعبير وحرية تـشكيل أحزاب سياسية واستقلال القضاء (شاهين 2005). وقد تم تبني توجهات معتدلة مشابهة في كل من تركيا وتونس[5]. ويبدو أن نزوع الاسلاميين نحو الاعتدال قد غير في حسابات جماعات ليبرالية اجتماعيا كانت في السابق تخشى سيطرة الأحزاب الإسلامية بسبب مواقفها من قضايا مثل الحقوق المدنية، والفصل بين الدين والدولة، ودور المرأة في المجتمع، والسياسة الخارجية. فحتى في ظل تراجع المنافع الاقتصادية، كانت عناصر من الطبقة الوسطى ستختار دعم الحكام الاوتوقراطيين طالما دافع الإسلاميون عن صورة مختلفة جدا للحياة المدنية والسياسية. ولكن ظهور أحزاب إسلامية أكثر اعتدالا، ربما ساعد الاسلاميين في الحصول على مزيد من الدعم، أو التسامح على الأقل، من جانب الطبقات الوسطى. في الوقت نفسه، تراجعت الجماعات المتمردة التي تستتخدم تكتيكات عنيفة. وبالتالي، إذا كان تعاظم الخوف من الإسلام السياسي قد كرس الحكم السلطوي، فإن تراجعه حدّ من دعم الحكام المطلقين.

ثانيا، بعض الرسائل التي بعثتها الأحزاب الإسلامية، والتي تؤكد على الفساد وانعدام العدالة الاجتماعية في ظل الحكام السلطويين، عكست، وربما فاقمت، السخط المتزايد في صفوف الطبقات الوسطى. وبالفعل فإن قيادات وكوادر الجماعات الإسلامية الرئيسية، مثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر وفروعها والمنظمات المماثلة في الدول العربية الأخرى، تتألف من مهنيين من الطبقة الوسطى تم استبعادهم من فرص العمل والفرص الأخرى في ظل انظمة رأسمالية المحسوبية.

وتكشف استطلاعات الرأي في العالم العربي التي يجريها البارومتر العربي (Arab Barometer) أن الناس يتطلعون إلى مزيد من الديمقراطية ومن الدين في آن واحد. ويظهر تحليل أكثر تفصيلا مستندا إلى بيانات مسح القيم العالمي (World Value Survey) حول مصر، أن أنصار الإسلام السياسي، في 2000، لم يدعموا الديمقراطية بقدر ما دعمها العلمانيون. لكن بحلول 2008 بات أنصار الإسلام السياسي قوة مطالبة بالديمقراطية بقدر العلمانيين من صفوف الطبقة الوسطى (ديوان 2013 ).

وتشير هذه النتيجة إلى أن الإسلاموية يمكن ان تعمل كغطاء محافظ في فئة الفقراء فقط، من خلال مناصرة مصالحهم الطبقية. ولكن بعد 2008، لم يعد هذا التأثير قائما بين الطبقات الوسطى، إما لأنها كانت أكثر تعلما و/أو لأنها كانت أكثر ترشيحاً لأن تتأثر بالإسلام السياسي المعتدل.

ملاحظات ختامية

لقد طرحنا عدة اسئلة في بداية هذا المقال: لماذا حدثت الانتفاضات الآن وليس في الثمانينات والتسعينات، عندما كانت الدولة العربية في تراجع، ولماذا قادتها الطبقات الوسطى وليس الفقراء المكبوتون، ولماذا اندلعت في البلدان الأنجح وليس في تلك التي شهدت نموا أبطأ.

إطار العمل الذي طورناه أعلاه يتضمن العناصر الرئيسية التالية: بدأ تراجع الدولة في منتصف الثمانينات من دون انفتاح ديمقراطي مصاحب. وفي هذا السياق، استفادت نخبة من الطبقة الرأسمالية من علاقاتها الشخصية للحصول على فرص غير متناسبة لصفقات مربحة. وهذه النخبة تحالفت مع أجهزة أمن الدولة، التي فرضت سيطرتها من خلال القمع (العصا) والاستقطاب الاقتصادي (الجزرة) للحفاظ على دعم الطبقة الوسطى. ولم تترجم العلاقات الضيقة بين الدولة وقطاع الأعمال في إطار بيئة اقتصادية "ليبرالية" مفترضة، والقمع السياسي، إلى نموذج اقتصادي ناجح. بدلا من ذلك، نشأ نظام إقتصاد مجاني (Gift exchange economy) لم يشجع على خلق فرص عمل جيدة. بالرغم من أن البلدان العربية اعتمدت في البداية استراتيجيات اقتصادية وأنظمة سياسية مختلفة، فإنها انتهت كلها مع أنظمة تعتمد على نظام رأسمالية المحسوبية نفسه.

إن استراتيجيات العصا والجزرة القائمة على مزيج من الإعانات والقمع والتخويف من الإسلام السياسي، ولدت ائتلافات حاكمة هشة بشكل متزايد. وبدعم من الغرب، استمر هذا التوازن الضعيف والاوتوقراطي لعدة عقود. فقد تمكنت السلطوية من الاستمرار لفترة زمنية من خلال استقطاب الطبقات الوسطى عبر الإعانات (الدعم) والتخويف من استيلاء الإسلاميين من جهة، وقمع الفقراء المكافحين من أجل لقمة العيش من جهة اخرى.

إن تفاعل الاستياء الاقتصادي مع السياق الاجتماعي - السياسي الأوسع أدى إلى إشعال الثورات. أدى تصاعد الضغوط المالية، الناجم بشكل كبير عن الارتفاع في نفقات الاعانات (الدعم) المطردة، إلى تدهور الخدمات الاجتماعية وانخفاض الاستثمارات العامة، ما أضر في الغالب بالفقراء والمناطق المهمشة. الطبقة الوسطى، المتعلمة على نحو متزايد والعاملة بشكل "مستقل" في الأسواق غير الرسمية الناشئة، تضررت من خلال بطء عملية خلق فرص عمل جيدة، ومن حقيقة أن الوصول إلى الفرص الاقتصادية لم يكن محكوما بأسس الجدارة أو المساواة، بل بواسطة العلاقات مع القادة السياسيين ودوائر حلفائهم الضيقة. الشعور بالإحباط كان أكبر في البلدان الأنجح حيث كان معدل التعليم والطموحات اكثر ارتفاعا. هذا المزيج من العوامل خلق سدا جاهزا للانفجار من المظالم المتراكمة والطموحات المتعاظمة. وفي هذا السياق، انشق عناصر من الطبقة الوسطى عن التحالفات السلطوية وتحولوا إلى أبطال التغيير.

(ترجمة منال خضر)

المصادر

Abouleinein, Soheir, El-Laithy, Heba and Kheir-El-Din, Hanaa (2009), The Impact of Phasing Out the Petroleum Subsidies in Egypt, Working Paper no. 145, Cairo, Egypt, Egyptian Center for Economic Studies.

Assaad, Ragui (2009), “Labor Supply, Employment, and Unemployment in the Egyptian Economy, 1988–2006,” in The Egyptian Labor Market Revisited, ed. Ragui Assaad, Cairo, Egypt, American University in Cairo.

Bellin, Eva (2004), “The Robustness of Authoritarianism in the Middle East: Exceptionalism in Comparative Perspective,” Comparative Politics, 36, 2, 139–157.

Bibi, Sami, and Nabli, Mustapha K. (2011), “Equity and Inequality in the Arab Region,” Policy Research Report, Cairo, Egypt, Economic Research Forum (ERF).

Chekir, Hamouda, and Diwan, Ishac (2012), “Distressed Whales on the Nile—Egypt Capitalists in the Wake of the 2010 Revolution,” Working Paper no. 250, Cambridge, Harvard University, Center for International Development.

Demiralp, Seda (2009), “The Rise of Islamic Capital and the Decline of Islamic Radicalism in Turkey,” Comparative Politics, 41, 3, 315–335.

Diwan, Ishac (2013), “Who Are the Democrats? Leading Opinions in the Wake of Egypt’s 2011 Popular Uprisings,” Cambridge, Harvard University, John F. Kennedy School of Government.

El Badawi, Ibrahim, and Makdisi, Samir (2007), “Explaining the Democracy Deficit in the Arab World,” Quarterly Review of Economics and Finance, 46, 813–831.

Heydemann, Steven, ed. (2004), Networks of Privilege in the Middle East: The Politics of Economic Reform Revisited, New York, Palgrave Macmillan.

Huntington, Samuel P. (1991), The Third Wave: Democratization in the Late Twentieth Century, Norman, University of Oklahoma Press.

Kar, Dev, and Curcio, Karly (2011), Illicit Financial Flows from Developing Countries: 2000–2009: Update with a Focus on Asia, Washington, D.C., Global Financial Integrity.

Khan, Mushtaq H. (2010), Political Settlements and the Governance of Growth-Enhancing Institutions, London, School of Oriental and African Studies (SOAS).

Kuhn, Randall. “On the Role of Human Development in the Arab Spring.” Population and Development Review 38.4 (2012): 649-683.

Richard, Allan, John Waterbury, Melani Cammett, and Ishac Diwan. A Political Economy of the Middle East. Updated 2013 third edition. Westview Press, 2013.

Salehi-Isfahani, Djavad, Belhaj, Nadia, and Assaad, Ragui (2011), “Equality of Opportunity in Education in the Middle East and North Africa,” Cairo, Egypt, Economic Research Forum (ERF).

Tamimi, Azzam S. (2001), Rachid Ghannouchi: A Democrat Within Islamism, Oxford, Oxford University Press.

World Bank (2009), From Privilege to Competition: Unlocking Private-Led Growth in the Middle East and North Africa, Washington, D.C., World Bank.

[1] الكاتبان هما، حسب الترتيب، استاذان في جامعتي براون وهارفرد. الورقة هذه ملخص لمجموعة من الحجج نعمل على تطويرها في إطار كتاب: اقتصاد سياسي في الشرق الاوسط (2013)

[2] الباحثان يستخدمان مصطلح “المرتبطة” للتعريف بالشركات الكبيرة التي كانت أكثر ارتباطا بنظام مبارك، مرتكزين إلى الدعاوى التي رفعت ضد رجال الاعمال "الفاسدين" في أعقاب الثورات.

[3] في حين أن الشبان حشدوا أكثر مما حشدت الفئات العمرية الأخرى في الاحتجاجات في أنحاء المنطقة العربية، فإن هذه الاستطلاعات لا تدعم الادعاء بأن هناك انقساما بين الاجيال في الآراء بشأن الرغبة في الديمقراطية في 2008. على العكس، يبدو أن آباء شبان الطبقة الوسطى المصرية باتوا يشعرون كما أولادهم بالاستياء من افتقارهم إلى فرص العمل.

[4] من غير المرجح أن تنعكس هاتان الفئتان في مقاييس عدم المساواة المرتكزة على مسوحات استهلاك الأُسر لأن مسوحات الأسر معروفة بعدم شمل الاغنياء فيها. حسب بعض التقديرات، فإن أغنى 10? من سكان مصر والمغرب والأردن وسوريا سيطروا على 30-40? من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2010.

[5] في تركيا، مزيج الدروس من القمع والانتهازية ونمو طبقة وسطى ودية أجبرت حزب العدالة والتنمية على النزوع نحو الاعتدال (ديميرالب 2009). في تونس، ادعت قيادة النهضة في 1981 أنه "ليس لدينا الحق في التدخل بين الشعب واولئك الذين يختارهم وينتخبهم" (التميمي 2001).

 




مساهمات أخرى للكاتب


مساهمات ذات صلة
حركة الإسلام السياس...
حسن السوسي
      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬