روجر اوين

يعود نظام شخصنة صلاحيات الرئاسة العربية وارتكازه الى دولة أمنية، الى إعلاء شأن السيادة الوطنية في عالم مخاطر ما بعد الاستعمار في الخمسينات والستينات. والنظام هذا غلب عليه شيئاً فشيئاً طابع النظام الملكي. فهو سعى الى اطالة عمره من طريق توريث " العرش " الى ابن الرئيس الحاكم. وساهم في تعزيز النظام هذا بروز مجموعات صغيرة تستفيد من النظام الزبائني الاقتصادي وتتوسل امتيازاته لحيازة احتكارات في القطاع العام. وتسعى المجموعة هذه الى حماية الامتيازات تلك عند وفاة الحاكم. والوقوف على هذين المنحيين، أي بروز الديكتاتورية العائلية من جهة والفساد والزبائنية المرافقين لها، من جهة اخرى، يسمح بتفسير انتفاضات" الربيع "العربي.

1- مقدمة

لا شك في ان اطاحة سلسلة انظمة ديكتاتورية راسخة منذ اعوام طويلة كانت أبرز اهداف ثوار ما يسمى "الربيع العربي". واللافت ان ثمار الربيع هذا انعقدت، وبلغ مأربه الابرز. وفي مرحلة قصيرة الامد، سقط 3 رؤساء جمهورية لمدى الحياة (زين العابدين بن علي، وحسني مبارك، ومعمر القذافي)، واضطر اثنان منهما (بشار حافظ الاسد وعلي عبدالله صالح) الى الكفاح من اجل البقاء دفاعاً عن حكمهما، وقُوضت سلطة نظامين آخرين تقويضاً بالغاً (عبد العزيز بوتفليقة وعمر البشير)، ولو لم ينبثق التقويض هذا عن ثورة شبابية ناشطة. وإذا اسُتثنيت اطاحة الرئيس صدام حسين الانغلو- أميركية في العراق في 2003، بدا أن الجمهورية اليتيمة التي لم تعمها انتفاضة كبيرة هي لبنان. فموقع الرئاسة المسيحية فيه ضعيف وتُقيده قيود المؤسسات وقوى الجماعات الطائفية الاخرى.

في ما يلي، أتناول سيرورة تحول الرئاسات العربية، في مرحلة ما بعد الاستعمار، من رئاسات أبدية أو مدى الحياة الى ضرب من الملكية جراء رغبة الحكام والانظمة في ضمان استمرايتهما من طريق انتخاب ابن الحاكم او احد اقربائه ليكون وريث الرئيس. وبعدها أنظر في اسباب بروز معارضة واسعة النطاق رداً على هذه الانظمة الرئاسية، ومحاولات استبدالها بنظام سياسي جديد من طريق اقرار دساتير جديدة وبرلمانات منتخبة أخيراً. وفي المرحلة الاخيرة سأتناول المشكلات التي برزت في التعامل مع عناصر النظام الديكتاتوري السابق وإرث المؤسسة العسكرية الراسخ من اجهزة امنية واحتكارات الزبائنية المالية. والإرث هذا لا يقتصر على الحالة المصرية. وفي هذا التناول، سأنظر في أحوال نماذج الجمهوريات الرئاسية العربية، من العراق واليمن في الشرق، الى الجزائر في الغرب. فالربيع العربي جمع الدول العربية جمعاً غير مسبوق على هذا الشكل، وترددت اصداء دروسه وتحذيراته تردداً سريعاً وانتقلت من دولة الى اخرى في شمال افريقيا ومنها الى الشرق الاوسط كله.

2- ارساء الرئاسات الاستبدادية مدى الحياة

إثر الاستقلال بُعيد الحرب العالمية الثانية، أرست دول عربية كثيرة جمهوريات رئاسية مركزية قوية من طريق اطاحة البنى الملكية (وهذه كانت الحال في مصر وليبيا والعراق وتونس واليمن) أو من طريق سلسلة من الانقلابات العسكرية (الجزائر والسودان وسوريا)[1].

وبرز مثل هذا المسار في اصقاع اخرى من العالم ما بعد الكولونيالي. لذا، لا يجافي المنطق افتراضاً مفاده (على ما فعل محمد أيوب) أن سير الامور على هذا المنوال كان نتيجة مسار شامل يرمي الى حماية السيادة المكتسبة حديثاً والرغبة في شد اواصر الوحدة (اللغة والتعليم والثقافة الخ)، والتحديث والتنمية من طريق التجييش الشعبي واجراءات اعادة توزيع العوائد توزيعاً عادلاً مثل اصلاح الارض وإمساك الدولة بمقاليد التصنيع[2]. وعلى رغم الطابع العام او الشامل هذا، اصطبغت، كذلك، عملية الانزلاق الى الاستبداد بـطابع عربي. وبرزت سياسات ارتقت نموذجاً يُحتذى مثل مساعي بناء - الدولة التي بادر اليها الرئيس جمال عبدالناصر، وسياسة التحرير الجزئي أو رفع القيود جزئياً عن القطاع الاقتصادي التي بادر اليها خلفه أنور السادات. وأنزل النظام هذا انشاء شبكة حكومية بيروقراطية كبيرة مكانةً عالية. وتستند الشبكة هذه الى قاعدة مركّبة تجمع الجيش والشرطة الى أجهزة امنية داخلية متنافسة. ولا يستخف بأهمية انشاء شبكة بيروقراطية كبيرة تقوم على اقطاعات أو مراكز هيمنة بيروقراطية على رأسها مقربون من الرئيس قد يتمتعون بهامش من الحرية بعيداً من السيطرة الرئاسية المباشرة، على غرار صديق عبد الناصر وزير الدفاع، عبد الحكيم عامر.

وعلى رغم أوجه الشبه بين الانظمة العربية، برزت فروق لا يستخف بها في طريقة ادارة الشؤون الداخلية في ما بينها. والسبيل الامثل الى إدراك هذه الفروق هو عرض توجهاتها الثلاثة:

أ- كان في مقدور الرؤساء في دول لها باع في الحكم المركزي (الجزائر، وتونس، ومصر، والعراق، وسوريا) بسط نفوذهم، الى حد بعيد، بواسطة مراسيم، على خلاف الدول التي تغلب على مساحتها مناطق متمردة (ليبيا والسودان واليمن). ففي هذه الدول اضطر الرؤساء الى انتهاج اساليب تقليدية من قبيل التفاوض مع وسطاء القوى المحلية وتوسل سياسة “رخوة القبضة” لسان حالها فرّق تسد.

ب- ومع مرور الوقت، نزع النظام، وفي مصر على وجه التحديد، الى الاعتماد على اجهزة الاستخبارات والشرطة، عوض الجيش. فبرز طابع هذه
الانظمة البوليسي.

ج- وفي البدايات، ركنت بعض الانظمة الى قاعدة مختلطة ومؤلفة من طبقات كثيرة، ثم عمدت الى اعتماد الطبقة الوسطى إثر تعذر مواصلة سياسات التنمية الدولتية. وحلت طبقة مختلطة تجمع القطاعين العام والخاص محل القاعدة هذه، فبرز التوتر بين الطبقة الوسطى ونظام المحسوبية الزبائني من جهة، وبين الطبقة الوسطى والشرطة، من جهة أخرى.

وشيئاً فشيئاً غلب على هذه الانظمة الديكتاتورية الطابع "السلطوي"والسلطوية شكل من الحكم رصده باحثون في اميركا اللاتينية يرمي الى انشاء سلطة مركزية أحادية تمسك بمقاليد الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتضع اليد على أبرز شركات الانتاج العامة. وفي عدد من الحالات، استند تعريف السلطوية الى افتراض ثان: الانقضاض على أي شيء يجوز تسميته بـ "المجتمع المدني" ، وهي عبارة شاعت إثر مبادرة بولندا وغيرها من دول شرق أوروبا الى التحرر من الحكم السوفياتي في الثمانينات. لكن الدراسات اتجهت اخيراً الى الطعن في افتراض هيمنة الدولة المطلقة على جميع نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وسلطت الضوء على وجود "جيوب" أو بؤر معارضة في المجموعات، ومنها النقابات العمالية، وفي المناطق الجغرافية النائية حيث قيدت سلطات الدولة جماعاتٌ شبه مستقلة على غرار القبائل وسكان قرى الارياف. وفي مصر وليبيا وتونس، كانت مثل هذه الجماعات في طليعة معارضة الانظمة الديكتاتورية وشكلت شطراً لا يستخف به من جمهور الناخبين السياسيين تنافست على استمالته الاحزاب المختلفة التي برزت على الساحة الانتخابية، بعد الربيع العربي.

3- رؤساء جمهوريون في حلّة ملكية

إثر رسوخ أقدامهم في السلطة واستبعاد خطر التدخل الخارجي والانقلاب العسكري، حسِب رؤساء مثل جمال عبد الناصر في مصر، وحبيب بورقيبة في تونس، وهواري بومدين في الجزائر، أن في مقدورهم البقاء في مناصبهم مدى الحياة من غير الاحتكام الى الناخبين. وفي البداية، عاش هؤلاء الرؤساء قانعين بظروف عيشهم المتواضعة. ولكن في مطلع السبعينات، على اقل تقدير في حالة الرئيس انور السادات في مصر، برز ميل الى استعراض مظاهر القوة، والعيش في قصور، والى منح زوجة الرئيس دوراً يحاكي دور "السيدة الاولى" الاميركية.

وساهمت قوى أخرى في تعزيز سطلة الرئيس. ففي حال سوريا، أدى مرض الرئيس حافظ الاسد بين 1983- 1984، الى تفويض نخب الاقلية العلوية عائلة الاسد بحماية مصالحها الطائفية. وأقدم آخرون في هذه الدول على بدء عملية بناء القطاع الخاص - وهذه كانت نزولاً على حملة دولية - في مطلع التسعينات من طريق انتهاج سياسات الخصخصة واستقطاب رؤوس الاموال الخارجية. وغالباً ما أودعت الثروات الكبيرة في أيدي شبكة محسوبيات من الأوليغارشيين، وغلب على هذه الشبكة الطابع الاحتكاري. وبعض اعضائها هم من اقارب اسرة الرئيس أو من دوائر المصاهرة.

فصب بقاء النظام في مصلحة الرؤساء وعائلاتهم و "محسوبياتهم" وعدد كبير من الاوليغارشيين. فديمومته هي السبيل الامثل الى الحفاظ على الامتيازات والمكانة المرموقة. واقتضت الامور ان يحمي هؤلاء مواقعهم من طريق درء مخاطر التغير المستقبلي وجبه آخرين من ابناء جماعاتهم قد يرتقون الى مصاف الاحتكاريين ويطالبون بحصة من الغنيمة. وبقاء الامور على حالها كان بالغ الاهمية في اوساط اصحاب الاحتكارات العامة، في قطاع الصلب أو صناعة السيارات او الكيماويات الخ، أو من حاز حق احتكار استيراد بعض السلع النادرة وحيازة قروض رخيصة (متدنية الفوائد) من المصارف العامة. وهذه امتيازات لا غنى عن النظام لحمايتها. وبلغت الصلة الوطيدة بين الاحتكارات الخاصة ونفوذ الدولة مبلغاً يسع المرء ازاءه أن يتخيل ارتباطاً مباشراً بين عدد أبرز اعضاء شبكة المحسوبيات المقربة من النظام وحجم الاقتصاد الاوسع. وهؤلاء ربما يبلغ عددهم نحو 25 في مصر، و15 في سوريا.

ورأى معظم الحكام وشطر راجح من الانظمة هذه ان خلافة الابناء الآباءَ هي السبيل الامثل الى دوام النظام. وافتتحت سوريا عملية التوريث في التسعينات، وانتقلت عدواها الى مصر في نهاية التسعينات مع بدء استعداد جمال مبارك لخلافة والده، والى ليبيا مع عودة سيف القذافي من لندن في 2008، كما بلغت اليمن. لكن هذا الحل لم يكن في المتناول في تونس. فابن الرئيس التونسي كان لا يزال طفلاً، وهو ولد في 2006. واستحال كذلك التوريث في الجزائر والسودان في غياب وريث. وتعثرت عملية التوريث في ليبيا واليمن حيث فرّقت الخلافات على الهيمنة على عوائد الدولة بين الابناء المتنافسين. ولكن هذه المشكلات تهافتت، مع اطاحة الأسر الديكتاتورية في 2011. وبدا يومها، على ما لاحظ امين عام الامم المتحدة، بان كي مون، أن الرؤساء الذين سينجون من العاصفة لن يتوسلوا التوريث - وهو فقد مشروعيته - حلاً لتداول السلطة[3].

4- نزاعات داخل الانظمة الديكتاتورية ساهمت في انهيارها

في التسعينات ومطلع القرن الحادي والعشرين، رأى معظم المراقبين، سواء كانوا في الشرق الاوسط او خارجه، أن الرئاسات العربية وقعت على صيغة ناجعة لإطالة امد حكمها من طريق جعل انظمتها في منأى من الانقلابات، وتوسل خليط من الرقابة والقيود والتخويف تُخفَّف قيوده في انتخابات استنسابية. واختبرت هذه الصيغة في الجزائر وتونس ومصر وسوريا، وانعقدت ثمارها. ولم يخفَ في يوم من الايام ان البديل عن الحاكم هو وحده ما يحول بين المجتمع وبين انزلاقه الى الفوضى أو الى حكم المتطرفين دينياً. وبدا، في حالات كثيرة، أن نفوذ الرؤساء الملكيين تعاظم مع مرور الوقت. ويعود الفضل في ذلك الى دعم الولايات المتحدة وحلفائها لهم جراء دورهم في"الحرب على الارهاب"- وهذه شنها الرئيس بوش إثر هجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر). وعلى رغم التزامهم المبدئي فكرة الانتقال الى ديموقراطية شعبية، اكتفى زوار القاهرة وغيرها من العواصم العربية مثل وزيرة خارجية جورج بوش، كوندوليزا رايس، بتقريع الرؤساء تقريعاً ناعماً على سياساتهم غير الديموقراطية.

وبرزت اشارات صغيرة الى تململ الطبقة الوسطى ومعارضتها. فعلى سبيل المثل، ظهرت حركة كفاية المصرية، وسعت الى الحؤول دون وراثة جمال مبارك والده، على رغم ان مسعاها بدا عقيماً. وحال إبداء كل رئيس يقينه بدوام حكمه وممارسات النظام "الصفيقة" والسرية، دون رصد هذه الاشارات الصغيرة. وفات المراقبين انقسامات النخب، ومنها على سبيل المثل، معارضة العسكر لجمال مبارك جراء الاشتباه بضعف مواقفه ازاء" الاخوان المسلمين ". وفاتهم كذلك بروز أثر اتجاهات اجتماعية مثل انزلاق الطبقة الوسطى الى الفقر وتزايد الهوة بين الطبقة هذه والطبقة العليا التي تشكل 1 او 2 في المئة من السكان، وتعاظم وزن ما يسميه علماء السكان "النتوء الشبابي" ، أي تضاعف عدد من هم بين الخامسة عشرة والخامسة والثلاثين في العالم العربي، مرتين تقريباً بين 1980 و[4]2010.

وكانت شرارة صغيرة وراء سقوط نظام بن علي سقوطاً سريعاً في تونس في كانون الاول (يناير) 2011، ووراء تظاهرات عملاقة في القاهرة في ميدان التحرير في وقت لاحق من الشهر نفسه. واماطت الشرارة هذه اللثام عن ضعف شطر راجح من هذه الانظمة وسوء استعدادها لجبه انتفاضات شعبية، سواء افلحت الانتفاضات في اطاحة الانظمة أو رمت ببلدها في اتون الحرب الاهلية حين جوبهت بمقاومة مسلحة. وعلى رغم ان عدد المضطهدين بلغ الملايين، يتعذر تعيين عامل واحد او اثنين وراء اندلاع الانتفاضات العربية. وتبدو العوامل هذه وثيقة الصلة برغبة كل أنظمة النهب والسرقة في البقاء الى الأبد، وبتبديد الامل بالتغيير، وبعجز الانظمة عن النزول على الحاجات الاقتصادية لشعوبهم المطّردة النمو. فوجدت الانظمة العربية نفسها من غير معين شعبي حين كرت سبحة الانتفاضات. وبدا ان القوى العسكرية العظيمة ترفض قمع الانتفاضات قمعاً منفلت العقال ومطلق العنف أو أنها لا ترغب في ذلك.

5- مشكلات سياسية وإدارية بارزة تعوق بروز بنى جديدة
ونظام جديد

التاريخ العالمي شاهد على ان الثورات الكبيرة تحتاج الى اعوام طويلة، واحياناً، الى عقود قبل أن تبلغ البر وترسي بنية سياسية جديدة. وفي الشرق الاوسط العربي، شأن غيره من اصقاع العالم، افتُرض ان اركان البنية هذه هي الانتخابات الشعبية ودستور يكتسب شرعيته من الاجماع عليه وينبثق من ارادة الشعب. ولم يخل التزام الانتخابات الديموقراطية و "بناء" الدستور من صعوبات. لكن المساعي تعثرت بمشكلات تفوق هذه الصعوبات تعقيداً وتفتقر الى الاجماع فتزيد الشقاق، ومنها على وجه التحديد الاقتصاص من اعضاء النظام الساقط، ونقل ثرواتهم والبنى التي تستند اليها الى سلطة الدولة. وبرزت مشكلة اخرى هي مشكلة اصلاح مؤسسات النظام، ومنها سلك الشرطة والقضاء والنظام التربوي واقتلاع "الدولة العميقة" - وهذه احتذى الشرق اوسطيون حذو الاتراك في ارسائها.

وحين كتابة النص هذا في اواخر كانون الثاني (يناير) 2013، بعد عامين على بدء سيرورة الثورة، بدا ان الاتجاه نحو نظام دستوري جديد على قدم وساق في دول شمال افريقيا الثلاث، تونس وليبيا ومصر. وسعت الحكومات الجديدة الى اشراك "الناس" في صياغة وجه البنى الجديدة عبر تنظيم الانتخابات التي فازت فيها، على نحو ما كان مرجحاً، القوى الأكثر تنظيماً، اي الأحزاب والحركات الدينية المنظمة. والسعي هذا جدير بالثناء. وما أُنجر لا يستهان به، ويعود الفضل فيه الى رغبة عامة بالتزام جدول مواعيد حُددت محطاته مباشرة بعد الثورة. ولكن الانقسام تسلل الى هذه الامم ازاء بنود اساسية في الدساتير الجديدة. والخلاف هذا ساهم في تعثر تذليل المشكلات الاقتصادية والتربوية التي تواجهها كل دولة من هذه الدول، بعد اعوام طويلة من الاهمال الديكتاتوري وسوء الادارة.

وفي انحاء اخرى من شمال افريقيا لم يطاول التغيير الذي يُعتد به المؤسسات. واقتصر التغيير الطفيف في الجمهورية الجزائرية على تقويض مجموعة من ضباط الجيش تعرف محلياً بـ"لو بوفوار"[مكمن السلطة الفعلية]، موقع الرئيس بوتفليقة. والسودان بقي كذلك في منأى من رياح التغيير. ويتمسك الرئيس عمر البشير بمقاليد السلطة، ويقاوم ارتدادات التمرد المسلح في دارفور وانشطار بلده الى دولتين.

وفي الشرق العربي، رفض النظام السوري التراجع امام المتظاهرين السلميين، واتهمهم جراء انقطاعه عن احوال عامة الناس بالعمالة لقوى خارجية. وإذا كان ثمة منطق يستند اليه القمع العسكري العنيف، ربما يكون وراءه رسوخ فكرة أن بعث حال الخوف العادي ضرورية قبل تقويم احتمال تقديم مساومات يعتد بها من موقع قوة. ونجم عن الحملة العسكرية العنيفة انقسام مجتمع بدا انه مترابط وتداعيه تداعياً مدمراً وعنيفاً يكاد يبدد إمكان دوران عجلة الحكومة في المستقبل. ويعصى الخيال توقع بروز تطور مؤسساتي ودستوري. وذللت قوى خارجية، هي الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية على وجه التحديد، المشكلة بين المعارضة على اختلاف انواعها، المسلحة وغير المسلحة، وبين النظام اثر بلوغ المواجهة بينهما طريقاً مسدوداً في صيف 2011. وكان تنظيم انتخابات استثنائية في شباط (فبراير) من اركان عملية الحل. فالانتخابات هذه انتهت الى استبدال الرئيس علي عبدالله صالح بنائبه الموكلة اليه مهمة صوغ دستور جديد واجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في 2014. وعلى رغم هذا التذليل، لم يُنزع فتيل التوتر بعد. فالمواجهات العسكرية بين اجزاء من الجيش على رأسها ابناء صالح وبين المعارضة لم تحسم، وهي امام طريق مسدود. وفاقم المشكلة العفو عن الرئيس السابق، على ما يقضي اتفاق توصل اليه مجلس التعاون الخليجي، إثر عودته من المستشفى في السعودية. فالعفو يحول دون مساءلة الحكومة الجديدة له حول حجم ثروته الخاصة التي تقدر بـ 25 مليار دولار- وهذه من المكاسب غير المشروعة التي راكمها اثناء بقائه نحو اربعين عاماً في السلطة.

6- مشكلات اقتصادية وقانونية: تونس ومصر وليبيا

بعد عامين على الربيع العربي، سلكت ثلاث دول متجاورة هي تونس وليبيا ومصر، درب جبه مشكلات بارزة تترتب على التخلص من البنى القديمة والسعي الى ارساء بنى جديدة. وسأتناول هذه المشكلات في ثلاث نقاط: محاسبة رؤساء النظام السابق وأعضاء من اسرهم، والاصلاح الطويل الامد في المؤسسات البارزة مثل أنظمة الشرطة والتعليم والقضاء، ودور العسكر غير السوي في مصر.

6.1- المحاسبة والعقاب وقادة النظام السابق

في ثورة من هذه الثورات الثلاث، بقي الرئيس المؤبد أو الابدي حسني مبارك في قصره الى حين اعتقاله مع ولديه. وسافر بن علي الى السعودية مع زوجته، وقُتل القذافي وعدد من ابنائه على يد ابناء شعبهم. وحده سيف من ابناء العقيد الليبي نجا من الموت، واعتُقل حياً وسجنه اهالي الزنتان الغاضبون. وبرزت مشكلة بالغة العسر جوابها يقضي بتحديد أي التجاوزات يحاسب عليها من بقي (على قيد الحياة) من الرؤساء السابقين. ودعت محكمة العدل الدولية في لاهاي الى الادعاء عليهم بـ "جرائم ضد الانسانية" وهذا الاقتراح يعتد به في ميزان رؤية دولية ولكنه لم يلق قبولاً في ليبيا. فهو يقضي بتسليم سيف القذافي الى نظام قضائي اجنبي. ومنذ كانون الثاني (يناير) 2013، أرجئ البت في هذه المعضلة الى حين اصلاح ما يتعارف عليه انه النظام القضائي الليبي. واقتراح لاهاي هذا كان احد الخيارات.

واختارت مصر جواباً آخر على المعضلة هذه، وأضفت مشروعية على عملية محاسبة الرئيس السابق من طريق الاحتكام الى القانون الأساسي السابق للثورة وليس الى عدالة ثورية. فادعت عليه بجرمي القتل والفساد، أي توجيه اوامر الى الشرطة بإطلاق النار على المتظاهرين، والتواطؤ مع مقربين منه في عالم الاعمال لبيع الغاز المصري الى اسرائيل بسعر أدنى من قيمته في السوق العالمية. والاتهام المزدوج هذا غير بائن أو قاطع. ولكن الثغرة القانونية هذه لا تحول دون اعتقال الرئيس السابق وسجنه.

ولا يستخف بأهمية القرار المصري محاكمة مبارك على هذا الوجه. فالنظام الجديد في تونس بادر كذلك الى الادعاء غيابياً امام محكمة عسكرية على بن علي بتهمتي نهب أصول الدولة والأمر بقتل متظاهرين. ولا يتعذر فهم دواعي مقاضاة الرؤساء السابقين استناداً الى القانون الاساسي بتهم مثل القتل. ولكن ما دعا اليه محمد حسنين هيكل في جريدة "الأهرام" يعتد به. فهو ذهب الى ان جرائم مبارك يغلب عليها الطابع السياسي (وليس القانوني)، وأن حسم قرار مقاضاته يعود الى ممثلي الشعب[5]. وسواء رغب اعضاء المجلس التمثيلي (مجلس الشعب) في تحمل مسؤولية مثل هذا القرار أم لا، يثير تداول هذا الاحتمال النقاش حول ما يُفترض ان يُحاسب عليه ديكتاتور سابق، اي تبديد فرص شعبه وتقويض طموحاته، وحؤوله دون تحقيق الطموحات هذه، وليس هدره حيوات عدد من الاجيال فحسب.

6.2- اعادة هيكلة نظام الزبائنية الاقتصادية السابق

لا ريب في ان نظام المحسوبيات او النظام الزبائني الاقتصادي في مصر وليبيا وتونس ألحق الضرر بالاقتصاد الاوسع وبمؤسسات الدولة والشركات الخاصة والنشاط الاقتصادي. لكن الغموض يلف آلية عمل النظام هذا وسجله التاريخي. فعمليات بيع شركات الدولة في التسعينات جرت وراء الابواب المغلقة من غير مناقصات عامة، ولم تخرج الى العلن سبل تمويلها. وحرص الحكام المستبدون والرأسماليون المقربون منهم على التستر، قدر الامكان، على عوائد الاحتكار وسبل استخدام بعضها في تمويل مشاريع النظام مثل الانتخابات المدبرة او المزورة. ولا يزال مصير مليارات الدولارات من الربح غير المشروع - وقدرها تقريباً 11 مليار دولار في حالة بن علي وأسرته - غامضاً. ويبدو ان شطراً كبيراً من هذه المبالغ لن يُسترد، على رغم مساعي المصرفيين والسلطات المالية في الولايات المتحدة وأوروبا ودول العالم[6].

وثمة سعي الى تقصي أثر أصول الرؤساء الديكتاتوريين السابقين وعائلاتهم والمقربين منهم. ولكن تتبع مصير الاموال هذه محلياً عسير. وقد شُكلت لجان مكافحة الفساد، وبذلت مساعٍ كبيرة لتحديد هذه الاصول ومصادرتها رسمياً. فعادت بعض هذه الاصول الى كنف القطاع العام، ووجدت قلة منها - على غرار خطوط طيران البراق التي كانت ملكيتها تعود الى زوجات القذافي - طريقها الى الخصخصة. وبعض بنود الخصخصة هذه غامض. فهي لا توضح مصير المؤسسة المصادرة. ولا تتناول، على سبيل المثل، مصير القوة العاملة ومستوى نشاط المؤسسة[7]. وليس أمام المرء في غياب المعلومات وتعذر جمعها والافتقار الى"الشفافية"غير افتراض ان مقاليد بعض الشركات، وعدد منها كان جيد الأداء على غرار شركة احمد عز وابنائه للحديد وشركة الصلب المصرية، صارت في يد مسؤولين رسميين.

وارجئ البت بمصير المصارف العامة - وهذه كانت " البقرة الحلوب "للمقربين من الرؤساء السابقين، أي مصدر اموال وربح سريع. فسقوط المستبدين السابقين ترك المصارف هذه - وهي منحت قروضاً لا تستوفي ضمانات السداد ومعاييره - لمصيرها. وتعذرت عملية خصخصتها جراء سوء ميزانياتها العامة، وبيعها مؤجل الى حين اجراء عملية اعادة هيكلة داخلية طويلة الامد.

واجهضت الخلافات السياسية في مصر وتونس عملية إرساء نظام اقتصادي جديد. ودار الخلاف بين سياسيين شعبويين يشغلهم ترويج مشاريع تطوير مخطط لها وبين تكنوقراط نيوليبراليين مثل رئيس البنك التونسي المركزي السابق، مصطفى النابلي. وهذا دعا الى التزام سياسات تقتطع المساعدات العامة وتشرف على الخصخصة وتقوّم خلل الموازنة. واضطرت احزاب دينية الى التزام مثل هذه السياسات، جراء الافتقار الى خيارات بديلة ورؤية (اقتصادية) خاصة بها لاستمالة كبار رجال الاعمال. ولكن هذه السياسات تُقيد قدرة الحكومة في تونس على توفير فرص عمل جديدة نزولاً عند طلب العاطلين عن العمل. ووقف العجز هذا وراء اضطرابات اجتماعية.

كما برزت مشكلات أخرى ترتبت على الملاحقة الشرسة للادعاء العام لمقربين من نظام مبارك وعدم حفظ مشروع الدستور الجديد حقوق الملكية الخاصة وإهماله تناول قضايا المياه وحماية البيئة. وهذه العوامل اشاعت مناخاً من عدم اليقين، وبعثت القلق في اوساط المستثمرين المحتملين، وغذت حيرتهم. فعزفوا عن الاستثمار في انتظار بروز بنية قضائية وقانونية جديدة.

6.3- الدولة وعملية اصلاح المؤسسات الرئيسية طويلة الامد

كان أبرز اهداف الثوار الشباب في ميدان التحرير وغيره الاصلاح الجذري لمؤسسات النظام القديم الرئيسية (جهاز الشرطة والنظامان التعليمي والقضائي)، وتنفيذ مشاريع ضخمة تقوض آثار التلوث البيئي وتوقف هدر المياه، الخ... ولكن المؤسف ان انجاز مثل هذه المشاريع يقتضي عقوداً ولا يصب في مصلحة السياسيين الآنية الوثيقة الصلة بالاوزان الانتخابية. ويفاقم المشكلة هذه معارضة قوى مثل الجيش والمؤسسات الامنية والقضاة في مصر واتحاد الشغيلة في تونس، لشطر كبير من هذه الاصلاحات.

وفي مثل هذه الظروف ليس مفاجئاً عدم المبادرة الى تطهير سلك الشرطة المصرية، الى حين "انقلاب" الرئيس مرسي على المجلس العسكري في آب (اغسطس) 2012. ولم يبارح عدد كبير من طاقم كوادر مبارك مناصبه، ومنهم قضاة اشرفوا على اول انتخابات شعبية. وكان بين المرشحين اعضاء من النظام السابق، ومنهم احمد شفيق، رئيس الوزارء الاخير في عهد مبارك، الذي حاز عدداً كبيراً من الاصوات كاد ان يقارع حصة مرسي من الاصوات. وبدا ان الجيش تراجع امام"انقلاب"مرسي، ولكنه لن يتوانى عن حماية مصالحه التي لا تقتصر على استقلاله المؤسساتي. فهو يضع يده على اصول اقتصادية ضخمة قد تضعف قبضته على إدارتها إذا التُزمت معايير التقويم السليم، أو قد يخسرها إذا شرعت الابواب على المنافسة الدولية.

ومضت الامور قدماً في تونس حيث بدا ان اقتلاع جذور "الدولة العميقة" أيسر مما هو عليه في مصر. ومثل 40 مسؤولاً رفيع المستوى في عهد بن علي امام القضاء - بينهم وزير الخارجية ومدير دائرة امن الرئيس - وحكم عليهم بالسجن20 عاماً. وصدر مرسوم يحظر ترشح كبار اعضاء حزب بن علي في الانتخابات إذا سبق أن شاركوا في العقد الماضي في نشاط سياسي.

وفي ليبيا كانت مشكلة جبه اعضاء نظام القذافي الاعظم قياساً الى مصر وتونس. فقلة من الليبيين لم تربطها صلة بالنظام السابق، ومنهم الرئيس الجديد الحالي. ولكن تذليلها بلغ مبلغاً كبيراً وقطع اشواطاً كبيرة. وبعد عام ونصف على سقوط النظام القديم، ينتظر شطر كبير من المقربين من القذافي محاكمتهم وهم سجناء. واصحاب الرتب الصغيرة المشتبه في تورطهم مع النظام السابق معتقلون في مراكز عسكرية في انتظار ارساء نظام قضائي جديد. ولم يمثل امام القضاء بعد إلا مدير استخبارات القذافي الخارجية السابق، ولم يصدر الحكم في حقه بعد.

دروس وعِبر

سواء رأى المراقبون ان ما يسمى “الربيع العربي” عملية ثورية أو عملية جزئية لم تزعزع النظام السابق، فإن معظمهم اعتبر أن تجاوز ما يسميه مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الوطني الليبي الانتقالي، "إرث الفساد والارتياب الثقيل"، يحتاج الى اعوام طويلة[8]. ويرى آخرون أن إرساء النظام الديموقراطي الدستوري - وهذا مسعى مصر والعراق وليبيا وتونس، وقد يُسعى اليه في سوريا والسودان -
يقتضي اعواماً من التسويات المؤسساتية ودعم السلطة القضائية.

والحاجة ماسة الى استخلاص أبرز الدروس أو العبر، وأولها ادراك اهمية الاجماع على جدول مواعيد يرمي الى ارساء ديمقراطية شعبية. وفي هذه المرحلة، لا غنى عن دعم المجتمع الدولي ممثلاً بالامم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والجامعة العربية أو اللجنة الاقتصادية الاوروبية، أو عن دعم الولايات المتحدة مصر- وهذه تعتمد اعتماداً كبيراً على الاقتصاد الاميركي والمساعدات العسكرية الاميركية. وسند مثل هذا الدعم هو ديبلوماسية محنكة من غير اهمال الحوافز المستقبلية وسياسة العصا والجزرة، أو العقوبات والمكافآت. والى اليوم، قوضت ادارة اوباما هذه العملية، واختارت توجيه النصائح الى الجنرالات المصريين وراء الابواب المغلقة وليس توبيخهم على الملأ، والتزمت عدم التلويح بقطع المساعدات العسكرية. ومرد هذه السياسة ذكريات تاريخية عن نتائج تراجع ادارة أيزنهاور عن وعد تمويل سد أسوان في 1955.

والدرسان الآخران وثيقا الصلة بالمشكلات المترتبة على ما لا إلفة لهذه الدول به، اي التزام ديمقراطية برلمانية قوية تنيط رئاسة الحكومة بمن يحظى بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات، وصوغ العلاقة بين رئيس الوزراء والرئيس، وفي مصر بين رئيس الوزراء والقوات المسلحة. وهذه شؤون بالغة التعقيد. وفي لبنان، على سبيل المثل، يبدو التعقيد هذا بارزا. فالنظام قوامه الجمع بين الحنكة والباع الطويل في السياسة والتسويات. ولكن المصريين والليبيين والتونسيين هم اليوم في الخانة الاولى من هذه العملية وهم يفتقرون الى مثل هذه الخبرات. وهذا ما يعظّم عسر مسعاهم. فالاحكام واشكال العلاقات بين اللاعبين السياسيين البارزين لم ترتسم معالمها بعد. وفي تونس وليبيا، برز ما يشبه مثلث سلطة لبناني يوزع الصلاحيات بين رئيس ورئيس وزراء ورئيس مجلس نواب. ويلاحظ النازع الى تعيين تكنوقراط من خارج الطاقم السياسي في وزارات بارزة مثل وزارتي
التعليم والمال.

7- سؤال اخير: أي اثر خلفه "الربيع العربي" في الانظمة الملكية العربية ودول الخليج؟

وصل مد موجة الحماسة التي اطاحت الديكتاتوريات في شمال افريقيا الى نظامين ملكيين في المغرب والاردن، على وقع المحن الاقتصادية والبطالة وتدهور قيمة دخل الطبقة الوسطى- ومثل هذه المشكلات كانت وراء الرغبة في سقوط الانظمة التونسية والمصرية والليبية. ولكن الحماسة هذه في المغرب والاردن لم تبلغ مبلغ المطالبة بإسقاط النظام الذي يستند الى قاعدة اجتماعية لا يستهان بها في اوساط القبائل واهالي الارياف. وتوسل النظامان هذان إجراءات امنية لم تؤتَ ثمارها في الجمهوريات الثلاث، وضحيا بعدد من الوزراء، والتزما توسيع المحاسبة الملكية، فكتبت لهما الحياة على رغم أن المشكلات الاقتصادية لم تذلل وبقيت على حالها.

وهبّت كذلك على الانظمة الملكية العائلية في شبه الجزيرة العربية ومحيطها رياح التظاهرات الشعبية الاحتجاجية. ولكن الانظمة صمدت في وجه العواصف الصغيرة الحجم قياساً الى نظيرها في شمال افريقيا. والسبيل الى هذا الصمود كان قمع المتظاهرين وملاحقتهم وتوزيع مبالغ كبيرة من عائدات الاحتياطات النفطية، واقرار خطوات تزيد التمثيل الشعبي على المستوى الاستشاري في السعودية وقطر وفي اوساط الاقلية السنية في البحرين. ودار كلام بقي حبراً على ورق على الاتجاه نحو تقليص صلاحيات الملك في الاردن والمغرب وتغيير آلية التوريث بعد وفاة الحاكم، بحيث ينقل العرش الى الابن البكر وليس الى
القريب الاكبر سناً.

8- في الختام رؤيةٌ مستقبلية

كرت سبحة الحوادث منذ اندلاع الثورات العربية، ولكنها لم تفضِ الى بروز نظام سياسي واداري شعبي يتربع محل الانظمة السابقة في الدول التي هزتها الثورات. والحق ان عجلة العملية الانتقالية لم تدر سوى في مصر وليبيا وتونس - والعراق طبعاً بعد اطاحة صدام حسين. وبرزت مشكلات جديدة مع بلوغ اعضاء احزاب دينية الحكومة، ومنها غموض صلاحيات الرئيس وشعور الليبراليين والنساء، والاقليات في مصر، بأن ثمة قيودا تضيق الخناق عليهم، وقد شنت مجموعات سلفية وجهادية صغيرة يعتد بقوتها، ضرباً جديداً من الحروب
الاقتصادية على الحكومة.

وارتسمت معالم انماط اقتصادية اثناء الربيع العربي. وبدا "الربيع" هذا كأنه، كذلك، لحظة اقتصادية "عربية". فدول الخليج الثرية ضخت موارد مالية بإشراف صندوق النقد الدولي، في مصر، وفي تونس على نطاق اضيق. وتسلط هذه اللحظة الضوء على امكان وحدة عربية اقتصادية ضيقة الاطر ترمي الى اشكال جديدة من التبادل الاقتصادي، وأشكال تعاون ييسرها القرب الجغرافي على غرار ارساء شبكة نقل مشتركة وتوفير تغذية مشتركة بالكهرباء واجراءات مشتركة للترويج للسياحة وغيرها من الخدمات. وفي المتناول توسيع التبادلات هذه الى مشاريع اقليمية او ما دون اقليمية لجبه تحديات كبرى تترتب على انخفاض منسوب مياه المطر وانخفاض انتاج الغذاء جراء التصحر.

(ترجمة منال نحّاس)

* لقد اعتمدت بشكل كبير على مواد من أوين، ر. 2012 “The Rise and Fall of Arab Presidents for Life” كامبريدج، إم أيه: هارفرد يونيفرستي برس. شكر خاص لمليكا زيغال ودرك فانديفاليه لتزويدي بالمعلومات.

* نشرت هذه المقالة في Middle East Development Journal العدد 5، رقم 1 (2013) © Economic Research Forum

المصادر

Anderson, L. 1991. \Absolutism and resilience of monarchy in the Middle East.” Political Science Quarterly, 106(1): 1_15.

Ayoob, M. 1995. The Third World Security Predicament: State Making, Regional Con°ict and

the International System, p. 4. Boulder, CO: Lynne Reinner.

Beau, N. and C. Graciet. 2009. La Regente de Carthage: Main Basse sur La Tunisie. Paris: La Decouverte.

Beinin, J. and F. Vairel. eds. 2013. Social Movements, Mobilization, and Contestation in the Middle East and North Africa, 2nd edn. California: Stanford University Press.

Byrne, E. 2012. \Ben Ali’s family and friends.” The Guardian
(London), January 13.

Daguzan, J.-F. 2010. \De la crise economique a la revolution politique.” Magreb/Machrek, 206: 9_10.

El Rashidi, Y. 2013. \Egypt: The rule of the Brotherhood.” New York Review of Books, 7 February, 42_47.

Fargues, P. 2012. \Demography, migration and revolt in the Southern Mediterranean.”

In Arab Society in Revolt: The West’s Mediterranean Challenge, Merlini, C. and O. Roy, eds., p. 29. Washington D.C.: Brookings Institute Press.

Middle East. Dev. J. 2013.05. Downloaded from www.worldscientific.com by dr ishac diwan on 05/04/13. For personal use only.

Haddad, B. 2013. Business Networks in Syria: The Political Economy of Authoritarian Resiliance. California: Stanford University Press.

Heydemann, S. ed. 2004. Networks of Privilege in the Middle East. New York: Palgrave-Macmillan.

Karam, Z. 2012. \Ban Ki-Moon: Syria violence must end.” Hu±ngton Post World, January 15.

Michael, M. 2012. \Militias stymie Libya’s leaders.” The Boston Globe, February 22.

Owen, R. and S. Pamuk. 1998. A History of the Middle East Economies in the Twentieth Century. London: I. B. Tauris.

Pratt, N. 2007. Democracy and Authoritarianism in the Arab World. Boulder, CO: Lynne Rienner.

[1] القذافي لم يطلق على نفسه يوماً صفة “الرئيس”، واختار القاباً مثل “الاخ القائد”.

[2] أيوب، 1995. معضلة العالم الثالث الامنية: صناعة الدولة، والنزاعات الاقليمية والنظام الدولي، ص.4. Boulder,Co: lynne Reinner

[3] كرم، 2012. “بان كي مون: لطي صفحة العنف في سورية”. هفينغتون بوست ورلد. 15 كانون الاول/ديسمبر.

[4] فارغ، 2012. “علم السكان، والنزوح والثورة في جنوب المتوسط”. جدول 1-4، في “المجتمع العربي إذ ثار: التحدي الغربي في المتوسط”، مرليني سي. وروي أو. ص.29.واشنطن، بروكينغز انستيتيوت بريس.

[5] محمد حسنين هيكل، 2011، “الاهرام ويكلي”، 19-25 أيار/مايو.

[6] بيرن، 2012. بن علي وأسرته واصدقاؤه. صحيفة الغارديان (لندن)، 13 كانون
الثاني/يناير

[7] معلومات خاصة قدمها ديرك فاندويل.

[8] مايكل، 2012. “الميليشيات تعوق مساعي قادة ليبيا”. صحيفة “ذي بوستون غلوب”، 22 شباط / فبراير.

 




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬