أنجزت الثورات العربيّة في تونس ومصر واليمن وليبيا مهمّة الحرّيّة وإزاحة الحاكم المستبدّ، فيما تمضي الثورة السوريّة، بصعوبة ودمويّة أكبر بلا قياس، في إنجاز المهمّة إيّاها التي مُنعت ثورة البحرين من إنجازها.

لكنّ هذا المدّ الثوريّ كشف ويكشف عن تعقيدات المجتمعات العربيّة وعن طبقات من العفن تراكمت عقداً بعد عقد، يمثّلها تارةً تهرّؤ العلاقات المجتمعيّة التي لا يستقرّ حاملوها على قرار أو حدّ أدنى من الإجماع، وطوراً انكشاف في الوعي السائد يشي بالضعف الهائل للتقليد السياسيّ. فهذه الظاهرات نالت أيضاً حريّاتها بنتيجة الثورات فانفجرت في وجوهنا انفجاراً مدوّياً.

وربّما جاز القول إنّ مسألة المسائل اليوم هي الانتقال من الحرّيّة إلى تنظيم الحرّيّة، أي التوصّل إلى قوام سياسيّ واجتماعيّ قابل للديمومة يدور حول محور دولة القانون المستقرّة، من دون أن يتردّد في مفاوضة الأشكال القائمة للدول، لا سيّما المركزيّة الصارمة التي تلقى حذر جماعاتها، بل عداءها.

وهنا في المواجهة هذه، لا تبدو الحصيلة، حتّى إشعار آخر، واعدة جدّاً. فكأنّ طبقات العفن تتكشّف عن شهيّة قادرة على ابتلاع وعود المستقبل ورهاناته.

فليس قليل الدلالة، مثلاً لا حصراً، أنّ الجماعات المسلّحة في ليبيا بلغت من القوّة حدّ منع الحكومة من ضخّ النفط الوطنيّ وبيعه، ما أدّى إلى حرمانها من موردها الأساسيّ، فضلاً عن التسبّب بأزمة وقود خانقة. لقد انخفض الانتاج الليبيّ من 5،1 مليون برميل يوميّاً إلى 100 ألف برميل، أي أن العائدات الحكوميّة انخفضت بمعدّل 130 مليون دولار يوميّاً.

وإذ يستمرّ عجز الدولة عن تقديم الخدمات للسكّان، يمضي مسلسل التنازع العنفيّ بين الميليشيات المسلّحة، وما يستجرّه من فلتان أمنيّ، خصوصاً في بنغازي. وفي هذه الغضون تُحتلّ الوزارات والمقارّ الحكوميّة، إمّا اعتراضاً على نقص مفترض في تمثيل طرف أهليّ ما أو احتجاجاً على معاملة غير ثأريّة لطرف أهليّ آخر.

وفي موازاة تراجع الثقة بالحكومة والمؤتمر الوطنيّ العامّ والأحزاب السياسيّة، يتعايش الإفقار السياسيّ والتنظيميّ مع الإفقار الماليّ لبلد سبق أن عُوّل على ثرائه النفطيّ كرافعة تسهّل عبوره نحو ضفّة الاستقرار والانتظام السياسيّ.

وبدوره يقدّم اليمن لوحة أخرى عن تصدّع خطير. فالجنوب، المستقلّ حتّى 1990 والذي خاض في 1994 حربه الكبرى مع الشمال، تلفّه دعوة الانفصال ذات الشعبيّة الواسعة، والتي يُشكّ بقدرة "مؤتمر الحوار الوطنيّ" على استجابتها أو احتوائها. وهذا الصراع، في الجنوب وعليه، يمضي في امتصاص العائدات الماليّة التي تعتمد عليها الحكومة المركزيّة، بينما تبتلع القوى الأمنيّة وتطويرها حصّة الأسد من إنفاق القطاع العامّ.

وتبقى المشكلة الحوثيّة، من ناحية أخرى، بلا حلّ، على رغم ستّ حروب صغرى نشبت بين الحوثيّين وكلّ من سلطة صنعاء والسعوديّة. ولمّا كان الحوثيّون زيديّين، فُتح الباب واسعاً لتدخّل إيرانيّ يقابل التدخّل السعوديّ المعزّز بنشر المذهب الوهابيّ. هكذا يتحوّل اليمن ساحة مفتوحة لصراع إقليميّ يزيده عنفاً دعم طهران لـ "الحراك الجنوبيّ" أيضاً، ويغدو من المشكوك فيه كثيراً أن يتمكّن اليمنيّون من إجراء انتخاباتهم الرئاسيّة والبرلمانيّة المقرّرة في شباط (فبراير) 2014.

وربّما كانت المفارقة الكبرى التي تكشف ضمور الداخل اليمنيّ بعد الثورة، أنّ الفوائد التي يجنيها تنظيم "القاعدة" من الفوضى الضاربة ومن ضعف الدولة هي وحدها ما يبقي الاهتمام الدوليّ باليمن قائماً.

وفي تونس، حيث تتزايد المضايقات للصحافيّين والنشطاء المدنيّين، يتأكّد يوماً بيوم أنّ حزب "النهضة" الإخوانيّ ليس الطرف المؤهّل لإرساء نصاب سياسيّ مستقرّ وقابل للحياة. فإذ تتراجع الثقة بالهيئات المنتخبة وتُعلّق نشاطات الجمعيّة التأسيسيّة الموكل إليها إنتاج دستور جديد، يمضي المتظاهرون والمعتصمون بعشرات آلافهم مطالبين باستقالة الحكومة، كما تمضي الاشتباكات المسلّحة في الهضاب الغربيّة على الحدود مع الجزائر. وفي موازاة ذلك، يُقحم السلفيّون، من خلال اغتيال السياسيّين شكري بلعيد ومحمّد براهمي، الاغتيال في التداول السياسيّ الذي يحاصره سؤالان:

هل تتنازل "النهضة" لمصلحة حكومة وحدة وطنيّة جدّيّة، متّعظةً بتجربة الإخوان المسلمين في مصر، وبتراجعهم في تركيّا، مستجيبةً لما تصفه الصحف الغربيّة بـ "نصائح واشنطن" ؟، وهل تمتنع القوى المعارضة، الليبراليّة واليساريّة، عن بيع نفسها للحلّ العسكريّ على الطريقة المصريّة، مؤثرة التمسّك بنضالها الديمقراطيّ والمدنيّ؟.

واقع الحال أنّ ما يثير شيئاً من التفاؤل هنا أنّ المؤسّسة العسكريّة التونسيّة لا تشبه شقيقتها المصريّة حجماً ومصالح وطموحات وصلةً بالسياسة. ففي مصر تتكاثر الإشارات الدالّة إلى أنّ الجيش ينوي إخضاع الحياة السياسيّة واستئناف الوجهة التي قطعتها ثورة 25 يناير. فإذا أثمر الانقلاب العسكريّ الذي أطاح الرئيس الإخوانيّ المنتخب محمّد مرسي إيصال الفريق عبد الفتّاح السيسي إلى رئاسة الجمهوريّة، قطع الارتداد عن الثورة والعودة إلى "شرعيّة انقلاب يوليو 1952" شوطاً بعيداً.

والراهن أنّ الوجهة هذه ترافقها مواقف وإجراءات مقلقة جدّاً أهمّها ثلاث: إسباغ لون من عبادة الشخصيّة على السيسي "المنقذ" و "المخلّص"، والتطهير العمليّ والمتنامي للإعلام ووسائط التعبير عموماً، والحملة شبه الاستئصاليّة التي يتعرّض لها الإخوان والتي ابتدأت مع الفضّ الدمويّ لاعتصام ساحة رابعة العدويّة في 14 آب (أغسطس) الفائت. وإذ تتعدّد أشكال هذه الحملة، اعتقالاً ومصادرة للأموال ومنعاً من السفر، يحلّ نوع من الربط المتعسّف بين الإخوان والأعمال الإرهابيّة في سيناء، ما يقدّم المبرّر الوطنيّ لأبلسة الإخوان وإخراجهم من الحياة السياسيّة.

صحيح أنّ الانقلاب قطع حركة احتجاج شعبيّ بالغة الاتّساع على السياسة الإخوانيّة التي كانت إجراءاتها الآيلة إلى تطويع الدولة والمجتمع المصريين لنموذج تمليه الجماعة قد طرحت مسألة الحدود التي يجوز افتراضها للتفويض الانتخابيّ... وقد سهّل مهمّة العسكر تعنّت السلطة الإخوانيّة حيال حركة الاحتجاج هذه وإصرارها على مواجهتها في الميادين والشوارع على نحو بدا مؤذناً بإطلاق موجات متوسّعة من العنف الأهليّ.  

بيد أنّ ما هو أسوأ على المدى البعيد، لا سيّما في دلالاته الثقافيّة العريضة، انكشاف ضعف الحساسيّة الديمقراطيّة في مصر. فقد التفّت قطاعات واسعة ومعتبرة، يقع عديدها في خانة الطبقات الوسطى، حول المؤسّسة العسكريّة و "خلاصها"، مبديةً البرم بالعمليّة الديمقراطيّة التي كانت لتتكفّل هي نفسها بوضع حدّ لعهد مرسي الذي يتداعى يوماً بيوم.

أمّا سوريّا التي يمضي في تدميرها نظام مجرم، فغدا من شبه المستحيل تخليص ثورتها من الحرب الأهليّة ومن الأقلمة والتدويل. لقد جاءت الأزمة الكيماويّة توكيداً على هذه الوجهة التي يفاقمها بطء "المجتمع الدوليّ" وتعثّره في تسريع الحسم، ومن ثمّ استدراجه قوى ولاعبين آخرين إلى "الساحة" السوريّة أو توسيع أحجامهم فيها.

لكنّ ذلك كلّه لا يعفي الثورة من مسؤوليّات أساسيّة، بعضها موروث عن التفتّت الأهليّ وعن أفعال النظام البعثيّ، وبعضها مصنوع. وعلى العموم يتضافر العجز عن تكوين بنى سياسيّة وعسكريّة صلبة وجدّيّة، وغياب أيّ تصوّر عن المستقبل، والرخاوة حيال التنظيمات التكفيريّة، والفشل الاستثنائيّ في مخاطبة الرأي العامّ العالميّ، ليرسم أفقاً بالغ الصعوبة، لا لسوريّا وحدها، بل لمنطقة المشرق
العربيّ عموماً.

وليس من المبالغة أن يقال اليوم إنّ الأرض السوريّة مسرح المعركة الأهمّ بين معارك العبور العربيّة إلى المستقبل. لكنّ الغموض يزداد إحاطة بهذه المعركة البالغة الوضوح في سعيها إلى الحقّ والحرّيّة والكرامة الإنسانيّة. ويُخشى أن يكون تراكم العفن، المتعدّد المصادر، قد وضعنا أمام نوع من الانسداد التاريخيّ
الذي لا يُحتمل.

(هيئة التحرير)




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬