هاني درويش

نادرا ما يتوافر لأبناء جيلي هذه الفرصة من الإرتحالات والإقامات في مدينة واحدة. فأنا من جيل يدور في فلك إقامتين على أقصى تقدير، الأولى في المنزل العائلي لأب قدم في الستينات من ريف الصعيد أو الدلتا، والثانية في خروج الشخص نفسه من الكنف العائلي للسكن الخاص إما صعودا أو هبوطا في السلم الطبقي. أما المقر أعلاه فشاءت صدف متتالية بعضها ينتمي لنفس ميكانيزمات الإمتداد العائلي، وبعضها يخص مسيرة الأوجاع الطبقية الخاصة في تعدد مناطق الإقامة داخل النسيج المديني نفسه لنحو قرن.

الدراما الأسرية الفاقعة وألاعيب الحظ العاثر هي ما مدد رقعة علاقتي بالمدينة، التي يمكن إحصاؤها في أربع مراحل أساسية، الأولى حيث الميلاد في حي الخليفة التاريخي (يطلق عليه حي القلعة، اي قلعة محمد علي)، والثانية في كنف إستقلال الأسرة النووية في حي المطرية الشعبي الستيني، والثالثة قادتها صدفة تفجير عبثي تآمري قام به صاحب المنزل الثاني، طردتنا شمالا في الجيب العشوائي التسعيني في حي عزبة النخل، ورابعها مستقري الآن مطلاً على سفح الهرم في حي بورجوازي حديث هو هضبة الهرم في محافظة الجيزة التي صهرتني إقليميا فيما بات يعرف الآن بإقليم القاهرة الكبرى.

اليوم، وأنا أتم عامي السادس والثلاثين، تضيق الخطوة وتكتنز الأماكن في زيارتي الإستعادية لتلك المناطق بعد هجرانها لسنوات طويلة. ولأن ما ارتبط بها من ذكريات هو في الأساس ما تبقى من عوامل الحذف والإضافة، والأسطرة تضخيما للأماكن والأحداث، او التقزيم لبعضها وفقا لمصافي الوعي الحاضرة والتي ربما لم ترحم كنزا تم إهداره. لكل تلك العوامل استحضرت الأماكن، او ما بقي من رائحتها بالفوتوغرافيا.

مسيرتي المدينية تلك، والتي سأركز فيها على المراحل الثلاث الأولى، تبعا لعمقها، وإحتراما لحفرها العميق في الوجدان، وهو ما لا يتوفر في المستقر البورجوازي الجديد، تلك المسيرة، لا تعبر إلا عن مصادفات قدرية شخصية كان لها الأثر في انشغالي الدائم بتحولات المدينة، لا كرقعة مسجونة على خرائط عمرانية، بل كمسار متداخل لحكاية واحدة متصلة ذات انقطاعات جبرية أو اختيارية، يصح لنا أن نتعامل معها كسردية متخيلة تحتاج الى سرديات أخرى متفاطعة لكشف منطقها الخاص، أو مشتركاتها الأعم التي ترسم جدارية شبه واسعة لمجمل التحولات السياسية والإجتماعية والنفسية لقاهرة القرن الماضي.

أدواتي في هذه القراءة السردية لا تقف عند حدود الخرائط الفوقية واللقطات الجوية التي تشكل عين نسر طائر لا يعرف الرؤية الرأسية (خاصة وأنا دارس للجغرافيا أعرف تماما خداع النظرة المجردة لتك الوريقات التي تبتني وهما بالتسطيح). الفوتوغرافيا الإستعادية التي قمت بها على مدار أسبوع في الأماكن الثلاثة هي النظرة الرأسية التي تبحث في ما استقر وانهدم من عمران، في ما بقي في الوجوه التي تنظر للكاميرا من علاقة بزمن الحكاية الأصلية. والحكاية أو الحكايات التي سأرويها هي الدخول إلى ظلال تلك الأماكن عبر الذاكرة. فأنا أنشّط الذاكرة لا أكثر بتلك اللقطات الواقعية التي تحمل القليل من حقيقة ما حدث، وإن تنسمنا منها بعضا من رائحة تلك الأزمنة.

من الملاحظات الأساسية - قبل الدخول في الحكايات- رسوخ الزمن وبقاؤه على حاله في الأماكن القديمة، تحديدا في الخليفة. ويتزامن ذلك مع الخواء، أي تفريغ تلك الأماكن من ناسها، مع تقلص قدرتها على الامتداد ومن ثم صعوبة احتوائها لأجيال جديدة. ففي الخليفة مثلا، تغيرت بحدود طفيفة أسماء الشوارع، ونتيجة وقوع شياخة الحطابة (المكان الدقيق لميلادي) في حرم منطقة اثرية هي القلعة وعسكرية هي سور المتحف الحربي المصري، منعت بتاتا أعمال ترميم المنازل. بقيت للتهالك على أصحابها دون حتى أي مخططات لتطويرها. فالسلطة تراهن على الزمن وحده لإخراج الآلاف المتبقية دون مصادمات عنيفة، فإذا ما سقط جدار لا يحق لك رفع بقاياه، وقرارات الإزالة الإدارية للحي جاهزة ومتواطأ على تنفيذها نتيجة الكلفة السياسية الكبيرة للصدام الآني بالأهالي. والأخيرون، لم يتبق منهم إلا العجائز الذين لم ترغد حياة ابنائهم وأحفادهم لدرجة تكريمهم بسكن لائق في مناطق جديدة، أو رفض بعضهم الخروج طوعا من منبتهم الأصلي. لذا لا تزدهر الحطابة إلا في نهاية الأسبوع، حين يطل الأحفاد أو الأبناء في سيارتهم المركونة أسفل الطريق الطالع لحدود الطوابي وقد حضروا لمعاينة عجائزهم، والذي تؤسطرهم جملة ماما كريمة : "عايشين من قلة الموت يا بني".

في ما يتعلق بالزمن في المطرية، لا يتجاوز الأمر بقاء عائلات الستينات وقد عدّلوا من بيئتهم العمرانية المكتظة بما يسمح لهم بالبقاء، يتوارث الأبناء الفقراء مهن آبائهم. أما الأغنياء منهم فقد تركوا الحي وانزاحوا جغرافياً إلى حي مصر الجديدة البورجوازي أو امتداده الصحراوي في أحياء النزهة ومدينة نصر، مع الأخذ في الإعتبار الانزياح شمالا إلى حي مدينة السلام المخطط لاستيعاب الأجيال الجديدة في بيئة مساكن شعبية متدهورة الحال لمن لم يلحق منهم بالسلّم الطبقي الصاعد. لذا بقي كولاج السبعينات والثمانينات العمراني متوافقا مع البنية الريفية التي انبنى الحي عليها زمن الخمسينات والستينات.

أما عزبة النخل، فهي أرض المهجرين لأسفل السلم الطبقي، من الأحياء الشعبية الستينية مثل المطرية والزاوية الحمراء والوايلي. جاء ابناء الجيل الثاني فحولوا ريفه إلى عشوائيات جديدة، التحمت بالريف الخلفي لمحافظات الجوار. تمدّدت العزبة ولحمت من كل الجهات الأحياء التي كانت بعيدة. التحمت بالمطرية، مسطرد، الخصوص، المرج وعين شمس، واخترعت شياخات إدارية جديدة واسماء للمناطق ابتداء من التسعينات، وانفجرت الأرض بمئات الألوف يخرجون من بوابات المترو نزولا إلى شوارعها الضيقة ذات البنايات المرتفعة والكآبة والفقر والعنف الطائفي اليومي. لذا لا اشكو الخلاء، بل في زيارتي أحس اغتراب من ينصهر مع مئات الألوف من الغرباء العنيفين، خاصة وان العائلات القديمة تكاد تختفي تماما أمام سيولة الدفق المستمر بتوازناته العائلية الجديدة أو الطائفية العتيدة أو الريفية المتأصلة.

إلى أين تطرد المدينة أناسها؟ من قلب الخليفة العائد لزمن محمد علي، إلى حداثة تمدين ثورة يوليو في المطرية، إلى عشوائيات الرئيس مبارك في عزبة النخل، إلى أين المفر؟ من القلب إلى الأطراف إلى أطراف الأطراف، واليوم يتم تحزيم المدينة من خارج أطراف الأطراف بالطريق الدائري لتخلق المدينة مراكزها الجديدة التي كانت أطرافا، وتنتشي أطراف الأطراف بالأمل في الحياة التي هي أقرب إلى موت غير نادر هذه المرة.

الحطابة… الميلاد بجور قطعة لحم لم تفسد

يقال حول بناء قلعة صلاح الدين إن القائد جوهر الصقلي وضع في أعلى تلال المقطم قطعة لحم لم تتعفن، فابتنى القلعة حيث الهواء النقي، لكن ذلك لم يكن في حسابات جدي محمد الصادق إبراهيم المتفاخر بنسبه المهدي العائد لثورة القائد السوداني نهاية القرن التاسع عشر، فهاجر من قرية كلبشو (مسماة على اسم كلبة الخواجة شو، مالك أراضيها الخصبة) الى نواحي بركة السبع مركز السنطة غربية في بداية القرن العشرين. اصطحب أخته "أم سليمان" تاركا أخاه سليمان على قراريط صغيرة بالقرية، وعمل في خدمة سلاح الهجانة (حرس الحدود) الذي كان يتم اختيار أفراده من أهالي منطقة وادي حلفا الحدودية بين مصر والسودان. جاء جنديا في الحرس الملكي (للملك فؤاد) ومات "صولا" في السابعة والثمانين في أرشيف تحت أرضيّ لإدارة مرور القاهرة بالدراسة. أنجب من زوجته الفلاحة الكلبشاوية "فاطمة"، ابنة هي "سامية" ماتت أمها بحمى النفاس بعد إنجابها. فترك مهمة تربيتها إلى أخته غير الولود ام سليمان بمنزلها الكائن بدرب ابن القرطبي من درب الوسطاني بالحطابة. وكانت الأخيرة قد اصطبرت كثيرا على عدم إنجابها من الشيخ عبد الحميد أحد مجاذيب الطريقة البيومية والذي قضى حياته كاملة مع أهل الخطوة متتبعا خرائط الموالد الصوفية من أسوان إلى الإسكندرية. في غرفة ام سليمان تربت أمي "سامية" كطفلة يتيمة لم يشفع لها مصروف قليل يرسله الأب الذي هجر الحطابة سريعا بزوجة جديدة أنجبت له تسعة أبناء، لم يشفع لها ذلك باعتبارها يتيمة الحي التي تمصمص النساء شفاههن عليها شفقة، ضاربات بها المثل في قسوة الزمان. اشترى "الأب"مقبرة في "خارطة التونسي" القريبة وابتنى منزلا عائليا تفنن في تقسيمه إلى شقتين، كل شقة مكونة من غرفة وصالة وحمام (في ما لا يزيد عن 30 متراً إجمالي كل شقة) إحتسابا لخزن ابنائه الكثر في حال زواجهم تحت عينه العسكرية التي لا ترحم. تربت أمي حاقدة على ابيها ولم تنس له أبداً مشهد تفضيله أبناءه الذكور عليها في تقسيم منابات اللحم في زياراتها الأسبوعية القليلة، كما لم تنس له "تدليعه" للأبناء الذكور من "ستي أم ياسر" التي حملت شارته ندبة في الرأس بعد ان رفسها "ياسر" من الدور الثاني فأوقعها مضرجة بدمائها مع سبع غرز لم تخفها التجاعيد حتى شيخوختها.

وصل ابي من قرية كلباشو في سن السادسة عشرة إلى الحطابة، قدم في وظيفة ملاحظ عمال في شركة مصر لأعمال الإسمنت المسلح –إحدى الشركات التي بنت مجد ثورة يوليو الإنشائي. وصل في حدود العام 1961، وسكن منزلا لعزاب قريته في "وسعاية الدرب الوسطاني" وشاركه الغرفة ابن بلدته محمد الطيب الطالب في الكلية الحربية.

كانت الحطابة بمنازلها التي لا يزيد ارتفاعها عن دورين قبلة قاهرية لمهاجري القرية: منازل مقسمة إلى غرف تتشارك حماما واحدا، ويبدو أنها كانت منازل أسر فردية إزدهرت احوالها التجارية في أوائل القرن فهجروها إلى أحياء المال في الجمالية وباب الشعرية نهايات القرن التاسع عشر. وتكونت داخل الغرف عائلات تتشارك نفس الأسقف المعرشة الخشبية وحيطاناً مبنية بمزيج من الطوب الحجري مع ما تيسر من أخشاب. وتعود الحطابة بتسميتها الشهيرة إلى ما بعد تأسيس القلعة حيث أقام الحطابون المشاركون في بناء القلعة بيوتهم. وتظهر التسمية في حوليات التاريخ الرسمي لأنحاء القاهرة القديمة بدءاً من العصر الفاطمي نزولا حتى الآن، بنفس الإسم. وهي من المشيخات التي ظهرت في أعمال مؤرخي القرون الوسطى كابن اياس. كان البنّاؤون الأوائل للحي يجعلون من جدار القلعة عند بابها الغربي حائطا داخليا للبيت، ونتيجة للطبيعة التلالية ينزلون هبوطا بالبيت ملتصقا بالآخر في ما يشبه الأسمال المعمارية الملتحفة بالحائط الصخري الجبار للقلعة. فعرفت المنطقة دروبا تبدأ بسلالم طالعة وأخرى نازلة. فدرب ابن القرطبي، حيث ولدت وتربّت امي، يتكون من أربع مصاطب واسعة متدرجة في ما يزيد عن 30 سم تنتهي بمنزل الجدة أم سليمان الذي يحيط بطابية حراسة قديمة للقلعة. هذا البناء الاختلاقي الشعبي عوض تجاوره والتصاقه بمدارات للحواري. فإن لم تكن من سكان الحارة الوسطانية وشعاب دروبها الملتفة تفاجأ حتى اليوم بمن يديم فيك النظر وكأنك في صالة منزله لا في شارع يحمل رقما بريدياً ويحق للغرباء التمشية فيه. وهو يختلف بذلك في بنيته التخطيطية عن أنوية "الربع" الشهيرة في أعمال نجيب محفوظ. فغالبا لا تنتهي الدروب ببوابات، بل تتعدد المسارب الخلفية من تلك الدروب نزولا إلى الصحراء الخلفية والمقابر في الجبانة القديمة الواقعة على طريق صلاح سالم. وانت حين تدخل البيت الذي سكنته الجدة ام سليمان المتوفاة سنة 1980، يفاجئك تماهي حجراته مع البروز والانكفاء الداخلي الناتج عن إلتحامه بالجبل. تصعد السلم الخشبي بعد ثلاث غرف جانبية لتفاجأ بمخرج على سفح الجبل تقع فيه غرفة "ماما كريمة"، أم البنات الخمس التي لم تلد ذكرا، وبالتفافة دائرية تصعد اربع درجات ليواجهك الحمام الحجري الضيق وغرفتان إحداهما لعمي عبد العزيز الأخرس (وصفا واقعيا لا كناية مجازية)، والأخرى لجدتي أم سليمان. والغرفة الأخيرة، على سريرها النحاسي وتحت لمبة الكاز نمرة 2، ولدت فيما قدمي تتحسس الصخور الكبيرة لسور القلعة.

أحب أبي العازب الموظف الجديد ابنة "الحتة" وبلدياته (ابنة قريته الأصلية). كلمة "الحتة" في تراث الستينات هي معنى الموطن المديني ونقيض "بلدياتي" القائمة على عصبوية ريفية. "بنت الحتة" كلمة تظهر تحديدا في تراث الأغنية المدينية كتوسيع لكلمة "بنت الحارة"، والأخيرة تظهر في موال شفيق جلال الشهير الذي يغنيه في فيلم "ريا وسكينة":

بنت الحارة يا بنت الحارة

حبيتك يا أم حلق تارة

وبالعودة لـ"الحتة" وابنتها، كانت الابنة طالبة فاشلة تعليميا ترسب للمرة الخامسة في الشهادة الإبتدائية. كانت إبنة الكسل والتسرب من التعليم بعد أن بنت على يدها "كاريرا". انتظمت المراهقة سامية محمد الصادق في دبلوم "خياطة" وأزياء وحصلت على دورات في إحدى الأتيليهات الأجنبية في وسط العاصمة، فانتقلت لمهارتها من محل أزياء حريمي بمنطقة الحلمية الجديدة إلى عالم أزياء وسط البلد. كانت إحدى "صنيعيات" "التايير" الستيني المهرة، وكللت حرفتها بالعمل في أتيليه "رجاء الجداوي"، الممثلة الشهيرة حاليا والتي بدأت علاقتها بالفن كمصممة ازياء شهيرة في الستينات.

مراهقة شابة ترتدي الميني جيب، مستقلة حرون تكاد تكره الرجال. شهامة الشاب العازب اقتضت أن ينتظرها ليلا أكثر من مرة للاطمئنان على عدم معاكستها من ميدان الرميلة إلى شارع الأنتيكخانة صعودا إلى بوابة باب الوزير التي يتسكع عندها الشباب "التالف"، خاصة وأن مهنة الخياطة كانت مهنة تلوكها الألسن انسجاماً مع الخيال الشعبي عن علاقة من تمتهنها بأسطوات المهنة الذكور التالفين. الحقيقة ان الحب كان قد أضناه. تقدم لخطبتها من ابيها. رفضت وحرنت تحت أضواء عالم وسط المدينة الواعد بمجد غرامي، وربما نقلة اجتماعية تخرجها من ظلال "يتيمة الخارطة". صبر الشاب الدسوقي بدر درويش وحاصر الجدة أم سليمان بالزيارات والود. هكذا كانا يحكيان ويختلفان بدرجات متفاوتة حتى نهاية عمره حول"دهولته" عليها، منتظرا رد الأب. والأخير، بعد بحث بسيط، أدرك المعادلة: أن يزوج الابنة الحرون وتنتهي مسؤوليته عنها ملقيا بالموضوع على كتف ابن أصول ريفية مضمونة ومستقبل وظيفي مضمون بحسابات المدينة.

ظلت أمي حتى مماتها تدعو الله على جدي الذي باعها، كما تعتقد، لزوج"فقري"، وعاشت حياتها تذكر أمامنا ان جدي استغل مهرها في تشييد الدور الثالث بالمنزل فيما جهزها بـ"العفش المستعمل" بعد أن "أكل" ميراثها من أمها. هل كانت الشابة غير الجميلة تستحق أكثر من الشاب ذي السوالف الخجول "اللي مابرفعش عينه عن الأرض"، كما كانت تردد جدتي؟

أتذكر أن طفولتي في الحطابة كانت مضمخة بأسرار شقاوة الكبارالتي تبدأ من الجلوس في قهوة زوج عمتي سيد الحصري المواجهة لمبني الأنتيكخانة في شارع "الباب الجديد"، حيث لعب الكوتشينة والقمار وتدخين الحشيش في "غرزة" كان يشرف عليها زوج عمتي رجاء المتوفاة منذ عام.

في بيت الحطابة كنت ابن النساء جميعا. لمَ لا وأنا أول ذكر لكبريات بناته، تعلمت خطواتي الأولى على سفح الجبل المواجه لغرفة "ماما كريمة". الغرف كانت بأسماء نسائها لا الرجال، فيما عدا عم عبد العزيز الأخرس وزوجته الخرساء، إذ يبدو أن خرسه أكسبه القيادة في التسمية. أنجب هو وزوجته لاحقا أبنا وبنتا ينطقان، كانت مراقبتهما وهما يفهمان الأب والأم بالإشارة والصوتيات المتقطعة التي تشبه صراخا أعجوبة الطفولة، فكيف ينجب أخرسان طفلين ناطقين؟

"ماما كريمة" المتزوجة من "عم حسن" الصامت كانت مركز البيت، ببناته الأربع الجميلات. على حجرهن تربيت، وأحببت صغراهن هالة التي كانت مراهقة حين بلغت السادسة. في زيارتي الاستعادية أشارت ماما كريمة التي دخلت السبعينات بقدم ملفوفة في الشاش من أثر"السكري"، أن ابي في فترة خطوبته كان يلقي لهالة بالزهور الحمراء الصغيرة من "المنور" المشترك بين الغرفتين. ياإلهي، حتى في ذلك يا ابي سبقتني. منى، كبرى بنات ماما كريمة، كانت أول من يممت شرقا، تزوجت من عم "عربي" مكوجي أحد أمراء الكويت وبنت بيتا عائليا في منطقة منشية التحرير بعين شمس. تبعتها عزة في برج سكني جديد اوائل الثمانينات على واجهة محطة مترو المطرية. ثم عفاف لاحقاً. أما ماما كريمة فاستقبلتني في غرفتها، وعلى "كنبة" السطح، بكوب شاي منعنع ورائع. لم تصدق أني لا أزال احلم –كما لو كنت طفلا- باكتشاف كنز أثري كله سيوف وخوَذ جيوش عربية في السطيحة الخربة الممتدة أمام غرفتها. بعد أن نقبنا انا واخي الصغير عنه كثيرا في سني الطفولة المبكرة. أتذكر كيف كان أهل المنزل يضبطون ساعات استيقاظهم صباحا كي يسبقوا الأخرس في دخول الحمام الحجري المشترك، وإلا وقفنا طابورا بالمناشف تحت رحمة إقامته الطويلة وروائحه النفاذة الناتجة عن كميات البصل والثوم الزائدة في كل وجباته.

إذا ما تدحرجت نزولا في العشرين متراً المميزة لدرب ابن القرطبي تصل إلى منزل زوج عمتي رجاء. هي ابنة عمة غير شقيقة لأبي، وظلت علاقتها بأمي تشوبها إشاعة تصميم جدتي شفيقة على تزويجها لأبي. أنجبت عمتي رجاء ثلاثة بنات ثم أتحفتنا بصبيين، وجاء تصميم "سيد الحصري"، زوجها، على الوصول بها إلى محمد، بعد أن شعر أن عربته السوزوكي (وهو أول من ادخلها الحي زمن السبعينات للتكيف مع أشغال شوارع ضيقة) ومقهاه الشهير سيؤولان إلى أزواج بناته في المستقبل. غرفة عمتي رجاء على الناصية كانت تواجه وكالة أثرية مهملة وغامضة لم تعلن اي جهة حتى الآن مسؤوليتها عنها ولو حتى بيافطة تبين تاريخها، استعملناها ونحن أطفال كمخبأة لكنوزنا الصغيرة من "بلي" ملون واطواق كاوتشوك نسيّرها بعصا في سباقات جوالة داخل الدروب، ثم بقيت ببوابتها الخشبية القديمة والضخمة وحديد واجهتها المشغول، أدوات تنشيط لخيالنا في الليل، حين تخبو الإضاءة وتدخل النساء بعد جلسات النميمة الممتدة نهارا، من شباك غرفة عمتي التي تنزل لها درجات حجرية واطئة كان يمكن مراقبة القادمين من الدرب الوسطاني وووسعته الشهيرة. أتذكر ستارة من التل الأبيض تخبّئ لون الغرفة الكلسية اللبنية اللون تحت إضاءات اللمبات "السهاري" ذات الفولت المنخفض. الستارة تحتك بأصيص من الصبار موزع في الفرجة بين الشباك الواطئ وحديد مزخرف بطوله يحمي الغرفة من السرقة.

في نهاية الحارة من ناحية الوسعاية كانت غرفة ستي شفيقة، الغرفة الأوطأ في كل بيوت الخارطة، مظلمة للغاية وتتحرك بها ستي ذات التقوّس من المؤخرة ببطء مرعب، بطء يكتمل هذيانه ووحشته بصوتها المبحوح وعينيها المفتوحتين وقد انقلب محجراهما بين الحول والعمش. كانت تخبئ قروشها في صرة "بافتا" برباط وتقضي يومها في شتم أبناء الجيران ومطاردتهم بالمقشة ولعن "حظها الواطي" الذي يجمع مجاري الحارة في قاع غرفتها.

منذ ست سنوات، شاهدت انا وزوجتي فيلم "عوكل" للنجم محمد سعد. كدت أن موت ضحكا فوق ضحك الصالة ودمعت عيناي. الفيلم تدور أحداثه، للصدفة، في الحطابة، وللبطل جدة تسمي "أطاطا" تشبه جدتي شفيقة لحد إعجازي، في الشكل وطريقة الكلام. خطيبة البطل عوكل إسمها "أوشة" على اسم إحدى بنات عمتي رجاء، وأخو الخطيبة "الشردوحة" إسمه "سيد" ويلعب القمار على المقهى. تلفتّ كثيرا في قاعة العرض وانا أتخيل سطوع الأضواء فجأة وقد تمركز ضحك المئات على وجهي قبل ان يخرج من يشير إلى كاميرا مخبأة معلنا فقرة من فقرات الكاميرا الخفية صُمّمت خصيصاً للسخرية من تاريخي العائلي.

في زيارتي الإستعادية صعدت من أسفل ميدان صلاح الدين، وبينما كان شارع الباب الجديد الذي يلتوي صعودا يكاد يكون حكرا على أبناء الحطابة وباب الوزير، تمر منه الآن خطوط ميكروباص المنشية ومدينة نصر ومدينة السلام. ما زال مقام صغير لأحد العارفين بالله قائما في سور القلعة، فيما اغلقت الدولة ممشى سلّمياً صاعدا كان يختصر نصف قطر الدائرة ليصل مطلع دربنا بمنتصف الشارع. استولت الدولة على فضائه وضمته ببوابات معدنية الى حرم الإنتيكخانة التي أصبحت إدارة للميكروفيلم. هذا الممشى صُورت فيه معركة الأخوة الثلاثة حول تقسيم غنيمة المخدرات في فيلم "العار" لعلي عبد الخالق. استخدم المخرج تدرجات مصاطب الممشى وإضاءته الصفراء المنعكسة على الأسطح الحجرية لمبنى الأنتكخانة وسور القلعة لإضفاء سحره على مكاشفات القدر السيئ لأخوة من علية القوم اكتشفوا، بعد رحيل أبيهم، أن ميراثهم رهن لشحنة مخدرات كبيرة، وأن "الحاج" كان أكبر تاجر مخدرات في مصر. في الماضي، كانت الأنتيكخانة تضم سجلات النفوس المركزية لكل مواطني مصر، على بابها كنت تجد الفلاح والصعيدي والأفندي في مشاوير استخراج مستخرجات رسمية لشهادات الميلاد. كانت مشوارا لاحقا لتصفية التركات وحالات إثبات النسب (لهذا ربما كان اختيارها في الفيلم).

منذ بداية التسعينات تمت أتمتة سجلات النفوس، كما جرى وصل طريق صلاح سالم من الخلف بشارع الباب الجديد. اصبح العبور السريع لميكروباصات تحمل العمال والحرفيين إلى مناطق أشغالهم في الامتدادات الخلفية لجبل المقطم مناسبا أكثر لموقع الحطابة، كديكور بالحجم الطبيعي لزمن فات.

ركنت قليلا في مقهي سيد الحصري. طلبت قهوة أعرف غلبة البن المحروق فيها من "عضمة" القهوجي. كانت "ترابيزة" (منضدة) الكونكان قد نصبت. كان المتنافسان في لعب القمار عجوزا ذا لحية وقورة اسمه شكوكو وأربعينياً من الصنايعية، انضم إليهما "حاج" بالجلباب الأبيض. التدين الشكلي لم يهاجم الحطابة. التلفزيون دائر بإهمال على القناة الثانية حيث مذيعة من الوزن الثقيل والمكياج الأثقل والشعر الأصفر "الماشيت" تتمنى للسيد الرئيس تمام عافية (مرارته) قبل أن تنتقل، بنفس الخفة، الى فقرة عن عمر السعادة الزوجية التي لا تدوم، كما تقول إحدى الدراسات الحديثة، أكثر من ثلاث سنوات فقط.

المطرية و ما طرية إلا هيا. . . . .

تزوج أبواي عام 1972 في المطرية، كانت شقتهما الأولى في عزبة ريفية جديدة لعمال منطقة الأميرية الصاعدة زمن الستينات. إسم العزبة "عزبة مرسي خليل" وتجاور مصنع الكابلات الكبير. ورغم أن أمي كانت تتحدث عن المياه التي لاتجيء إلا ليلا في الحطابة فإن سخريتها الدائمة من "حنفية بلاش" ومجارير "الطرنشات" وبذاءة نساء العزبة الريفيات وشجارهن الدائم، كل هذه العوامل دفعت ابي المولّه بحب زوجته لنقل إقامتهم إلى شقة بيت عم خلف في 38 شارع أحمد عيسى بالمطرية، على مقربة من جامع سيدي أحمد المطراوي وعلى بعد خطوات من محطة اتوبيس 41 الشهير. الشوارع مسفلتة والمنطقة بمجملها تمثل نقلة اجتماعية جديرة بزمن أفندي قطاع عام.

بيت المطرية هو الطفولة التي انقطعت فجأة. ففي الدور الرابع من بيتنا المدهون بكلس أبيض، وعلى سلّمه الذي به فتحتان للإنارة في مفارق الأدوار على هيئة معيّن، في بلكونته الطويلة بطول واجهة المنزل، الضيقة العرض بخمسين سنتيمتراً، تربيت، حلمت وعشقت وصادقت، ثم فُطمت في المراهقة.

كان اليوم يبدأ لا بزقزقة بل بصداع العصافير. فأمام المنزل ذي الأربعة طوابق كانت فيلا وحديقة ترجع إلى زمن الباشوية. الحديقة فيها غابة من أشجار الكافور القديمة والمهملة التي ترتفع لتقارب بلكونتنا في الدور الرابع. تقع الفيلا داخل سور يدور على هيئة مربّع، في ركنيه القريبين منا محلان بُنيا للخارج، اي أنهما يطلان على شارع أحمد عيسى. احدهما كوافير "جي جي" لصاحبه عمر القريب الشبه بالممثل السبعيني الشهير زين العشماوي. كوافيره بؤرة للنميمة والإشاعات التي تنطلق لتمس سيرة كل فتيات "الحتة". المحل الثاني هو "جزمجي المعلم نعيم"، بماكيناته لخياطة الأحذية التي تهز جدران الشارع بصوت موتورها الدقاق، يواجهه في منزلنا عم منعم الكهربائي، وهو موظف لايفتح محله إلا بعد الظهر ناصبا ملعب الدومينو. ويلاصق باب بيتنا الحديدي ذي الجنزير محل عم نصيف الكواء، أمامه محل حلاقة "الشامي" لصاحبه عم أحمد الشامي الأبيض البدين القصير ذو الشعر المدهون ومسحة الشنب الهتلري، وتجاوره "أم نعمة" بمحل الفول والطعمية الذي يصرف على بناتها اليتامى الأب. كل هذه المحلات في دائرة قطرها عشرة أمتار لا اكثر، تعطي إنطباعا بسوق صغير على مقاس التقاطع بحرف "تي" الذي يقع منزلنا فيه على نقطة الالتقاء.

العودة لصباحات الحديقة الغنّاء والقصر السحري. كان القصر مهجورا وتعيش فيه عائلة من الخدم الفلسطينين المهاجرين من زمن حرب الـ48، كانوا يسكنون ثلاث غرف منه لا تطل على الشارع نهائياً. أسرة لا تتبادل أي ود وتكاد حياتها ان تكون شأناً سرياً. ورغم ذلك يتحكمون في علاقة كل البيوت المحيطة بفضاء الحديقة المهجورة. فهم، كخدم للقصر، كانوا أقرب لمالكيه، دون اي بادرة مثلا للإهتمام بالحديقة أو التوسع مثلا في بقية غرفه المهجورة. كان ولدهم أشرف الكبير يختبئ خلف الباب الخشبي يشاهد طفولتنا المنتشية بلعب الكرة في الحديقة قبل ان ينقض كنمر مفترس وهويصرخ ليستولي على الكرة ويمزقها بسكين كالمجنون.

شارعنا طويل للغاية، يبلغ نحو كيلو متر كامل بموازاة شارع المطراوي الرئيس الرابط كل الحي، لكنه شارع لايزيد عرضه عن الستة أمتار، لذا كان مشهد حديقة الفيلا الكبيرة أمامنا تعويضا عن ضعف مشهد المسقط العمودي للشارع.

تلخص المطرية مفهوم الهوية المصرية الحديثة، فهي جغرافيا منبنية على نواة تخطيطة لشارع طولي مواز للحد الشرقي(شارع المطراوي) المتمثل في خط سكك حديد كوبري الليمون. شارع المطراوي يفصل بين الجزء البلدي منها والجزء الأفرنجي أو ما يسمّى بـ"خارجة المطرية" أو "الخارجة" إختصارا. وبطول الشارع المذكور تتعدد الهويات المتداخلة للحي. فبعد ميدانه بأمتار يقع مسجد سيدي أحمد المطراوي أحد تلامذة السيد أحمد البدوي والذي يشير مشجر نسبه إلى السيد علي الشريف بن السيد نجم الدين الشريف بن السيد نجيم الدين الشريف بن السيد ناصر الدين الشريف بن السيد احمد الشريف بن السيد شهاب الدين بن السيد جلال الدين الشريف بن السيد شرف الدين بن شمس الدين الشريف بن السيد محمد الشريف بن السيد عبد العزيز الشريف بن السيد احمد بو الطيب بن السيد مرزوق الكفافي بن السيد شهاب الدين الشريف بن السيد محمد الجواد بن السيد علي الرضي بن السيد موسي الكاظم بن السيد جعفر الصادق بن السيد محمد الباقر بن السيد علي زين العابدين بن السيد الامام الحسين بن السيد الامام علي بن ابي طالب بن عم الرسول صلى الله عليه وسلم سيدنا محمد بن عبد الله . في وسط الشارع تقع منطقة شجرة مريم الشهيرة التي جلست اسفلها العذراء، ويقول المتنيح العلامة الأنبا غريغوريوس أسقف الدراسات العليا بكلية اللاهوت القبطية: "وفي المطرية استظلت العائلة المقدسة تحت شجرة تعرف إلى اليوم بـ"شجرة مريم". وهناك أنبع الرب يسوع عين ماء وشرب منه وباركه. ثم غسلت فيه العذراء القديسة مريم ملابس الطفل الإلهي وصبت غسالتها على الأرض، فنبت في تلك البقعة نبات عطري ذو رائحة جميلة هو المعروف بنبات البلسم أو البلسان، يضيفونه إلى أنواع العطور والأطياب التي يصنعون منها مسحة الميرون) MYRON المستخدم في الطقوس الكنسية في تدشين وتقديس مياه المعمودية، وتدشين أعضاء المعمدين بعد تعميدهم، ومسحهم في ستة وثلاثين موضعا من أبدانهم (هي مجموع الحواس والأعضاء والمفاصلوفي تدشين الكنائس والهياكل والمذابح وكل أدواتها، وفي مسح الكهنة والملوك المسيحيين. وقد أقيمت في المطرية كنيسة مدشنة باسم العذراء القديسة مريم، وهي كنيسة أثرية كانت ومازالت لها شهرة عظيمة. ولا يزال الناس، مصريون وأجانب، يحجون إليها للتبرك بها وبالبئر الشهيرة التي أنبعها السيد المسيح بنفسه. وقد صارت المطرية لذلك مركزا من المراكز الأسقفية المهمة. ويروي المؤرخون أن الجنود الفرنسيين بقيادة الفرنسي كليبر (1753-1880) الذي تولى الحكم في مصر بعد نابليون بونابرت، بعد أن انتصروا على الجيوش التركية في معركة عين شمس، عرجوا في طريقهم على شجرة مريم، وكتبوا على فروعها أسماءهم، مستخدمين في ذلك أسنة حرابهم وسيوفهم، وقد نال بعضهم الشفاء لعيونهم من الرمد بعد أن اغتسلوا من ماء البئر، وشفي البعض الآخر من أمراض أخرى، وسجلوا شكرهم لله على ما نالهم من خير، ببركة "شجرة مريم" وماء البئر الأثرية الذي أنبعه المسيح له المجد بيده الطاهرة إذ رسم باصبعه على الأرض، فتفجر الماء نبعا حلوا عجائبيا".

ومما يذكره مؤرخون لاحقون أن شجرة مريم الأصلية التى استراحت تحتها العائلة المقدسة فى المطرية قد أدركها الوهن نتيجة للشيخوخه فسقطت وماتت سنة 1656 وقام بجمع فروعها وأغصانها جماعة من كهنة الآباء الفرنسيسكان.

أما الشجرة الموجودة حالياً فقد نبتت مكانها من جذور الشجرة الأولى وهى ترجع إلى عام 1672. وقامت مصلحة الآثار ببناء سور حولها وحولتها إلى مزار سياحي. ويرد ذكر المطرية في موسوعة سليم حسن الأثرية كما تظهر في رسوم كتاب "وصف مصر" لعلماء الحملة الفرنسية.

ينتهي شارع المطراوي المحوري والمفصلي بعد كيلومترين من بعد إمتداده الشمالي بميدان هو ميدان المسلة الذي تقع فيه مسلة الملك سنوسرت الأول "مسلة المطرية" وهي الآثر الوحيد الباقى من معالم مدينة "أون" أو هليوبوليس باليونانية وتعني البرج أو الفنار. ويرجع تاريخ هذه المسلة الى عصر الدولة الوسطى اي الألف الثاني قبل الميلاد، والملك الذي شيدها هو من ملوك الاسرة الثانية عشرة الذين بذلوا جهدا كبيرا في بناء الدولة بعد فترة اضمحلال سبقت هذه الفترة وهي أقدم مسلة في العالم. وكانت مدينة المطرية أحد أجزاء مدينة هليوبوليس بمثابة المركز الديني والعلمي لمصر.

تجاور تلك الهويات الزمانية في حيز ضيق أثر بلا شك في علاقة بشر المكان ببعضهم البعض وفي تصوراتهم عن المكان. فقد شاع زمن السبعينات تسمية الأطفال الأشقياء في أي عائلة بالمطراوي خوفا من الحسد. لكن أبناء هذه التسمية كانوا غالبا من ذوي الموت المبكر، من ناحية أخري يثار جدل حول التسمية ونشأتها. فالبعض يرون أن المطرية هي تخفيف لما قالته السيدة العذراء بأن الماء في هذا المكان كان طريا (على الرغم من أن السيدة العذراء لم تضبط متلبسة بلسان عربي)، فيما اخترعت الذائقة الحاذقة للشعبيين سخرية على المعنى، بأن "ما طرية إلا هيا"، اي ليس هناك طريّ إلا المؤخرة.

بعد الصباحات الصاخبة، كانت "أم مندور" دلّالة حارة الصعايدة تمارس مهنتها الصباحية الإستثنائية، وهي المرور على نساء الشارع لاصطحاب أطفالهن إلى حضانة "الأبلة زينب"، تتسلمنا في طابور اشبه بالقطار، تكون هي في المقدمة بينما يضع كل طفل يده اليمني على كتف من أمامه، نحمل "خرجا" مثبتا من الكتف الايمن إلى الخاصرة اليسرى يحوي كراريس وأقلاما وبعض الطعام.

نصل إلى الفيلا الجبارة ذات النافورة التي تعمل في المناسبات، حيث إستأجرت العائلة التربوية لأبلة زينب الفيلا فيما تسكن العائلة في المنزل الخلفي. تمارس أبلة زينب وابنتاها وولداها وزوجها الأستاذ حسن ما يشبه ممارسة المؤسسة التربوية الأولى. تستقبل اطفالا من سن العامين قبل التحاقهم مستقبلا بالمدرسة الإبتدائية المجاورة، نقلة بسيطة من فيلا الحضانة إلى فيلا مدرسة الأهوانية المجاورة.

هذا التجاور المدهش معماريا بين بيوت شبه ريفية أو نصف حداثية مع أطلال بنية بورجوازية كان مربكا للغايةز فترييف تلك الفيلات بالأنشطة التجارية أو تركها نهبا للإهمال الخرائبي كان شيئا عصيا على الفهم. فعلى بعد 50 متراً من فيلتي الدراسة كان بيت عائلة عمدة المطرية الشهير. عائلة بأكملها حكمت التاريخ القروي للحي وبقي منها فقط بيت العائلة و"زريبة بهائم" تنتج للحي أفضل أنواع الألبان. ورغم ذلك دخلت الحداثة، أي الأسفلت إلى المستوى الثاني من الشوارع الفرعية.

ميدان المطرية الشهير كان منبتا لوسائل المواصلات الحداثية الجديدة. فمن جانبه الأيمن تخرج اتوبيسات شرق الدلتا حيث تمثل المطرية البوابة الشرقية للقاهرة، وأمام الموقف كان يتربع عمال التراحيل الطازج قدومهم من الأرياف بمعاولهم ومسامير ومطارق فيما أسماه لاحقا المخرج التسجيلي حسام علي "سوق الرجال". فقد اقتحم أشهر مخرج وثائقي ثمانيني عالم ساحة عمال التراحيل في المطرية بكاميرته التسجيلية، على الجانب المقابل كانت محطة المطرية للترام، في خط يتشعب من المطرية وصولا إلى السيدة زينب في أقصى غرب القاهرة، ماراً على أحياء الشرابية وباب الشعرية والعتبة. كان الترام برحلته التي تمتد إلى ما يزيد عن الثلاث ساعات هو الرابط بين موطن الميلاد في الحطابة غير البعيدة عن أعمال السيدة زينب وموطن الطفولة. أما فائدته الحقيقية فكانت ربط أحياء الصناعة الستينية في المطرية (مصانع الدواء مثل شركة المستحضرات الطبية، وشركة سيد، مصانع النسيج مثل شركة تريكونا، مصانع الأغذية مثل مصر للألبان) بأخواتها في الشرابية والأميرية وصولا إلى بقايا الصناعات التقليدية في العتبة، وبين العمال الذين يتحركون لهاثا خلف مواطن العمل التي وفرتها النهضة الصناعية للثورة.

من القطر الموازي بالميدان كانت محطة النهاية لمترو مصر الجديدة الشهير. ثلاثة خطوط تنتهي بميدان المطرية، احدها ينتهي في روكسي قلب حيّ مصر الجديدة التجاري، والآخر إلى حدود صحراء الميرغني حيث تقع الكلية الحربية، والأخير يصل إلى الدراسة قبل أن تخرج منه تفريعة صغيرة تلامس حيّ مدينة نصر الناهض بورجوازيا منذ نهاية السبعينات في شرفته الجنوبية (شارع الطيران).

المطرية في فيلم أحلام هند وكاميليا لمحمد خان كانت المكان الذي تسكنه الخادمتان الفقيرتان. كانتا تركبان المترو الكهربي وصولا إلى شقق مخدوميهم في مصر الجديدة.

ورغم مركزية الميدان الذي يتصل بكل مناطق القاهرة التقليدية بخطوط مباشرة، كان لشارع المطراوي ميزته الإستثنائية التي لا تجعل سكانه في احتياج إلى ميدانهم. فتوزعت فيه ثلاث محطات أتوبيس، يخدمها نحو ستة أتوبيسات وصولا إلى قلب المدينة، العباسية، رمسيس، التحرير، السيدة زينب. والأخير، أي خط السيدة زينب برقم 303، كان أتوبيس هيئة المعونة الأميركية الذي أسماه الأهالي "كارتر"، بألوانه الحمراء الزهرية وتصميم فضائه الأميركي الذي يعتمد الوقوف أكثر من الجلوس. ثم أخيرا بشعار هيئة المعونة الأميركية (يد اميركية تصافح يدا مصرية على خلفية العلم الأميركي) على مقدمته القبابية الأقرب شبها لأتوبيسات المدارس الكلاسيكية.

مركزية خطوط المواصلات في المطرية كانت الميزة الإستثنائية للحي. فإذا ما اضفنا لما سبق محطة قطار بإسم الحي على خط كوبري الليمون في منطقة الخارجة، لأدركنا كيف أن حياً لا تتجاوز مساحته الستة كيلومترات مربعة قد قدر له أن يكون منطلقا لعلاقة المدينة بأطرافها ومحيطها الإقليمي.

كيف أثر ذلك على طفولتي؟ ببساطة كنت ملاحا لسرب أطفال شارعنا في الخروج من الحي. فعلاقتي بالحطابة وعمل أبي المتنقل بين وسط العاصمة وأطرافها سبكني كمرشد سياحي. كنت أصطحب أصدقائي إلى اكتشاف الأحياء الشعبية القديمة كالقلعة والسيدة والحسين منذ عمر الست سنوات، رحلات تنتهي بسينمات أحياء الجنوب، كنت عراب الطفولة السينمائية لجيلي. وعبر أتوبيس كارتر أو ترام السيدة، أكتشف اصدقائي في الأعياد سينمات "وهبي" و"الشرق" و"إيزيس" و"الحلمية" و"الهلال" بميدان السيدة، وسينما "فيكتوريا" بشارع الجمهورية بوسط البلد، وسينما "سهير" و"مصر" في منطقة باب الشعرية والضاهر.

سكنت بيتنا أربع عائلات، كل عائلة إمتلكت شقة في دور واحد. تطل غرفتان على الواجهة، بينما الصالة والغرفة الثالثة كانتا تطلان على "منور" داخلي يربط بيتنا ببيت خلفي يقع في حارة الصعايدة الخلفية. عندما سكنا شقة الدور الرابع (حيث يحسب الدور الأرضي دوراً أول). كان البيت الخلفي ينتهي في الدور الثالث فأطلت شقتنا على سطح المنزل الخلفي. إستغلينا فتحة في الجدار بحجم باب قصير يسمح بعبور طفل وبنينا "عشة فراخ" بالطوب اللبن في السطح المجاور. وكأن الشقة خرج منها ورم معماري صغير، طلينا الحوائط باللون الأخضر الزرعي موضة الثمانينات، وكاد الباب القصير أن يتوه من دقة رسمه فبدا وكأنه باب سري. هذه الفسحة الإستثنائية جعلت لي مكانا خارج/داخل الشقة. فبعد "فرات" متتالية ماتت كل الدواجن، وأصبح خم الدجاج أول مكتبة ومعزل للقراءة منذ سنواتي الأولى ، بل إني ادخلت وصلة كهرباء لأصل الليل بالنهار في جلستي الدائمة بها.

لم يقف الأمر عند حدود هذه الفسحة التي اخترعها الكولاج المعماري. كانت هناك "فسحة" مبلطة أمام شقتنا طويلة وغير مسقوفة، وهي نطاق إنتقالي بين سطحي البنايتين. سرعان ما قام والدي أوائل الثمانينات بتسقيفها خشبيا وإزاحة باب الشقة للخارج لنكسب غرفة إضافية.

في الدور الأرضي كانت تسكن عائلة أم أحمد أمين. عم أمين غول أسود بشعر أكرت وهو "صول" بالقوات الجوية، يخرج صباحا بموتوسيكله الياباني الجاوا الأحمر بعد أن يسخنه لنحو نصف ساعة. ومع خروجه يبدأ العالم السحري لمهنة الست أم أحمد زوجته. فهي تعمل "حفّافة" أو "بلاّنة"، تتوافد النساء زرافات لشقتهم شبه المظلمة، وفي الضوء الشحيح الداخل من المنور المشترك تبدأ عمل "فتلة الحواجب" ونزع شعر الإبط وشعر اليدين والقدمين وصولا إلى العانة بالحلاوة السكرية. تشتغل هكذا إلى حين عودة زوجها، بل انها، قبل عودته، عليها أن تخفي كل أثر لمهنتها السرية. كان صوت صراخها حدثاً شبه يومي عندما يكتشف زوجها البطاش - الذي أشك في رفضه لعملها- أنها "رجعت للشغلانة الوسخة" على حد تعبيره، وهو ينهال عليها ضربا. في ساعات عملها كبلاّنة، تستقبل الأمهات مع أبنائهن. وكنت مع خروج أمي للتسوق صباحا أتربى على أفخاذ نساء شاكيات متواطئات في عريهن العام. وعلى حجرهن أخذت رضعاتي الصناعية فإن رفضت الرضاعة الطبيعية، كانت "ماما أم أحمد" بؤرة أخرى للحكايات والنميمة النسوية، تواجه، بل تصارع، بؤرة كوافير جي جي الإفرنجي بلمسة أكثر شعبوية.

كانت النسوة يقمن بأعمال منزل "الأسطى أم أحمد". فبعد الإهتمام برضيع مثلي توزع عليهن تلال الخضروات للتنظيف والتقطيع. واحدة لتنقية الأرز، وأخرى لتفصيص الثوم، وثالثة لتنظيف الكرشة، بحيث ينتهي يوم عملها بوقفة سريعة على البوتوغاز لتسوية الطعام قبل حضور أبو أحمد، ووصل مددها للمستوى الذي جعل كل نساء البيت الباقيات يستفدن من خدمات زبوناتها المجانيات.

لأم أحمد فتى وفتاة، أحمد ومنى، وهما يكبراني بسنوات. كانا مراهقين يافعين سمراوين وأنا لازلت أمسح مخاطي، يختفيان مع بدء سهر أبيهما الليلي. فهو يحتل الغرفة المطلة على الشارع مباشرة. الغرفة الزرقاء التي لا ينقطع خروج سحابات تدخين الحشيش منها بدءا من الخامسة ظهرا، حيث تتحول أم أحمد للتخديم على نار بحجم الزمرد تتأجج على صهللة شلة الحشيش التي لا تجد غضاضة في فتح الشباك وإزعاج الحي بالضحك الهيستيري حتي الفجر.

في الدور الثاني، أو الأول بعد الأرضي بلغة هذه الأيام، كانت شقة الست أم شوشو، وهي مهاجرة سويسرية جاءت من زمن تهجير مدن القناة. يعمل زوجها سائقا طول العام في الكويت، ولديها طارق وهشام وشوشو. وهي بيضاء ذات حواجب ثقيلة وعيون شبه مجهدة من السكر الدائم. ولداها الذكران كانا قليلي التعامل مع أبناء جيلهما من جيراننا. والعائلة تتعامل بتعال شبه مستتر مع مجمل حياة البيت. كانت أم شوشو العدوة الرئيسية لأمي، وانتهى صراعهما المكتوم لسنوات بـ"علقة" شاركت فيها خالتي كوثر المراهقة في ذلك الحين، وكان الماستر سين لخالتي وهي تلبسها "صفيحة الزبالة" بعد أن "بركت" عليها وستولت عنوة على كيلوتها الأسود.

في الدور الثالث شقة أم ميمي، بأولادها الذكور الخمسة العمالقة، زوجها يعمل طوال العام في السعودية، وأصغر ابنائها أحمد يكبرني بأربعة أعوام، وميمي الفيل الأكبر يدرس الهندسة. عائلة من مواهب التعليم العالي المتنوع، بعد المهندس ميمي هناك الطبيب أسامة، وخالد المحامي، وأيمن الضابط، وأحمد الكيميائي، والأب المغترب يأتي لي بهدية سنوية عبارة عن تي شيرت رياضي ماركة لوتو أصلي، ومرطبان من مسحوق "التانج" الذي يحول الصيف إلى ليالي بطعم البرتقال.

من صغري، تمنيت ان تكون أم ميمي أمي، لأنها محبة لأبنائها الوحوش الذين لا يتوقفون عن التصادم والشجار طول اليوم، وهو شجار ينتهي غالبا بإرسالها اصغرهم لشراء 2 كيلو كباب و2 كيلو بسبوسة في عز الليل. في الصباح تدهن أم ميمي، الطيبة الصبورة ذات الحضن الإستثنائي والرائحة الزكية، وجهها ويديها بالزبدة البلدي، فتبقى لامعة طوال اليوم، في حين يسعى الذكور حولها كشغيلة النحل، واحد يدعك المواعين، والآخر يطبخ، وثالث يغسل الملابس. انه بؤس بيت بلا فتيات، لكنهم جميعا يجتمعون على سرير واحد للمذاكرة ليلا. على السرير يأكلون ويشاهدون التلفزيون خاصة مباريات المصارعة الحرة بالملابس الداخلية.

ولدت عام 1974، وبين الحطابة والمطرية قضيت سنوات طفولتي الأولي، نهاية الأسبوع في الحطابة وبداياته في المطرية. وولد أخي تامر بعدي بسنتين، ثم سلوى بأربع سنوات ، وجاءت اسماء وأنا في سن العشر سنوات. وتصادف أن الشارع والحارة المواجهة له عمودياً، والواصلة إلى شارع المطراوي، تتكون من نفس الشريحة العمرية، فكانت شلة الطفولة هي 12 صديقا من الجيران متساوي السن، إما من عمري أو عمر أخي. في منزل الحاج عامر المقابل يساراهناك عوض وفريد، بعده بأمتار تامر وعمرو، ثم علاء ومحيي، ثم محمد السوداني. وفي العمارة الملاصقة إبراهيم ومدحت. وفي إمتداد الشارع لنحو عشرة أمتار يميناً ويساراً، هناك محمود ابن بائع البطاطا المشوية، وسعيد وموسى في آخر الإمتدادات.

فريقان لكرة القدم مكونان من ستة لاعبين، والملعب هو حديقة الفيلا التي كنا نستيقظ يوم الجمعة لتهيئتها وتنظيفها ورش أرضها بالمياه. كانت أمي ترهن موافقتها على اللعب بتكليفات منزلية مثل المسح والغسيل أولا، وإلا فمراقبة الماتش من البالكونة والمشاركة بفارة حازمة في التحكيم. ليلة الخميس هي ليلة تحضير الكرة، نفخ قلبها البالوني البلاستيك عند عم سالم، صاحب محل تأجير العجل في شارع المطراوي، شراء "الكافر" الجلدي وتخييطه من الخارج بعد نفخ القلب البالون، إعادة رسم الجول الشمالي بالطباشير. تخطيط الملعب بالطباشير كان يتم صباحا بعد "ترويق" الأرض.

كانت "حتة" من الذكور، لا بنات فيها إلا سحر بنت عم غريب، ذات السمعة السيئة كأخواتها وأبيها. أخواتها الذكور حرامية وهجامين. أبوها سائق تاكسي سليط اللسان ومرعب للجيران. تربي العائلة ماعزاً يملأ الحارة بروثه ومأمأته، والبنت ترتدي الملاءة اللف من سن العشر سنوات وتضع بعضا من الماكياج وتختفي في المغارب. كان تامر جارهم أول من تجرأ و"زنقها" في حوش بيتهم ونال قبلة –طبعت على شفاهه أحمر قانيا على حد قوله.

من ناحيتي كنت في سن الست سنوات أحب بصمت جارة بعيدة تحت إدامة إقامتي في البلكونة، ابنة للأسرة المسيحية الوحيدة في حارتنا. كنت لا اراها جيدا في بلكونتهم البعيدة. كانت كتلة من السواد الدائم بعد موت أبيها المفاجئ. ورغم تباعد البيتين، كانت أمها وأختها الكبيرة تخص أمي دونا عن باقي الجيران المسلمين بالزيارات في الأعياد، وتخصني هي شخصيا بكتبها الدراسية من عام لآخر. كانت تسبقني بعام، متدينة تملأ الكتب بصلبان وزهور، وتترك جيهان مرقص ونيس-هكذا إسمها- بعضا من وريقات لعبة بنك الحظ في كتبها. ترتدي نظارة بإطار أسود وشعرها معقود. بيضاء ومربربة، تحت ظلال حبها الصامت ارتبكت وسهرت وتعذبت لسنوات. صحبتني أختها في إحد الأعياد إلى كنيسة شجرة مريم القريبة، فأحببت المسيح كما تحبه فتاتان دون ذكر وأم مترملة حديثا.

في زيارتي التي صاحبها طقس مغبر لم يتذكرني أحد. حتى ماما "أم زيزي" عرفتُ، بعد أن فتح ابنها حسن باب الشقة، أنها ماتت منذ سبع سنوات. صورت فرن العيش البلدي، بقي محل حلاقة عم أحمد الشامي، وأصر ماهر حفيد عم نصيف الكواء، على ذكر اسمه بالكامل كي يؤكد أن جده الذي أسلم في لحظة، ضعف عاد مسيحيا قبل وفاته. فجده الذي استمر لسنوات يوصي القادمين من الحجاز بالسبح والمصاحف وسجاجيد الصلاة فاجأ الجميع عندما أعلن إسلامه وهجر زوجته. لم يضف إسلامه شيئا إلى علاقته بمن حوله. ظل نفس الشخص الكتوم الذي ينفث الرزاز عبر ماكينة نحاسية صغيرة، يفتح باكرا ويغلق محله في موعد عودة الموظفين.

انتقلت في رحلتي إلى مساكن شجرة مريم، سألت عن البلوك الذي يسكنه "مصطفى البلد" فلم أعثر عليه. أخذت إستراحة على مقهى مكتب الصحة القديم وتأملت المساكن الشعبية الصفراء التي تشكل مدخل منطقة خارجة المطرية. استعنت بصديق عبر الموبايل، أعطاني "كود المنطقة". عدت للسؤال هذه المرة عن "جمال سوابق" الساكن في الشقة المجاورة لمصطفى الناجي كما يعرف في دوائر المثقفين.

مصطفي الناجي سائق قطار وروائي ورسام تشكيلي. أبن لأسرة عمالية يسارية شهيرة في نطاق يسار "شرق القاهرة". تعلم الكتابة على كبر. كتب روايته الأولى "دم فاسد" وصدرت من ضمن إصدارات "جماعة الجراد" في بداية التسعينات. لم يترك السكك الحديدية رغم ما ترتب على روايته الهذيانية السوداوية البديعة من مشاكل. مصطفى مثليّ جنسي، حساس ومهذب، قدم في روايته عالما غرائبيا لكوابيس السياسة عندما تطحن عاملاً فقيراً مثلياً، كتب نهاية التسعينات روايته الثانية "علية الليل المعدنية" لم يتحمس ناشر واحد لهذيانه الإبداعي الذي تخصص هذه المرة في تأمل محطات السكك الحديدية وعلاقات الجنس بين النباتات والحيوانات في أحراش مهملة. أتذكر مشهدا بديعا من روايته يقابل فيه الراوي الروائية اليسارية في منزلها ليعرض عليها مخطوط روايته. تسأله عن ابيه وأخته وعائلته، ثم تقطع استرسالها عن اليسار بسؤاله عن إمكانية تصليح شطافة حمامها بما أنه سائق سكة حديد. يدخل الراوي على "قاعدة حمام" المثقفة الكبيرة ويبدأ في سرد تأملاته لعلاقة خرائها المتجلط بالماء وأثره على الشطافة.

يستقبلني مصطفى بود من تركني ليلة أمس على الرغم من انقطاع علاقتنا منذ أربع سنوات. مصطفى انقطع عن عالم وسط البلد كله، نال دورة تدريبة في ترميم اللوحات الفنية وخرج معاش مبكر من هيئة السكك الحديدة. دخل على حد قوله "كهف الرسم"، عرض علي آخر رسومه لمحطات القطارات كما رأها طفلا في السكك الحديدية، وجلس ليحكي روايته عن خارجة المطرية:

"بص يا بلد (أنظر يا بلدياتي)، لازم تتكلم في مقالك عن سوق سميكة اللي في آخر المساكن. إتسمى على إسم سميكة هانم، وهيّا أرمنية كانت صاحبة القصر اللي بيطل على السكك الحديد واللي مكانه دلوقتي نادي المطرية. الست دي كان عندها ولد وحيد هوا فريد سميكة. كان غاوي طيران شراعي. وكان سور القصر الكبير بيطل على منطقة الليمون الشعبية، المنطقة اللي اتسّمت بالإسم دا لأنها كانت حدايق لمون، أهل المنطقة الشعبية دي كانوا بينطوا السور ويسرقوا القصر، إبنها اقسم أنه حيضرب النار ع اللي حيشوفه بيسرق، وحصل اللي حصل، ضرب واد حرامي بطلقة موته جوة جنينة القصر، هجم الرعاع عليهم، عملت معاهم إتفاق أنهم ياخدو حتة أرض كبيرة من القصر كدية لإبنها، إبنها الشهيد اللي مات بعد كدة في حرب 48 وإتسمى على إسمه شارع في عين شمس".

"إحكي كمان يابلد على الحج نظيف، المقاول المصري اللي على اسمه الجامع الكبير في ناصية السوق، الراجل دا هوا اللي بنا للأجانب الفيلات المشهورة في شوارع البلسان والبلسم، متعرفش منين جاب تصميمات الروكوك والباروك المختلط دي. الفيلات اللي سكنها أجانب طليان وأرمن ويهود كانوا بيشتغلوا في السكة الحديد وبورصة القطن وشركة التورماي في العشرينات. كان شارع البلسان فيه محلات بتقدم فطار أوروبي على الطريقة الفرنسية، والله لحقتها يا بلد، فطار فيه قهوة ولبن وجبنة رومي، كمان البارات اللي باقي منها بس محل أورفنديس بتاعة البيرة، الحاج نظيف دا طلب من البرنس يوسف كمال (اللي القصر بتاعه دلوقتي معهد بحوث الصحراء واللي إتصور فيه فيلم "رد قلبي") طلب منه التبرع لبناء الجامع، البرنس دا كان خال الملك فاروق والمثال محمود سعيد وهو اللي أسس مدرسة الفنون الجميلة سنة 1908، وكمان هو اللي بعت المثال محمود مختار باريس وصرف على دراسته هناك 5 سنين".

أصور لوحات مصطفي الطفولية وأتركه لإكمال الجزء الأجمل من المطرية، الخارجة في شارعي البلسان والبلسم. أبدأ من كنيسة عذراء الكاثوليك الروم، ملجأ البروتستانت للأيتام، بقايا الفيلل القديمة وصولا إلى محطة المترو ومقهى الخارجة. اختفت الفيلل وحلت محلها مدراس إسلامية خاصة، محلات ملابس بأسماء أجنبية ورسم ابناء الحي المهاويس شعارات الترس نادي الزمالك على أحد الحوائط. لكن ما بقي من اشجار وظلال يسمح حتى الآن مثلما سمح قبل عشرين عاما لأطفال المدارس المتسكعين في لعب ماتش كورة (ع الماشي) قبل دخول المغرب.

قبل عشرين عاما، كان الليل يعني مشوارا إلى الخارجة للتمشية بين الفيلل. هناك ظهرت البوتيكات الأولى، محلات الكاسيت، أفضل فرن إفرنجي، فتيات مسدلات الشعر يخرجن للتجول بالبسكيلاتات، ومكتبة عم زكريا التي تبادل ألغاز الشهر بالشهر السابق مقابل خمسة قروش للنسخة المقروءة والمحافظ عليها دون ثنيات.

عند حدود منطقة القصور أمام المحطة، ألاحظ البرج الضخم الذي شغل مكان سينما النهضة الصيفي. على رصيف نادي المطرية يظهر قصر الأمير محمد وحيد الدين سليم. استولت الدولة على قصره عام 1998 بعد اتفاق تاريخي مع لجنة المصادرات يعود لنحو 55 عاما. حين تمركز الأمير بحرسه وكلابه رافضا فتح البوابات أمام لجنة نزع الملكية، أطلق النار وكادت تحدث مجزرة. تم الإتفاق على تنازله عن ممتلكاته فيما عدا القصر حتى وفاته. عشت وتركت المطرية وأنا اتخيل هذا الأمير المسجون في قصرة يري الثورة تهزم وتنتصر. يموت سيدها ويأتي رديفها، وهو باق في قصره، لكن ذاكرة الدولة لا تنسى اتفاقاتها، لا تنسى الثأر، وتعود لتسترد ديّتها كما في حالة ثوار سميكة هانم.

لم يكن عم خلف صاحب منزل المطرية يحتاج لإصبع الديناميت كي يأتي بقرار الإزالة. لو كان صبر قليلا على صراعنا التاريخي مع جيوش النمل التي كانت تنخر في كل شققه ولم تنفع معها كل المقاومات الكيميائية، لو كان شاهد قبل الليلة المشؤومة منظر رأس أخي النائم لجواري وقد كساه النمل كديدان الجثث، لو شاهد فم أخيه مفتوحاً ونمل بحجم الصراصير يخرج منه، لترك المنزل لحاله، فقد كنا لا محالة خارجين منه. لم يصبر لا على النمل ولم يقدر على التفاوض معنا برفع الإيجار عن ستة جنيهات شهريا. وضع إصبع الديناميت، لكن القدر لم يمهله، هدم المنزل وابتنى قبل وفاته منزلا من دورين اصبح كـ"البيت الوقف"، تشاجرالورثة فلم يسكنوه ولم يهتموا بإسكانه حتى الآن.

عزبة النخل... أو النمل... أو الصين الشعبية

زيارتي الأولى لعزبة النخل كانت في العام 1986. كنت مع ابي في زيارة لصديقه إبراهيم أبو العطا، إشترينا من فلاحات إفترشن مدخل محطة السكك الحديدية منشتان من البلح الرطب. لم أتخيل أني سأترك المطرية بعدها بعامين لأسكن هذه الإقطاعية الريفية. فرغم أن الفارق لايتعدى محطتي قطار، لكن مشهد محطة القطار ذات التعريشة الخشبية الخضراء الباهتة، السلالم الرخامية البالية، الشوارع شبه الزراعية، كانت كالعودة إلى أرياف المنوفية موطن الأب.

في رحيلنا من المطرية، وفيما ننقل عفشنا على عربة نقل كبيرة، لم أودع أحدا من رفاقي، فالبيت لم يغلق بعد. شقتنا ظلت مكانا للزيارة وإطعام دجاجات أطلقناها في فراغاتها لمدة عامين، كان الخروج أقرب للظلام التدريجي في السينما. انسحاب تشوبه وصمة الفقر وعدم القدرة على استبدال شقتنا بشقة في نفس الحي. عوض وعمرو هيثم وعدوني بالود والزيارة، لكن العزبة كانت نقلة لا تحتمل افتعال الود.

على خطي أحمد بدير في مسرحية ريا وسكينة، أمر أبي أمي أن تخلع مجوهراتها الذهبية. كان من الممكن بخمسة آلاف من الجنيهات في ذلك الزمن السكن في شقة نصف مشطبة بالقرب من محطة القطار على الأقل، على أن نستكمل تشطيبها لاحقا. لكن أبي أصّر على ألا نشعر باختلاف في الإنتقال، بل كانت الشقة في شارع علي عبد المجيد مشطبة بالسيراميك والقيشاني وفي حالة أفضل من شقة المطرية. ربما أحس بضرورة مكافأتنا لتحمل الصدمة، وربما لم يركز بقدر كاف، وربما نفذ نصيحة صديقه إبراهيم أبو العطا التي كانت أقرب لمؤامرة سيتكشف معناها لاحقا.

في تقاطع عمودي على شريط القطار تمر الترعة التوفيقية، وهي تفصل جغرافيا بين العزبة الافرنجية والعزب الفرعية الداخلية، وهي فرع من ترعة الإسماعيلية الشهيرة تتصل لتصل مياه النيل في إقطاعات شرق القاهرة التي لاتزال زراعية.

العزبة الافرنجية بقايا فيلل وبيوت ريفية مهندمة ، أسفلت ومياه نظيفة ومركز شباب ومسجد وشارع مدارس طويل. لكن بمجرد العبور على كباري من الصاج تنتقل إلى القرن الثامن عشر بغمضة عين. شارعنا الرئيسي هو الترعة الطوالي، وصلنا إليه وكانت الترعة في طوار الردم، تلال ومرتفعات، صرف صحي مكشوف، مياه طلمبات تعمل بالمواتير، وتركيبة من المتزوجين الجدد.

سكنّا عمارة الحاج قطب، ليس حاجا ولم يذهب إلى مكة أصلا. كان ماسح أحذية في الشرابية، وعمل في طائفة المعمار لدرجة أنه عمل كنفر فترة في الشركة التي يعمل بها أبي بالموايمية (عامل مياوم). سافر إلى السعودية فيما ربطت زوجته على بطنها وبطون ابنائها لتبني دورا تلو الآخر من عرق غربته، عاد من السعودية ليفتح محل ألبان يجلس أمامه وهو يعبث في شقوق قدمه التي خلفها طول التجوال بصندوق البوية وقصعة الإسمنت. رغم ذلك كان يعمل كمبيض محارة، صاحب العمارة مبيض المحارة الذي جاورنا بماعزه وبهائمه وكان صارما في لمّ الشهرية.

كنت في الصف الأول الثانوي، وعلى محطة القطار اكتشفت أننا أربعة صبيان فقط في هذه المرحلة العمرية، نركب القطار ونعاكس أربع فتيات من أرجاء العزبة المنوعة بالنظرات وبالهمسات وببعض الغناء الذي يتقنه أوسمنا مروان.

أمام المحطة كانت مكتبة الباش مهندس، صاحبها مهندس يسكن روكسي بمصر الجديدة، يأتي كل يوم بسيارته الرينو ليفتح محله فتتمدد الجرائد والمجلات والكتب وإصدارت الدولة الرخيصة لمواجهة المد الإسلامي في ما عرف بإسم مشروع التنوير. وفي مركز الشباب عرفنا أنشطة الكشافة ولعب كرة القدم تحت أضواء الكشافات، لكننا كنا ابناء العزبة الجوانية، السكان الجدد، الفقراء.

من البلكونة التي تستتر بزجاج وستائر كان من الصعب التلصص على أحد. فالعمارات متواجهة بشكل يجعل أي نظرة في أي إتجاه شكلا من اشكال التلصص. عمارات لا تتناسب شوارعها مع إرتفاعاتها، فتنظر من البلكون كأنك تنظر في منور مظلم. غالبا مالا تصل الشمس إلى سطح الشارع، ومع التربة الأصلية الطينية، وانعدام الأسفلت، تتحول الشوارع شتاء إلى برك متصلة وفقا لدرجة المطر. أما الصيف فيعني انفجار بالوعات المجارير الأهلية بما لا يلذ ولا يطيب له الذكر.

يسبقنا ببيتين منزل عائلة غالي المسيحية، ثلاثة ذكور بغال الشكل بأسماء إسلامية، اشرف وعادل ورفعت وبنت وحيدة هي تريزة. تكبرني الأخيرة بعام. أخجلتني بعد ثاني نظرة تلصصت فيها على فخذها الأبيض بعد أن وضعت مقدمة جلبابها في أستك الكيلوت وهي تنظف البلكونة. كسرت عيني بصباح الخير ونظرة عينها الخضراء الساحرة الى أعلى، تحولت إلى الصديق "المبضون" بعد ان اسرت لي على المحطة بحبها لعبده، صاحب محل البويات غير المتعلم. "أبضنتها" فكنت أقطع مذاكرتنا سويا- نسيت ان اقول إنها رسبت عاما بعد أن شقت ملابسها فيما البغال الثلاثة ينهالون عليها رفسا وقد اعتبروها مجنونة لترتبط بـشاب غير متعلم-أقول اقطع مذاكرتنا بطلب ملاءة نظيفة كي أصلي العصر، كانت تحضر لي ملاءة نظيفة وتغلق عليّ الباب.

فيما عدا هذا المشهد للسلم الأهلي العتيق، الذي جلبته عائلتنا من تراث المطرية، وجلبته عائلة غالي من تراث منطقتها الأصلية في حدائق القبة، كان الصراع الطائفي مكتوما لكنْ يبدو نظيفا. فالعزبة كانت موطن ترحيل المسيحيين تحت الضغط من أحيائهم الأثيرة في شرق القاهرة، من الزيتون، حدائق القبة، شبرا، أو الذين جاؤوا من الصعيد الملتهب أصلاً، من أسيوط الجماعات الإسلامية ، ليتجمعوا في منطقة تخدمها ثلاث مؤسسات كنسية، كنيسة العذراء مريم بشارع الفريد إلى جوار المحطة، والتي تصدر منها الآن مجلة "الكتيبة الطيبة" المتطرفة الشهيرة والتي كانت سببا في ملاسنات فضائية طائفية شهيرة، وحيث ظهرت العذراء لاحقا، ودير راهبات مريم بمستشفاه في منطقة الراهبات نهاية الطوالي، وأخيرا كنيسة الزرائب، التي أسستها الأم تريزة الشهيرة في منطقة حرق المخلفات والزبالة نهاية شارعنا، حيث يمتد عالم تدوير مخلفات القاهرة العامرة وحظائر الخنازير الشهيرة.

في عزبة النخل اختفى القيادي الشهير أيمن الظواهري لأربع سنوات فاصلة بين عودته من أفغانستان لأول مرة نهاية الثمانينات وإنطلاقه مع بن لادن لاحقا. فتح عيادة باسم مستعار وتزوج ومارس المهنة بعيدا عن أعين الأمن الذي كان لا يجرؤ على عبور الحد الفاصل بين العزبة الإفرنجية الفيلالية، وعزبتنا، عزبة القرن الثامن عشر. سرقت جماعة التكفير والهجرة محل مجوهرات صديقنا اشرف المسيحي على ناصية الشارع وتوغلت بعد إطلاق النار في الزرايب. جاء أمن الدولة بعدها بيومين، ولأن شارعنا يقع إلى جانبه الأيمن في القاهرة وجانبه الأيسر في القليوبية، ألقى كل طرف المسؤولية على الآخر. لمَ لا والعزبة مقسمة بين ثلاثة أحياء كلها بعيدة في الأصل عنها: المطرية حيث تنتمي منطقة المحطة وصولا إلى ترعة التوفيقية، المرج يمين شارعنا، الخصوص شمال شارعنا. العزبة لقيطة الفراغات الإدارية التي لا تظهر على خرائط الدولة حتى الآن إلا في شكل خطوط وهمية تفصل بين نطاقات زراعية قديمة، وحتى الآن يفضح النخل النابت شيطانياً بين البيوت ذلك التاريخ الزراعي القديم.

دخل مترو الأنفاق عزبة النخل عام 1988. فجرت انهار الأسمنت والطوب الأحمر، تم هدم الفيلل، والبيوت القديمة، لتحل محلها عمائر قبيحة ملونة بألوان الكانتلوب والليمون فيما تجللها آيات القرآن أو الصلبان الحجرية. جاء إليها أو خرج منها الإسلام المتطرف فالتحى أخي وتحجبت أخواتي البنات وعاد أبي إلى الصلاة في المسجد وتخمرت أمي التي لا تحفظ الفاتحة.

جاء التمدين القسري بكهربة المترو فانزرع الناس متهالكين على نفس البنية التحتية الخربة وتكالبوا في عنف على امتصاص الهواء والفراغات، باختطاف البنات المسيحيات تارة، بتطهير الشوارع تارة أخرى من أقليتها الدينية إسلاما أو مسيحيين، والدولة حاضرة بمرشديها من تجار المخدرات وعربة الأمن المركزي الدورية التي تنزل لتختبر كل موسم قطاف الفقر من المتطرفين في إعتقالات عشوائية مؤقتة لإكمال الدفاتر وإثبات الهيبة.

في شارع المدارس تهالكت مدرسة "الجيل الحر" الحكومية تحت أكوام الزبالة فيما تمددت مدراس "براعم" الإيمان الإسلامية الخاصة و"جابر الأنصاري" الإسلامية الخاصة، ثم "الفراعنة" و"الشرق الأوسط" اللتان لا تحتاجان إلى كلمة "المسيحية الخاصة"، وانتشرت التكاتك (جمع التوك التوك)، وانتشرت محلات الإتصالات الخلوية، وانتشرت محلات الملابس الصينية، كذلك انتشر مجمل اختراعات الحياة كما يتفنن في إنتاجها أبناءمخلصون للزمن العشوائي.

تظهر مكاسب الموبايل و"إتكلم براحتك" فتفتح عشرات المحلات المتجاورة، تمتص السوق فتغلق جميعا. تفتح محلات المنتجات الصينية الشهيرة بـ"2 ونص" فتمارس كل المبيعات ثم يخرب سوقها. يظهر التوك توك فتشتري كل العائلات تلك الماكينات الهندية ثم تركد، وهكذا مع المقاهي، وهكذا مع محلات الستالايت، وهكذا الأدوات المنزلية: عقل جمعي يتذاكى ويخترع حلولا مؤقتة قبل أن يعود لنقطة صفره الأولى، فيعاود إشعال الحرائق في جيرانه المسيحيين.

لم أكن احتاج إلى زيارة إستعادية لعزبة الصين الشعبية، فأنا لم أخرج منها إلا من سنوات قبل الزواج. خرجت منها بعد حادثة بسيطة جدا. كنت عائدا مع صديق يعمل بجنوب سيناء لفترات طويلة ويشرفني بإجازاته القصية في شقتي التي اشتريتها منذ عودتي من باريس. توقفت لأشتري طعاما أسفل منزلنا. منذ سنوات لم اعد معروفا في المنطقة. المنطقة تزدحم وأنا ابتعد لأدخلها ليلا مسربلا في الظلام. كنت أتخيل ان برجي العاجي في شقة في الدور التاسع لا تُرى مُضاءة إلا في الفجر ويسكنها شخص قليل الكلام، غير مرصودة أو متابَعة. قام شاب في تلك الليلة من أشقياء المنطقة تحت تأثير سيجارة بانجو مضروبة ليستعرض علي بمطواة قرن غزال. جاء يسألني "أنت إبن مين ياد؟". بهت صديقي الذي عمل مرشدا سياحيا. تكهرب الجو وفيما كنت أتلعثم أكمل إهانته وأنا أقف أخرس. حتى هذه اللحظة كانت الرواسب الإيدولوجية ليساريّ محب للفقراء ومنظّر لفلسفة الصعاليك تجعلني إبناً للمنطقة. لم أدر بنفسي إلا وساقاي تجريان نحو المنزل. اصرخ باسم اخي السلفي الشهير زمن شقاوته والذي تماهي منذ زمن مع العزبة. نزل أخي، نزلت أخواتي البنات، نزل ابي، ولفيف من جيران منزلنا، وهجموا على الشاب. جلجل صوت أخي وهو يسب أهالي المنطقة والشارع بفخر فيما يمرمغ كرامة البلطجي ركلا وتعنيفا. الأخير كان يعتذر ويقبّل يد أخي الأصغر. أحسست فجأة بفراغ المشهد، أحسست أني بعيد، ربما خلف الكاميرا أو أمام شاشة عرض. كنت سأموت هكذا بطعنة من تافه في السادسة عشرة، هل تفهمونني، لا اظن!

في زيارتي الأخيرة، لم أمر على منزل العائلة. فبعد وفاة والدي وانحشار كفنه على سلم المنزل الضيق بعد ثلاث ساعات من "تغسيل شرعي" أشرف عليه خمسة من أعضاء الجماعة السلفية هواة "حصد ثواب الموت". وبعد أن اوصلته إلى قبر العائلة في قريته التي خرج منها في الستينات، عرفت أن فطامي قد تم. لكن رغم ذلك تغيرت العزبة، وأصبحت أكثر غربة عن ناسها وأنا أتخفى بكاميرا ديجيتال. قضيت ثلاث ساعات في أرض المنتجات الصينية أبحث عن بطاريات الإنرجيزر كي تدور الكاميرا. في مقهى من مئات المقاهي التي تعمر بالسلفيين المتعطلين وداهني الهواء دوكو، جلست أشاهد انفجار الشوارع بالفتيات المسيحيات بشعورهن المسدلة وقد جحظت عيون "داخلي الجنة بثواب أسلمة المسيحيين". على الجانب الآخر تمشي وجوه الحجاب مجهدة مستغفرة مكفهرة. الهواء يكاد يشتعل، من حرق النفايات المتناثرة على أجمة الشوارع، من أصوات الترانيم المتصاعدة في مواجهة قرآن الحذيفي من محلّين متجاورين. سلطتُ الكاميرا -خوفا من الوجوه- على أسماء المحلات، التقطت ما تيسر من صور فيما عيون ترقبني، وجريت سريعا، سريعا، بل اسرع مما تتوقعون في مثل تلك الحالات.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬