ديالا حيدر

دَرَج العرب على نعت المرأة بالحُرمَة. والحُرمَة في «لسان العرب» هي ما لا يحلّ انتهاكه من ذمّة او حقّ أو صُحبة. أمّا في العُرف الاجتماعي الديني المتوارث الى يومنا في بعض المجتمعات، فالمرأة الحُرمَة، هي بالمعنى نفسه، من لا يحلّ انتهاكها لغير صاحب الحقّ، الذي يباح له ان يفعل بالمرأة ما يشاء بما يشرّعه رجال المجتمع ورجال الدين، حيث لا رأي للمرأة في حقّ من تذهب له ملكيتها.

قد يبدو الكلام هذا ثقيل الوطأة. مناداة المرأة بالحُرمَة في يومنا يستفز الكثير من النساء، نظراً لاختصار الصفة هذه الدور الانساني العام للمرأة في بعده الوظيفي الجنسي التناسلي، واسقاط لهويتها ككائن مستقلّ، باعتبارها نكرة ما لم تعرّف نسبة لرجل ما هي أدنى وأنقص منه قيمة.

الحركة النسوية في لبنان خاضت الكثير من المعارك لتنزع عن المرأة صفة الحُرمَة، ولتقطع مع تاريخ مُثقل باضطهاد واستتباع الجنس الانثوي. الاّ انّ مادتين في قانون العقوبات اللبناني: المادة 522 والمادة 503، على سبيل المثال لا الحصر، كفيلتان بتذكيرنا بأنّنا وعلى الرغم من القفزة الهائلة التي قمنا بها كنساء، لا تزال الثقافة المجتمعية المحميّة والمكرّسة في القانون اللبناني تعامل المرأة كحُرمَة، وبأنّه لا يزال لدينا معارك عديدة قد تكون أشرس من تلك التي سبق وخضناها لنزع هذه الصفة عنّا، أقلّه على المستوى القانوني كبداية، لتثبيت واقع ان المرأة كائن بذاته لا بغيره، وليس العكس.

كيف تشرّع الدولة الاغتصاب؟

نبدأ بالمادة 522 من قانون العقوبات اللبناني التي تنص على التالي: «اذا عقد زواج صحيح بين مرتكب احدى الجرائم الواردة في هذا الفصل (الاغتصاب - اغتصاب القاصر - فض بكّارة مع الوعد بالزواج - الحضّ على الفجور - التحرّش بطفلة - التعدّي الجنسي على شخص ذي نقص جسدي او نفسي...) وبين المُعتدَى عليها أوقفت الملاحقة واذا كان صدر الحكم بالقضية علّق تنفيذ العقاب الذي فرض عليه». أما المادة 503 من قانون العقوبات اللبناني، فتنص على التالي: «من أكره غير زوجه بالعنف وبالتهديد على الجماع عوقب بالأشغال الشاقّة خمس سنوات على الاقل».

ايّ انّه، وبكلام مباشر ومختصر، قانون العقوبات اللبناني، ينص صراحة على تشريع الاغتصاب شريطة وقوعه قبل أو/ و بعد اتمام عقد الزواج: فان وقع قبل الزواج، ألغاهُ عقد الزواج بالضحية (المادة 522). وان وقع بعد الزواج، ألغاهُ عقد الزواج بالضحية (المادة 503).

المادة 522: اسقاط «عار» المغتصب على الضحية

في المادتين السيئتي الذكر تواطؤ ذكوري فاضح على المرأة الضحية. المادة 522 تُسقط جرم الاغتصاب في حال أقدم المُغتصِب على الزواج بالمُغتصَبة. وهو تواطؤ للسلطة الاجتماعية الذكورية مع السلطة السياسية الذكورية المتمثلة بالسلطة القضائية على جسد المرأة، شرطه غسل عار السلطة الاجتماعية المتمثلة برجال العائلة الذين مُسّ «بشرفهم»، مقابل اسقاط الحقّ العام المنوطة حمايته بالسلطة القضائية التي من واجبها (نظرياً) ممارسة حقّ الادّعاء العام. يسقط الجرم ويسقط الادّعاء العام بفعل الصفقة تلك، والمرأة بطبيعة الحال هي خارج الصفقة وان كانت موضوعها.

يترك الاغتصاب المرأة في حالٍ من الصدمة النفسية والعصبية التي قد تولّد داخلها عداء تجاه النفس والمجتمع يستدعي علاجا نفسيا طويل الأمد بهدف اعادة تأهيلها نفسياً واجتماعياً واعادة بناء ثقتها بنفسها وبالآخر. مركز اعادة التأهيل الذي يقدّمه قانون العقوبات اللبناني للمغتصبة هو البيت الزوجي، حيث يضعها مع المغتصب تحت سقف واحد بعد ان يبرئ ذمته بفعل عقد الزواج ويكافئه على جرمه كي يعيد اغتصاب المغتصبة مراراً وتكراراً. وبذلك تكريس لثقافة اعتبار انّ جسد المرأة هو الجسد المُدان وليس فعل المعتدي. انّه قلب واضح للأدوار، واسقاط لعار المغتصِب وعار فعلته على المرأة وجسدها، التي تُرغَم في كثير من الاحيان على ان تخضع لتقاليد اجتماعية قبلية تضغط عليها من اجل ستر «العار الجمعي» للعائلة وتجنّب الفضيحة او حتى القتل تحت مسمّى «جريمة الشرف» (أبقى قانون العقوبات اللبناني على العذر المخفف لما يسمّى «جريمة الشرف» حتى العام الماضي، حيث صوّت المجلس النيابي في 4/8/2011 على الغاء المادة 562 المتعلقة بجرائم «الشرف»). عقد الزواج هنا اصبح عقد بيع وشراء. المرأة المغتصبة هي السلعة المعطوبة التي يسارع مالكوها للتخلص منها بأبخس ثمن كي يُحافظ على كرامة «وشرف» العائلة ومنزلتها الاجتماعية. اتمام عقد البيع هو شرط الصفح عن المغتصب.

المادة 503: الاغتصاب كحقّ مشروع للزوج

أما المادة 503، التي يشكّل فيها الزواج مانعاً دون اعتبار فعل الاغتصاب جريمة، فتنص ضمناً على تشريع الاغتصاب الزوجي. وفي المادة هذه تكريس لاعتبار عقد الزواج صك ملكيّة يمتلك بموجبه الرجل جسد المرأة ليصبح امتداداً لسلطته ولقوامته.

قوامة الرجال على النساء بهذا الاطار هي قوامة سلطوية - جنسية تتمثل في الامتلاك الجنسي. وفعل الاغتصاب بما هو استباحة مطلقة للجسد والكرامة، افضل طريقة لزرع التفوّق والغلبة على جسد المرأة. حيث تتحول العلاقة الحميمة بين المرأة والرجل من علاقة جنسية الى علاقة ضد جنسية: بين غالب ومغلوب، بين سيّد وعبد.

والشهادات المروّعة على مسرح بابل في بيروت في 9 كانون الاول 2011، حيث روت اربع نساء تفاصيل اغتصابهن اليومي من قبل ازواجهن في محاكمة صورية تحاول فيها النساء المعنّفات التماس عدالة الحضور في ظلّ غياب عدالة القانون، خير دليل على ان الاغتصاب هو فعل اذلالي تملّكي اكثر منه فعلاً جنسياً. في شهادة احداهن، روت امرأة كيف انّ زوجها كان يغتصبها بحجّة انّه «دفع حقّها». انها العبودية المقنّعة بالزواج، عبودية جنسية تحوّل المرأة الى ملكيّة لا تمتلك رغبة او قراراً او حقاً في الاختيار.

على الرغم من المأساة القانونية هذه، فالاغتصاب الزوجي لا يزال غير موجود في قاموس بعض النواب اللبنانيين الذين يفضّلون تسميته «اكراه الزوجة بالعنف على الجماع». وقد كشف مشروع قانون حماية المرأة من العنف الاسري، الذي تقدّمت به جمعية «كفى»، وتمّ تشكيل لجنة نيابية لدراسته، عن مقاومة شرسة من قبل بعض النواب (أشدّها كان على موضوع تجريم الاغتصاب الزوجي) تذهب أبعد من حدّ اعتبارها مجرّد تملّقٍ للسلطات الدينية. فالعنف الجندري الممارس على النساء والذي يبلغ مداه الأقصى في فعل الاغتصاب، هو نتيجة التمييز التاريخي الذي تعرّضت له المرأة والذي استخدم ثنائية العنف والخوف كأداة قمعية تبقيها خاضعة للموروث الثقافي الذكوري الذي يشكّل مرجعية قيمية تتمتع بمعظم الاحيان (كما الحال هنا) بحصانة قانونية تكرّسها وتضمن استمرارها (والتي قد تكون اقوى من النص الديني والمرجعيات الدينية). تخطّي هذه المرجعية يشكل تهديدا للدور البطريركي للرجل ولسلطته الاجتماعية والدينية والسياسية والاقتصادية. انها معركة سلطة ونفوذ بالنسبة للمجتمع البطريركي، فيما هي معركة بديهيات وتأكيد للمؤكد بالنسبة للنساء اللواتي يبدو وكأنهن يحاولن اثبات انسانيتهن.

سلطة الدولة تقف عند حدود سلطة الرجل

الدولة حتى الساعة ترفض الاعتراف بالاغتصاب الزوجي كما لم تبادر بعد الى الغاء المادة 522، لانها لا تنظر الى المرأة كمواطنة تحيا في كنفها وتحتمي بقوانينها، فلا تأخذ على عاتقها مسؤولية أمنها وسلامتها مسلّمة أمرها لرجال العائلة، الاوصياء عليها. وبنفس المنطق الذكوري، البيت الزوجي او العائلي هو «حُرمة». وهذا يجعل من العنف الممارس داخل جدرانه «حُرمة» ايضاً، اي انه خارج نفوذ الدولة، اذ تقف سلطة الدولة عند حدود سلطة الرجل. انها الصفقة مجددا التي تبقي المرأة خاضعة لحكم الرجل لا الدولة طالما انها لم تبلغ مستوى المواطنة بل لا زالت هامشية لها من الحقوق ما لايهدّد سلطة الرجل. والامر لا ينحصر بالمادتين الآنف ذكرهما، بل يتعداهما الى مواد اخرى في قانون العقوبات اضافة الى قانون الجنسية وقانون الاحوال الشخصية حيث يبلغ التمييز الجندري أوجه في قضايا الزواج والطلاق والحضانة والتوريث والتبني والقوامة والوكالة الخ.. حيث كُرّست دونية المرأة الاجتماعية وخضوعها للرجل في القوانين اللبنانية.

 تعديل المادتين وسواهما لن يحلّ وحده المشكلة: نحن بحاجة الى تطوّر اخلاقي ثقافي عالمي يقطع مع عمق تاريخي عابر للثقافات موسوم باحتقار المؤنث. ولكن للقوانين قدرة الضبط والمعاقبة والتأسيس لمساواة حقوقية تحمي وتمكّن المرأة من اختراق الجدار الذكوري الذي يحصّن سلطة الهيمنة هذه التي تنطلق من العلاقات الأسرية الخاصة الى الفضاء الاجتماعي العام مؤسِّسة لتراتبية اجتماعية تضع المرأة في أسفل الهرم. من هنا تأتي أهمية تغيير هذه القوانين جذريا والآن.

 




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬